الأمم المتحدة: مشوار 70 سنة مع «فن الممكن»

ولدت من ركام الحرب العالمية الثانية وإخفاقات «عصبة الأمم

الأمم المتحدة: مشوار 70 سنة مع «فن الممكن»
TT

الأمم المتحدة: مشوار 70 سنة مع «فن الممكن»

الأمم المتحدة: مشوار 70 سنة مع «فن الممكن»

تحتفل منظمة الأمم المتحدة هذه الأيام بالذكرى السنوية السبعين لتأسيسها. ومع أن الآراء تختلف في تقييم مدى نجاح المنظمة في تحقيق الأهداف التي وضعتها نصب عينيها عند تأسيسها، فثمة من يشير إلى أن المنظمة في نهاية المطاف مؤسسة تعبّر عن ميزان القوى بين الدول الأعضاء المؤثرة، ثم إن اهتماماتها لا تقتصر على الجانب السياسي فحسب، بل تضم وكالات متخصّصة في شتى المجالات، معظمها يعمل بصمت. ووفق وثائق الأمم المتحدة هناك تشديد على أنها «ليست حكومة عالمية» ولا هيئة تشريعية تضع قوانين، ولكنها مؤسسة توفّر سبل المساعدة على حل النزاعات الدولية وصوغ السياسات المتعلقة بالمسائل التي تمس العالم أجمع. وفي ما يلي لمحة تاريخية عن بعض أهم المحطات في مسيرة المنظمة.
أسست منظمة الأمم المتحدة عام 1945 بعدما وضعت الحرب العالمية أوزارها وانتهت بانتصار «الحلفاء» بقيادة الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وبريطانيا وفرنسا على «المحور» بقيادة ألمانيا واليابان وإيطاليا. وهي تضم في عضويتها اليوم 193 دولة. ووفق مبادئ المنظمة فإنها تسترشد في مهمتها وعملها بالأهداف والمقاصد الواردة في ميثاق تأسيسها.
* التأسيس والهيكل
شارك في تأسيس الأمم المتحدة يوم 24 أكتوبر (تشرين الأول) 1945، 51 بلدًا ملتزمًا بحفظ السلام عن طريق التعاون الدولي والأمن الجماعي. ومن الناحية القانونية، فعندما تحصل دولة ما على عضوية المنظمة فإنها توافق عمليًا ورسميًا على القبول بالالتزامات المنصوص عليها في ميثاق المنظمة، وهو معاهدة دولية تحدد المبادئ الأساسية للعلاقات الدولية. وللأمم المتحدة - وفقًا للميثاق - أربعة أهداف هي: صون السلم والأمن الدوليين، وتنمية العلاقات الودية بين الدول، وتحقيق التعاون على حل المشكلات الدولية وتعزيز احترام حقوق الإنسان، وجعل هذه الهيئة مركزًا لتنسيق أعمال الدول.
* بدايات العمل الدولي المنظم
بدأ العمل الدولي المؤسساتي المنظم مع تأسيس «عصبة الأمم» عام 1920 عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، بهدف حفظ السلام العالمي بناء على فكرة «الأمن المشترك». غير أن «العصبة» فشلت في مهمتها الرئيسة مع اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939. وكانت تلك الحرب قد تفجرت في أعقاب غزو ألمانيا النازية أراضي جارتها بولندا.
وفي عام 1941 وقّع رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل والرئيس الأميركي فرانكلن روزفلت على ميثاق الأطلسي الداعي إلى «منظومة دائمة وأوسع للأمن العام». والتقى قادة «الحلفاء» قبل إنجاز الانتصار في الحرب العالمية الثانية بفترة طويلة، على فكرة إنشاء منظمة دولية مختصة بحفظ السلام والأمن. وكان «ميثاق الأطلسي».
وفي العام التالي، 1942، استخدم لأول مرة مصطلح «الأمم المتحدة» الذي ابتكره الرئيس روزفلت. وبعد أقل من شهر على الهجوم الذي شنته اليابان على قاعدة بيرل هاربر (في جزر هاواي) الذي جعل الولايات المتحدة تدخل الحرب العالمية الثانية، وقعت الدول الست والعشرون المحاربة لألمانيا واليابان وإيطاليا «إعلان الأمم المتحدة» الذي توسّع في مبادئ الأمن العام المقررة في «ميثاق الأطلسي».
ثم عام 1944، أنشئ كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وأبرم خبراء السياسة والاقتصاد في اجتماع لهم في منتجع بريتون وودز بولاية نيوهمبشاير الأميركية اتفاقات إنشاء المؤسستين الماليتين ووضعوا هيكل النظام المالي لفترة ما بعد الحرب. وفي العام نفسه، أي عام 1944 عقد مؤتمر دومبارتون أوكس، في العاصمة الأميركية واشنطن ليضع قاعدة «الأمم المتحدة» المقبلة. ودعا الرئيس روزفلت كلاً من الاتحاد السوفياتي والصين بريطانيا (ولاحقًا فرنسا) بجانب الولايات المتحدة لوضع أول مخطط حقيقي لأمم متحدة عاملة. وإنشاء مجلس أمن من عشرة أعضاء متغيّرين وخمسة أعضاء دائمين يتمتعون بحق النقض «الفيتو»، يعهد إليه مسؤولية المهام الخاصة بحفظ السلام والسماح له باستخدام أي وسائل ضرورية لوقف أي اعتداء.
وفي عام 1945 عقد مؤتمر يالطا، في شبه جزيرة القرم (بجنوب الاتحاد السوفياتي) وفيه بحث موضوع حق النقض «الفيتو» في مجلس الأمن. كذلك جرى منح الصين وفرنسا مقعدين دائمين في المجلس وأصبح من حق الأعضاء الخمسة الدائمين استخدام «الفيتو» ضد أي شيء غير المسائل الإجرائية، لكنها يمكن أن تمتنع عن التصويت على الأمور السلمية التي تهمهم. وبعد حصوله على موافقة الاتحاد السوفياتي، وافق روزفلت حينها على منح السوفيات ثلاثة أصوات في الجمعية العامة للأمم المتحدة: واحد للاتحاد السوفياتي نفسه والآخر لجمهوريتي أوكرانيا وروسيا البيضاء السوفياتيتين.
* ولادة الأمم المتحدة
توقيع ميثاق الأمم المتحدة جرى عام 1945 في مؤتمر سان فرانسيسكو، ولكن رغم البت في معظم القضايا الحاسمة في التمهيد لهذا المؤتمر، استغرق الأمر شهرين لصياغة مسودة الميثاق. وفي النهاية وقّعت وفود 50 دولة على ميثاق الأمم المتحدة يوم 26 يونيو (حزيران).
ويوم 24 أكتوبر 1945 أبصرت المنظمة الدولية النور رسميًا مع إقرار الميثاق في أعقاب مصادقة الدول العظمى الخمسة الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وبريطانيا والصين (قبل انتصار الشيوعيين) وفرنسا وأغلبية الحضور الآخرين في المؤتمر. وكانت الولايات المتحدة أول دولة تصادق على الوثيقة يوم 8 أغسطس (آب). وما يذكر في هذا المجال، أنه بنهاية الحرب في ذلك بلغ عدد القتلى 61 مليون قتيل في أوروبا وآسيا وشمال أفريقيا.
وفي العام التالي، 1946، التقى الجمعية العامة ومجلس الأمن لأول مرة في العاصمة البريطانية لندن. وتبنت الجمعية العامة أول قراراتها يوم 24 يناير (كانون الثاني) 1946، وركز القرار على الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية وإزالة الأسلحة الذرية وأسلحة الدمار الشامل الأخرى.
* وجرى انتخاب النرويجي تريغفي لي أول أمين عام للأمم المتحدة.
وعلى صعيد آخر، في عام 1946 أيضًا، أصبحت نيويورك مقرًا للمنظمة بعد عام على مهمتها في لندن ما بعد الحرب، وتقرر الانتقال يوم 14 ديسمبر (كانون الأول)، وذلك بعد تبرع الثري الكبير جون روكفلر بمبلغ 8.5 ملايين دولار لشراء موقع المسالخ السابقة الكائن في الحي الشرقي لنيويورك. وتم انتقال الأمم المتحدة رسميًا إلى مقرها الجديد في مدينة نيويورك عام 1952.
سنوات الحرب الباردة (1946 – 1960)
بدأت المنظمة الدولية مسيرتها مع استخدام الاتحاد السوفياتي «الفيتو» لأول مرة في مجلس الأمن. ففي 16 فبراير (شباط) 1946 اعترض المندوب السوفياتي أندريه فيشينسكي على قرار يدعو إلى انسحاب القوات البريطانية والفرنسية من سوريا لأنه اعتبر لغة القرار هزيلة جدًا.
* فلسطين أطول الأزمات «عمرًا»
كانت إيران السبب في أولى أزمات «الحرب الباردة» في الأمم المتحدة، إذ احتلت القوات البريطانية والسوفياتية إيران منذ عام 1941 لحماية مخزونات النفط من خطر الوقوع في أيدي ألمانيا النازية. ولقد رفض السوفيات لاحقًا سحب قواتهم فعرضت القضية أمام مجلس الأمن في مارس (آذار) 1946.
وكانت الأزمة الثانية والأطول عمرًا حتى الآن أزمة فلسطين. فعام 1947 أقرت الجمعية العامة تقسيم فلسطين إلى دولة عربية مستقلة وأخرى يهودية وجعل القدس مدينة دولية. وسلّمت بريطانيا انتدابها على فلسطين من قبل «عصبة الأمم» إلى الأمم المتحدة، وأعلنت دولة إسرائيل عام 1948 ومع إعلان الدولة العبرية اندلعت أولى الحروب العربية – الإسرائيلية. وجرى إنشاء «هيئة مراقبة الهدنة» عام 1948 لمراقبة السلام في فلسطين. وصدور القرار 194 الذي يقرر إنشاء هيئة التشغيل والإغاثة التابعة للأمم المتحدة الـ«أونروا» من أجل اللاجئين الفلسطينيين.
* الحرب الكورية وحرب السويس
الأزمة الثانية كانت الحرب الكورية، وفي عام 1950، في غياب الاتحاد السوفياتي، صوت مجلس الأمن بضغط أميركي على دعم أعضاء المنظمة الدولية كوريا الجنوبية ضد كوريا الشمالية. وانتهت تلك الحرب عام 1953 بمقتل الملايين وتقسيم شبه الجزيرة الكورية بين شيوعيي الشمال ورأسماليي الجنوب. وفي عام 1953 انتخب السويدي داغ همرشولد أمينًا عامًا جديدًا للمنظمة خلفًا لتريغفي لي، وقدّر له أن يقتل في حادث طائرة في الكونغو أثناء مهمة وساطة لحل أزمة الكونغو الدامية عام 1961، وعلى الأثر خلفه يو ثانت من بورما (ميانمار).
الأزمة التالية الكبرى كانت أزمة السويس عام 1956، التي شهدت «العدوان الثلاثي» الذي شنته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر في أعقاب تأميم الرئيس جمال عبد الناصر قناة السويس ودعمه الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي.
* أزمتا الكونغو وقبرص ونكسة 1967
وفي مطلع عقد الستينات من القرن الماضي تفجّرت الأزمة في الكونغو، وأرسلت قوات حفظ السلام إلى ذلك البلد الأفريقي. وكانت عمليات الأمم المتحدة في الكونغو قد بدأت في يوليو (تموز) 1960 لضمان انسحاب القوة الاستعمارية السابقة بلجيكا، ولحفظ القانون والنظام.
وخلال عقد الستينات أيضًا فرضت أزمة قبرص نفسها على الأمم المتحدة، وعام 1964 تقرر إرسال قوات حفظ سلام إلى الجزيرة لمنع القتال بين سكانها الأتراك واليونانيين، ورغم انتهاء العداوات الواضحة عام 1974 ظلت البعثة هناك للإشراف على وقف إطلاق النار والإبقاء على منطقة عازلة وتقديم المساعدات الإنسانية. وتعتبر هذه العملية من أطول عمليات السلام للأمم المتحدة. وعام 1966 فرض مجلس الأمن يفرض عقوبات إلزامية ضد روديسيا (زيمبابوي حاليًا) احتجاجًا على حكومة الأقلية العنصرية البيضاء فيها برئاسة إيان سميث.
ولكن، مجددًا، عاد الشرق الأوسط إلى صدارة الأحداث مع اندلاع حرب يونيو عام 1967، التي شهدت شن إسرائيل حربًا خاطفة على مصر والدول العربية. ومجلس الأمن يوافق على القرار 242 كإطار للسلام في المنطقة، على أساس انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي استولت عليها في مقابل الاعتراف بدولة إسرائيل. غير أن القرار مرّ عليه 33 عامًا دون أن التزام إسرائيلي.
* الصين الشعبية تأخذ مكان تايوان
كان الحدث الأبرز عام 1971 تصويت الجمعية العام للأمم المتحدة على الاعتراف بالنظام الشيوعي لجمهورية الصين الشعبية، بعدما ظلت الولايات المتحدة تصر على إبقائها خارج مظلة الأمم المتحدة لمدة 22 سنة، ما عرف بحكومة «الصيت الوطنية» برئاسة تشيانغ كاي شيك المنفية في جزيرة تايوان. وخلال السبعينات انتخب النمساوي كورت فالدهايم أمينًا عامًا للأمم المتحدة. وعقد أول مؤتمر للأمم المتحدة حول البيئة في السويد وتمخض عنه إنشاء برنامج الأمم المتحدة للبيئة. واعترفت الجمعية العامة (1974) بمنظمة التحرير الفلسطينية «الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. وفي العام التالي أقرت الجمعية إعلان الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية. وبعد اتخاذ مجلس الأمن عام 1977 قرارًا بحظر أسلحة إلزامي ضد جنوب أفريقيا بسبب سياسة الاضطهاد العنصري (إلحاقًا للحظر الطوعي الذي أقر عام 1963)، أقرت الجمعية العامة عام 1979 معاهدة حول محو كل أشكال التمييز ضد المرأة.
* عقد الثمانيات
كانت أبرز محطات الثمانينات الحرب الإيرانية – العراقية الأولى (من 1980 إلى 1988)، وفي مطلع 1982 انتخب خافيير بيريز دي كويلار (من البيرو) أمينًا عامًا للأمم المتحدة عام 1982، وخلال عامين انسحبت (مؤقتًا) الولايات المتحدة وبريطانيا من منظمة اليونيسكو احتجاجًا على ما اعتبرته قيادتاهما اليمينيتان (رونالد ريغان ومارغريت ثاتشر) الموازنات الضخمة والاتهام بتحيز المنظمة ضد الغرب. وفي عام 1988 قررت الأمم المتحدة إرسال لحفظ السلام لمراقبة وقف إطلاق النار بين العراق وإيران لوقف أطول حرب كلاسيكية في القرن العشرين.
* حرب الخليج الثانية.. والحروب اليوغوسلافية
عام 1991 شهد الشرق الأوسط والعالم «حرب الخليج الثانية» بقصف الولايات المتحدة لبغداد بتفويض من الأمم المتحدة. وكان الرئيس العراقي صدام حسين قد غزا الكويت في أغسطس 1990. وأصدر مجلس الأمن على الفور وبإجماع تام إدانة للعدوان في اجتماع طارئ، وعقب ذلك 11 قرارًا تجعل إنهاء الغزو العراقي جهدًا دوليًا. واستخدمت الولايات المتحدة القوة بتفويض من الأمم المتحدة وانسحبت قوات صدام ولكنه ظل في الحكم.
وعام 1991 أيضًا وقع اتفاق سلام في أنغولا بين الحكومة اليسارية ومتمردي حركة يونيتا اليمينيين، لكن المعارك. ومن ثم شككت يونيتا (المدعومة من نظام جنوب أفريقيا العنصري) في نتائج الانتخابات التي أعلنت الأمم المتحدة أنها حرة ونزيهة وانتصر فيها حزب الحركة الشعبية اليساري الحاكم، واستؤنف القتال.
وفي العام ذاته بدأت حرب تفكك يوغوسلافيا. وكذلك، بضغط أميركي، ألغت الجمعية العامة قرارها السابق بإلغاء مساواة الصهيونية بالعنصرية. كذلك بدأ التفاوض لتسوية الأزمة في السلفادور ووقعت الحكومة السلفادورية والثوار اتفاق سلام في مقر الأمم المتحدة عند منتصف ليلة رأس السنة الميلادية لعام 1991 بإنهاء الحرب الأهلية التي دمرت البلاد خلال عقد الثمانينات.
وفي عام 1992 أصبح المصري الدكتور بطرس بطرس غالي أول أمين عام للمنظمة من بلد عربي. وفي ذلك العام أنشئت قوة الحماية التابعة للأمم المتحدة في ما عرف بعد ذلك بيوغوسلافيا السابقة. وجرى تشكيل قوة الحماية لحراسة تسليم المساعدات الإنسانية إلى المدنيين المحصورين في مناطق القتال بالبوسنة وكرواتيا ولإقامة مناطق آمنة منزوعة السلاح. وعلى الصعيد البيئي عقدت «قمة الأرض» في ريو دي جانيرو بالبرازيل بحضور قادة أكثر من 100 دولة.
بعد ذلك عام 1993 استقلت إريتريا عن إثيوبيا في استفتاء تحت إشراف الأمم المتحدة. ومن ثم اندلعت الحرب بين إثيوبيا وإريتريا عام 1998 بسبب نزاع حدودي وبعد سنتين من القتال تدخلت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة لمراقبة وقف إطلاق النار بين البلدين. وفي العام نفسه أشرفت الأمم المتحدة على الانتخابات التي عقدت في كمبوديا. وتفاقمت الأزمة الصومالية مع مقتل 18 جنديًا أميركيًا. وكانت بدأت بعثة الأمم المتحدة كمحاولة لتأمين تسليم المساعدات الإنسانية، ولكن سرعان ما اتسعت لتشمل إعادة النظام إلى البلد الذي كان يعيش حالة من الفوضى.
* مذابح رواندا
وشهد عام 1994 مجازر راح ضحيتها نحو 800 ألف شخص من قبائل التوتسي في رواندا خلال 100 يوم. ولقد أدان مجلس الأمن المجازر ومن ثم، أنشأ المجلس محكمة للجناة. وفي أفريقيا أيضًا أجريت تحت إشراف المنظمة انتخابات في جنوب أفريقيا وأعيد ضمها إلى الأمم المتحدة (بعد 24 سنة من الغياب) وانتخب نيلسون مانديلا رئيسًا لها. وراقبت المنظمة أول انتخابات متعددة الأحزاب في موزمبيق، ورعت اتفاق سلام أنهى حربًا أهلية دامت 15 سنة وإجراء انتخابات حرة في البلاد. وفي العام التالي، 1995، أنشئت أول حكمة لجرائم الحرب في يوغوسلافيا السابقة، غير أن الذكرى السنوية الخمسين لتأسيس المنظمة شوهه تقصيرها الفظيع في حماية أكثر من 20 ألف مسلم من القتل في المنطقة الآمنة التابعة للأمم المتحدة بمدينة سربرينتشا البوسنية. وأصدر الأمين العام للأمم المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني) 1999 تقريرًا رسميًا عن سقوط سربرينتشا التي تلقت ضربة قوية ونظرة ناقدة لإخفاقات الأمم المتحدة في العملية. بعدها تولى حلف شمال الأطلسي «ناتو» عمليات حفظ السلام في البوسنة.
* فصل عراقي جديد
تولى كوفي أنان (من غانا) عام 1997 منصب الأمين العام، وباشر وضع خطة إصلاح للأمم المتحدة بمجرد توليه منصبه. وفي العام التالي عاد العراق إلى هموم المنظمة مع انسحاب مفتشي الأسلحة من العراق بعد اتهام العراق لهم بالتجسس لصالح الولايات المتحدة واعتراف أعضاء في فريق التفتيش بهذه التهمة. وصادق أنان على قصف «ناتو» ليوغوسلافيا. ثم عام 1999 أنشئت بعثة الأمم المتحدة للإدارة المؤقتة في إقليم كوسوفو لتدبير الأمور في الإقليم اليوغوسلافي السابق. كذلك صوت إقليم تيمور الشرقية بأغلبية كبيرة من أجل الاستقلال عن إندونيسيا، وفي أكتوبر من ذلك العام باشرت الإدارة الانتقالية التابعة للأمم المتحدة مسؤوليتها رسميًا في تيمور الشرقية وتهيئة البلد للاستقلال. وفي أفريقيا، وقعت الكونغو (الديمقراطية) وخمس دول أفريقية أخرى على «اتفاق لوساكا» للسلام، وبعدها أقر مجلس الأمن قوة مراقبة قوامها 5500 فرد، لكن القتال استمر، واغتيل الرئيس الكونغولي لوران كابيلا برصاص حارسه الشخصي وتولى ابنه جوزيف السلطة. وحول مجازر رواندا حمّل المحققون المستقلون مجلس الأمن والولايات المتحدة وفرنسا وبلجيكا مسؤولية الإخفاق في إيقاف الإبادة الجماعية.
* الألفية الثالثة
عام 2001 فرض مجلس الأمن «عقوبات ذكية» على ليبيريا لاتهامها بإيقاد نار الحرب الأهلية في سيراليون بتشجيع تجارة الأسلحة المحظورة مقابل الألماس. وعقد مؤتمر ضد التمييز العنصري في دوربان بجنوب أفريقيا. لكن الحدث الأبرز ذلك العام كانت اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول) في نيويورك وواشنطن، التي وضعت محاربة الإرهاب في رأس جدول الأعمال الدولي، التي أدت إلى مهاجمة أفغانستان ثم احتلال العراق وإسقاط حكم الرئيس صدام حسين.
وفي العام التالي وقع اتفاق سلام في أنغولا عقب وفاة جوناس سافيمبي، زعيم حزب يونيتا اليميني، منهيا بذلك حربًا أهلية طالت 27 سنة. كذلك أصبحت تيمور الشرقية عضو الأمم المتحدة الـ191، وذلك يوم 27 سبتمبر بعد أربعة أشهر من استقلالها رسميًا عن إندونيسيا. وعاد مفتشو الأمم المتحدة إلى العراق، وجرى رفع العقوبات المفروضة على العراق منذ بدء حرب الخليج الثانية، يجب أن يتخلص العراق من كل أسلحة الدمار الشامل التي لديه والخضوع للمراقبة، وبمجرد الانتهاء من هذا الأمر يمكن للعراق أن يبدأ في بيع نفطه.



الحرب حوّلت السودان إلى وطن على شاشة هاتف

من مشاهد الحرب السودانية (آ ف ب)
من مشاهد الحرب السودانية (آ ف ب)
TT

الحرب حوّلت السودان إلى وطن على شاشة هاتف

من مشاهد الحرب السودانية (آ ف ب)
من مشاهد الحرب السودانية (آ ف ب)

تبحث أسرة سودانية عن قريب اختفى منذ عدة أشهر عبر إحدى مجموعات تطبيق «واتساب». وفي مجموعة أخرى على التطبيق ذاته يجمع لاجئون سودانيون في أوغندا تكاليف دفن أحد أبناء الجالية الذين توفوا هناك. وعلى صفحة «فيسبوك» محلية تنشر صورة رجل مجهول الهوية، أملاً في أن يتعرّف عليه أحد. وفي مجموعة (غروب) للصحافيين، يتبادل الصحافيون والمراسلون أرقام المسؤولين والمصادر، ويتحقّقون من الأخبار المتداولة عن المعارك في مجموعات أخرى. قد تبدو هذه المشاهد متفرّقة، لكنها في الواقع أجزاء من قصة واحدة، بدأت منذ اندلاع الحرب في السودان يوم 15 أبريل (نيسان) 2023، وتحولت معها المنصات الرقمية من أدوات للتواصل الاجتماعي، إلى فضاء بديل تدار عبره تفاصيل الحياة اليومية.

أعادت الحرب المتطاولة التي دخلت عامها الرابع في السودان، تشكيل «الجغرافيا السودانية» على الأرض. ومثلها أعادت مجموعات على منصّات التواصل، كـ«واتساب» و«فيسبوك» و«تلغرام» وغيرها، تشكيل الطريقة التي يحصل بها الناس على المعلومات، وكيف يتواصلون مع أسرهم، أو يبحثون عن المساعدة، أو حين يتابعون الأخبار، ويواجهون آثار النزوح والغياب والخوف.

أبقت الأسر متصلة

لم تفرّق الحرب السودانيين بين المدن والولايات فحسب، بل وزّعتهم أيضاً على عشرات الدول، واضطرتهم للعيش في بيئات جديدة. وهكذا فقد كثيرون منهم القدرة على اللقاء المباشر، ومن ثمّ، أصبحت المنصات الرقمية الرابط اليومي الذي يحافظ على ما تبقى من الحياة الاجتماعية.

بالنسبة للعديد من الأسر، يبدأ اليوم وينتهي على شاشة الهاتف...

صباح أحمد، مثلاً، وهي نازحة من ولاية الجزيرة، تقول لـ«الشرق الأوسط» إن أول ما تفعله عند الاستيقاظ من النوم، هو تفقّد هاتفها للتأكد من عدم وجود مكالمات فائتة من أفراد أسرتها، لأن الحرب - كما تصفها - جعلت الناس يتوقعون الأخبار السيئة في كل لحظة، وأصبح الاطمئنان على الأقارب جزءاً من الروتين اليومي.

ولكن لا يقتصر هذا الاعتماد المتزايد على المنصات الرقمية على تبادل الأخبار العائلية. بل بالنسبة للاجئين السودانيين في الخارج، تحوّلت مجموعات الـ«واتساب» وصفحات الـ«فيسبوك» إلى نافذة يومية يطلون من خلالها على ما يجري داخل البلاد. وهنا يقول سيبويه يوسف، اللاجئ السوداني في أوغندا، إن هذه المجموعات أصبحت «الوسيلة الرئيسة لمعرفة أحوال الأهل والأصدقاء، وتحولت أيضاً إلى مساحة لتقديم الدعم للمحتاجين والمرضى والمشاركة في الأفراح والأتراح».

أما الدكتور عبد الناصر الفكي، أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعات السودانية، فيرى في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن الحرب أفرزت ما يشبه «الأسرة الإلكترونية»، حيث «بات أفراد العائلة الممتدة يتواصلون باستمرار رغم تفرقهم بين السودان ودول اللجوء... هذه المنصات لم تعد وسيلة للتواصل فقط، بل أصبحت أيضاً، أداة للدعم النفسي وتبادل المعلومات الصحية والتعليمية، ومشاركة الخبرات المتعلقة بالحياة في ظروف الحرب والنزوح».

قرارات مصيرية عن بعد

أكثر من هذا، في ظروف الحرب لا تقتصر أهمية المعلومات على معرفة ما يجري، بل تمتد أحياناً إلى اتخاذ قرارات تتعلق بالحياة والموت، فعندما بدأت المخاوف تتزايد في ولاية الجزيرة، لم تعتمد بعض الأسر على البيانات الرسمية أو الأخبار العامة وحدها، بل لجأت إلى شبكاتها الاجتماعية للحصول على تقديرات مباشرة من الأصدقاء والمعارف الموجودين في مناطق مختلفة.

وبحسب صباح أحمد فإن أسرتها شعرت بخطر متزايد يهدد سلامتها في مدينة الحصاحيصا، بولاية الجزيرة، في أثناء سيطرة «قوات الدعم السريع» عليها. وبناء عليه بدأت التشاور مع أصدقاء وزملاء للحصول على صورة أوضح للأوضاع، مضيفة: «بعد سلسلة من الاتصالات والنقاشات، اتخذت الأسرة قرار المغادرة إلى القضارف ثم إلى ولاية نهر النيل»، وهو قرار تعدّه اليوم خطوة أسهمت في تجنيبها مخاطر كبيرة.

وتعكس هذه التجربة واقعاً أوسع، إذ تحولت المنصات الرقمية إلى شبكة إنذار غير رسمية يعتمد عليها كثرة من السودانيين في تقييم المخاطر واتخاذ قرارات النزوح أو البقاء أو التنقل بين المناطق.

شبكات استجابة وتكافل

في الواقع، لم تنتظر المجتمعات المحلية وصول المنظمات الدولية حتى تبدأ الاستجابة لآثار الحرب. ففي الأشهر الأولى، اعتمدت جهود المساعدة على شبكات اجتماعية قائمة أصلاً على روابط الأسرة والجيرة والانتماء المناطقي. وظهرت ما عرفت بـ«التكايا»، وهي مجموعات أهلية ميدانية تقدم للناس الطعام الجاهز والشراب وأحياناً الدواء، معتمدة على ما يتيسر تجميعه وإيصاله من أموال عبر هذه الوسائط.

ويرى مدني عباس، خبير العمل الإنساني ووزير التجارة السابق، أن «مجموعات الواتساب لعبت دور الحلقة التي ربطت بين المحتاجين والداعمين، وساعدت في تحديد الاحتياجات وتنسيق الاستجابة داخل المجتمعات المحلية. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه المنصات أيضاً مساحة للتنسيق بين المجموعات القاعدية والمنظمات الوطنية العاملة في المجال الإنساني».

وأردف عباس لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «مثلما أسهمت صفحات فيسبوك ووسائل التواصل الأخرى في توثيق الأوضاع الإنسانية ونقل احتياجات المجتمعات المحلية، فإنها ساعدت في حشد الدعم لمشاريع مرتبطة بالأمن الغذائي والصحة والتعليم والطاقة الشمسية، بل وحتى في توفير التمويل لبعض أنشطة الاستجابة الإنسانية».

بل في المنافي والملاجئ أخذ هذا التكافل أشكالاً أكثر تنظيماً، ففي العاصمة الأوغندية كمبالا، مثلاً، توجد مجموعة «واتساب» أخذت اسم «وفيات كمبالا»، تضم أكثر من ألف لاجئ سوداني يتعاونون ويتشاركون الفقر في جمع المال لتغطية تكاليف دفن الموتى ومساندة أسرهم. إذ يجمع الأعضاء المساهمات المالية عبر المجموعة، ويتولى متطوّعون منهم متابعة ترتيبات التجهيز والدفن والتشييع، في نموذج يعكس كيف تحولت المنصات الرقمية إلى أداة لإدارة التضامن الاجتماعي في ظروف استثنائية.

سيدة سودانية تتلقى آخر الأخبار عبر وسائل التواصل (رويترز)

في أثر الغائبين

ولكن، لعل من أكثر الاستخدامات الإنسانية تأثيراً للمنصات الرقمية خلال الحرب، تحوّلها إلى وسيلة للبحث عن المفقودين والمختفين، ففي مجموعات الـ«واتساب» وصفحات الـ«فيسبوك»، تتكرّر يومياً منشورات تبدأ بكلمة «مفقود» وتنتهي بمناشدات لإعادة النشر على أوسع نطاق. وفي كثير من الأحيان تتضمّن هذه المنشورات صور الأشخاص المفقودين ومعلومات عن آخر مكان شوهدوا فيه، أملاً في أن تقودها المصادفة إلى شاهد أو معلومة أو خيط جديد.

هذه المناشدات ما عادت تقتصر على الأشخاص الذين تبحث عنهم أسرهم، بل امتدت أيضاً إلى مجهولي الهوية والأشخاص الذين يعثر عليهم في ظروف إنسانية صعبة. وفي إحدى الحالات المتداولة، نشر مواطنون صورة رجل عثر عليه في إحدى المدن السودانية وهو عاجز عن التعريف بنفسه، دعوا المتابعين والأعضاء إلى مشاركة المنشور حتى يتم التعرف عليه والوصول إلى أسرته.

وفي حالة أخرى، ساعد انتشار المناشدات عبر «واتساب» و«فيسبوك» في الوصول إلى معلومات عن رجل اختفى لأكثر من سنة بعد تعرضه للخطف. ويقول الرجل، الذي طلب إغفال اسمه خشية الانتقام والرمز إليه بـ«م. ن»، إن أسرته لجأت إلى نشر بياناته وصوره على نطاق واسع بعد فقدان الأمل في العثور عليه عبر الوسائل التقليدية، قبل أن تصل إليها معلومات ساعدت في معرفة مصيره.

وإلى جانب الأشخاص، ظهرت مجموعات وصفحات متخصّصة في تتبّع السيارات المفقودة أو المنهوبة، إذ ينشر أصحابها الصور وأرقام اللوحات ومعلومات الفقدان أملاً في العثور عليها عبر الشبكات الاجتماعية.

في ظروف الحرب لا تقتصر أهمية المعلومات

على معرفة ما يجري بل تمتد أحياناً إلى اتخاذ

قرارات تتعلق بالحياة والموت

إعلام موازٍ

من ناحية ثانية، في بلد تعطلت فيه مؤسسات إعلامية كثيرة، وجدت الأخبار طريقها إلى الجمهور عبر المجموعات (الغروبات) والصفحات والقنوات الرقمية، ويرى الصحافي والباحث في الإعلام الرقمي، محمد عبد العزيز، أن خروج معظم المؤسسات الإعلامية من الخدمة في الأيام الأولى للحرب خلق فراغاً معلوماتياً واسعاً، سرعان ما ملأته المنصات الرقمية، وعلى رأسها تطبيق «واتساب». وساعدت عدة عوامل في ذلك، من بينها قدرة التطبيق على العمل في بيئات الاتصالات الضعيفة، واعتماده على الرسائل الصوتية، وسهولة استخدامه، وانتشاره الواسع بين مختلف الفئات الاجتماعية.

وهنا يذكر الدكتور عصام عباس، خبير تقنية المعلومات، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» أن «هذه الخصائص جعلت واتساب منصة مثالية للعمل في بيئة مضطربة مثل السودان». وبالفعل، تجلت أهمية التطبيق أكثر عندما توقفت خدمة المكالمات الصوتية عبر «واتساب» داخل السودان إبان الحرب. وبينما لم تقدم تفسيرات رسمية مفصلة للقرار، رجّح مراقبون ارتباطه باعتبارات أمنية واستخدام التطبيق في الاتصالات بين أطراف النزاع، ما أدى إلى انتقال أعداد كبيرة من المستخدمين إلى الرسائل الصوتية والمكتوبة، التي غدت وسيلة رئيسية للتواصل اليومي.

وفي الوقت نفسه، نشأت مجموعات مهنية متخصصة للصحافيين، أبرزها مجموعة «ممكن رقم»، الذي يستخدم للحصول على أرقام المسؤولين والخبراء والمصادر المختلفة. وظهرت مجموعات أخرى لتبادل الأخبار ومتابعة تطورات الحرب والتحقق من المعلومات المتداولة.

مع هذا، لا يتعامل الصحافيون المحترفون مع هذه المنصات بوصفها مصدراً نهائياً للمعلومات. وهذا ما يقوله عبد المنعم أبو إدريس، مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» (AFP) ونقيب الصحافيين السودانيين لـ«الشرق الأوسط» بأن ما يرد في المجموعات الرقمية «قد يشكل خيطاً أولياً أو يقود إلى مصدر محتمل، لكنه يحتاج دائماً إلى التحقق والتأكيد عبر مصادر مستقلة».

في مرمى الحرب

لكن البيئة الرقمية التي ساعدت الناس على التواصل والتنظيم وتبادل المعلومات، وفرت أيضاً مساحة واسعة للتضليل. فبجانب المجموعات الشعبية والمهنية، ظهرت إبان الحرب مجموعات وقنوات رسمية تنشر بيانات المؤسسات الحكومية والتغطيات الرئاسية، كما أنشأت أطراف الصراع قنواتها الخاصة لنشر رواياتها للأحداث، من بينها قنوات مرتبطة بـ«قوات الدعم السريع» على تطبيق «تلغرام».

وتعكس هذه المنصات في الغالب وجهة نظر الجهة التي تديرها، ما يجعلها جزءاً من معركة السرديات المصاحبة للحرب. ويرى محمد عبد العزيز أن «طبيعة الشبكات المغلقة وصعوبة معرفة المصدر الأول للمعلومة سهلتا انتشار الأخبار المفبركة والمقاطع المجتزأة والتسجيلات المضللة». بينما يشير الدكتور عصام عباس إلى أن «غياب آليات فعالة لضبط المحتوى داخل المجموعات المغلقة، وسهولة إعادة توجيه الرسائل والمقاطع الصوتية والصور، ساعدا في انتشار خطاب الكراهية والمحتوى التحريضي، وبذا تحوّلت المنصات إلى ساحة تتداخل فيها الأخبار الصحيحة مع الإشاعات، والمعلومات الموثقة مع الروايات الموجّهة».

خارج الصفوف والعيادات

من جهة ثانية، لم تتوقف آثار التحول الرقمي عند حدود الأخبار والتواصل والإغاثة، فمع تراجع الخدمات الصحية وصعوبة الوصول إلى الأطباء والمشافي في بعض المناطق، انتقلت استشارات طبية كثيرة إلى الفضاء الرقمي. وصار من المألوف أن يتلقى الأطباء صوراً للتحاليل أو الأعراض عبر الهاتف، ثم يرسلون الإرشادات العلاجية عن بعد.

وهنا يقول الدكتور بدر الدين أجبر، أستاذ كلية الطب بجامعة كردفان والمدير العام السابق لوزارة الصحة بالولاية، لـ«الشرق الأوسط» إن هذا النوع من المتابعة «لم يعد يقتصر على الحالات البسيطة، بل شمل مرضى الأمراض المزمنة أيضاً، في ظل الصعوبات التي تواجه الوصول إلى الخدمات الصحية في بعض المناطق».

وفي قطاع التعليم، لعبت المنصات الرقمية دوراً مماثلاً. فبعد توقف الدراسة الحضورية في كثير من الجامعات والمدارس، لجأت مؤسسات التعليم العام والعالي إلى تطبيقات مثل «تلغرام» لنشر المحاضرات والمواد التعليمية والتواصل مع الطلاب. وتقول جهاد عباس، الطالبة المتخرجة في «جامعة بحري» في أثناء الحرب، إن هذه التجربة مكنتها من استكمال دراستها الجامعية رغم ظروف الحرب، وإن المجموعات التي أنشأها الطلاب فيما بينهم لتبادل المعلومات والإجابة عن الاستفسارات الأكاديمية، عوّضت جزءاً من غياب الحياة الجامعية التقليدية.

مجتمع يعيد تنظيم نفسه

وهكذا، بعد أكثر من سنتين من الحرب، ما عادت المنصات الرقمية مجرد وسائل للتواصل، بل تحولت إلى مساحات للبحث عن المفقودين، ومنصات للإغاثة والعمل الإنساني، وشبكة للتكافل الاجتماعي، ووسيلة للتعليم والعلاج، ومصدر للأخبار، وساحة للصراع على الروايات.

ولم تكن هذه التحولات نتاج خطة مسبقة، بل استجابة طبيعية لواقع فرضته الحرب، نتجت إثر تعثر مؤسسات كثيرة، أو تراجع قدرتها على أداء أدوارها التقليدية، فاندفع السودانيون لإعادة تنظيم جوانب من حياتهم اليومية عبر الشبكات الرقمية، مستفيدين من قدرتها على تجاوز الحدود والمسافات والعوائق.

وطوال سنوات الحرب الأربع، لم تعد المنصات الرقمية مجرد وسائط لنقل الرسائل بين الناس، بل صارت جزءاً من البنية الاجتماعية التي يعتمد عليها السودانيون في التواصل والتعلم والعلاج وتنظيم المساعدات والبحث عن المفقودين ومتابعة الأخبار.

بل، ومع أن السودانيين قد يختلفون حول أثرها وما تتيحه من فرص أو ما تحمله من مخاطر، يبقى أمرٌ واحدٌ محل اتفاق هو «أن جانباً مهماً من الحياة السودانية انتقل خلال الحرب إلى الفضاء الرقمي، وأعاد الناس بناء شبكاتهم الاجتماعية والمهنية والإنسانية على الشاشات الصغيرة التي حملوها معهم في رحلة النزوح واللجوء والبقاء».


ميشال عيسى... سفير أميركي بنكهة لبنانية وتوقعات كثيرة

إبان جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ الأميركي رسم ملامح سياسته فوضع مجموعة من العناوين التي تحوّلت لاحقاً إلى ملامح أساسية في أدائه
إبان جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ الأميركي رسم ملامح سياسته فوضع مجموعة من العناوين التي تحوّلت لاحقاً إلى ملامح أساسية في أدائه
TT

ميشال عيسى... سفير أميركي بنكهة لبنانية وتوقعات كثيرة

إبان جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ الأميركي رسم ملامح سياسته فوضع مجموعة من العناوين التي تحوّلت لاحقاً إلى ملامح أساسية في أدائه
إبان جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ الأميركي رسم ملامح سياسته فوضع مجموعة من العناوين التي تحوّلت لاحقاً إلى ملامح أساسية في أدائه

لم يحتج السفير الأميركي الجديد لدى لبنان عندما حلَّ في بيروت إلى «فترة تعليمية»، ولا إلى دورات خاصة في وزارة الخارجية قبل وصوله إلى محطته الأولى في العمل الدبلوماسي الذي جاءه من تقاعد قصير من عالم الأعمال والسيارات. إذ إنَّ السفير ميشال عيسى يعرف بيروت، وبقية مناطق لبنان، أكثر مما يعرف أروقة وزارة الخارجية التي لم تكن له بها أي علاقة قبل تعيينه من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لقد كان عيسى يعود إلى المدينة التي وُلد فيها، وإلى بلد حمله معه في رحلة امتدت من لبنان إلى فرنسا، ثم الولايات المتحدة، قبل أن يعود إليه ممثِّلاً للدولة الأقوى في العالم خلال واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ العلاقات اللبنانية - الأميركية.

منذ اللحظة الأولى لتعيين ميشال عيسى سفيراً للولايات المتحدة لدى لبنان، بدا واضحاً أنَّ اختيار عيسى لم يكن قراراً روتينياً داخل الإدارة الأميركية. فواشنطن لم ترسل إلى بيروت دبلوماسياً مهنياً تقليدياً أو مسؤولاً أمنياً سابقاً، بل اختارت رجل أعمال ومصرفيّاً مخضرماً يحمل جذوراً لبنانية عميقة، ويتمتع في الوقت نفسه بعلاقة مباشرة بالرئيس الأميركي دونالد ترمب.

لكن الأهم، أن تعيين عيسى جاء إبّان مرور لبنان بمنعطف تاريخي. فالبلاد كانت تحاول الخروج من أسوأ أزمة اقتصادية ومالية في تاريخها الحديث، بينما كانت تداعيات الحرب على الجبهة الجنوبية، ومستقبل العلاقة بين الدولة اللبنانية و«حزب الله»، تتصدَّر أجندة النقاشات الدولية والإقليمية.

أكثر من رسالة

وحقاً، رأى كثيرون أن اختيار عيسى يحمل أكثر من رسالة. إذ يقول صديقه النائب اللبناني فؤاد مخزومي: «من جهة أرادت واشنطن إرسال شخصية تعرف لبنان من الداخل وتفهم تركيبته المعقّدة، ومن جهة أخرى أرادت الاعتماد على رجل يتمتّع بثقة الرئيس الأميركي شخصياً ويستطيع نقل توجّهات البيت الأبيض مباشرة إلى واحدة من أكثر الساحات تعقيداً في الشرق الأوسط».

ولقد كانت من بين الخطوات اللافتة التي رافقت انتقاله إلى العمل الدبلوماسي، تخلّيه عن الجنسية اللبنانية قبل تسلّمه مهامه سفيراً للولايات المتحدة، في خطوة هدفت إلى إزالة أي التباس قانوني أو سياسي محتمل يتعلّق بازدواجية الانتماء.

من بسوس إلى «وول ستريت»

وُلد ميشال عيسى عام 1955 في العاصمة اللبنانية، بيروت، إلا أنه يتحدّر من بلدة بسوس في قضاء عاليه بمحافظة جبل لبنان.

عيسى نشأ في لبنان خلال فترة كانت البلاد فيها لا تزال تعيش سنوات الاستقرار النسبي التي سبقت الحرب الأهلية، وتلقَّى تعليمه المدرسي في بيروت قبل أن تغادر عائلته لبنان في إطار موجة الهجرة اللبنانية التي شهدتها سبعينات القرن الماضي.

فرنسا كانت محطته الأولى. وهناك تابع دراسته في الاقتصاد والمالية، وبدأت تتشكَّل شخصيته المهنية. إذ حصل على شهادة دبلوم الدراسات الجامعية العامة (DEUG) في الاقتصاد من جامعة باريس العاشرة - نانتير. وكذلك درس في كلية الدراسات العليا للبنوك في باريس. وفي أواخر السبعينات انتقل إلى الولايات المتحدة، البلد الذي سيبني فيه مستقبله المهني ويحقق فيه نجاحاته الكبرى.

قطاعا المال والمصارف

على مدى عقود، عمل ميشال عيسى في القطاعين المالي والمصرفي، متنقلاً بين مؤسسات دولية بارزة. فشغل مناصب تنفيذية في مصارف وشركات استثمارية معروفة، واكتسب خبرةً واسعةً في إدارة الديون وإعادة هيكلة الشركات والاستثمارات والأسواق المالية.

وفي عالم المال الأميركي، بنى سمعته كرجل يتمتّع بقدرة على معالجة الملفات المعقّدة، وإدارة المخاطر، وإيجاد الحلول للأزمات المالية. ومع مرور السنوات أصبح اسمه معروفاً في الأوساط الاقتصادية والاستثمارية، خصوصاً في نيويورك، حيث استقرَّ وأسَّس شبكةً واسعةً من العلاقات المهنية.

دخول دائرة ترمب

من جهة ثانية، لعل الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في سيرة ميشال عيسى هو علاقته بالرئيس الأميركي دونالد ترمب. فالرجل لم يكن مجرّد داعم سياسي للرئيس الأميركي، بل تصفه تقارير إعلامية أميركية بأنه من المقرّبين إليه، ومن شركائه في لعبة الغولف. وتعود العلاقة بينهما إلى سنوات سبقت دخولهما معاً دائرة العمل السياسي المباشر.

وعندما أعلن ترمب ترشيحه لمنصب سفير الولايات المتحدة لدى لبنان، اختار كلمات لافتة في وصفه، مشيداً بخبرته المالية الواسعة، ومسيرته في الأعمال والتجارة الدولية.

وفي بيروت، كما واشنطن، لا يُنظَر إلى هذه العلاقة على أنها تفصيل ثانوي. وهنا يقول مخزومي: «إن السفير الذي يتمتع بقناة مباشرة إلى البيت الأبيض يمتلك هامش حركة أوسع من ذلك الذي يتوافر عادة للدبلوماسيين التقليديين. ولهذا السبب اكتسب تعيين عيسى أهمية إضافية في بيروت»، معتبراً أن الرجل «لا يمثل الخارجية الأميركية فحسب، بل يحمل أيضاً ثقة الرئيس الأميركي نفسه».

وبالنسبة إلى لبنان، فإنَّ هذه العلاقة تمنح منصبه بُعداً مختلفاً. إذ إن كل رسالة ينقلها أو موقف يعلنه يُنظَر إليه بوصفه أقرب إلى «المزاج السياسي» للبيت الأبيض من كونه مجرّد رأي دبلوماسي تقليدي.

سفير تحت المجهر

منذ أسابيعه الأولى في لبنان، وجد عيسى نفسه منخرطاً في ملفات تتجاوز الدبلوماسية التقليدية. إذ شارك في لقاءات تناولت مستقبل الدعم الأميركي للجيش اللبناني، وملفات الإصلاح الاقتصادي، والجهود الدولية الرامية إلى تثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبية.

وخلال جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ الأميركي، رسم عيسى ملامح سياسته، فوضع مجموعة من العناوين التي تحوَّلت لاحقاً إلى ملامح أساسية في أدائه. فلقد تكلَّم عن أهمية دعم المؤسسات «الشرعية» اللبنانية، وتعزيز الإصلاحات الاقتصادية، و«تمكين الدولة من بسط سلطتها» على كامل أراضيها. وطبعاً، لاقت هذه المواقف ترحيباً لدى بعض القوى اللبنانية، في حين أثارت تحفّظات وانتقادات لدى أطراف أخرى رأت فيها امتداداً للمقاربة الأميركية التقليدية تجاه لبنان.

لكن ما جعلت حضوره مختلفاً عن كثير من أسلافه هي خلفيته اللبنانية.

فالرجل يتكلّم العربية بطلاقة، ويفهم تفاصيل الحياة السياسية اللبنانية، ويعرف الفوارق الدقيقة بين القوى والأحزاب والطوائف، وهذه عناصر تمنحه قدرة أكبر على فهم المشهد المحلي.

ولكن في المقابل، جعلته هذه الخلفية أيضاً عُرضةً لتدقيق أكبر. فكل تصريح يصدر عنه يُقرَأ أحياناً من زاويتين: زاوية السفير الأميركي، وزاوية اللبناني الذي يعرف تفاصيل البلد الذي يعمل فيه.

حياة خاصة... جداً

بعيداً عن السياسة والدبلوماسية، تبدو شخصية ميشال عيسى مختلفة عن الصورة النمطية لكثيرين من رجال المال. فالرياضة تُشكِّل جزءاً مهماً من سيرته الشخصية. وتشير المعلومات الرسمية إلى أنه كان منافساً دولياً في ألعاب القوى خلال شبابه، قبل أن يتحوَّل اهتمامه لاحقاً إلى رياضات أخرى أبرزها كرة المضرب والغولف.

أيضاً، تكشف هذه الخلفية الرياضية جانباً مهماً من شخصيته. فالانضباط والمنافسة والسعي إلى تحقيق النتائج هي صفات يربطها كثيرون بمسيرته المهنية الطويلة في القطاع المالي. ثم إن رياضة الغولف لعبت دوراً يتجاوز الهواية الشخصية، إذ تحوَّلت إلى أحد «الجسور» التي جمعته بالرئيس ترمب، المعروف بشغفه بهذه الرياضة.

أما عائلياً، فعلى عكس كثير من الشخصيات العامة، يحرص عيسى على إبقاء حياته العائلية بعيداً عن الأضواء. والمعلومات المتوافرة عن زوجته وولديه محدودة للغاية، الأمر الذي يعكس رغبةً واضحةً في الفصل بين حياته الخاصة وعمله العام.

بين الجذور اللبنانية والمصالح الأميركية

في الواقع، يقف ميشال عيسى عند تقاطع مسارين متوازيين. الأول شخصي بدأ في أحياء بيروت وبلدة بسوس قبل أكثر من نصف قرن، والثاني سياسي ومهني قاده إلى قلب الإدارة الأميركية. وربما تكمن فرادة تجربته في الجمع بين هذين المسارين. فهو يعرف لبنان بعيون ابن البلد، لكنه يتحرَّك فيه بصفته ممثلاً للمصالح الأميركية. يفهم تعقيدات النظام اللبناني، لكنه مُكلَّف بتنفيذ سياسات تحددها واشنطن، لا بيروت.

وهنا يقول فؤاد مخزومي إن الرجل «واضح وجريء وشفاف. هو يريد لبنان، ونحن نراهن على أصوله اللبنانية وعلى ما يحاول أن يقوم به لأنَّه يؤدي بنا إلى لبنان أفضل. هو يبني علاقات جيدة مع الجميع، وهذا هو السبب في قوة السفير».

ويضيف: «لبنان موجود في مناطق توجد فيها إسرائيل من جهة وسوريا من جهة أخرى، ولديه الملف الفلسطيني. وهنا الوجود المسيحي المميز في المنطقة. هذه كلها تُشكِّل حالةً فريدةً، لكن إذا لم يكن هناك شخص ينقل الصورة إلى البيت الأبيض كما هو السفير عيسى فلن يتحقَّق ذلك. السفير عيسى يستطيع أن يتحدث مباشرة مع مَن يتخذون القرار في الولايات المتحدة، وهذا يعطينا نقطة قوة. ونستطيع أن نبني عليه من أجل الحصول على فهم أفضل في الولايات المتحدة للموقف اللبناني».


سفراء الولايات المتحدة لدى لبنان: دبلوماسيو المهمات الصعبة

ديفيد ساترفيلد (آ ب)
ديفيد ساترفيلد (آ ب)
TT

سفراء الولايات المتحدة لدى لبنان: دبلوماسيو المهمات الصعبة

ديفيد ساترفيلد (آ ب)
ديفيد ساترفيلد (آ ب)

راهنت الولايات المتحدة على لبنان نموذجاً ليبرالياً في ظل المد الشيوعي منذ الخمسينات. ولعب سفراؤها في بيروت أدواراً رئيسية في محطات بارزة من تاريخ لبنان الذي عاش الاضطراب كما الرخاء والاستقرار، وعاش الصراعات الخارجية على أرضه، ما اضطر الولايات المتحدة لإعادة التوازن في الاصطفافات الإقليمية التي كانت تفرض إيقاعها على الداخل.

العديد من السفراء تركوا بصمة واضحة في لبنان، بدءاً من مرحلة بعد الاستقلال، إثر انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، وحتى اليوم. وهنا نستعرض بعض السفراء في مراحل حساسة:

1- جورج وادسوورث

يُعد من أوائل رؤساء البعثة الأميركية في لبنان إبّان مرحلة الاستقلال، وكان شاهداً على ولادة العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن ولبنان المستقل.

2- روبرت ماكلينتوك

وصل إلى بيروت في أعقاب «أزمة 1958» وإنزال قوات «المارينز» الأميركية في لبنان لدعم عهد الرئيس كميل شمعون. وهو يُعتبر من أبرز السفراء خلال مرحلة الحرب الباردة.

3- آرمن ماير

كان من أكثر السفراء الأميركيين نفوذاً خلال الستينات، وارتبط اسمه بعلاقات وثيقة مع الرئيس فؤاد شهاب إبّان مرحلة بناء مؤسسات الدولة اللبنانية.

4- فرانسيس إدوارد ميلوي

عُيّن سفيراً للولايات المتحدة في لبنان في مايو (أيار) 1976، وأثناء توجهه في موكب غير محمي أمنياً لمقابلة الرئيس اللبناني المنتخب إلياس سركيس وتقديم أوراق الاعتماد له، تعرّض موكبه للاختطاف في منطقة «الخط الأخضر» في بيروت. وعُثر على جثته مقتولاً بالرصاص مع المستشار الاقتصادي في السفارة روبرت وورينغ وسائقهما اللبناني في منطقة الرملة البيضاء. واتهمت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» بالضلوع في اغتيالهم.

5- جون غنتر دين

شغل موقعه في الفترة بين عامي «1978 - 1981» في أخطر المراحل من الحرب الأهلية. وفي أغسطس (آب) 1980 نجا السفير دين من محاولة اغتيال في الحازمية (إحدى ضواحي بيروت). وسعى لفتح قنوات اتصال مع «منظمة التحرير الفلسطينية»، تمهيداً لإنهاء أزمة لبنان قبل الغزو الإسرائيلي في عام 1982.

6- روبرت ديلون

تولّى منصب سفير الولايات المتحدة لدى لبنان في الفترة ما بين 1981 و1983، وذلك في حقبة «التغييرات»، إذ شهدت حقبته الغزو الإسرائيلي وصولاً إلى بيروت، وإبعاد «منظمة التحرير الفلسطينية» من لبنان إلى تونس، وانتخاب الرئيس بشير الجميل ثم اغتياله، وتوقيع «اتفاقية 17 أيار» بين لبنان وإسرائيل. في تلك الحقبة، لعبت واشنطن دور الوسيط لإخراج «منظمة التحرير»، وأرسلت قوات «المارينز» ضمن قوة متعددة الجنسيات. لكن عام 1983 كان مفصلياً، فيوم 18 أبريل (نيسان) فجّر انتحاري شاحنة مفخّخة في مقر السفارة الأميركية بحي عين المريسة في بيروت، فقتل 63 شخصاً بينهم 17 أميركياً. وبعدها في أكتوبر (تشرين الأول) قتل 241 جندياً أميركياً في تفجير ثكنة «المارينز» قرب مطار بيروت، واتهم «حزب الله» و«الحرس الثوري الإيراني» بالضلوع في التفجيرين.

7- جون توماس ماكارثي

تولّى مهامه في واحدة من أخطر مراحل الحرب الأهلية اللبنانية خلال الصراع بين حكومتي العماد ميشال عون العسكرية، ورئيس الحكومة في بيروت الغربية سليم الحص. وكان من أبرز الوجوه الأميركية في مرحلة «اتفاق الطائف».

في عهده، غادر وطاقمه بيروت، ولم يستأنف العمل إلا يوم 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 1990، عندما قدّم السفير رايان كروكر أوراق اعتماده، إيذاناً بمرحلة إعادة بناء العلاقة بعد «اتفاق الطائف» الذي أوقف الحرب اللبنانية.

8- ديفيد ساترفيلد

لعب دوراً بارزاً في ملفات الجنوب اللبناني والعلاقة الأميركية - السورية في نهاية عهد الرئيس السوري حافظ الأسد، وفي عهده انسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000.

جيفري فيلتمان (آ ف ب)

9- جيفري فيلتمان

ربما يكون فيلتمان الأكثر شهرة في الذاكرة السياسية اللبنانية الحديثة. تولّى منصبه خلال اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، واندلاع «انتفاضة 14 آذار»، وخروج الجيش السوري من لبنان، و«حرب يوليو (تموز)» 2006. كان لاعباً أساسياً في السياسة الأميركية تجاه لبنان، ثم أصبح مساعداً لوزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى.

10- ميشيل سيسون

تابعت مرحلة ما بعد «اتفاق الدوحة» وصعود الانقسام السياسي بين فريقي «8 و14 آذار»، وتميّزت بعلاقات واسعة مع مختلف القوى اللبنانية.

11- مورا كونيللي

وصلت مع اندلاع الحرب السورية وتزايد انعكاساتها على لبنان، وشهدت بدايات الانخراط الأميركي المكثّف في دعم الجيش اللبناني.

12- دوروثي شيا

أصبحت من أكثر السفراء الأميركيين حضوراً في الإعلام اللبناني خلال مرحلة الانهيار المالي وانفجار مرفأ بيروت والصراع السياسي الداخلي.

13- ليزا جونسون

أدارت مرحلة الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» بعد أحداث 2023، وكانت من أبرز الوجوه الأميركية في جهود التهدئة والاتصالات السياسية والعسكرية.

عاجل كأس العالم: كوريا الجنوبية تتجاوز التشيك 2-1