ماذا لو مات جيمس بوند قتلاً في أي من الحوادث الخطرة التي يمر بها في الفيلم الجديد الذي يخرج هذا الأسبوع إلى العلن تحت عنوان «سبكتر»؟
كالعادة، هناك أكثر من احتمال. الأعداء كثر، سواء منظمة «سبكتر» التي تعود إلى ناصية الأحداث بعد سنوات من اختفائها، أو من مطارديه الذين يريدون التخلص منه تحت أي عذر ممكن وبأي طريقة متاحة. هناك أيضًا الثواني الدقيقة التي تفصله عن الموت أكثر من مرّة وذلك المبنى الذي يقع عليه بالكاد يفلت منه لكن المبنى يتسبب في حفرة كبيرة ولولا تمسك بوند بالحافة لسقط وقضى أمره.
لكن هذه المخاطر ليست أكثر من احتمالات يخرج منها بوند سالمًا بعد كل مشهد خطر. وإن لم يفعل، لسبب ما، فإن الفيلم ينتهي عمليًا مع موته بصرف النظر عن توقيت ذلك الموت في الفيلم. بالتالي، وهذا ليس ممكنًا لأن بوند ماركة عالمية مطلوبة وهناك عشرات ملايين المشاهدين الذين ينتظرون عودته إثر كل حلقة من حلقات مغامراته. في السينما ممنوع ذبح «الوزّة» التي تضع بيضًا من الذهب.
بطل شبه واقعي
على ذلك، ومع عودة بوند في الفيلم الجديد، تعاود السينما توظيف قدراتها الخيالية والتقنية في خدمة أسطورة الجاسوس الأكثر نجاحًا في العالم وعلى أكثر من صعيد: ينجح في أن يفلت من الموت في كل مرّة داخل كل فيلم، ثم في كل فيلم على حدة. ينجح في أن يتبوأ الصدارة بين شخصيات الأفلام الجاسوسية الأخرى بالنسبة للإيرادات. ينجح في أن يقدّم، في السنوات الخمس الأخيرة، مضمونًا يتجاوز الصراع الدائر مباشرة بين الخير والشر ليدخل مناطق رمادية مختلفة، ثم ينجح في أنه قلما يخيب أمل المشاهدين لأن واحدًا من أولويات صناعته هي التمهيد لمغامرة أخرى.
وما يميّـز الشخصية حاليًا، أي في أعقاب قيام دانيال كريغ، سنة 2006. بتسلم المهمّـة عن بيرس بروسنان الذي كان آخر مهمّـة بوندية مستحيلة له وردت سنة 2002 عبر فيلم «مت في يوم آخر»، هي أن صانعي بوند وبينهم المخرج سام منديز الذي يعود للمرّة الثانية والكتاب (جون لوغان، نيل برفيز وروبرت وايد) كما المنتجَـان (باربرا بروكولي ومايكل ج. ولسون) حريصون على عدم تقديم بطلهم بمزايا خارقة للعادة.
إنه ليس سوبرمان يطير في الأجواء عبر الكواكب، وليس سبايدر مان لديه قدرة على إيقاف القطارات بخيوطه العنكبوتية، ولا آيرون مان ببذلته الفولاذية التي تستطيع أن تقاوم كل الأسلحة فوق وتحت البنفسجية أو ما تجاوزها.
بوند، كما ينجح دانيال كريغ في التعبير عنه، رجل قدماه على الأرض. نعم، لديه مهارات ليست متوفرة لنا، لكنها مهارات غير خارقة للعادة إلا في حدود المتعارف عليه من تدخل التوقيت المناسب ممتزجًا بالحرفة والحظ القدري ذاته. لو لم يبدأ الركض في الثانية المحددة لسقط المبنى عليه. لو لم يبادر بإصابة عدوّه لأصيب هو ومات. لو لم ينتبه للخطة المعدّة في لحظة معينة لاغتياله لسقط صريعًا.
هذه المهارات والدخول والخروج من المجابهات بنجاح تعتمد على الفرضيات الضرورية في حين أن الأمر كان يتطلب أكثر بكثير من مجرد تفادي المخاطر البدنية عندما كانت السلسلة ما زالت في عقديها الأول والثاني أيام شون كونيري وروجر مور وتيموثي دالتون. بوند أيامها كان أقرب إلى «السوبر هيرو» من أي بطل آخر واعتماده لم يكن فقط على مهارته، بل على كل تلك الآلات التي زوّد بها بحيث يستطيع النجاة من الموت وهو يسقط من الطائرة من دون مظلّـة، أو يتجنب الغرق عندما تقع سيارته في البحر عبر تحويلها إلى غوّاصة.
* شخصيات منافسة
لكن بينما بوند الجديد في «كازينو رويال» (أخرجه مارتن كامبل، 2006) و«كم الأسى» (مارك فوستر، 2008) ثم «سكايفول» (سام منديز، 2012) وهي الأفلام التي أدى فيها كريغ الدور حتى الآن (وينتظره، حسب العقد المبرم، فيلم واحد لاحق)، أكثر التصاقًا بالواقع من دون أن يخون المنشود الجماهيري من مشاهد الخطر والتشويق، يجد نفسه يقترب من أهم ما يميّـز الجواسيس الآخرين العاملين في سينما اليوم وهو قابلية تصديق شخصياتهم وليس أحداثهم.
في الأصل وضع إيان فليمنغ، لمن يحب العودة لقراءة أعماله التي تم تحويلها إلى السينما، متأثرًا بروايات غراهام غرين الجاسوسية وأعمال رايموند تشاندلر وإريك أمبلر البوليسية. لكنه خرج عن الخط الأدبي (والواقعي إلى حد) عبر حشد عالم بطله بوند بالمخاطر المكشوفة. رواياته من «دكتور نو» إلى «ماس للأبد»، مرورًا بـ«ثندربول» و«غولدفينغر» و«من روسيا مع الحب» وسواها، تجاوزت فن التنصّـت وخطر نقل الوثائق والدخول والخروج من مراكز القرار بالمعلومات أو خطر اكتشاف العدو هوية الجاسوس، إلى منحه مغامرات مضخّـمة جذبت السينما إليها وعمدت إلى مزيد من التضخيم لكي تناسب المقام.
هذا في الوقت الذي عمدت فيه أفلام مسلسلة أخرى لجواسيس آخرين، مثل شخصية جاك رايان التي لعبها أليك بولدوين ثم هاريسون فورد وبن أفلك في أربع حلقات سينمائية، إلى إبقاء الأحداث ضمن الممكن. بولدوين في أول السلسلة (عبر فيلم «صيد أكتوبر الأحمر»، 1990) وبن أفلك في آخر أفلام السلسلة حتى الآن (في «مجموع كل المخاوف»، 2002) أمّـنا نطاقًا أكبر من الواقعية بينما استند هاريسون فورد بعض الشيء إلى شخصيته السابقة (في سلسلة «إنديانا جونز») عندما قام ببطولة «ألعاب وطنية» (1992) و«خطر واضح وحاضر» (1994).
شخصية بورن، التي أدّاها مات دايمون، في سلسلة أخرى لعبت على المجابهة بين هذا الجاسوس الذي فقد ذاكرته القريبة وبين الوكالة الاستخبارية التي وظّـفته. ومع أن دامون - بفضل إخراج تشويقي متين من بول غرينغراس - تعرض لمخاطر ومطاردات مختلفة إلا أنه حافظ على شخصية الرجل الذي لا يتغلب على أعدائه إلا بالفطنة والمهارة التي يتمتع بها جيمس بوند.
فقط شخصية إيثان هانت التي قادها توم كروز إلى الشاشة خمس مرات إلى الآن في سلسلة «المهمّـة: مستحيلة» هي التي أرادت محاكاة أفلام بوند في كافة شؤونها بما في ذلك مشاهد الخطر الكلاسيكية القريبة مما كانت أفلام بوند الأولى توفرها لمشاهديها.
لكن هذه الشخصيات وأفلامها جميعًا ما زالت ضروبًا في المغامرات تختلف عن أفلام تجسس لا تحتفي بالمغامرة بل بالحكاية ذاتها وبتواضع جم، قياسًا، من بينها، على سبيل المثال: «الجاسوس الذي أتى من الصقيع» لمارتن رت (1965) مرورًا بـ«خمسة أصابع» لجوزف مانكوفيتز (1952) و«وزارة الخوف» لفريتز لانغ (1944) وأفلام ألفرد هيتشكوك في الثلاثينات والأربعينات والخمسينات.
بوند الجديد يعرض وجهًا لوجه أمام فيلم جاسوسي آخر هو «جسر الجواسيس» المنتمي إلى التوجه الكلاسيكي في الحكاية ومساحاتها الواقعية ومن المثير ترقب المبارزة بينهما.
جيمس بوند يعود للمرة الرابعة والعشرين
أشهر جواسيس الخيال في مقابل جواسيس أكثر واقعية
دانيال كريغ في «سبكتر»
جيمس بوند يعود للمرة الرابعة والعشرين
دانيال كريغ في «سبكتر»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

