فيما يعتبر مصادفة غريبة، أعلن عن مقتل مؤسس ميليشيات الدفاع الوطني في سوريا الجنرال في الحرس الثوري الإيراني، حسين همداني بظروف غامضة في ريف حلب، في الوقت الذي عزم فيه النظام السوري على حل ميليشيات الدفاع الوطني وإعادة تأهيل قواته النظامية تلبية لشروط التدخل الروسي. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر خاصة، أنه وعشية الإعلان عن مقتل همداني مع ثلاثة من مرافقيه خلال جولة له في ريف حلب، تبلغت مؤسسات الدولة المعنية بقرار حل ميليشيات الدفاع الوطني، وكان القرار في طريقه للنشر في وسائل الإعلام الرسمية، إلا أنه تم تأجيله دون أن يطرأ تغيير على خطة حلّ الميليشيات.
ورأى متابعون في دمشق أن قرار حلّ الميليشيات التي أنشأها الحرس الثوري الإيراني وأشرف على تدريبها في معسكرات بإيران لتكون بديلا عن الجيش النظامي في حال انهياره، سيترك الكثير من الارتياح في الشارع السوري عموما، لكنه قد يزعزع حاضنة النظام الشعبية لا سيما وقد تغولت تلك الميليشيات في الأعمال الخارجة عن القانون والنهب والجريمة حتى باتت دولة داخل الدولة، ومصدر رعب للمدنيين. وفي الوقت ذاته، شكلت حصنا منيعا لموالي النظام ومنحتهم سلطات واسعة في السلب والنهب وفرض الإتاوات. وجاء الفرض الروسي لحل الميليشيات بزعم تقوية الجيش النظامي، إذ سيفرض على المنتسبين للميليشيات تسليم سلاحهم، ومن ثم عليهم اختيار الالتحاق بالجيش النظام أو التسريح، ومن الواضح بحسب المتابعين، أن هذا القرار الخطير والمربك جاء لتحجيم النفوذ الإيراني في سوريا، الذي يكاد يستحوذ على سلطة القرار في النظام السوري بشكل كامل، لكنه لن يمنع وضع اليد الروسية على مصير النظام، الذي تدخلت لحمايته من الانهيار.
وعزز تلك الشكوك مقتل الجنرال الإيراني حسين همداني، أحد أبرز المقربين إلى الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس، بحسب ما أعلنه أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني، الذي كشف في تصريح صحافي نقلته وكالة فارس الإيرانية «أنه وفي ضوء تطورات الأسابيع الثلاثة الأخيرة والمشاركة الروسية ونشاط الجيش السوري وزعزعة الروح المعنوية للتكفيريين، فقد كان هذا (الشهيد) منهمكا بعملية استطلاع بمنطقة في حلب ليقدم استشاراته بدقة». وتابع أن الهمداني قتل خلال قيامه بـ«عملية الاستطلاع مستقلا سيارة برفقة 3 أشخاص وكان مجهولا، إلا أنه تم التعرف عليه واستهدافه ما أدى إلى (استشهاده)». وتابع التصريح، لكنه لم يوضح كيف جرى التعرف عليه وكم هي المسافة بين الطرفين. إلا أن بيانا للحرس الثوري؛ اتهم تنظيم داعش بقتل همداني.
وأكد شمخاني أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية «لن تتخلى أبدا عن فلسطين والعراق المتحرر من الاستبداد ولبنان وسوريا واليمن» وأضاف أن الغربيين طرحوا مشروع التخويف من إيران لأن «نفوذنا المعنوي في المنطقة والعالم يعرّض جميع مصالحهم للخطر».
ويشار إلى أن حسين همداني الذي هزّ نبأ مقتله إيران، شارك في 80 عملية عسكرية في سوريا بحسب قائده السابق الجنرال محسن رضائي الذي أشار إلى همداني بصفته مؤسس ميليشيات الدفاع الوطني السورية التي تقاتل إلى جانب قوات النظام، في اعتراف صريح بمسؤولية طهران عن تأسيس ميليشيات الدفاع الوطني، على الضد من تأكيداتها السابقة بأن تدخلها العسكري إلى جانب النظام يقتصر على إرسال مستشارين.
وحاولت إيران من خلال ميليشيا الدفاع الوطني إيجاد ذراع عسكرية ضاربة تابعة لها في سوريا تحل مكان جيش النظام في حال تفككه وانهياره. وتم تنظيم متطوعين في «اللجان الشعبية» التي تشكلت بداية الثورة لحماية الأحياء السكنية ولتشتيت وقمع المظاهرات السلمية التي انطلقت مارس (آذار) 2011. وعندما أعاد النظام هيكلة اللجان الشعبية وغيرها من المجموعات المسلحة الموالية له بداية من مدينة حمص، قام بتسليح شبان من الأحياء العلوية كعكرمة والزهراء ووادي الذهب، لدعم جيش النظام في اقتحام الأحياء الثائرة، وتم تمويل التشكيلات الجديدة من رجال أعمال محسوبين على النظام، أبرزهم ابن خال الأسد رامي مخلوف وأحمد حمشو وصقر رستم، قبل أن تتبنى إيران عمليات التمويل والتدريب وإنشاء ما يسمى بـ«جيش الدفاع الوطني». وبحسب رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، غلام علي رشيد، فإن تشكيله «جاء بتوصية من قوات فيلق القدس الموجودة على الأراضي السورية». وبعد أن تلقى أكثر من ستة آلاف مقاتل تدريباتهم في معسكرات الحرس الثوري بإيران عام 2012، جهزوا بعتاد، وأرسلوا للقتال على الجبهات وفي الصفوف الأمامية في عمليات الهجوم. كما تم إرسال مدربين إلى مناطق وجوده، خصوصا في محيط دمشق. وكان المتدرّب يخضع لتوجيه معنوي وعقائدي يركز على الولاء لإيران وسوريا وحزب الله بصفتهم محور الممانعة في المنطقة، ويترجم ذلك بالصور واللافتات التي ترفع فوق الحواجز، وتتضمن صور خامنئي ونصر الله مع أعلام الطرفين إلى جانب صور بشار الأسد. ووفقا لتقارير غربية، فقد لعبت هذه الميليشيات «دورا هاما في تحسين الوضع العسكري لقوات النظام منذ صيف 2012، عندما تهدد النظام بسقوط وشيك».
ويقدر عدد أفراد ميليشيا الدفاع الوطني بأكثر من 150 ألف مقاتل ومقاتلة، يتقاضون رواتب شهرية تتراوح بين مائة ومائة وخمسين دولارا، لعناصر «التشكيلات الدفاعية» الموجودين على نقاط تماس مع مقاتلين من المعارضة، أو المسؤولين عن الحواجز ضمن العاصمة.
ويشار إلى أن النظام أطلق يد مقاتلي هذه التشكيلات بنهب المناطق التي يتمكنون من السيطرة عليها كتعويض إضافي، الأمر الذي أفسد تلك التشكيلات وحولها إلى عصابات تبث الرعب في قلوب المدنيين، وتحولت إلى سلطة داخل السلطة، ما أدى إلى حصول تصادمات أكثر من مرة بين قوات النظام وميليشيا الدفاع الوطني. ففي صيف 2013، الذي شهد معركة الساحل، جرت عدة مواجهات مسلحة بين القوات النظامية وميليشيات الدفاع بدأت في حي «الزهراء» الموالي في حمص. وهذا ما دفع السوريين إلى التخوف من مستقبل هذه التشكيلات غير المنضبطة، في حال تم التوصل إلى حل سياسي أو سقط النظام.
روسيا تفرض على النظام السوري حل الميليشيات وإعادة هيكلة قواته النظامية
مقتل همداني مؤسس ميليشيا الدفاع الوطني بسوريا تصادف مع قرار حلها
جنود من قوات الأسد في محافظة اللاذقية يوم السبت الماضي يعدون لإطلاق قذائف على الفصائل المعارضة (أ.ب)
روسيا تفرض على النظام السوري حل الميليشيات وإعادة هيكلة قواته النظامية
جنود من قوات الأسد في محافظة اللاذقية يوم السبت الماضي يعدون لإطلاق قذائف على الفصائل المعارضة (أ.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة





