في سوريا.. الروابط الإسلامية للحلفاء المحتملين تقلق الولايات المتحدة

الصراع بين المعتدلين والمتطرفين داخل الحركة يتقرر وفق الأوضاع في الداخل ونجاح البراغماتيين

في سوريا.. الروابط الإسلامية للحلفاء المحتملين تقلق الولايات المتحدة
TT

في سوريا.. الروابط الإسلامية للحلفاء المحتملين تقلق الولايات المتحدة

في سوريا.. الروابط الإسلامية للحلفاء المحتملين تقلق الولايات المتحدة

برزت حركة أحرار الشام كجماعة معارضة قوية تضم الآلاف من المقاتلين والكثير من النفوذ السياسي مع علاقات وثيقة تربطها بقوى إقليمية رئيسية، باعتبارها أكثر جماعات المعارضة نفوذا وقوة في الداخل السوري عبر الشهور الأخيرة. وقد تعهدت تلك الجماعة بمحاربة تنظيم داعش الإرهابي ودعت إلى التواصل والتفاعل مع الغرب.
ولكن على الرغم من الكفاح الطويل من جانب الولايات المتحدة للعثور على قوة معارضة سوريا قادرة على البقاء في مواجهة الرئيس بشار الأسد ومحاربة تنظيم داعش، لم تبد إدارة الرئيس أوباما أي اهتمام للعمل مع تلك الجماعة المعروفة باسم «أحرار الشام».
وتكمن مشكلة الولايات المتحدة في جذور جماعة أحرار الشام الإسلامية المتشددة، وهي المخاوف التي نالت كذلك من الجهود السابقة الرامية إلى العثور على شركاء من ذوي الثقة في سوريا.
وبمواجهة الواقع السوري مجددا؛ حيث تنخرط الحكومة وتنظيم داعش وعدد من الجماعات المتمردة في حرب أهلية شديدة التعقيد، يقول بعض المحللين والمسؤولين الأميركيين السابقين، إنه بدا من الواضح وبشكل متزايد أنه لمواجهة تنظيم داعش والتأثير على مستقبل البلاد ككل، لا بد من التفاعل، على أدنى تقدير، وبمنتهى الحذر، مع جماعات على غرار أحرار الشام.
ويقول روبرت إس فورد، السفير الأميركي الأسبق لدى سوريا ويعمل حاليا في معهد الشرق الأوسط للدراسات: «إنهم يوجدون في المنطقة الرمادية، ولكن في الحروب الأهلية لن تكون مستعدا بحال للتعامل مع من هم في المنطقة الرمادية. وأنا لا أنصح بتوفير أي دعم مادي لجماعة أحرار الشام، ناهيكم عن المساعدات العسكرية الأكثر فتكا، ولكن باعتبار وجودهم البارز في الجبهات الشمالية والوسطى، فسوف يكون لهم دور كبير يلعبونه في محادثات السلام، ولذلك ينبغي علينا محاولة فتح قناة اتصال معهم والبدء في التواصل عبرها».
وتتعاون جماعة أحرار الشام مع الذراع التابعة لتنظيم القاعدة في سوريا (جبهة النصرة). وفي حين أن قادة الجماعة يقولون إنهم يسعون لإقامة حكومة ذات تمثيل برلماني، فإنهم دوما ما يتجنبون لفظة «الديمقراطية»، ويقولون إن الإسلام يجب أن يوجه ويقود أي دولة تتشكل في نهاية المطاف.
واستغرقت تساؤلات مماثلة حول مدى التفاعل مع القوى الإسلامية حول القضايا ذات الاهتمام المشترك جل تفكير صناع السياسة الأميركية منذ ثورات الربيع العربي، وفي خضم المحادثات النووية مع إيران مؤخرا. ومن الواضح بجلاء في أذهان القادة الأميركيين تاريخ أولئك المتشددين الذين تلقوا الدعم من الولايات المتحدة في أفغانستان إبان فترة الثمانينات والذين شكلوا فيما بينهم لاحقا ما عرف بتنظيم القاعدة.
وفي سوريا، كان تركيز الولايات المتحدة حتى الآن على العمل مع الجماعات التي تعتبرها «معتدلة» قد نجم عنه التعاون مع عدد قليل من الحلفاء الأقوياء. كما تعتبر قيادة المعارضة خارج البلاد غير ذات صلة بمجريات الأحداث إلى حد كبير، فلقد انهارت الجماعات المتمردة ذات الدعم الغربي، ولقي برنامج تدريب وتجهيز المتمردين المعتدلين الكثير من الانتكاسات الكبيرة.
وفي حين أن بعض الدبلوماسيين الأوروبيين قد اجتمعوا مع بعض المسؤولين السياسيين من جماعة أحرار الشام، فإن الولايات المتحدة بقيت بمعزل عن ذلك. يقول أحد كبار المسؤولين من إدارة الرئيس أوباما في مقابلة موجزة حول السياسة السورية: «إنهم يواجهون هجوما كبيرا»، متحدثا عن جماعة أحرار الشام.
وأشار المسؤول الأميركي الكبير إلى تصريحات عن تلك الجماعة، والتي يقولون فيها إنهم يركزون جهودهم على الداخل السوري ويؤيدون سيادة القانون. كما صرحت الجماعة كذلك أن صعود تنظيم داعش، قد جعل الولايات المتحدة أكثر «برغماتية» فيما يتعلق بعقد التحالفات الإقليمية.
ويتابع المسؤول الأميركي الكبير، مفضلا عدم نشر هويته لمناقشته التقديرات السرية، قوله «طالما أنهم على علاقات وثيقة بجبهة النصرة، فلا أعتقد أننا يمكننا العمل معهم».
وتشكلت جماعة أحرار الشام عبر اندماج الفصائل المسلحة السنية في شمال غربي سوريا في وقت مبكر من بدء الانتفاضة ضد الرئيس الأسد التي اندلعت في عام 2011. وضمت في عضويتها الكثير من السوريين الذين تخلوا عن الحركات الاحتجاجية، فضلا عن الإسلاميين الذين أفرج عنهم من السجون في إطار ما اعتبره الكثيرون، «استراتيجية من قبل الأسد لتقويض نشاط العناصر العلمانية». وكان أعضاء من الجماعة قد سبق لهم القتال في العراق وأفغانستان.
وعلى الرغم من أن الجماعة أعربت عن حسن نياتها باعتبارها قوة عسكرية تهدف لقتال الأسد، فإنها ظلت متأصلة في محيط الإسلام السني المتشدد. وهناك مقطع فيديو دعائي للجماعة يقتبس أقوالا من الشيخ عبد الله عزام، أستاذ أسامة بن لادن السابق في أفغانستان. كما دعا حسن عبود، أول قادة الجماعة، إلى إقامة حكومة إسلامية داخل سوريا.
وتطورت الحركة منذ ذلك الحين لتكون أكبر جماعات المعارضة السورية، حيث ينتشر مقاتلوها في مختلف أرجاء البلاد، مع مكاتب للإغاثة والشؤون السياسية، وسيطرت على المعابر الحدودية مع تركيا. وهي من الأعضاء البارزين في جيش الفتح، التحالف الكبير لقوى التمرد المحارب لحكومة الأسد في شمال غربي البلاد. وخلال هذا الشهر، كانت حركة أحرار الشام تمثل قوى المعارضة في المفاوضات مع إيران حول مصير ثلاثة مجتمعات داخلية محاصرة. (الزبداني والفوعة وكفرية)
يقف السوريون على رأس الجماعة، وهي تضم عددا قليلا من المقاتلين الأجانب وتعارض فكرة تقسيم البلاد. وهي لم تشن الحملات لفرض الأعراف الدينية الصارمة، كما أنها تحافظ على علاقات جيدة مع باقي المعارضين. وقد تعهد قادة الجماعة بحماية الأقليات، على الرغم من أن بعض أعضائها لا يزال يصفهم بألفاظ مستهجنة.
كما تعهدت الجماعة بمحاربة تنظيم داعش، واصفين إعلانها الخلافة انحرافا عن الدين. يقول أحمد قرة علي المتحدث باسم أحرار الشام، إنها «تتمتع باستقلال تام. وهي حركة سورية خالصة، ولا تربطها علاقات بأحد من الناحية التنظيمية أو الآيديولوجية، أو مع أية منظمات دولية».

ويقول أحد النشطاء من مدينة إدلب، مفضلا عدم نشر هويته خشية الانتقام منه: «ظللنا نبحث عن أفضل الألوية الموجودة على الساحة، ولكن ليس لدينا الآن إلا متطرفون إسلاميون وجماعة الأحرار، لذا فقد اخترنا الأحرار».
ويقول إسلاميون سوريون تربطهم صلات بجماعة أحرار الشام، إن «تطورات زمن الحرب قد خلفت الكثير من وجهات النظر لدى أعضائها والتي دائما ما تصطدم ببعضها البعض». ويقر قادتها على التنسيق الوثيق في ميدان المعركة مع عناصر جبهة النصرة، ولكن قائد الأحرار، هاشم الشيخ، وصف تبعية جبهة النصرة لتنظيم القاعدة، بأنها ذات تأثير سيئ على الانتفاضة السورية.
وهناك أعضاء آخرون من الجماعة تواصلوا مع الغرب في نقطة تحول يعتبرها الكثيرون بإيعاز من تركيا وقطر، اللتين منحتا الجماعة الدعم السياسي والمالي، وفقا للمسؤولين الأميركيين ودبلوماسيين من المنطقة. ففي الشهر الماضي، نشر لبيب النحاس، مسؤول العلاقات الخارجية والسياسية لدى الجماعة، مقالات رأي في صحيفة «واشنطن بوست» و«ديلي تليغراف» يؤكد فيها على أن الجماعة كانت جزءا من تيار المعارضة الرئيسية السورية، وأنه ما من سبيل لهزيمة «داعش» إلا من خلال «البديل السني الداخلي».
ووصف لبيب النحاس السياسة الأميركية في سوريا بـ«الفشل الذريع»، وكتب يقول إن أحرار الشام كانت ملتزمة بالحوار وسعت لتشكيل حكومة تمثيلية من شأنها العمل على حماية الأقليات مع التعبير عن الأغلبية السنية الكبيرة في سوريا.
وخلال هذا الشهر، نشرت أحرار الشام بيانا تمتدح فيه الملا محمد عمر، الزعيم السابق لحركة طالبان الأفغانية، لـ«محاربة جيوش الغزو»، وجمع القوة العسكرية مع السياسية و«تنسيق» طموحات الشعب الأفغاني.
أما الشيخ حسن الدغيم، وهو من علماء شمال سوريا ومن المقربين من قادة الجماعة، فقد قال خلال مقابلة إن الجماعة تضم بين صفوفها أقلية متطرفة ضئيلة.
ومن المتوقع للصراع بين تيار المعتدلين والمتطرفين داخل الجماعة أن يتقرر وفقا لتطورات الأوضاع في الداخل السوري ومدى النجاح المتحقق على أيدي البرغماتيين في كسب الدعم الخارجي لقضيتهم.
وأضاف الشيخ الدغيم أخيرا: «يعزز العنف من التيار العسكري، في حين تسلط الحلول السياسية الضوء على السياسيين فقط».



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.