3 شهادات في سينما المسلسلات التلفزيونية

مهام مستحيلة تغيرت والحرب الباردة تجمدت

أرمي هامر (اليمين) وهنري كافيل في «رجل من أونكل».
أرمي هامر (اليمين) وهنري كافيل في «رجل من أونكل».
TT

3 شهادات في سينما المسلسلات التلفزيونية

أرمي هامر (اليمين) وهنري كافيل في «رجل من أونكل».
أرمي هامر (اليمين) وهنري كافيل في «رجل من أونكل».

فيلمان من تلك الأفلام الجديدة التي تدور حول العالم حاليًا لهما صفحتا سوابق. «المهمّة: مستحيلة: أمّة سافلة» الذي خرج للعروض التجارية قبل أقل من شهر والذي جمع للآن نحو 300 مليون دولار عالميًا و«الرجل من أونكل» The Man From U‪.‬N‪.‬C‪.‬L‪.‬E الذي انطلق هذا الأسبوع لعروضه العالمية وسيسعى لحصّته من تلك الملايين، إذا ما استطاع.
والجامع بينهما متعدد الوجوه، لكن في المقدّمة هو أن كليهما ينتمي إلى تلك الموجة من الأفلام المقتبسة من مسلسلات تلفزيونية شهيرة والتي عمدت إليها السينما منذ عقود بين ما عمدت إليه لجذب قدم (أو جيب) الزبون المنزلي إلى صالة العرض.
«المهمّة: مستحيلة» الخامس، يعود - كما حلقاته السينمائية الأربع السابقة - إلى ذلك المسلسل الجاسوسي الذي تم تقديمه على شاشة محطة CBS (الأرضية) ما بين 1966 و1973. المواسم الستة من هذا المسلسل شهدت 171 حلقة توزّعت بطولتها على بيتر غريفز، لاعبًا دور قائد الفريق الجاسوسي الذي يحبط المؤامرات العالمية ويتصدّى للمهمات الصعبة والذي يضم أيضًا سام إليوت وغريغ موريس وبيتر لوبوس ومارتن لانداو من بين آخرين.
الثاني: «الرجل من أونكل» سبق عروض «المهمّة: مستحيلة» بسنتين، إذ انطلق على شاشة محطة NBC سنة 1964 واستمر حتى عام 1968. وهو بدأ كمسلسل بالأبيض والأسود لموسم واحد ثم انقلب إلى الألوان وهو نص على بطلين هما روبرت فون وديفيد ماكولوم.
* نجاح عاصف
كلاهما ورد كثمرة نجاح جيمس بوند في السينما. ففي عام 1962 اقتحم فيلم «دكتور نو» العروض السينمائية مقتبسًا مادته من رواية إيان فليمنغ الموضوعة سنة 1958. لم تكن الرواية البوندية الأولى التي كتبها فليمنغ بل السادسة (الأولى كانت «كازينو رويال» سنة 1953). لكن الترتيب الفيلمي غير الموازي للترتيب الروائي لم يعن شيئا يُذكر لجمهور ذلك الحين. الفيلم قفز فوق كل فيلم جاسوسي سبقه مضيفًا إليها نوعية من التشويق والإثارة التي لم تكن مطروقة من قبل. الجاسوس السرّي الذي ربما كان يجلس بجانبك وأنت تشرب فنجان القهوة في حي سوهو اللندني أو يقتفي خطواتك وأنت تتنزه في «سنترال بارك» في نيويورك، تم استبداله بواحد لا يخشى الظهور وتقديم نفسه: «بوند، جيمس بوند».
وصورة ذلك الجاسوس الذي قد يتنكّر بأزياء مختلفة تنفيذًا لمهامه الصعبة والمحاطة بجدار من السرية، تم قلبها. قد يقدّم بوند اسما مختلفًا لكنه سوف لن يتنكر بقناع. قد يتصرّف كما لو كان مليارديرًا أو مقامرًا، لكنه سيكشف عن نفسه سريعًا.
«الرجل من أونكل» و«المهمّة: مستحيلة» كانا نتاج ذلك النجاح العاصف. فجأة طلب التلفزيون لنفسه نسخًا من شخصيات وعمليات جاسوسية مشابهة: «الرجل من أونكل» لعب على وجود جهة خفية وظّفت في خدمتها اثنين، أميركيًا وروسيًا، لاقتحام عرين المعضلات التي تهدد سلامة العالم و«المهمّة: مستحيلة» استعار من بوند المهام الصعبة: خزنة موضوعة تحت الأرض لا يمكن الوصول إليها إلا بنفق. عالم مقبوض عليه في دولة ديكتاتورية (عادة ما كانت لاتينية أو عربية) وعلى فريق المنظمة إنقاذه، أو محاولة تهريب جهاز تجسس جديد لا بد من إبطال مفعوله والحصول على أسراره. فوق ذلك، هو أيضًا فريق يعمل لصالح مؤسسة مجهولة. تعطي الأوامر من دون أن تظهر.

* آرمي هامر
آرمي هامر، أحد بطلي فيلم «رجل من أونكل» الحالي قال لي قبل بضعة أشهر عندما التقيته عابرًا في «سوق الفيلم الأميركي» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أجاب ملاحظًا تيار المسلسلات التلفزيونية التي غرفت من حكايات التجسس:
«بكل تأكيد هي ظاهرة. (رجل من أونكل) هو واحد منها. طبعًا لم تكن على أيامي (هو من مواليد 1986) لكني شاهدت، عندما بدأنا التحضير لهذا الفيلم، حلقات منها ووجدتها مسلية. قديمة بتقنيات اليوم لكنها مسلية».

* تناهى إلي أنك الوحيد الذي اكترث لمشاهدة حلقات المسلسل القديم.
- معقول؟ (يضحك)… أعتقد أن هنري كافيل شاهد بضع حلقات أيضًا… (المخرج) غاي (ريتشي) لا بد شاهد بعض الحلقات… لا أستطيع أن أجزم.

* هل تلعب دور الجاسوس الروسي أم دور الجاسوس الأميركي؟
- هذه ناحية مهمّة أخرى. أقصد أنه في خلال تلك الفترة التي كانت فترة حرب باردة بين الولايات المتحدة وروسيا، تم إنتاج مسلسل يضم جاسوسين متعاونين أحدهما أميركي والآخر روسي. أنا ألعب دور إيليا، الروسي.

* الهاتف في حذاء
على أن المسلسلات الجاسوسية لم تكن الوحيدة التي تم تحويلها إلى السينما. التقليد يذهب إلى حين ارتأت شركات هوليوود أنها تستطيع اجترار ما قامت بإنتاجه تلفزيونيًا. بالتالي، هناك تقليد كبير للمسلسلات التي توجّهت بعد استنفاد عروضها التلفزيونية (وأحيانًا قبل أن تستنفد تلك العروض) إلى الشاشات الكبيرة. .
من هذه القائمة «أنا جاسوس» هو الجاسوسي الوحيد، بينما توزّعت المسلسلات الأخرى ما بين التشويق البوليسي مثل «الهارب» و«ميامي فايس» و«ذا إكويلايزر» وبين الخيال العلمي («ملفات إكس»: «ستار ترك») والوسترن («مافيريك» و«وايلد وايلد وست» و«لون رانجر» والكوميدي («عائلة أدامس»: «برادي بَنش») والجاسوسي الكوميدي «غت سمارت».
كذلك كانت هناك المهام العسكرية متمثلة بمسلسل «الفريق أ» الذي احتل رقعة من الثمانينات على الشاشة الصغيرة ثم انتقل إلى السينما سنة 2010. والمرأة احتلت بطولة الكثير من المسلسلات التي انتقل بعضها إلى الشاشة الكبيرة مثل «ملائكة تشارلي» و«سكاركرو ومسز كينغ» و«She Spies».
المرأة كانت شريكة المهام الصعبة في مسلسل «غت سمارت» الذي هو كناية عن مسلسل جاسوسي ساخر من المسلسلات والأفلام الجاسوسية الجادة. لخمس سنوات تلفزيونية (1965 إلى 1970) قام العميل ماكسووَل سمارت، الذي يحمل الرقم 86. بالتواصل عبر حذائه الخاص مع قيادته. لعبه ببراعة الكوميدي دون أدامز وشاركته البطولة العميلة 99 (باربرا فلدون) في كل الحلقات الـ138 باستثناء واحدة.

* ستيف كاريل
عندما قررت وورنر اقتباس البرنامج الناجح سنة 2008 إلى فيلم، اختارت ستيف كارل للبطولة الرجالية وآن هاذاواي للنسائية. ستيف كاريل قال لنا في العام ذاته خلال وجوده في مهرجان تورونتو السينمائي:
«في تاريخي كممثل محترف ورغم الأفلام الكوميدية الكثيرة التي قمت بها، لم يسعدني دور كهذا الدور. كنت أتوق لتمثيل شخصية العميل الذي لا يجيد عمله بل يختلق لنفسه ولجهاز المخابرات مشاكل جديدة في كل مرّة. هل تعرف أنه لا يربح الجولات إلا بالصدفة. يا لها من فكرة رائعة».

* تذكر صحافة الستينات أن دون أدامز قال ذات مرّة إنه لو لم يمثل بعد هذا المسلسل أي دور آخر لكان «غت سمارت» كافيًا له...
- صحيح. أعتقد أن شهرته لا تزال قائمة على هذا الدور.

* هل صحيح أنك كتبت بعض المشاهد بنفسك؟
- لا أود أن أنشر هذا الأمر. الحقيقة هي أنني تدخلت كثيرًا في الكتابة ليس لأن السيناريو لم يكن صالحًا أو أي شيء من هذا القبيل، بل لأنه كُتب من قبل اختياري كممثل وكان لا بد من تبني بعض التغييرات في هذا النطاق.

* يبدو الدور مطابقًا لك تمامًا. لو لم تكن أنت من قام به، من ترشّح له؟
- دون أدامز، لكنه بالطبع لم يعد معنا (توفي سنة 2005) وإلا لكان ظهر معي ولو في دور شرف. أعتقد، لكي أجيب على سؤالك، سأختار بل موراي. أراه مناسبا بطريقته الخاصّة لهذا الدور.

* مغامرة
وهذا ما يحيلنا إلى لب الموضوع وجوهر أسبابه: لماذا تقدم هوليوود على إعادة صنع مسلسلاتها التلفزيونية إذا ما كانت مغامرة الاقتباس ليست مضمونة؟
المنتج مايك ميدافوي يلقي نظرة فاحصة على هذا التيار فيقول خلال «سوق الفيلم الأميركي» في العام الماضي: «لم أجرب أن أنتج فيلما مقتبسًا عن مسلسل تلفزيوني. وصلتني الكثير من السيناريوهات. اتصل بي الكثير من أصحاب المشاريع وهنا في هذا السوق كان علي أن أرفض عرضًا جديدًا. ليس أن الاقتباس فعل خطأ من أي نوع، بل مرد ذلك حبي للبحث عن مواد مكتوبة خصيصًا للسينما. ربما كل أفلامي هي من هذا النوع. ليس لدي سوى فيلم واحد هو اقتباس من فيلم سابق».

* أي فيلمين؟
- «كل رجال الملك» (1996) الذي كان بالطبع فيلما سابقًا (1949). لكني أفهم سعي المنتجين الآخرين لتحويل المسلسلات إلى أفلام. المسألة لها علاقة بوجود جمهور جاهز تابع تلك المسلسلات على الشاشة الصغيرة ويدفعه الفضول لمتابعتها على الشاشة الكبيرة.

* لكن هذا ليس سوى فئة من الجمهور. الكثير من المسلسلات قديمة من الستينات والسبعينات.
- لا أعتقد أنها فئة قليلة لكنها بالطبع ليست كل الحضور. المسلسل يعيش كاسم من بعد أن يعيش كحلقات أسبوعية والكثير من الجمهور الشاب تجده يتحرك بسبب الفضول نفسه لكي يشاهد هذه الأفلام المستوحاة من تلك المسلسلات.

* يتم تغيير الأبطال مع العناية في اختيار ممثلين شبّان أو نجوم بصفات معيّنة…
- مؤكد. لا نفع يُرجى جراء الاستعانة بالممثلين أنفسهم حتى ولو كانوا ما زالوا على قيد الحياة. لكن هذا لا يعني أن النجاح مضمون. ككل الأفلام الأخرى، بصرف النظر عما إذا كانت مقتبسة أو مكتوبة خصيصًا، سيدخل الفيلم الآتي من التلفزيون في ذلك النفق المظلم خلال إنتاجه وحتى وصوله إلى موعد عرضه وقد ينجح وقد يفشل أسوة بباقي الأفلام.

* ساخنة، باردة، مثلّجة
في بداية «رجل من أونكل» يلمس المخرج البريطاني غاي ريتشي أجواء الستينات.
المسلسل التلفزيوني في الأصل دار في رحاها، كما فعلت أفلام جيمس بوند ذاتها قبل أن تفاجأ بأن الحرب الباردة بين الشرق والغرب دخلت مرحلة جليدية. في مطلع الفيلم الحالي، ينقل ريتشي بعض أجواء تلك الفترة كون الأحداث في ربع الساعة الأول أو نحوه، تدور في برلين. ما إن ينتهي من برلين وينتقل إلى روما يختار المخرج التخلي عن تلك الأجواء وتقديم استعراضه الأسلوبي المحض الخالي من الصلابة.
من ناحيته، تعامل المسلسل المذكور مع واقع الحرب الباردة على نحو مغاير لتعامل «المهمّة: مستحيلة» فهو كان أكثر ترحابًا بالتعاون المخابراتي بين الشرق والغرب، في حين بقي «المهمّة: مستحيلة» منضبطًا تحت لواء العداوة التقليدية. أبطاله أميركيون فقط (خمسة بيض وواحد أسود) وأعداؤه لفيف من الروس والصينيين واللاتينيين والعرب وأوروبيون ربما هاربون من مسؤوليتهم حيال اليهود في الحقبة النازية أو متشددون يريدون دمار العالم أو بيع الأسلحة المحرّمة إلى جمهورياته الديكتاتورية.
هذا المنوال سيطر على أفلام جيمس بوند حتى أواخر السبعينات. الشرير في «مونراكر» فرنسي يهدف لإشعال الحرب بين القوّتين. لكنه عاد إلى معاداة الشرق الروسي سنة 1983 في «أكتوبوسي» وفي «منظر للقتل» (1985) ثم أقلع تمامًا من عام 1989 عندما تأكد أن الناس لم تعد تؤمن كثيرًا بحكايات من ترتيب أوضاع الماضي.
سنة 2002 أيقن منتجو بوند أن عليهم إجراء عملية تجميل كبيرة إذا ما أرادوا الاستمرار في «البزنس». تأكد ذلك مع نجاح خارق لمنوال مغامرات جاسوسية جديد نتج عن عودة «المهمّة: مستحيلة» في فيلمين آخرين (الثاني والثالث) وعن إطلاق منافس قوي آخر هو الجاسوس جاسون بورن في فيلم «هوية بورن».
من المثير ملاحظة أن «المهمّة: مستحيلة» الأول (1996) تجاوز المعطيات اليمينية التقليدية عندما انبرى ليصوّر أنه بعد أن وضع أعداء الأمس (المخابرات المركزية الأميركية والكي جي بي الروسية) عداوتهما جانبا، وبعد أن صار العالم على شفير تحوّله إلى قرية واحدة لم يعد هناك أمام أعضاء فريق هذه المهام سوى الدفاع عن وجودهم حيال مؤامرات تُحاك من أطراف معادية مجهولة تتضمن الجهة الأميركية التي كانوا يعملون لها.
المنوال ذاته ورد في فيلم «هوية بورن»: مات دامون في شخصية الجاسوس السابق الذي فقد ذاكرته. كل ما يعرفه أن هناك جهة تريد قتله. الجهة ليست أعداء الأمس بل أعداء اليوم. عبر ملاحقاته يكتشف أن هذا العدو ليس سوى وكالة المخابرات الأميركية.
حتى جيمس بوند كان عليه أن يعيد ترتيب أوراقه في السنوات العشر الأخيرة. لقد مضى الزمن الذي كان فيه العالم محكومًا بقوّتين فقط. لم يعد من «الدارج» الحديث عن نظام شيوعي ضد نظام رأسمالي. بوند في «كازينو رويال» (نسخة 2006) أعاد تكوين نفسه مع ممثل جديد (دانيال كريغ). في «قدر من الأسى» Quantum of Solace، سنة 2008 تغير الأعداء تمامًا ومنوال العداوة وأسبابها وفي «سكايفول» (2012) يعود إلى الرحم مكتشفًا أن الإرهاب لا يعرف نظامًا ولا حدودًا بل يستطيع أن يضرب كما يشاء وفي كل الاتجاهات.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».