جولي دلبي حضرت مهرجان فينيسيا خارج المسابقة بفيلمها الجديد «لولو»

الممثلة والمخرجة الفرنسية تميل إلى أفلام الستينات وتستمع إلى {النصائح» لكنها تنفذ ما في بالها

مشهد  من فيلم «لولو».
مشهد من فيلم «لولو».
TT

جولي دلبي حضرت مهرجان فينيسيا خارج المسابقة بفيلمها الجديد «لولو»

مشهد  من فيلم «لولو».
مشهد من فيلم «لولو».

خلال انعقاد مهرجان فينيسيا الأخير من 2 إلى 12 سبتمبر (أيلول) حضرت الممثلة والمخرجة الفرنسية جولي دلبي بفيلمها الجديد «لولو» الذي تم عرضه في أيام الدورة الأولى. جولي دلبي أمّت المهرجان بدورها من دون توقعات كبيرة لأن الفيلم اختير خارج المسابقة في تظاهرة «أيام فينيسيا».
«لولو» فيلم كوميدي كتبته الممثلة التي استعان بها المخرج الفرنسي جان - لوك غودار ليمنحها فرصتها الكبيرة الأولى في السينما مسندًا إليها دورًا بارزًا في فيلمه «تحري» سنة 1985. بعد ذلك شاهدناها بمعية عدد مهم من المخرجين البارزين في فرنسا: مع غودار مرّة أخرى في «الملك لير» وتحت إدارة برتران تافرنييه في «بياتريس» وكريستوف كيوزلوفسكي في «ثلاثة ألوان: أزرق» (1993) ثم في «ثلاثة ألوان: أحمر» (1994) وهذا بالإضافة إلى أدوارها في أفلام أوروبية أخرى مثل «أوروبا، أوروبا» للبولندية أنجيسكا هولاند و«الرحالة» للألماني فولكر شلندروف.
لكن التجربة الأميركية لهذه الممثلة التي تبلغ الآن 45 سنة، هي الأكثر لفتًا للاهتمام كونها حطّت الرحال في حفنة من أفلام المخرج الأميركي رتشارد لينكلاتر بدءًا من «قبل الشروق» سنة 1995 وانتهاء - حتى الآن على الأقل - «قبل منتصف الليل» قبل عامين.
«لولو» متأثر بأسلوب لينكلاتر، المتأثر بدوره بأسلوب السينما الفرنسية الممارس من قِـبل فنانين معينين لا يكترثون للحبكة بقدر ما يكترثون للحوار. لكن تأثر دلبي بلينكلاتر ليس بصمًا أو استنساخًا، بل هو في إطار التناول المرهف للشخصيات في حين أن الحبكة لها سعة جماهيرية أوسع من تلك التي لأفلام أستاذها.
تلعب جولي دلبي فيه شخصية أم تعمل بنجاح في عالم الأزياء. فجأة هناك شغف برجل جديد في حياتها (يوفر الدور داني بون) وتبدو هي سعيدة بهذه العلاقة المنشودة بينهما. لكن ما يتحكم فيها أمر مفاجئ حتى بالنسبة لها: لقد تدخل ابنها المراهق (فنسنت لاكوست، واسمه لولو في الفيلم) لكي يفسد العلاقة بين أمه وحبيبها لأنه يريد البرهنة على أنه صاحب الكلمة الأولى في البيت. بكلمات أخرى: رجل البيت.
الموقف يفاجئ بطلتنا لكن دلبي لن تدخل حبكة نفسية شائكة بل ستتجه بكل هذه المعطيات صوب أوضاع كوميدية صرفة. بعد تأسيس الشخصيات ومصادرها ينخفض سقف التوقعات الفنية ويعلو مستوى القفشات الخفيفة لينتهي الفيلم وقد حقق نصف ما كان مرجوا منه.
هذا هو الفيلم السادس من إخراجها والسادس والخمسون من تمثيلها. وهي تبدو في غاية اليقظة والحضور حين الجلوس إليها.
* شخصيتك هنا تختلف عن الشخصيات التي شاهدناها في أفلام سابقة لك ومن بينها أفلام قمت بتحقيقها بنفسك. ما السبب؟
- إنه مشروع مختلف. لقد أردت منذ سنوات أن أجد نفسي في فيلم كوميدي. مللت الأفلام التي علي أن أعامل كل شيء فيها… الحبكة وشخصيتي والشخصيات الأخرى… بجدية مطلقة. بحثت عن مشروع يلبي هذه الرغبة والنتيجة هذا الفيلم.
* لكنك كتبته بنفسك كما كتبت أفلامك السابقة. لم يأت المشروع إليك بل ذهبت أنت إليه.
- نعم. كنت مستعدة في وقت من الأوقات لأن أتسلم عرضًا كهذا من مخرجين أو منتجين. لكن ما عرض علي، وأنا صريحة هنا، لم يلفت نظري باستثناء فيلم ما زال قيد الإعداد. لم أرد الانتظار. فكّرت في الوضع الذي يمكن أن يحصل لامرأة في مثل سني إذا ما كان ابنها ينافسها على إدارة حياتها ويريد التحكم في اختياراتها.
* لماذا تكتبين أفلامك؟
- بدأت كاتبة. بدأت وأنا في العاشرة على ما أعتقد. تعودت عليها. أكتب بسرعة.
* كم يأخذ منك السيناريو وقتًا؟
- أسبوعين أو أقل. أكتب بسرعة شديدة. طبعًا لأن السيناريو عمل ذاتي ولا يحتاج إلى البحث ولا إلى تمويل هوليوودي أو ميزانية كبيرة… هذا يساعد على إنجازه بسرعة.
* في الفيلم تبدأ الحديث عنه كما لو كان ولدًا صغيرًا… تسميه «صبييها الصغير».
- هذه هي المشكلة في جذورها. لقد عاملته كما لو كان ولدًا صغيرًا طوال الوقت حتى من بعد أن كبر وصار شابًا في التاسعة عشرة من العمر. وهو في اعتقادي لا يختار كيف يشعر الآن أو كيف يتصرف. هو محكوم بالمعاملة الحانية التي تلقاها صغيرًا.
* هذه الأم مشغولة بين عملها وبين صداقتها الجديدة وبين محاولة فهم ابنها، لكن الفيلم لا يبتعد كثيرًا داخل هذه الشخصية أو سواها. صحيح؟
- نعم. هذا قراري من البداية أن أمنح المشاهد معالجة خفيفة لموضوع أراه مهمّا وواقعيًا. هناك الكثير من هذه الحالات في كل مكان من العالم. أعرف ذلك علم اليقين. لكن على ذلك، لا بد أنك لاحظت أنني في الفيلم امرأة جادة في كل شيء. الأمور ليست سهلة التحليل دائمًا.
* أين رتشارد لينكلاتر في كل هذا؟ هذا الفيلم يبدو لي أكثر تحررًا من علاقتك الفنية بالمخرج الأميركي… أكثر تحررًا من فيلمك السابق كمخرجة «يومان في نيويورك».
- بالطبع… هذا كان يجب أن يحدث. أولاً «يومان في نيويورك» هو فيلم أميركي بقدر ما هو فرنسي وهو مثل أفلام رتشارد أكثر جدية من هذا الفيلم. أعتقد أنني ما زلت معجبة بأسلوبه في العمل لكني مرتاحة أيضًا في الاختلاف عنه. لكن ألا تعتقد أنه حتى في ذلك الفيلم لم أقدم على التماثل مع أفلام لينكلاتر التي مثلتها له؟
* هناك مخرج آخر كنت على عمل شبه دائم معه لكنه رحل باكرًا هو (تهز رأسها قبل نطق اسمه) كيوسلوفسكي…
- بالتأكيد. كنت ما زلت صغيرة في مهنتي. شابة في عمري وبحاجة لمساندة معنوية ولنصائح مهنية. كريستوف قدّم لي هذه المساندة. عقدنا جلسات كثيرة تحدثنا فيها عن فن كتابة السيناريو وعنه كمخرج ومفهومه للإخراج. لكني لا أستطيع أن أقول إنني ملتزمة بأسلوبه أو بأسلوب أي مخرج تعاملت معه. هناك أنا وهناك المعرفة. المعرفة تتنوّع ومصادرها هي من عملت معهم. لكن هناك أنا في النهاية وأفلامي تمثلني وحدي.
* هل وجدت التمويل سهلاً لهذا الفيلم، أو لأي من أفلامك كمخرجة؟
- لم أجهد كثيرًا. طبعًا هناك المشاورات وفترات الانتظار. هناك المرات التي كنت أجلس فيها وحدي متسائلة إذا ما كان الوقت قد حان لأتصل بميشال (منتج الفيلم ميشال جنتيل) لأسأله إذا ما كانت لديه أي أخبار جديدة مع العلم بأني كنت أعلم أنه سيتصل بي حال سماعه شيئا. لكن كل شيء كان سهلاً أمام هذا المشروع.
أفلامي غير مكلفة وأنا أحسن الاستماع إلى النصائح ولو كنت سأنفذ ما في بالي في النهاية.
* أي نوع من الأفلام التي تقومين بها هو أحب إليك عمومًا؟
- أحب النوع الذي من السهل الحصول على تمويل له (تضحك)… هذا هو الجواب السريع. طبعًا لكي تضمن أن يكون التمويل سريعًا في المرّة المقبلة أيضًا، عليك أن تجد التوازن الصحيح بين الفيلم كرغبتك الفنية وبينه كرغبة الجمهور الترفيهية. إذا وجدت هذا التوازن فإن أعمالك المستقبلية كلها مؤمّنة.
* في العموم أي نوع من الأفلام تحبين أكثر؟
- لا أميل إلى نوع معين بقدر ما أميل إلى فترة زمنية. لقد كبرت على أفلام الستينات. كنت صغيرة وكنت أحب السينما وكنت أحب التمثيل وكل هذا الحب من جراء أفلام الستينات والسبعينات. مرّة بعد مرّة وكلما كان ذلك متاحًا أشاهد «العراب» أو أشاهد «بوني وكلايد».
* هي الفترة التي شهدت أداءات لم يعد هناك مثيل لها في أفلام اليوم.
- تمامًا. أعني أنظر إلى فاي داناواي في «بوني وكلايد» أو إلى آل باتشينو في «العراب» أو روبرت دينيرو في «سائق التاكسي» أو جين هاكمان في «المحادثة» أو الكثير سواها… هذه أفلام كتبت لكي تتميّز ولكي يتميّز فيها كل عنصر من عناصرها، التمثيل والإخراج والموسيقى وكل شيء.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».