لم تكن السعودية استثناء في مسألة توثيق تاريخها الشفهي، فقد عرفت هذا اللون من النشاط قبل أربعة عقود من خلال قيام أفراد وباحثين بتسجيل ورصد ما تبوح به الذاكرة، ولعل أبرزهم خلال العقدين الماضيين الباحث محمد بن عبد الرزاق القشعمي، المسؤول الثقافي في مكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض.
يقول القشعمي: «إن التاريخ الشفهي يعد من المصادر المهمة لكل أمة تعتني بتاريخها، لما يعطيه من تصور دقيق، لأنه يؤخذ من أفواه المعاصرين، لافتًا إلى أن معظم دول العالم قد اهتمت بالتاريخ الشفهي مؤخرًا بدءًا بالدول الغربية، وفي مقدمتها بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، وقد خصصت مكتبات ومراكز خاصة بجمع التاريخ الشفهي وحفظه وتهيئته للباحثين»، مشيرًا إلى أنه في عام 1940، بدأ تسجيل مقابلات شخصية مع بعض الشخصيات في أميركا.
أما في بريطانيا، فقد بدأ جورج إيوارت إيفانز، بعد الحرب العالمية الثانية، يهتم بهذا الجانب وينشر ما جمعه وسجله من شهادات شفاهية، وقد سمي بـ«التاريخ المحكي»، وأطلق على إيفانز اسم «أبو التاريخ الشفهي ببريطانيا».
وفي عام 1969، برزت إلى الوجود أول مجلة تعنى بالتاريخ الشفهي سميت بـ«حولية التاريخ الشفهي»، تبعها عام 1973 تأسيس جمعية التاريخ الشفهي ببريطانيا. وفي عام 1971، تم تسجيل مقابلات شفهية مع 800 مواطن من مختلف مناطق بريطانيا. وتم إنشاء وحدة أرشيف الوثائق الصوتية التابعة لمحطة هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، وأضحت تلك الوحدة مصدرًا رئيسًا للتاريخ الشفوي تتمتع بحقوق ملكية محفوظة.
وحول بلاده السعودية، ومتى عرفت التاريخ الشفوي، يوضح القشعمي: «عرف التاريخ الشفهي في الوطن العربي منذ بداية منتصف القرن العشرين، ومن خلال أحد علماء التاريخ الذين اهتموا بهذا الجانب. وقد أسس باسم «مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية» بليبيا لتسجيل المعلومات الشفهية. وفي السعودية عُرف هذا اللون قبل نحو 40 عامًا من الآن، حين تولى فريق عمل يتكون من (أ. د. أحمد عبد الرحيم نصر - د. سامي عنقاوي - د. سليمان مالكي - د. أبو بكر باقادر) ومعهم الكثير من الإخباريين والفنيين في مركز أبحاث الحج بتسجيل الكثير من المقابلات زادت على «مائة وخمسين ساعة» عن أوجه الحياة العامة والتأريخ لها من خلال المعمرين والحرفيين وممن لهم علاقة بالحج مثل «الزمازمة - المطوفين - مؤذني وأئمة الحرم – مؤرخي الحج..»، إضافة إلى كل من له علاقة بشكل مباشر أو غير مباشر بالحج. وعند تأسيس جامعة أم القرى بمكة المكرمة انتقل المركز من جامعة الملك عبد العزيز بجدة إليها. ثم بدأ من خلال المهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية) منذ قرابة 30 سنة بزيارات ميدانية للمواقع الأثرية المشهورة، مثل «السدود – الآبار المهمة والقديمة – الكتاتيب» والحرف اليدوية القديمة مثل «التجارة - الحدادة – الدباغة – تركيب الأدوية من الأعشاب – الحجامة – والحلاقة القديمة» وما يدور حولها. وقد تم تسجيل ما يقارب مائتين وخمسين ساعة، وقد استفادوا من إمكانات التلفزيون ومن مواد مسجلة سابقًا أو من ناحية الإخراج والمونتاج وغيره. وقد ساهمت محطات التلفزيون السعودي قبل عشرين سنة بالتسجيل الشفهي مع كبار السن في مختلف مناطق السعودية.
وذكر الباحث أنه قد تم في هذا الصدد التسجيل مع عدد ممن عمل مع الملك عبد العزيز. وقد تم تفريغ تلك المقابلات وضمها في كتاب صدر من المهرجان الوطني للتراث والثقافة. وهو من تأليف عدد من الأساتذة برئاسة الدكتور عبد الرحمن السبيت، باسم «كنت مع عبد العزيز»، تناول ذكريات 18 شخصًا تم التسجيل معهم عام 1407هـ في منازلهم، منهم: جمل بن شري القحطاني، حسن بن غشيان، حمود بن مشيقح، الفريق سعيد العمري، شرفي أبو ساق، عبد الله إبراهيم السليم، عبد الله بالخير، فيصل أبو اثنين، محمد الدغيثر، محمد العبيكان، محمد بن زعير، محمد بن مانع.
ولفت القشعمي إلى أنه قبل نحو ثمانية عشر عامًا أسست دارة الملك عبد العزيز مركز التاريخ الشفهي ضمن إداراتها العلمية، واستعانت بأساتذة التاريخ بالجامعات السعودية، بتسجيل مقابلات مع كبار السن وبالذات مع من لهم علاقة بالملك المؤسس أو شاركوا في معارك أو تولوا مناصب مهمة في عهده.
وحول التاريخ الشفهي ومبادرة مكتبة الملك فهد الوطنية لحفظه وتسجيله، أوضح الباحث القشعمي الذي أطلق هذه المبادرة: «من خلال اضطلاع مكتبة الملك فهد الوطنية بدورها الريادي في حفظ وتسجيل تاريخ المملكة، فقد شرعت المكتبة في هذا النوع من النشاط منذ 21 عامًا بإجراء مقابلات مع عدة أدباء ومثقفين ممن يمثلون الرعيل الأول في المشهد الثقافي السعودي، لافتًا إلى أن أولى المقابلات كانت مع الراحل عبد الكريم الجهيمان في (الاستوديو) بالمكتبة قبل أكثر من 21 عامًا، وشملت المقابلة حديث أولاده وأحفاده ونخب من الكتاب والأكاديميين عنه، وعن المجالات التي عمل بها، كما دعت المكتبة عددًا من الضيوف لزيارة المكتبة والتسجيل معهم، ومن لم يستطع تتم زيارته في منزله أو السفر له إذا كان في منطقة أخرى خارج مقر المكتبة. وقد استمر التسجيل مع الرواد وكبار السن من مختلف فئات المجتمع من رجال الدين إلى الكتاب والأدباء والتجار والفنانين والسفراء ومدراء الجامعات والوزراء وكبار الموظفين، كما تم لهذا الغرض تنظيم زيارات لبعض الضيوف في مناطق السعودية ممن يصعب عليه الحضور للعاصمة».
وأشار الباحث إلى أن هناك قلة كانوا يرفضون أن يتم اللقاء عن طريق «الفيديو»، ولكنهم لم يمانعوا أن يتم بالتسجيل الصوتي فقط. وكشف أنه تم التسجيل خلال أكثر من عشرين عامًا مع ما يقرب من 400 شخصا امتد اللقاء مع بعضهم لأكثر من تسع ساعات في عدة أيام، ولكن المعدل السائد لا يزيد على الثلاث ساعات، وقد رحل أغلب من تمت مقابلتهم إلى الدنيا الآخرة.
وسجل القشعمي وقفات سريعة مع بعض ممن سجل معهم ورحلوا عن الدنيا، ومنهم: عزيز ضياء وقصة نفيه إلى مصر واختياره لإذاعة عموم الهند القسم العربي، وزوجته أسماء زعزوع لإذاعة زاوية المرأة، ومحمد علي خزندالر، وقصة عمله مع ابن سليمان في تحويل منطقة الخرج (وسط السعودية) إلى سلة غذاء وتشجيع الزراعة فيها، ودعوة الملك عبد العزيز لابن سليمان في روضة خريم، ومرافقته الملك عبد العزيز في زيارته لمصر عام 1965.
كما أورد الباحث قصة الجاسر مع الشيخ محمد الطيب الساسي رئيس تحرير جريدة «أم القرى» أثناء الحرب العالمية الثانية.. عندما سأله رأيه بالجريدة، فقال الجاسر:
جريدة صغيرة
تحكي جناح اللقلق
كم قد حوت من
صور وخبر ملفق
فقال الساسي بغضب: أتسب جريدة الحكومة؟ والله، وبالله، وتالله لو لم أكن رئيس تحريرها لقلت صدقت وبالحق نطقت.
وغير ذلك.
القشعمي يرصد تاريخ السعودية الشفهي من أفواه المعاصرين
ذاكرة 400 شخصية تبوح بما لم يقله التاريخ
محمد بن عبد الرزاق القشعمي
القشعمي يرصد تاريخ السعودية الشفهي من أفواه المعاصرين
محمد بن عبد الرزاق القشعمي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

