كيف أصبح توتنهام مثل السفينة التي تتلاطمها الأمواج وتُبحر من دون اتجاه؟

الفريق سيعاني سنوات من الفشل ما لم يُعد بناؤه بشكل صحيح مع مدرب يتم اختياره بعناية

لاعبو توتنهام بعد تقدم ليفربول بثلاثية في 15 دقيقة (رويترز)
لاعبو توتنهام بعد تقدم ليفربول بثلاثية في 15 دقيقة (رويترز)
TT

كيف أصبح توتنهام مثل السفينة التي تتلاطمها الأمواج وتُبحر من دون اتجاه؟

لاعبو توتنهام بعد تقدم ليفربول بثلاثية في 15 دقيقة (رويترز)
لاعبو توتنهام بعد تقدم ليفربول بثلاثية في 15 دقيقة (رويترز)

قال حارس مرمى توتنهام، هوغو لوريس، بعد هزيمة توتنهام المذلة أمام نيوكاسل بستة أهداف مقابل هدف وحيد: «إنه أمر محرج للغاية». لقد أصبحت كلمة «الإحراج» تتردد كثيرا على ألسنة عشاق ومحبي توتنهام في الآونة الأخيرة، وإن كان ذلك مصحوبا بالطبع بسلسلة من الشتائم قبلها وبعدها! لقد وجد الفريق نفسه متأخرا بخماسية نظيفة بعد مرور 21 دقيقة فقط، حيث تلاعب نيوكاسل به تماما، وذلك قبل مواجهة ليفربول في أنفيلد والتأخر بثلاثية نظيفة في أول 15 دقيقة، قبل أن ينتفض الفريق اللندني ويسجل ثلاثة أهداف ثم يحرز ديوغو جوتا هدف الانتصار لأصحاب الأرض في الوقت بدل الضائع، ويوجه السقوطان ضربة قاسية لآمال توتنهام في احتلال أحد المراكز الأربعة الأولى المؤهلة للمشاركة في دوري أبطال أوروبا الموسم المقبل.
لقد كانت هناك آمال وتوقعات قبل بداية الموسم بأن يقدم الفريق مستويات جيدة، لكن توتنهام أحبط مشجعيه كعادته. وكانت الهزيمة القاسية أمام نيوكاسل هي المرة الأولى التي تهتز فيها شباك الفريق بستة أهداف في مباراة بالدوري منذ 10 سنوات كاملة، وبالتحديد منذ الخسارة بسداسية نظيفة أمام مانشستر سيتي في عام 2013. والآن، يتساءل المشجعون متى سيستعيد الفريق نغمة الانتصارات مرة أخرى، بعدما تعادل أيضا في مباراته أمام مانشستر يونايتد قبل الهزيمة أمام ليفربول.
لا يزال هدف توتنهام يتمثل في إنهاء الموسم ضمن المراكز الأربعة الأولى، لكنه يتأخر الآن بفارق إحدى عشرة نقطة عن نيوكاسل صاحب المركز الثالث (الذي لديه مباراة مؤجلة)، وبفارق تسع نقاط عن مانشستر يونايتد (الذي له مباراتان مؤجلتان)، وبالتالي فمن المرجح أن يفشل توتنهام مرة أخرى في المشاركة في دوري أبطال أوروبا، وهو الأمر الذي يزيد من شعور جمهور النادي بالإحباط. إذن، إلى أين أن يتجه هذا النادي؟
في الحقيقة، كان توتنهام يواجه صعوبات وتحديات حتى منذ أيام المدير الفني الأرجنتيني ماوريسيو بوكيتينو. يرغب العديد من مشجعي توتنهام في عودة بوكيتينو، لكن يبدو أنه قد حسم قراره وسيتولى قيادة تشيلسي بداية من الموسم المقبل. وبالنظر إلى ولع توتنهام الشديد بالتعاقد مع المديرين الفنيين السابقين لتشيلسي، فمن المؤكد أنه لن يمر وقت طويل قبل عودة بوكيتينو إلى توتنهام بعد نهاية مسيرته مع البلوز! لقد كان بوكيتينو هو أول من دعا إلى الحاجة إلى ضخ استثمارات كبيرة وتدعيم صفوف الفريق بشكل قوي حتى يكون قادرا على المنافسة. وفي الوقت الذي كان يركز فيه النادي على بناء ملعب جديد لمنافسة أفضل الأندية في العالم في هذا الصدد، كان بوكيتينو يبذل قصارى جهده باستخدام الأدوات والعناصر المتاحة لديه. وقال بوكيتينو في عام 2019: «عندما تتحدث عن توتنهام، يقول الجميع إن لديك منزلاً رائعاً، لكنك بحاجة إلى وضع الأثاث المناسب داخل هذا المنزل!»، لقد كان المدير الفني الأرجنتيني محقا تماما في ذلك.
وعلى الرغم من أن النادي دعم خلفاءه جوزيه مورينيو ونونو إسبريتو سانتو وأنطونيو كونتي (ربما إلى أقصى حد) في سوق انتقالات اللاعبين، فإن النادي لا يزال يدفع ثمن عدم الاستثمار وتدعيم صفوف الفريق بالشكل الكافي تحت قيادة بوكيتينو بعد أن قاد الفريق إلى المركز الثاني في الدوري الإنجليزي الممتاز في عام 2017 ونهائي دوري أبطال أوروبا في عام 2019. بل ودخل توتنهام التاريخ في عام 2018 عندما أصبح أول نادٍ في الدوري الإنجليزي الممتاز لا يتعاقد مع أي لاعب خلال فترة الانتقالات الصيفية! لقد أتيحت لتوتنهام فرصة البناء على النجاح الذي حققه وأن يظل قادرا على المنافسة، لكنه اكتفى بما حققه ولم يدعم صفوفه بالشكل المطلوب، وبالتالي فإنه يدفع الآن ثمن ذلك!
ويجد توتنهام نفسه الآن يعاني من أزمة كبيرة، حيث لم يحقق الفريق سوى فوز وحيد في آخر خمس مباريات؛ ولا يوجد مدير فني دائم (مرة أخرى)، واضطر المدير الرياضي فابيو باراتيشي إلى الاستقالة بعد أن عوقب بعدم ممارسة أي أنشطة لها علاقة بكرة القدم لمدة 30 شهراً. في الواقع، يبدو توتنهام مثل السفينة التي تتلاطمها الأمواج وتُبحر من دون اتجاه. وبالتالي، يتعين على رئيس النادي، دانيال ليفي، أن يختار المدير الفني القادم بعناية وبشكل مدروس وصحيح لكي يعيد توتنهام إلى المسار الصحيح وينجح في جذب القاعدة الجماهيرية المحبطة مرة أخرى. صحيح أن اختيار المدير الفني الصحيح لن يكون كافيا لإرضاء المشجعين، لكنه سيكون خطوة في الاتجاه الصحيح.
يعد جوليان ناغيلسمان ولويس إنريكي هما أبرز مرشحين لهذا المنصب، وإن كان المدير الفني السابق لبايرن ميونيخ هو الخيار الأكثر تفضيلاً لدى معظم المشجعين. لقد تواصل ليفي مع المدير الفني الألماني مرتين من قبل، لكن دون جدوى، لكنه يأمل في إقناعه بتولي قيادة الفريق هذه المرة. لقد فشل آخر ثلاثة مديرين فنيين اختارهم ليفي، لذلك يتعين عليه أن يتخذ القرار الصحيح هذه المرة لمساعدة توتنهام على تجاوز هذه الأزمة. وعلاوة على ذلك، يتعين عليه أن يتعاقد مع الأشخاص المناسبين للعمل مع المدير الفني الجديد.
كان يُعتقد أن باراتيشي، الذي لعب دوراً أساسياً في التعاقد مع نونو وكونتي، يؤيد التعاقد مع لويس إنريكي، لكن الآن وبعد رحيله عن منصبه فإن الصورة ليست واضحة تماما فيما يتعلق بهوية المدير الفني الجديد. لقد تم تعيين سكوت مون، المدير التنفيذي السابق لمجموعة «سيتي فوتبول غروب»، كرئيس تنفيذي لكرة القدم في توتنهام في وقت سابق من الشهر الماضي، ومن المؤكد أن هذه الخطوة ستخفف الضغط من على كاهل ليفي، لكن يبقى أن نرى إلى أي مدى سيشارك مون في اختيارات اللاعبين الجدد والمدير الفني الجديد.
يجب على توتنهام ألا يتسرع في عملية اختيار المدير الفني الجديد، بل يجب عليه أن يتأنى حتى نهاية الموسم ويختار الرجل المناسب بعناية، والأهم من ذلك أن يدعمه بكل قوة خلال فترة الانتقالات الصيفية المقبلة. لقد أصبح الفريق يعاني من التقدم في السن في ظل عدم ضخ دماء جديدة - أربعة من اللاعبين الذين شاركوا في التشكيلة الأساسية في المباراة التي خسرها توتنهام أمام نيوكاسل بخمسة أهداف مقابل هدف وحيد قبل سبع سنوات شاركوا أيضا في التشكيلة الأساسية في المباراة التي خسرها الفريق بستة أهداف مقابل هدف على ملعب «سانت جيمس بارك» هذا الموسم.
من المؤكد أن السنوات القليلة المقبلة ستكون بمثابة اختبار قوي للغاية لتوتنهام، وبالتالي يتعين على النادي إعادة بناء الفريق بشكل قوي وإلا فسيتخلف عن الركب ويتأخر كثيرا، ليس فقط عن الأندية التي تسبقه في جدول الترتيب، ولكن أيضا عن تشيلسي وليفربول، اللذين سيعودان بشكل أقوى خلال الموسم المقبل دون أدنى شك، وكذلك الأندية التي تُدار بشكل أفضل. ومع تراجع توتنهام في جدول الترتيب، تتقدم أندية أخرى مثل برينتفورد وبرايتون وأستون فيلا. في النهاية، إذا لم يكن ليفي مستعداً لمنح المدير الفني الجديد كل الصلاحيات ودعمه بأقصى درجة ممكنة لأداء وظيفته على أعلى مستوى، فإن سلسلة الهزائم قد تتكرر كثيرا!


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.