الأمم المتحدة: مشوار 70 سنة مع «فن الممكن»

ولدت من ركام الحرب العالمية الثانية وإخفاقات «عصبة الأمم

الأمم المتحدة: مشوار 70 سنة مع «فن الممكن»
TT

الأمم المتحدة: مشوار 70 سنة مع «فن الممكن»

الأمم المتحدة: مشوار 70 سنة مع «فن الممكن»

تحتفل منظمة الأمم المتحدة هذه الأيام بالذكرى السنوية السبعين لتأسيسها. ومع أن الآراء تختلف في تقييم مدى نجاح المنظمة في تحقيق الأهداف التي وضعتها نصب عينيها عند تأسيسها، فثمة من يشير إلى أن المنظمة في نهاية المطاف مؤسسة تعبّر عن ميزان القوى بين الدول الأعضاء المؤثرة، ثم إن اهتماماتها لا تقتصر على الجانب السياسي فحسب، بل تضم وكالات متخصّصة في شتى المجالات، معظمها يعمل بصمت. ووفق وثائق الأمم المتحدة هناك تشديد على أنها «ليست حكومة عالمية» ولا هيئة تشريعية تضع قوانين، ولكنها مؤسسة توفّر سبل المساعدة على حل النزاعات الدولية وصوغ السياسات المتعلقة بالمسائل التي تمس العالم أجمع. وفي ما يلي لمحة تاريخية عن بعض أهم المحطات في مسيرة المنظمة.
أسست منظمة الأمم المتحدة عام 1945 بعدما وضعت الحرب العالمية أوزارها وانتهت بانتصار «الحلفاء» بقيادة الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وبريطانيا وفرنسا على «المحور» بقيادة ألمانيا واليابان وإيطاليا. وهي تضم في عضويتها اليوم 193 دولة. ووفق مبادئ المنظمة فإنها تسترشد في مهمتها وعملها بالأهداف والمقاصد الواردة في ميثاق تأسيسها.
* التأسيس والهيكل
شارك في تأسيس الأمم المتحدة يوم 24 أكتوبر (تشرين الأول) 1945، 51 بلدًا ملتزمًا بحفظ السلام عن طريق التعاون الدولي والأمن الجماعي. ومن الناحية القانونية، فعندما تحصل دولة ما على عضوية المنظمة فإنها توافق عمليًا ورسميًا على القبول بالالتزامات المنصوص عليها في ميثاق المنظمة، وهو معاهدة دولية تحدد المبادئ الأساسية للعلاقات الدولية. وللأمم المتحدة - وفقًا للميثاق - أربعة أهداف هي: صون السلم والأمن الدوليين، وتنمية العلاقات الودية بين الدول، وتحقيق التعاون على حل المشكلات الدولية وتعزيز احترام حقوق الإنسان، وجعل هذه الهيئة مركزًا لتنسيق أعمال الدول.
* بدايات العمل الدولي المنظم
بدأ العمل الدولي المؤسساتي المنظم مع تأسيس «عصبة الأمم» عام 1920 عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، بهدف حفظ السلام العالمي بناء على فكرة «الأمن المشترك». غير أن «العصبة» فشلت في مهمتها الرئيسة مع اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939. وكانت تلك الحرب قد تفجرت في أعقاب غزو ألمانيا النازية أراضي جارتها بولندا.
وفي عام 1941 وقّع رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل والرئيس الأميركي فرانكلن روزفلت على ميثاق الأطلسي الداعي إلى «منظومة دائمة وأوسع للأمن العام». والتقى قادة «الحلفاء» قبل إنجاز الانتصار في الحرب العالمية الثانية بفترة طويلة، على فكرة إنشاء منظمة دولية مختصة بحفظ السلام والأمن. وكان «ميثاق الأطلسي».
وفي العام التالي، 1942، استخدم لأول مرة مصطلح «الأمم المتحدة» الذي ابتكره الرئيس روزفلت. وبعد أقل من شهر على الهجوم الذي شنته اليابان على قاعدة بيرل هاربر (في جزر هاواي) الذي جعل الولايات المتحدة تدخل الحرب العالمية الثانية، وقعت الدول الست والعشرون المحاربة لألمانيا واليابان وإيطاليا «إعلان الأمم المتحدة» الذي توسّع في مبادئ الأمن العام المقررة في «ميثاق الأطلسي».
ثم عام 1944، أنشئ كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وأبرم خبراء السياسة والاقتصاد في اجتماع لهم في منتجع بريتون وودز بولاية نيوهمبشاير الأميركية اتفاقات إنشاء المؤسستين الماليتين ووضعوا هيكل النظام المالي لفترة ما بعد الحرب. وفي العام نفسه، أي عام 1944 عقد مؤتمر دومبارتون أوكس، في العاصمة الأميركية واشنطن ليضع قاعدة «الأمم المتحدة» المقبلة. ودعا الرئيس روزفلت كلاً من الاتحاد السوفياتي والصين بريطانيا (ولاحقًا فرنسا) بجانب الولايات المتحدة لوضع أول مخطط حقيقي لأمم متحدة عاملة. وإنشاء مجلس أمن من عشرة أعضاء متغيّرين وخمسة أعضاء دائمين يتمتعون بحق النقض «الفيتو»، يعهد إليه مسؤولية المهام الخاصة بحفظ السلام والسماح له باستخدام أي وسائل ضرورية لوقف أي اعتداء.
وفي عام 1945 عقد مؤتمر يالطا، في شبه جزيرة القرم (بجنوب الاتحاد السوفياتي) وفيه بحث موضوع حق النقض «الفيتو» في مجلس الأمن. كذلك جرى منح الصين وفرنسا مقعدين دائمين في المجلس وأصبح من حق الأعضاء الخمسة الدائمين استخدام «الفيتو» ضد أي شيء غير المسائل الإجرائية، لكنها يمكن أن تمتنع عن التصويت على الأمور السلمية التي تهمهم. وبعد حصوله على موافقة الاتحاد السوفياتي، وافق روزفلت حينها على منح السوفيات ثلاثة أصوات في الجمعية العامة للأمم المتحدة: واحد للاتحاد السوفياتي نفسه والآخر لجمهوريتي أوكرانيا وروسيا البيضاء السوفياتيتين.
* ولادة الأمم المتحدة
توقيع ميثاق الأمم المتحدة جرى عام 1945 في مؤتمر سان فرانسيسكو، ولكن رغم البت في معظم القضايا الحاسمة في التمهيد لهذا المؤتمر، استغرق الأمر شهرين لصياغة مسودة الميثاق. وفي النهاية وقّعت وفود 50 دولة على ميثاق الأمم المتحدة يوم 26 يونيو (حزيران).
ويوم 24 أكتوبر 1945 أبصرت المنظمة الدولية النور رسميًا مع إقرار الميثاق في أعقاب مصادقة الدول العظمى الخمسة الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وبريطانيا والصين (قبل انتصار الشيوعيين) وفرنسا وأغلبية الحضور الآخرين في المؤتمر. وكانت الولايات المتحدة أول دولة تصادق على الوثيقة يوم 8 أغسطس (آب). وما يذكر في هذا المجال، أنه بنهاية الحرب في ذلك بلغ عدد القتلى 61 مليون قتيل في أوروبا وآسيا وشمال أفريقيا.
وفي العام التالي، 1946، التقى الجمعية العامة ومجلس الأمن لأول مرة في العاصمة البريطانية لندن. وتبنت الجمعية العامة أول قراراتها يوم 24 يناير (كانون الثاني) 1946، وركز القرار على الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية وإزالة الأسلحة الذرية وأسلحة الدمار الشامل الأخرى.
* وجرى انتخاب النرويجي تريغفي لي أول أمين عام للأمم المتحدة.
وعلى صعيد آخر، في عام 1946 أيضًا، أصبحت نيويورك مقرًا للمنظمة بعد عام على مهمتها في لندن ما بعد الحرب، وتقرر الانتقال يوم 14 ديسمبر (كانون الأول)، وذلك بعد تبرع الثري الكبير جون روكفلر بمبلغ 8.5 ملايين دولار لشراء موقع المسالخ السابقة الكائن في الحي الشرقي لنيويورك. وتم انتقال الأمم المتحدة رسميًا إلى مقرها الجديد في مدينة نيويورك عام 1952.
سنوات الحرب الباردة (1946 – 1960)
بدأت المنظمة الدولية مسيرتها مع استخدام الاتحاد السوفياتي «الفيتو» لأول مرة في مجلس الأمن. ففي 16 فبراير (شباط) 1946 اعترض المندوب السوفياتي أندريه فيشينسكي على قرار يدعو إلى انسحاب القوات البريطانية والفرنسية من سوريا لأنه اعتبر لغة القرار هزيلة جدًا.
* فلسطين أطول الأزمات «عمرًا»
كانت إيران السبب في أولى أزمات «الحرب الباردة» في الأمم المتحدة، إذ احتلت القوات البريطانية والسوفياتية إيران منذ عام 1941 لحماية مخزونات النفط من خطر الوقوع في أيدي ألمانيا النازية. ولقد رفض السوفيات لاحقًا سحب قواتهم فعرضت القضية أمام مجلس الأمن في مارس (آذار) 1946.
وكانت الأزمة الثانية والأطول عمرًا حتى الآن أزمة فلسطين. فعام 1947 أقرت الجمعية العامة تقسيم فلسطين إلى دولة عربية مستقلة وأخرى يهودية وجعل القدس مدينة دولية. وسلّمت بريطانيا انتدابها على فلسطين من قبل «عصبة الأمم» إلى الأمم المتحدة، وأعلنت دولة إسرائيل عام 1948 ومع إعلان الدولة العبرية اندلعت أولى الحروب العربية – الإسرائيلية. وجرى إنشاء «هيئة مراقبة الهدنة» عام 1948 لمراقبة السلام في فلسطين. وصدور القرار 194 الذي يقرر إنشاء هيئة التشغيل والإغاثة التابعة للأمم المتحدة الـ«أونروا» من أجل اللاجئين الفلسطينيين.
* الحرب الكورية وحرب السويس
الأزمة الثانية كانت الحرب الكورية، وفي عام 1950، في غياب الاتحاد السوفياتي، صوت مجلس الأمن بضغط أميركي على دعم أعضاء المنظمة الدولية كوريا الجنوبية ضد كوريا الشمالية. وانتهت تلك الحرب عام 1953 بمقتل الملايين وتقسيم شبه الجزيرة الكورية بين شيوعيي الشمال ورأسماليي الجنوب. وفي عام 1953 انتخب السويدي داغ همرشولد أمينًا عامًا جديدًا للمنظمة خلفًا لتريغفي لي، وقدّر له أن يقتل في حادث طائرة في الكونغو أثناء مهمة وساطة لحل أزمة الكونغو الدامية عام 1961، وعلى الأثر خلفه يو ثانت من بورما (ميانمار).
الأزمة التالية الكبرى كانت أزمة السويس عام 1956، التي شهدت «العدوان الثلاثي» الذي شنته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر في أعقاب تأميم الرئيس جمال عبد الناصر قناة السويس ودعمه الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي.
* أزمتا الكونغو وقبرص ونكسة 1967
وفي مطلع عقد الستينات من القرن الماضي تفجّرت الأزمة في الكونغو، وأرسلت قوات حفظ السلام إلى ذلك البلد الأفريقي. وكانت عمليات الأمم المتحدة في الكونغو قد بدأت في يوليو (تموز) 1960 لضمان انسحاب القوة الاستعمارية السابقة بلجيكا، ولحفظ القانون والنظام.
وخلال عقد الستينات أيضًا فرضت أزمة قبرص نفسها على الأمم المتحدة، وعام 1964 تقرر إرسال قوات حفظ سلام إلى الجزيرة لمنع القتال بين سكانها الأتراك واليونانيين، ورغم انتهاء العداوات الواضحة عام 1974 ظلت البعثة هناك للإشراف على وقف إطلاق النار والإبقاء على منطقة عازلة وتقديم المساعدات الإنسانية. وتعتبر هذه العملية من أطول عمليات السلام للأمم المتحدة. وعام 1966 فرض مجلس الأمن يفرض عقوبات إلزامية ضد روديسيا (زيمبابوي حاليًا) احتجاجًا على حكومة الأقلية العنصرية البيضاء فيها برئاسة إيان سميث.
ولكن، مجددًا، عاد الشرق الأوسط إلى صدارة الأحداث مع اندلاع حرب يونيو عام 1967، التي شهدت شن إسرائيل حربًا خاطفة على مصر والدول العربية. ومجلس الأمن يوافق على القرار 242 كإطار للسلام في المنطقة، على أساس انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي استولت عليها في مقابل الاعتراف بدولة إسرائيل. غير أن القرار مرّ عليه 33 عامًا دون أن التزام إسرائيلي.
* الصين الشعبية تأخذ مكان تايوان
كان الحدث الأبرز عام 1971 تصويت الجمعية العام للأمم المتحدة على الاعتراف بالنظام الشيوعي لجمهورية الصين الشعبية، بعدما ظلت الولايات المتحدة تصر على إبقائها خارج مظلة الأمم المتحدة لمدة 22 سنة، ما عرف بحكومة «الصيت الوطنية» برئاسة تشيانغ كاي شيك المنفية في جزيرة تايوان. وخلال السبعينات انتخب النمساوي كورت فالدهايم أمينًا عامًا للأمم المتحدة. وعقد أول مؤتمر للأمم المتحدة حول البيئة في السويد وتمخض عنه إنشاء برنامج الأمم المتحدة للبيئة. واعترفت الجمعية العامة (1974) بمنظمة التحرير الفلسطينية «الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. وفي العام التالي أقرت الجمعية إعلان الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية. وبعد اتخاذ مجلس الأمن عام 1977 قرارًا بحظر أسلحة إلزامي ضد جنوب أفريقيا بسبب سياسة الاضطهاد العنصري (إلحاقًا للحظر الطوعي الذي أقر عام 1963)، أقرت الجمعية العامة عام 1979 معاهدة حول محو كل أشكال التمييز ضد المرأة.
* عقد الثمانيات
كانت أبرز محطات الثمانينات الحرب الإيرانية – العراقية الأولى (من 1980 إلى 1988)، وفي مطلع 1982 انتخب خافيير بيريز دي كويلار (من البيرو) أمينًا عامًا للأمم المتحدة عام 1982، وخلال عامين انسحبت (مؤقتًا) الولايات المتحدة وبريطانيا من منظمة اليونيسكو احتجاجًا على ما اعتبرته قيادتاهما اليمينيتان (رونالد ريغان ومارغريت ثاتشر) الموازنات الضخمة والاتهام بتحيز المنظمة ضد الغرب. وفي عام 1988 قررت الأمم المتحدة إرسال لحفظ السلام لمراقبة وقف إطلاق النار بين العراق وإيران لوقف أطول حرب كلاسيكية في القرن العشرين.
* حرب الخليج الثانية.. والحروب اليوغوسلافية
عام 1991 شهد الشرق الأوسط والعالم «حرب الخليج الثانية» بقصف الولايات المتحدة لبغداد بتفويض من الأمم المتحدة. وكان الرئيس العراقي صدام حسين قد غزا الكويت في أغسطس 1990. وأصدر مجلس الأمن على الفور وبإجماع تام إدانة للعدوان في اجتماع طارئ، وعقب ذلك 11 قرارًا تجعل إنهاء الغزو العراقي جهدًا دوليًا. واستخدمت الولايات المتحدة القوة بتفويض من الأمم المتحدة وانسحبت قوات صدام ولكنه ظل في الحكم.
وعام 1991 أيضًا وقع اتفاق سلام في أنغولا بين الحكومة اليسارية ومتمردي حركة يونيتا اليمينيين، لكن المعارك. ومن ثم شككت يونيتا (المدعومة من نظام جنوب أفريقيا العنصري) في نتائج الانتخابات التي أعلنت الأمم المتحدة أنها حرة ونزيهة وانتصر فيها حزب الحركة الشعبية اليساري الحاكم، واستؤنف القتال.
وفي العام ذاته بدأت حرب تفكك يوغوسلافيا. وكذلك، بضغط أميركي، ألغت الجمعية العامة قرارها السابق بإلغاء مساواة الصهيونية بالعنصرية. كذلك بدأ التفاوض لتسوية الأزمة في السلفادور ووقعت الحكومة السلفادورية والثوار اتفاق سلام في مقر الأمم المتحدة عند منتصف ليلة رأس السنة الميلادية لعام 1991 بإنهاء الحرب الأهلية التي دمرت البلاد خلال عقد الثمانينات.
وفي عام 1992 أصبح المصري الدكتور بطرس بطرس غالي أول أمين عام للمنظمة من بلد عربي. وفي ذلك العام أنشئت قوة الحماية التابعة للأمم المتحدة في ما عرف بعد ذلك بيوغوسلافيا السابقة. وجرى تشكيل قوة الحماية لحراسة تسليم المساعدات الإنسانية إلى المدنيين المحصورين في مناطق القتال بالبوسنة وكرواتيا ولإقامة مناطق آمنة منزوعة السلاح. وعلى الصعيد البيئي عقدت «قمة الأرض» في ريو دي جانيرو بالبرازيل بحضور قادة أكثر من 100 دولة.
بعد ذلك عام 1993 استقلت إريتريا عن إثيوبيا في استفتاء تحت إشراف الأمم المتحدة. ومن ثم اندلعت الحرب بين إثيوبيا وإريتريا عام 1998 بسبب نزاع حدودي وبعد سنتين من القتال تدخلت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة لمراقبة وقف إطلاق النار بين البلدين. وفي العام نفسه أشرفت الأمم المتحدة على الانتخابات التي عقدت في كمبوديا. وتفاقمت الأزمة الصومالية مع مقتل 18 جنديًا أميركيًا. وكانت بدأت بعثة الأمم المتحدة كمحاولة لتأمين تسليم المساعدات الإنسانية، ولكن سرعان ما اتسعت لتشمل إعادة النظام إلى البلد الذي كان يعيش حالة من الفوضى.
* مذابح رواندا
وشهد عام 1994 مجازر راح ضحيتها نحو 800 ألف شخص من قبائل التوتسي في رواندا خلال 100 يوم. ولقد أدان مجلس الأمن المجازر ومن ثم، أنشأ المجلس محكمة للجناة. وفي أفريقيا أيضًا أجريت تحت إشراف المنظمة انتخابات في جنوب أفريقيا وأعيد ضمها إلى الأمم المتحدة (بعد 24 سنة من الغياب) وانتخب نيلسون مانديلا رئيسًا لها. وراقبت المنظمة أول انتخابات متعددة الأحزاب في موزمبيق، ورعت اتفاق سلام أنهى حربًا أهلية دامت 15 سنة وإجراء انتخابات حرة في البلاد. وفي العام التالي، 1995، أنشئت أول حكمة لجرائم الحرب في يوغوسلافيا السابقة، غير أن الذكرى السنوية الخمسين لتأسيس المنظمة شوهه تقصيرها الفظيع في حماية أكثر من 20 ألف مسلم من القتل في المنطقة الآمنة التابعة للأمم المتحدة بمدينة سربرينتشا البوسنية. وأصدر الأمين العام للأمم المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني) 1999 تقريرًا رسميًا عن سقوط سربرينتشا التي تلقت ضربة قوية ونظرة ناقدة لإخفاقات الأمم المتحدة في العملية. بعدها تولى حلف شمال الأطلسي «ناتو» عمليات حفظ السلام في البوسنة.
* فصل عراقي جديد
تولى كوفي أنان (من غانا) عام 1997 منصب الأمين العام، وباشر وضع خطة إصلاح للأمم المتحدة بمجرد توليه منصبه. وفي العام التالي عاد العراق إلى هموم المنظمة مع انسحاب مفتشي الأسلحة من العراق بعد اتهام العراق لهم بالتجسس لصالح الولايات المتحدة واعتراف أعضاء في فريق التفتيش بهذه التهمة. وصادق أنان على قصف «ناتو» ليوغوسلافيا. ثم عام 1999 أنشئت بعثة الأمم المتحدة للإدارة المؤقتة في إقليم كوسوفو لتدبير الأمور في الإقليم اليوغوسلافي السابق. كذلك صوت إقليم تيمور الشرقية بأغلبية كبيرة من أجل الاستقلال عن إندونيسيا، وفي أكتوبر من ذلك العام باشرت الإدارة الانتقالية التابعة للأمم المتحدة مسؤوليتها رسميًا في تيمور الشرقية وتهيئة البلد للاستقلال. وفي أفريقيا، وقعت الكونغو (الديمقراطية) وخمس دول أفريقية أخرى على «اتفاق لوساكا» للسلام، وبعدها أقر مجلس الأمن قوة مراقبة قوامها 5500 فرد، لكن القتال استمر، واغتيل الرئيس الكونغولي لوران كابيلا برصاص حارسه الشخصي وتولى ابنه جوزيف السلطة. وحول مجازر رواندا حمّل المحققون المستقلون مجلس الأمن والولايات المتحدة وفرنسا وبلجيكا مسؤولية الإخفاق في إيقاف الإبادة الجماعية.
* الألفية الثالثة
عام 2001 فرض مجلس الأمن «عقوبات ذكية» على ليبيريا لاتهامها بإيقاد نار الحرب الأهلية في سيراليون بتشجيع تجارة الأسلحة المحظورة مقابل الألماس. وعقد مؤتمر ضد التمييز العنصري في دوربان بجنوب أفريقيا. لكن الحدث الأبرز ذلك العام كانت اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول) في نيويورك وواشنطن، التي وضعت محاربة الإرهاب في رأس جدول الأعمال الدولي، التي أدت إلى مهاجمة أفغانستان ثم احتلال العراق وإسقاط حكم الرئيس صدام حسين.
وفي العام التالي وقع اتفاق سلام في أنغولا عقب وفاة جوناس سافيمبي، زعيم حزب يونيتا اليميني، منهيا بذلك حربًا أهلية طالت 27 سنة. كذلك أصبحت تيمور الشرقية عضو الأمم المتحدة الـ191، وذلك يوم 27 سبتمبر بعد أربعة أشهر من استقلالها رسميًا عن إندونيسيا. وعاد مفتشو الأمم المتحدة إلى العراق، وجرى رفع العقوبات المفروضة على العراق منذ بدء حرب الخليج الثانية، يجب أن يتخلص العراق من كل أسلحة الدمار الشامل التي لديه والخضوع للمراقبة، وبمجرد الانتهاء من هذا الأمر يمكن للعراق أن يبدأ في بيع نفطه.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.