علي السلمي لـ«الشرق الأوسط»: تأجيل الانتخابات أكثر من مرة أفقدها «الزخم»

نائب رئيس الوزراء المصري الأسبق: الحديث عن حسم الدولة للانتخابات عبر دعم قائمة «في حب مصر» غير مبرر

علي السلمي ({الشرق الأوسط})
علي السلمي ({الشرق الأوسط})
TT

علي السلمي لـ«الشرق الأوسط»: تأجيل الانتخابات أكثر من مرة أفقدها «الزخم»

علي السلمي ({الشرق الأوسط})
علي السلمي ({الشرق الأوسط})

شن الدكتور علي السلمي، نائب رئيس الوزراء المصري الأسبق، هجوما عنيفا على السلطة الحالية، مؤكدا أن تأجيل انتخابات البرلمان أكثر من مرة أفقد المصريين حماس المشاركة والزخم لاستكمال خريطة طريق المستقبل التي تم التوافق عليها عقب رحيل الإخوان عن الحكم، مضيفا في حوار مع «الشرق الأوسط» أن أداء حكومة رئيس الوزراء الحالي شريف إسماعيل لا يختلف عن أداء الحكومة السابقة، فهي تعمل «(يوم بيوم) وليس لديها خطة مستقبلية.. وإن كانت تتحدث عن خطط فأين هي؟».
وقال السلمي، الذي كان نائبا لرئيس الوزراء في أول حكومة تم تشكيلها بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير (كانون الثاني) 2011 برئاسة الدكتور عصام شرف، إن «المواطن المصري يعرف أن مجلس النواب المقبل لا يملك «عصا سحرية» لتحقيق طموحاته، وأنه مجرد (مكلمة)، لذا أحجم عن المشاركة في الجولة الأولى من الانتخابات المصرية».
ويخشى السلمي أن تلقى الجولة الثانية من الانتخابات المقرر لها يومي 22 و23 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل نفس مصير الجولة الأولى من حيث ضعف المشاركة، مؤكدا أن حزب النور «السلفي» مارس ما فعله الإخوان في انتخابات عام 2012 من حيث الرشى الانتخابية وخلط الدين بالسياسة، وأن مقاطعة المصريين الشرفاء عن المشاركة في الاقتراع خلال الجولة الثانية سوف يمنح الفرصة لـ«مرشح الإخوان على قوائم حزب النور» للمرور إلى البرلمان.. وإلى أهم ما جاء في الحوار:
* ما تفسيرك لضعف الإقبال من المصريين على الجولة الأولى لانتخابات البرلمان؟
- هناك ثلاثة أسباب أدت إلى الصورة التي وجدنا عليها الانتخابات من الإقبال الضعيف، الأول يرجع إلى طول الفترة منذ الإعلان عن موعد الانتخابات، وكان من المفترض أن تجري في مارس (آذار) الماضي وصدر حكم محكمة القضاء الإداري بوقفها، ووجه الرئيس عبد الفتاح السيسي أن يتم تعديل القوانين في خلال شهر.. وللأسف الحكومة السابقة واللجنة المشرفة على الانتخابات عدلت القوانين في أربعة أشهر، فحماس المصريين ولى والزخم لاستكمال خريطة الطريق التي تم التوافق عليها بعد عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي تلاشى، فضلا عن تضارب التصريحات الحكومية حول موعد الاقتراع طوال الأشهر الماضية حتى حسمها الرئيس بأن مجلس النواب سيجتمع قبل نهاية العام.
وثاني الأسباب أن البعض أشاع أن الدستور المصري يمنح صلاحيات أكثر لمجلس النواب عن حساب صلاحيات الرئيس، وروجوا للفكرة عندما قال الرئيس السيسي في أحد اللقاءات مع شباب الجامعات: «إن الدستور كتب بالنوايا الحسنة».. ورغم تراجع الرئيس عن أنه لم يقصد تعديل الدستور في قوله السابق، فإن مجموعة الإعلاميين المنتفعين وبعض القوى والتيارات روجوا لذلك بشدة، فشعر المواطن أن أول قرار سوف يتخذه مجلس النواب عقب انعقاده هو تعديل الدستور، الذي استفتى عليه الشعب المصري بأغلبية ساحقة، ولذا رفضوا المجلس ولم يشاركوا فيه، إضافة إلى السببين السابقين التراخي في الأحزاب والخلافات بين التيارات السياسية حول نسبتها في القوائم.. فوصلت صورة إلى الناخب المصري بأن هذه الأحزاب لا تؤتمن وليست حريصة على أن تتقدم مصر، فضلا عن غياب المرشح الحزبي عن الوجود في الشارع لتعريف المواطن بالانتخابات ودورها في تنمية مصر.. كل هذا قلل الاهتمام بالانتخابات.
* في تصورك.. هل كان هناك تعمد إهمال في عدم تعريف الناخب بماذا يفعله داخل مقار اللجان؟
- بالفعل حدث قصور في المعلومات عن المرشحين في أغلب الدوائر وهم في الأصل غير معروفين بالمرة وغير معروف توجهاتهم وانتماءاتهم الحزبية، فضلا عن طريقة التصويت كانت صعبة على الناخب.
* في توقعك.. هل الجولة الثانية ستجد نفس مصر الأولى؟
- هناك توقع أن النسبة سوف تتحسن في الجولة الثانية.. فالنسبة الأولية التي خرجت حتى الآن لحجم المشاركة في الجولة الأولى 20 في المائة، وإن كنت أشك في هذه النسبة، لكن الحقيقة أن الإقبال على فكرة الانتخابات كان ضعيفا ولا يقارن بانتخابات الرئاسة أو الاستفتاء على الدستور التي جرى في مطلع عام 2014.
* ما المفروض على الدولة المصرية أن تفعله في المرحلة الثانية لتفادي ما حدث خلال الجولة الأولى؟
- الدولة ليس عليها دور في هذا الشأن.. والمفترض أن تكون على الحياد، لكن على الأحزاب والمرشحين المستقلين والقوائم دور في ذلك، بالوجود بين المصريين وتوضيح آرائهم كتيار مدني ضد أصحاب التيار الإسلامي المتشدد، لكن للأسف هناك غيبة كاملة لبرامج الأحزاب بين المصريين بشكل حقيقي، وعلى رؤساء الأحزاب دور كبير في استغلال الفترة الباقية على الجولة الثانية ليكثفوا من وجودهم.
* البعض ردد أن تشكيل البرلمان محسوم لصالح قائمة «في حب مصر» لذا قاطع.. ما تعليقك؟
- هذا التصور غير مبرر لعدم المشاركة والمقاطعة.. ولو افترضا أن هذه القائمة فازت في الدوائر الأربع المرشحة عليهم، وإن كنت أشك في ذلك، فسوف تحصل على 120 مقعدا وعدد مقاعد البرلمان 564 إلى جانب المعينين من قبل الرئيس السيسي، وهذه المقاعد لا تمثل أغلبية.. فحسم الحكومة الانتخابات بدعم قائمة كلام غير صحيح.. وللأسف عامة المصريين فهموا هذا الكلام ورددوه ولذلك قاطعوا التصويت، لكن الحقيقة أن المواطن المصري يرى أنه رغم أهمية هذا البرلمان وخطورته في رسم مستقبل مصر، لا الدولة ولا الأحزاب ولا القوى المدنية قامت بدورها في ذلك لإنجاح هذا البرلمان، عكس ما قاموا به خلال انتخابات الرئاسة والاستفتاء على الدستور.
* هل لعب نواب حزب حسني مبارك السابقون دورا في الإحجام عن المشاركة، خوفا من عودتهم إلى المشهد وهم من قامت ضدهم ثورة «25 يناير»؟
- لو افترضنا أن هناك 100 من رموز الحزب الوطني (المنحل) ترشحوا وفازوا ودخلوا البرلمان.. فالعبرة بالأغلبية الباقية في مجلس النواب الذي من المفترض أن يقود البلاد عقب ثورتين، لكن للأسف الشديد أغلب المرشحين ليسوا على المستوى الذي يأمل منه مجلس قوي.
* ما توقعاتك بشكل البرلمان بعد النتائج الأولية التي ظهرت خلال الجولة الأولى؟
- الواضح تصدر المرشحين المستقلين في الدوائر الفردية، فالحزب الوحيد الذي نشر مرشحيه في كل الدوائر «حزب المصريين الأحرار» وباقي الأحزاب نشرت للأسف «عينات».. وما يسمى بالمرشح المستقل له الأولوية، خصوصا إذا كان مستقلا فعلا ولا يتبع جماعة الإخوان المسلمين.
* هل تقصد أن هناك عناصر للإخوان مرشحة في الفردي كمستقلين أو عن بعض الأحزاب؟
- احتمال كبير جدا.
* هل تعني بهذه الأحزاب «النور السلفي» ممثل تيار الإسلام السياسي الوحيد في الانتخابات؟
- «النور» لديه مرشحون ينتمون إلى الإخوان مترشحون عنه كمستقلين وليسوا في قوائمه، فهو يريد أن يحل محل جماعة الإخوان الإرهابية في مصر.
* تم ضبط عناصر من «النور» تقدم فعلا رشى انتخابية أمام اللجان.. ما رأيك؟
- كل ما قام به الإخوان خلال انتخابات عام 2012 التي حصلوا بها على الأغلبية مارسه «النور» خلال الجولة الأولى من الرشى الانتخابية واستخدام الدين في السياسة واستغلال احتياج المصريين البسطاء في القرى الفقيرة.
* هل تتوقع حصول النور على 25 في المائة مثل البرلمان السابق؟
- أخشى ذلك.. نتيجة عدم إقبال المواطنين الشرفاء على صناديق الاقتراع.. الساحة تخلو لهم بِرِشَاهُم وفتاواهم الدينية خلال الجولة الثانية في أماكن نفوذهم، خصوصا في القاهرة.
* في تصورك.. هل ساهم الوضع الاقتصادي في البلاد الآن في إحجام الناخبين عن المشاركة في الاقتراع؟
- المواطن العادي لم يشعر بأي تحسن في حياته.. الأمر الذي سبب له إحباطا وعدم اعتناء بالمشاركة في الانتخابات.. والمواطن يعرف أن مجلس النواب الجديد لا يملك «عصا سحرية» لتحقيق طموحاته في تحسين المعيشة ويرى البرلمان «مجرد مكلمة» لن يفيده في شيء.. فالمواطن يعرف أن الحكومة الحالية والسابقة عجزتا عن حل مشكلات الأسعار.. فماذا يستطيع مجلس النواب أن يفعل؟!
* كيف تقيم أداء الحكومة الحالية؟
- أداء الحكومة الحالية لا يختلف عن السابقة (حكومة إبراهيم محلب) والأسبق (حكومة حازم الببلاوي)، لا يوجد لديها توجه معروف.. «بنعمل يوم بيوم»، وليس هناك خطة معلنة في أي مجال في المستقبل، وإن كانت تردد أن هناك خططا فأين هي؟
* لكن الرئيس السيسي قال إن هذه الحكومة ستكون مكملة مع مجلس النواب المقبل.
- لا بأس.. الرئيس أعاد تكليف الحكومة خلال كلمته في الاحتفال بالذكرى الـ42 لحرب أكتوبر، عندما قال: «إنه لا يتعين على الحكومة الحالية أن تقدم استقالتها مباشرة فور انتخاب البرلمان»، لكن المهم أن رئيس الوزراء يقدم حكومة جديدة وبرنامجه إلى البرلمان لإبداء الرأي حياله، ولكي يحصل على ثقة الأعضاء، لكن ليس معنى أن الرئيس قال إن «الحكومة مستمرة» أنها مكملة، فمن الممكن أن يرفضها المجلس أو يعترض المجلس على برنامجها وتشكيل بعض الوزراء.



«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
TT

«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)

استضافت قبرص، الجمعة، اجتماعاً «عربياً - أوروبياً» تشاورياً، وسط توترات تشهدها المنطقة، ومخاوف من تجدد الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة التي تسببت في أزمة اقتصادية عالمية منذ اندلاعها نهاية فبراير (شباط) الماضي، وهدأت مع هدنة بدأت في الثامن من أبريل (نيسان) الحالي.

ويُعدّ هذا الاجتماع العربي - الأوروبي «جديداً من نوعه، فرضته تطورات المنطقة بحثاً عن توافق أكبر ضد أزمات المنطقة بين دول متضررة وذات تأثير»، وفق سفير مصر الأسبق لدى الاتحاد الأوروبي، رؤوف سعد، في حديثه لـ«الشرق الأوسط».

وحسب «الرئاسة المصرية»، فقد شارك في الاجتماع الذي انعقد في العاصمة القبرصية نيقوسيا، عدد من قادة الدول العربية، وقادة دول الاتحاد الأوروبي، ورئيس المجلس الأوروبي، ورئيسة المفوضية الأوروبية.

وأوضح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، السفير محمد الشناوي، أن الاجتماع شهد تباحثاً بين زعماء الدول العربية والأوروبية، ومسؤولي الاتحاد الأوروبي حول المستجدات والتطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وسبل خفض التصعيد الراهن، واستعادة السلم والاستقرار الإقليميين والدوليين.

الرئيس المصري ونظيره الفرنسي خلال المشاركة في القمة العربية - الأوروبية (الرئاسة المصرية)

ويرى رؤوف سعد، أن هذا الاجتماع التشاوري بين قادة عدد من الدول العربية ودول ومؤسسة الاتحاد الأوروبي «يُعد تجمعاً جديداً من نوعه، يهدف بشكل أساسي إلى حماية مصالح الأطراف كافّة، سواء الأوروبية أو العربية أو منطقة الشرق الأوسط ككل، في ظل التطورات الجيوسياسية الراهنة».

وأوضح سعد أن هذا الاجتماع «تفرضه تداعيات مستمرة، وحالة من الحذر والتخوف الشديد من اتساع نطاق الحرب»، مؤكداً أن «الحرب في غزة، وما تبعها من تصعيد في إيران، وسعت نطاق الأخطار لتتجاوز المنطقة، وتؤثر على العالم أجمع».

توافق أكبر

يرى سعد أن الهدف من هذا التجمع «هو الوصول إلى توافق مشترك أكبر لمواجهة أزمات المنطقة، وكيفية اتخاذ جهود مشتركة لتنسيق المواقف في هذا التوقيت الخطير، الذي قد يشهد تجدد الحرب، مما يصعب السيطرة على آثارها إن لم يتم وقف الحرب».

وأوضح سعد أن قبرص، التي استضافت الاجتماع رغم صغر حجمها الجغرافي، تؤدي دوراً يتجاوز هذا الحجم بفضل تاريخ علاقاتها مع الشرق الأوسط، وانخراطها في التجمع المعني بالغاز في شرق المتوسط، مما يجعلها مدخلاً مهماً للمصالح المشتركة وتعزيز التشاور.

وأبرز الشناوي أن السيسي شدد في كلمته على أن «الأزمات التي تشهدها منطقتنا لا تقف عند حدودها، بل تمتد تداعياتها لتطول الجميع، وفي المقدمة القارة الأوروبية التي تُعدّ من أكثر الأطراف تأثراً بهذه التطورات».

كما أوضح أن ثوابت الموقف المصري «واضحة لا لبس فيها، وفي مقدمتها التأكيد أن المسار السياسي يظل السبيل الوحيد المقبول للخروج من الوضع الراهن، وتحقيق الاستقرار المستدام»، مشدداً على ضرورة الالتزام التام بحرية الملاحة، وأهمية تأمين الممرات الملاحية الدولية، بوصفها قاعدة راسخة ومستقرة في القانون الدولي.

وخلال الاجتماع أكد السيسي أنه «يتعين أن تتسم أي اتفاقيات يتم التوصل إليها بالإنصاف والتوازن، وأن تراعي شواغل كل طرف، وبصفة خاصة الطرف العربي، وهذا ينسحب على الملف الإيراني والملفَين السوري واللبناني». وشدد على «الأهمية البالغة أن يهتم أي اتفاق يتعلق بإيران بالشواغل الأمنية لدول الخليج العربي».

كما لفت السيسي إلى أهمية عدم السماح لأي طرف باستغلال الظرف الإقليمي والإقدام على إجراءات تقوّض أفق السلام، والتعايش بين الشعبَين الفلسطيني والإسرائيلي على أساس حل الدولتَين. وطالب الاتحاد الأوروبي ودوله بمواصلة دعم القضية الفلسطينية، وعدم السماح بتراجعها على سلم الأولويات.

دعم أوروبي منتظر

يأتي الاجتماع التشاوري وسط أزمة اقتصادية عالمية تتأثر بها مصر، وكانت القاهرة قد دعت الاتحاد الأوروبي في مارس (آذار) الماضي خلال ذروة حرب إيران، إلى سرعة صرف شريحة دعم مالي بقيمة 4 مليارات يورو، أقرها البرلمان الأوروبي قبل عام.

تأكيدات مصرية على ضرورة مراعاة أي اتفاقيات بين واشنطن وطهران الشواغل العربية (الرئاسة المصرية)

واتخذت مصر بعد حرب إيران قرارات اقتصادية، غلب عليها التقشف، مع زيادة في أسعار الوقود والمواصلات والقطارات والمترو الرئيسي في البلاد.

وشدد السفير رؤوف سعد على أن الاتحاد الأوروبي تربطه بالشرق الأوسط سياسة الجوار التي تمثّل معياراً استراتيجياً أساسياً، حيث يربطهما البحر المتوسط، مما يجعل المشكلات قابلة للتبادل والتأثير المتبادل، مبرزاً أن ما يحدث في المنطقة يؤثر مباشرة على الأمن والاقتصاد هناك، خصوصاً مع الخوف الأوروبي الشديد من خروج الأمور عن السيطرة بسبب غلق مضيق هرمز.

ولفت سعد إلى أن دولاً كبرى، مثل بريطانيا وألمانيا، غير راضية عن الحرب التي يرى معظم الخبراء والدول أنها كانت بلا داعٍ، وأن الولايات المتحدة دفعت إليها لخدمة أجندة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، متوقعاً أن يكون هناك دعم أوروبي لمصر والدول العربية.


«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

برز ملف إعادة إعمار قطاع غزة على طاولة محادثات مصرية مع أطراف دولية مختلفة خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع جمود في خطوات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وحديث سابق بشأن أزمات تمويلية يواجهها «مجلس السلام» بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تم نفيها بعد ذلك، لكن من دون أن يترتب على ذلك قرارات ملموسة تشي بالتحرك نحو التعافي المبكر على أقل تقدير.

وبحسب خبراء مصريين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن القاهرة تعمل على دفع هذا الملف؛ سواء من خلال إيجاد مسارات موازية لخطة «مجلس السلام» نحو إعادة الإعمار، أو بما يؤدي إلى تحريك الجمود القائم بشأن مراحل وقف إطلاق النار في القطاع، وبما يحافظ على فاعلية الاتفاق في ظل اهتمام الأطراف المعنية بتطورات «الحرب الإيرانية».

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، قبل أيام المبعوث الياباني لملف إعادة بناء ومساعدات غزة أوكوبو تاكيشي، وتناول معه «مسار جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، في ظل التصعيد الإقليمي الراهن».

بحسب المتحدث باسم «الخارجية المصرية» السفير تميم خلاف، فإن «عبد العاطي استعرض رؤية مصر إزاء ضرورة الإسراع بجهود التعافي المبكر من خلال تنفيذ مشروعات عملية ذات أثر مباشر وسريع على حياة المواطنين الفلسطينيين، بما في ذلك توفير الأدوية، ومستلزمات البناء، ومحطات تحلية المياه، ومحطات توليد الطاقة المتنقلة، وأشكال السكن المؤقت اللائق، أخذاً في الاعتبار الحقائق القائمة على الأرض واحتياجات السكان الفعلية».

ملف الإعمار كان حاضراً أيضاً خلال زيارة وزير الخارجية المصري إلى واشنطن في منتصف الشهر الحالي، وتطرق في اجتماعه مع المدير القُطري للضفة الغربية وقطاع غزة ومنطقة الشرق الأوسط بمجموعة البنك الدولي ستيفان إمبلاد، إلى «تعزيز التعاون المشترك لدعم جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار في قطاع غزة».

وتطلع عبد العاطي إلى دور مهم لـ«البنك الدولي» لضمان تحقيق ظروف معيشية كريمة ومستدامة للشعب الفلسطيني ارتباطاً بخبراته الطويلة والمتراكمة في مجال إعادة الإعمار والبناء، وشدد على أهمية تنفيذ المشروعات والأنشطة الأكثر احتياجاً في هذه المرحلة لتحقيق التعافي المبكر، معرباً عن «استعداد مصر للتعاون الكامل مع (مجلس السلام) و(البنك) في هذا الصدد».

محادثات مصرية - يابانية لتسريع خطوات التعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة (الخارجية المصرية)

عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير أشرف حربي، أشار إلى أن إعادة ملف «الإعمار» إلى الطاولة مجدداً تستهدف إيجاد مسارات موازية لخطوات «مجلس السلام» التي لم تبدأ بعد في هذا الإطار، مشيراً إلى أن القاهرة تعَوّل على مؤسسات دولية وأوروبية يمكن أن تدفع عملية التعافي المبكر.

وأوضح حربي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر في المقابل تستهدف أيضاً أن تكسر جمود وقف إطلاق النار، وتعمل بشكل مستمر على أن يكون هناك حراك في ملف القضية الفلسطينية و«اتفاق غزة»؛ خشية من الجمود الكامل مع اهتمام الأطراف الدولية بالحرب الإيرانية.

وشهدت القاهرة خلال الأسابيع الماضية اجتماعات بين حركة «حماس» والممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، تركزت بشكل أكبر على مسألة نزع سلاح «حماس»، لكن دون أن تصل إلى تفاهمات، فيما تحدث ملادينوف عن «أن الوصول إلى ترتيبات تُرضي جميع الأطراف سيستغرق بعض الوقت».

وكانت وكالة «رويترز» تحدثت في تقرير نشرته مطلع أبريل (نيسان) الحالي، عن «أن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من مبلغ يبلغ 17 مليار دولار الذي تم التعهد به لغزة، مما يمنع ترمب من المضي قدماً في خطته لمستقبل القطاع الفلسطيني المدمر».

لكن «مجلس السلام» سارع في التأكيد «أنه لا يواجه أي عراقيل بشأن التمويل، وأن جميع الطلبات تمت تلبيتها (على الفور وبشكل كامل)»، مشيراً إلى أنه يركز بالأساس على «تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة واستعادة الحوكمة، وتوسيع نطاق المساعدات».

وقبل أيام من اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، استضافت واشنطن الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» تعهدت خلاله دول بتقديم مليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة وإدارتها، عقب دمار واسع لحق بالقطاع على مدار عامين من الحرب.

وتقوم الخطة على إعادة إعمار القطاع على نطاق واسع، بالتوازي مع نزع سلاح حركة «حماس»، وانسحاب القوات الإسرائيلية، تمهيداً لتسليم الإدارة إلى لجنة وطنية فلسطينية.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية والخبير في الشأن الإسرائيلي، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن القاهرة تبذل جهوداً مضاعفة لتجاوز العقبات الإسرائيلية أمام «مجلس السلام»، وتؤدي بالتبعية إلى عدم تسلم «لجنة التكنوقراط» مهام عملها بعد في قطاع غزة، وتعرقل كذلك تشكيل «قوة الاستقرار» وآليات عملها، وهي خطوات ترتبط بإعادة الإعمار والتعافي المبكر.

وأكد أنور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن عدم تنفيذ بنود وقف إطلاق النار في غزة تتعلق أيضاً ببند توفير التمويل الخاص للإعمار والتعافي المبكر والتنمية المستدامة في القطاع، فيما تعمل القاهرة على إيجاد أرضية وانطلاقة فعلية على الأرض تساعد في زيادة الدعم الإغاثي والتنموي من خلال «البنك الدولي» أو الوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا»، بما يسهم في بث الأمل بنفوس الفلسطينيين الذين يعيشون واقعاً أليماً.

وترى القاهرة أن تعثر المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من 55 في المائة من كامل أراضي قطاع غزة فقط، والأنظار الملتفتة إلى حرب إيران وما تسفر عنه من تداعيات اقتصادية وسياسية واحتمالات العودة للقتال مرة أخرى، عوامل تؤثر في المشهد الفلسطيني، وتحتاج إلى تحركات مكثفة في اتجاهات مختلفة، وفقاً لأنور.

وتُقدّر مؤسسات دولية كلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، بعدما دُمّر الجزء الأكبر من البنية التحتية والمباني خلال الحرب، ما يجعل مستقبل القطاع رهناً بتوافر التمويل والتوافق السياسي بين الأطراف المعنية كافة.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، أن إعادة إعمار وتأهيل النظام الصحي في قطاع غزة تتطلب استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار على مدى 5 سنوات تشمل إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الطبية، وتلبية الاحتياجات الصحية المتزايدة، مع تضرر 1800 منشأة صحية كلياً أو جزئياً.


مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
TT

مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)

تحوَّل مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» في اليمن إلى نموذج للتدخل المزدوج، بتوفير فرص عمل، ومساعدة المزارعين في مواجهة انعدام الأمن الغذائي من جهة، وتنمية زراعة البن بوصفه محصولاً تراثياً واستراتيجياً.

ونجح مشروع ينفِّذه «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» في محافظة تعز (جنوب غربي البلاد)، بتمويل من البنك الدولي، في خلق فرص عمل مباشرة لأكثر من 43 ألف شخص، بينهم 4 آلاف امرأة، عبر 1.3 مليون يوم عمل، وتوفير 200 ألف متر مكعب من المياه داخل خزانات مستحدثة، وتحسين 8351 هكتاراً من الأراضي.

ومكَّن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» الذي ينفِّذه، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، بتمويل من البنك الدولي، 17 ألف مزارع من استعادة القدرة على استغلال أراضيهم بكفاءة، إلى جانب دعم المزارعين في مناطق إنتاج القهوة، خصوصاً في محافظة تعز، من خلال إنشاء بنية تحتية مائية تقلل من أثر تراجع الأمطار.

يركِّز المشروع، بحسب تقرير صادر عن البرنامج الأممي، على إنشاء خزانات لتجميع مياه الأمطار، تُستخدَم خلال فترات الجفاف؛ لضمان استمرارية الري، وفي مديرية صبر الموادم، جرى إنشاء خزانين بسعة 400 متر مكعب لكل منهما.

يمنية تعرض عيّنة من محصول البن الذي أنتجته مزرعتها (الأمم المتحدة)

وطبقاً لبيانات المشروع، فإنَّ المزارعين الذين تمكَّنوا من الوصول إلى هذه الموارد سجَّلوا تحسناً ملحوظاً في إنتاجهم خلال الموسم الأخير، مقارنة بغيرهم ممَّن ظلوا يعتمدون على الأمطار غير المنتظمة.

يستند المشروع إلى تمويل تقديري يبلغ 64 مليون دولار أميركي، وتغطي تدخلاته 47 مديرية في عدد من المحافظات اليمنية، خصوصاً المناطق الأكثر هشاشة زراعياً، ومن المقرر أن تستمر أعماله حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

تحسين البنية التحتية

ويأتي المشروع بتمويل من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، ويُنفَّذ ضمن شراكة يقودها «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، إلى جانب «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي»، ضمن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن».

خزان مياه بناه مشروع أممي لمساعدة المزارعين في تعز على استدامة الإنتاج (الأمم المتحدة)

ويركز «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» على تطوير البنية التحتية الزراعية، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة التغيُّرات المناخية، بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة.

يقول سعيد الشرجبي، المهندس الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ زراعة البن في اليمن بحاجة إلى حزمة من الإجراءات الخاصة بالبنية التحتية، مثل ربط مناطق الإنتاج بشبكة من الطرق الرئيسية والفرعية والطرق الزراعية لتقليل تكاليف النقل، إضافة إلى الاستفادة منها فيما تُعرَف بالسياحة البيئية أو السياحة الزراعية.

ويدعو الشرجبي إلى إنشاء السدود والحواجز والخزانات المائية ومدها بشبكات الري المناسبة التي تساعد على ترشيد استهلاك المياه، وإنشاء المشاتل لإنتاج شتلات البن، ووضع مواصفات فنية لها يتقيَّد بها القائمون على المشاتل، وتشجيع الاستثمار في المجالات المتعلقة بالبن، مثل الإنتاج والتسويق، وتصنيع مستلزمات الإنتاج من مواد صديقة للبيئة.

وشملت أنشطة المشروع تأهيل أكثر من 201 كيلومتر من الطرق الزراعية، ما أسهم في تسهيل وصول المزارعين إلى أراضيهم وأسواقهم، وإنشاء وتحسين خزانات مياه بسعة إجمالية تجاوزت 200 ألف متر مكعب؛ لتقليل الاعتماد على الأمطار الموسمية، وتعزيز استقرار الري.

يمني في تعز يعدّ قهوة من محصول البن الذي تنتجه مزرعته (الأمم المتحدة)

وامتدت التدخلات إلى حماية الأراضي الزراعية، حيث تم تحسين وإعادة تأهيل نحو 8351 هكتاراً، وريّ أكثر من 13 ألف هكتار، وتطوير أكثر من 110 آلاف متر من قنوات الري؛ بهدف رفع كفاءة التوزيع والحدِّ من الفاقد.

ووفَّر المشروع أكثر من 1.3 مليون يوم عمل وفق بيانات البرنامج الأممي، منها نحو 130 ألف يوم لصالح النساء، بينما تمكَّن أكثر من 22 ألف مزارع من تحسين حصولهم على المياه.

إعادة إحياء الأرياف

ويأتي هذا المشروع بوصفه جزءاً من برنامج أوسع تموله المؤسسة الدولية للتنمية، الذراع التمويلية الميسّرة للبنك الدولي، ويُنفَّذ بالشراكة مع عدد من الوكالات الدولية، بينها «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي».

ولفتت هذه التحولات الزراعية أنظار كثير من المجتمعات الريفية التي تأثرت بالتغيُّرات المناخية، حيث يسعى كثير من المزارعين إلى الحصول على تمويل لمساعدتهم على تغيير وتطوير أنشطتهم الزراعية؛ لمواجهة مخاطر انعدام الأمن الغذائي.

عاملون في تعز يفحصون حبوب البن لفرزها قبل البدء بتسويقها (الأمم المتحدة)

ويشير سمير المقطري، وهو مهندس زراعي وموظف حكومي، إلى أنَّ كثيراً من الأراضي الزراعية في ريف محافظة تعز باتت مهجورة إما بسبب شح المياه، أو الهجرة الداخلية بحثاً عن الخدمات، وهو ما يهدِّد بتدهورها وانهيارها بفعل أمطار غزيرة مفاجئة بعد سنوات من الجفاف والتصحر.

ويطالب المقطري، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الجهات المعنية، الحكومية والأممية والدولية، بتوسيع نطاق المشروعات الداعمة لتعزيز الأمن الغذائي، وانتهاز فرصة تخلي آلاف المزارعين عن نبتة القات؛ لدعم استبدال شجرة البن بها، خصوصاً أن الظروف البيئية والمناخية لنموهما متشابهة إلى حدّ كبير.

وتُظهر النتائج الأولية أن تحسين إدارة المياه يمثل عاملاً حاسماً في حماية زراعة البُن، التي تعتمد تقليدياً على الأمطار المتقلبة، كما تسهم هذه التدخلات في الحد من خسائر المحاصيل، وتحسين استقرار دخل المزارعين، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على الصمود.

Your Premium trial has ended