اتسمت العلاقات المصرية الروسية التي بدأت دبلوماسيا (مع الاتحاد السوفياتي السابق) منذ عام 1943، واستمرت على كافة الأصعدة بعد ذلك بأنها «علاقات راسخة ومستمرة» بحسب الخبراء، رغم مرورها بفترتين من الخمول نتيجة متغيرات سياسية؛ إلا أن هذه العلاقة تشهد ذروة غير مسبوقة في حجمها وتنوعها منذ تولي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي سدة الحكم في مصر في يونيو (حزيران) عام 2014.
وبحسب المراقبين والخبراء الذين تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، فإن تبادل الزيارات على المستوى الرئاسي، الذي شهد ثلاث زيارات للسيسي إلى روسيا كرئيس، إضافة إلى زيارة سابقة إبان توليه حقيبة وزارة الدفاع المصرية، وزيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى القاهرة في فبراير (شباط) الماضي، إنما يدل على التطور الرفيع في العلاقات المشتركة بين البلدين، خاصة أنها كانت «زيارات غير مراسمية» إنما كانت زيارات منتجة للكثير من الاتفاقات الحيوية التي تصب في مصلحة الدولتين.
وبينما تنظر القاهرة إلى موسكو على أنها «حليف استراتيجي» قوي في إطار تعدد الشراكات المصرية مع القوى الدولية التقليدية، تنظر موسكو إلى القاهرة على أنها «مركز هام لصناعة القرار» في محيطها الإقليمي.
وتتلاقى أهداف الدولتين خلال العام الأخير على عدة مستويات، فبينما تسعى مصر لترسيخ واستعادة دورها الإقليمي والدولي، خاصة بعد اهتزاز هذه المكانة خلال الأعوام الأخيرة من حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك وما تلاها من ارتباك على كافة الأصعدة منذ ثورة 25 يناير (كانون الثاني) عام 2011. تسعى موسكو لاستعادة دورها الدولي للتأكيد على استمرارها السياسي والاستراتيجي كقوة عظمى بعد تفكك الاتحاد السوفياتي السابق، خاصة في ظل ما تعانيه روسيا مؤخرا من مشكلات على المستوى الدولي على هامش الأزمة الأوكرانية، وما تمثله مصر من «منفذ هام» يمكن أن تتغلب به موسكو على تلك المشكلات سياسيا واقتصاديا.
ويشير الخبراء إلى أن التعاون المشترك بين القاهرة وموسكو سيسفر عن «ازدهار كبير على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، يصب في مصلحة الدولتين»، مؤكدين أن «الدولتين تحتاجان بعضهما البعض حاليا ومستقبلا، والتكامل بينهما هو أفضل صيغ التعامل المشترك».
ويعلق الدكتور السيد أمين شلبي، المدير التنفيذي للمجلس المصري للشؤون الخارجية، على هذه الجزئية قائلا لـ«الشرق الأوسط»: «بوتين منذ توليه الرئاسة للمرة الأولى عام 2000 يهدف إلى استعادة دور روسيا الدولي ومكانتها كقوة عظمى وأن يكون لها صوت مسموع في القضايا الدولية.. ومن الطبيعي أن يكون من اهتماماته في هذا الإطار منطقة استراتيجية مجاورة لروسيا هي الشرق الأوسط.. ولذلك سنجد أنه بالإضافة إلى مصر، اتجه بوتين إلى دعم علاقات روسيا مع الشرق الأوسط والخليج، ولعل آخر تعبير عن ذلك كان زيارة ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى موسكو، التي تلتها زيارة وزير الخارجية السعودي عادل الجبير».
ووصل حجم التبادل التجاري بين القاهرة وموسكو في عام 2014 إلى 5.48 مليار دولار، الذي ارتفع خلال الأشهر الستة الأولى من العام الحالي بنسبة 103 في المائة وفقا لأرقام البنك المركزي المصري، ومرشح للزيادة في ظل مساعي الدولتين لمضاعفة استيراد مصر للقمح الروسي والاستغناء عن نظيره الأميركي، في مقابل استيراد روسيا لمنتجات زراعية أخرى في ظل العقوبات الأوروبية عليها.
كما بلغت الاستثمارات الروسية في مصر حتى نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي 68 مليون دولار، وعدد الشركات الروسية التي تعمل في مصر برأسمال روسي بلغت نحو 400 شركة، أغلبها في مجالي الخدمات والسياحة، بحسب تقارير رسمية مصرية اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، كما أن روسيا احتلت المرتبة الأولى في قطاع السياحة المصري بنحو 2.3 مليون سائح في النصف الأول من العام الحالي.
ويمتد التعاون المصري الروسي إلى مجالات أخرى، على رأسها التسليح، والذي بدأ منذ أواخر عام 1955، حين حصلت مصر على صفقة متنوعة من السلاح السوفياتي عن طريق دولة تشيكوسلوفاكيا، آنذاك.
واستمر التعاون العسكري قائما بشكل بارز، وكان له دور كبير في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973. التي اعتمد خلالها الجيش المصري بشكل كبير على السلاح الروسي. لكن التعاون المصري الروسي شهد فترة فتور حاد وتأرجح في السبعينات من القرن الماضي، عقب واقعة طرد الرئيس الأسبق أنور السادات للخبراء الروس من مصر الشهيرة، في ظل «التمويه الاستراتيجي» الذي سبق حرب أكتوبر، إلى أن توقف تماما بسبب اختلاف الرؤى السياسية بين الدولتين حول اتفاقية السلام (كامب ديفيد) مع إسرائيل.
ثم استعادت العلاقات قوتها مجددا طوال عهد الرئيس الأسبق مبارك، حتى عادت إلى «مرحلة جمود غير معلنة» في عام تولي الرئيس الأسبق محمد مرسي، المنتمي إلى جماعة الإخوان، التي تصنفها موسكو كـ«جماعة إرهابية»، وذلك رغم استقبال بوتين لمرسي في زيارة رسمية، وصفها مراقبون دوليون بـ«الفتور» و«البروتوكولية». لكن زخم العلاقات عاد عقب ثورة 30 يونيو (حزيران)، كما يشهد ذروته حاليا من خلال علاقات متميزة بين الدولتين.
ويوضح اللواء محمود خلف، الخبير الاستراتيجي، مستشار أكاديمية ناصر العسكرية في مصر، أن «مصر أعلنت منذ عصر السادات فكرة الانفتاح على العالم في التسلح، لأنه لا يمكن تكتيكيا أن نرهن الأمن القومي المصري ككل في سلة واحدة بالتسلح من جهة واحدة. وتوسعت القاهرة في هذا الانفتاح منذ ذلك الحين على نحو وصل إلى 12 أو 13 دولة بينها أميركا وروسيا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا والصين، وغيرها».
وقال اللواء خلف لـ«الشرق الأوسط»، إن «الجيش المصري الضخم، المصنف في مراكز متقدمة عالميا، تصل نسبة تسليحه الروسي إلى نحو 40 إلى 50 في المائة.. ومصر ليست دولة غنية للاستغناء عن هذا السلاح وإعادة إقامة الجيش من جديد، فبالتالي كان هناك تعاون لم ينقطع. ونحن نطور الأسلحة الموجودة لدينا التي تدربنا عليها، وازداد هذا التعاون مع الوقت».
وتشير مصادر مصرية رفيعة إلى أن التعاون المصري الروسي في مجال التسليح سيشهد تكثيفا بالغا خلال الفترة المقبلة؛ لكن المصادر رفضت الحديث عن شكل صفقات محتملة، قائلة إن «ذلك يقع في نطاق الأسرار العسكرية خلال فترات التباحث، وسيعلن عن كل صفقة في حينه بمعرفة الجهات المنوطة بذلك ممثلة في وزارة الدفاع والمتحدث العسكري».
وبعيدا عن التعاون العسكري، فإن مشاركة الاتحاد السوفياتي السابق في بناء السد العالي، من خلال مشاركة نحو 400 خبير وتوفير دعم مالي لمصر، كان «حجر زاوية» في ترسيخ العلاقات الثنائية.
كما قام الاتحاد السوفياتي بمد مصر بأول مفاعل ذري تجريب في عام 1958؛ لكن
«البرنامج النووي المصري» توقف عدة مرات منذ ذلك الحين لأسباب الحروب ثم عقب انفجار مفاعل تشرنوبيل الروسي.
وشهدت المباحثات الروسية المصرية خلال الفترة الحالية أشواطا كبيرة، خاصة مع شركة «روزاتوم» الروسية، التي تعد الأولى عالميا في مجال تصنيع المحطات النووية، لإقامة محطة الضبعة الكهرونووية، كونه العرض الأفضل لصالح مصر في هذا الاتجاه، خاصة أن الجانب الروسي وافق على شروط مصرية، أهمها أن أرض المحطة «ملك لمصر»، ولمصر الحق الكامل في التعاون مع دول أخرى لتنفيذ مراحل المشروع التالية بما يتناسب مع مصالحها، إلى جانب موافقة الجانب الروسي على سداد قيمة المشروع لاحقا «من خلال إنتاجيته»، كما سيشمل المشروع ذاته وحدات لتحليه المياه، كأول وحدة من نوعها على مستوى العالم، بحسب ما أكدته مصادر مصرية رفيعة لـ«الشرق الأوسط».
جوانب التعاون المصري الروسي تشمل أيضا إقامة منطقة صناعية روسية في مصر بمحيط قناة السويس، وهو ما يفيد موسكو اقتصاديا، كما يقع في خانة الاستفادة المباشرة للقاهرة في مجال مشروعها الاقتصادي وطموحها العملاق لتنمية إقليم قناة السويس.
وتشير المصادر الحكومية المصرية إلى أن وفدا روسيا رفيعا سيزور مصر خلال الشهر المقبل، يضم رجال أعمال ومسؤولين اقتصاديين، لبحث الكثير من ملفات التعاون المشترك والتوقيع على عدد من اتفاقيات التجارة، وستتضمن الزيارة وضع اللمسات النهائية على عدد من المشروعات الصناعية الكبرى، إضافة إلى تعزيز مجالات تجارية وزراعية وجمركية بالغة الأهمية للطرفين.
العلاقات المصرية الروسية.. 70 عامًا من التعاون والذروة في العام الحالي
خبراء يؤكدون أن الفترة المقبلة ستشهد ازدهارًا كبيرًا في البلدين نتيجة التكامل
العلاقات المصرية الروسية.. 70 عامًا من التعاون والذروة في العام الحالي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة








