«حي 14 تموز» رواية القصة الشخصية عن بلاد تفقد ذاكرتها

سهيل سامي نادر يستعمل وقائع سيرة ذاتية في بناء عالم متخيل

«حي 14 تموز» رواية القصة الشخصية عن بلاد تفقد ذاكرتها
TT

«حي 14 تموز» رواية القصة الشخصية عن بلاد تفقد ذاكرتها

«حي 14 تموز» رواية القصة الشخصية عن بلاد تفقد ذاكرتها

لا حدود متصوَّرة يمكن أن نقف عندها لنقول هنا تبدأ سيرة المواطن العراقي المعروف باسمه الأدبي «سهيل سامي نادر»، وبين سيرة الشخصية الروائية المتخيلة المسماة «منير فاضل»، ومن خلفه سير فرقة أو مجموعة البؤس والمرح، وخاصة سيرتي صديقيه فالح وصالح في رواية «حي 14 تموز: المدى/ 2023»؛ ففي سيرته السابقة «سوء حظ، ذكريات صحافي في زمن الانقلابات: المدى/2020» حكى لنا الكاتب كيف يتحول «سوء حظ» إلى مجاز «سردي» كلي للحياة في العراق، فيصبح «تميمة» تفرض التعاسة على الجميع، سوى أنه في حالة صاحب السيرة يتحول إلى جحيم شخصي بلا حدود. وسوء الحظ ذاته هو المادة السردية التي أعاد «سهيل سامي» تخيلها ببناء سردي مختلف. هل ثمة الفارق هنا؟ في الحالة الأولى نحن في سياق سيرة ذاتية مصنفة ضمن صيغة «مذكرات» كما كتب الناشر على الغلاف الأول، فيما تضعنا الثانية ضمن سياق فن خالص مصوغ بنص سردي متخيل. والفارق كبير بين الحالتين ولا شك، وليس الكلام هنا عن السياق المختلف بينهما، إنما عن «استعمال» القصة الشخصية «وقائع السيرة الذاتية» في بناء عالم الرواية المتخيل، لا سيّما عندما تتقصّد الرواية «استعمال» وقائع السيرة المنشورة من قبل؛ ربما لأن كاتبها يعتقد بأهمية وقائع سيرته الشخصية، بدلالتها التاريخية، وحتى الشخصية المفارقة، ربما. والكاتب، على أي حال، ليس أول من سلك هذا السبيل في الكتابة، ولن يكون الأخير، قطعا، إنما المفارقة، هنا، أن تكتب «سيرتك» ثم تعود وتكتب «روايتك» باعتماد الوقائع «السيرية» ذاتها وتعيد «تأويلـ»ــها ضمن عالم فني متخيل.

جدل بيزنطي: ما قاله المؤرخ...
ما عاشه الكاتب
لكن للمجاز السردي في الرواية وجه آخر، نعثر عليه في سياق المراهنة على «قدرة» العراقي لنقل جدارته، المختلف عليها، في «إنتاج» رواية عن بلاده، وربما الأحرى: عن نفسه. ثمة جدل «نظري» يرتقي أو يتطور بتقدم أعمار المتجادلين الثلاثة «فالح وصالح ومنير/ الراوي الذاتي»، موضوعه المقارنة، أو المراهنة على إمكانية العراقي على كتابة رواية متميزة. فالح وصالح قرينا بعض، دافعا عن صلاحية المؤرخ، بل وقالا بعجز الشخصية العراقية عن تخيل قصتها وكتابتها، فيما دافع الراوي، منير فاضل، ربما حتى الخاتمة، عن إمكانية كتابة رواية عراقية متميزة. فيما بعد، ومع صعود وترسخ قصة الديكتاتور، بوصفها القصة العراقية الوحيدة المسموح بتداولها في زمن الحرب، صرنا نقرأ اعترافا ضمنيا، ربما، يصدر عن الجنديين التعيسين «المساقين» إلى حرب الديكتاتور الكبرى، بإمكانية صديقهما منير على كتابة رواية عراقية يكونان، هما الاثنان، بطليها المتخيلين. لكن لماذا أصرَّ فالح وصالح على ترجيح «صرامة» المؤرخ على «سيولة» الرواية في سياق الحالة العراقية المنقلبة على نفسها، قبل أن تلقنهما سردية الحياة العراقية الدروس اللازمة؟ لا تبخل جدالات جماعة المرح والبؤس بالإجابة، بل إنها كثيرة ومتداخلة مع بعض، أغلبها يدور حول أهميتهم بصفتهم «مجموعة وليس جماعة: ربما لأن الجماعة تتضمن اتهاما سياسيا قبل أن تكون مشكلة ثقافية ذات مضمون لا جدال فيه!» تبحث عمن يؤرخ لها، فتختار منير فاضل، راوي حكاياتهم لاحقا، وهو المختص، في الوقت ذاته، بالتاريخ. أهم الإجابات تركز على زئبقية العراقي؛ فهو «كائن متزحلق»، ينقلب على نفسه وخياراته المصيرية وهو، من ثمَّ، بحاجة لعلوم التاريخ أكثر من سرديات المثقفين النرجسيين المتمثلة بالرواية التي ربما لا تتفهم «انقلابية» العراقي ولا تتمكن من السيطرة عليها كما يفعل التاريخ. لأجل هذا، ربما، يقرر كاتب المخطوطة، الذي لا نعرف عنه سوى أن اسمه «أنور»، وهو صديق لشقيق «الناشر»، أن يُقسم الرواية على قسمين. قسم أول ينتهي بـ«سوق» أصدقاء المرح والبؤس إلى جبهات القتال. وقسم ثانٍ نشهد فيه تحقق الانقلابات الكبرى على مستوى المصائر والحكايات.
في القسم الأول نشهد تنامي التحفظ الشخصي لـ«راوي» الجماعة، ولأعضاء المجموعة الآخرين، من حالهم ابتداء، بالسخرية المباشرة أو بالكتابات المنفلتة عن أي تصنيف «كتابي». نفتتح القسم بصفة «البؤساء»، وأيضا بالتشديد على الصفة المكانية المتعالية لحي «14 تموز»، ولمنطق المراقبة والرصد باختيار الغرف العلية، ليس فقط للتلصص على الشارع والحي والذات المضطربة، إنما، كذلك، لمنح المكان فرصة أخرى للتعبير عن جماعة البؤس والمرح بتوصيف علاقتهم بالواقع بالتعالي. وللمكان معانٍ أخرى تندمج مع البعد الرمزي للعنوان. في الطليعة منها، أن الرواية تختار عنوانا يحيل إلى مكان واقعي ذي أبعاد رمزية تتقصَّدها الرواية؛ فالحي المقصود يقع على خارطة بغداد قريبا من قناة الجيش التي تنتهي بها حدود العاصمة؛ بعدها تبدأ الأكواخ وبيوت الصفيح في شرق، وتلك الأنحاء منحت سردية «14 تموز» دلالاتها التاريخية الفائضة عن أي استعمال. لكن الرواية لا تتورط بإشارات نوعية ضد فئة أو مجموعات رئيسية تسكن هناك، مثلما فعلت روايات عراقية «رائدة» غمزت كثيرا من قناة الوافدين للعاصمة. كما أنها لا تترصّد الزمن الجمهوري بالضد من غريمه الملكي، رغم أنها تقدم حالة «14 تموز» دليلا أخيرا على تحولات المعاني وتقلبها في قصة العراقي. هي تبدأ، حتما، من المآل الأخير، من نهاية القصة، بالضبط من لحظة صعود الديكتاتور نهاية سبعينات القرن الماضي. تلك اللحظة المحتومة مناسبة كثيرا لأن تبدأ بها الرواية، وهي ذاتها لحظة ما بعد 14 تموز بكل أبعادها الرمزية والواقعية، بل هي خلاصتها التاريخية، مثلما هي لحظة ضيق المكان وتهافته حتى أنه لا يتسع لغرفة صغيرة يكتب فيها منير روايته!

شهادة الناجي الأخير:
أي قصة انتهت... أي قصة ابتدأت؟
لا تشبه رواية الحرب العراقية المكتوبة بعيدا عن مقاسات حرب «الرئيس القائد» أي رواية أخرى سوى رواية الديكتاتور المناقضة كليا لها، والممتدة بألف صلة لها، مما لم يكتبها عراقي شهد سردية الحرب ووقائعها؛ فهي أقرب إلى إنجاز الحكاية وتجريبها منها إلى ملاحقة حكايات جماعة البؤس والمرح شبه المكتملة. فالروايتان تستخدمان اللغة ذاتها بتوصيفات متعارضة، وهما تطوران شخصيات وحبكات متماثلة ذات أهداف تنقلب ضد بعض. أتصور أن «أنور»، كاتب المخطوطة، قد فكر بهذا الأمر، بل إني قد أزعم أنه دُفع إليه دفعا، وهو يُقسِّم «روايتـ»ـه على قسمين. قسم اكتمل عنده، وقد سلَّمه للناشر. وقسم ثانٍ لم يكتمل، وقد اختص بالحرب ووقائعها. لكن «أنور» مثل «منير»، وربما مثل سهيل سامي نادر، لم يذهب للحرب، إنما تفضَّلت عليه الحرب وجاءته للبيت وسكنت معه في غرفته العلية. وليست مقاصد الحكاية كلها هنا؛ لأن الحرب لم تكن هي الحكاية برمتها، أو بتفاصيلها المبعثرة الكثيرة كما جثث ضحاياها، مثلما أن «أنور» أو «سهيل» لم يكونا مشغولين بقصة «الديكتاتور» بمفردها بعيدا عن إشكالية المكان وصياغاته الرمزية، كانت الحكاية لديهما هي عالم «14 تموز» بأبعاده الرمزية ووقائعه المختلفة. وقد تبدو هذه الوقائع، أحيانا، جاهزة ذات صياغات كلية مكتملة حتى قبل أن تصدم بها جماعة البؤس والمرح أو تعيشها بصفة أنها قصص شخصية. لنأخذ، مثلا، واقعة الريبة المتنامية، غير المسوَّغة، ربما، من عوالم الحي وبغداد ومن السلطة ولا شك. ثمة صياغات «سردية» تتبناها الشخصيات، وخاصة الراوي وصديقيه، لا تنسجم مع ذواتهم المحتدمة في سياق سيرهم المتماثلة أو المتعارضة في الحي أو غرفها العلية. ولعل هذا التنافر الظاهري يفسره منطق السرد التذكري الطامح لكتابة «شهادة» أخيرة عن زمن «14 تموز». لكن السرد يتخذ طابعا شخصيا بسوق الأصدقاء للحرب، فتتصدر وقائع القصة الشخصية من أحداث ومونولوجات، فنرى الأفعال تُنجز أمامنا ممهورة بالطابع الشخصي للراوي. تترك الحرب الراوي وحيدا مع ذاته وعوقه وتلصصه على حيه وشارعه وعلى ذاته المحتدمة.
لكن صاحب رواية «التل» يعرف جيدا أن للحرب سرديتها النافرة؛ مثلما أن الحرب ذاتها تدرك جيدا حدود مهمتها بصفتها صانعة المصائر التعيسة. ولا تعاسة تعادل أن تكون شاهدا على نصوص شكَّلتها ضغوطات قاهرة كثيرة، ليس آخرها أن تكون الكتابة ذاتها هي إحدى الخلاصات الكبرى لمقاومة النسيان في مجتمع فقد ذاكرته وحكاياته جراء الحرب والديكتاتورية وموت الأمل. وهذا شأن شهادة فالح، مثلا، قبل موته، على ما حصل مع صديقهما صالح. وهو ذاته شأن الرواية؛ أن تكون «كتابة ضد كتابة. منير ضد زبيبة. صالح ضد إبراهيم. فالح ضد العالم... ص 166». حقا؛ ليس هناك شهادة تحصَّل عليها الراوي تمثله شخصيا، كما تمثِّل صديقه «المنتحر» صالح، أكثر من شهادة فالح عن الحرب والصديق المنتحر، كما تصر على ذلك السلطة على توصيف موته، وعلى حياة مشتركة جمعتهم ثم انقرضت إلى الأبد.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

غواص ينزل إلى أعماق متجمِّدة ويعود بحكاية مدهشة

الصقيع لا يخفي الحياة (أ.ب)
الصقيع لا يخفي الحياة (أ.ب)
TT

غواص ينزل إلى أعماق متجمِّدة ويعود بحكاية مدهشة

الصقيع لا يخفي الحياة (أ.ب)
الصقيع لا يخفي الحياة (أ.ب)

في مشهد أقرب إلى الاستكشافات النادرة، خرج الغواص دان جيكوبس مؤخراً من فتحة ضيقة شُقّت في جليد بحيرة فنلندية متجمِّدة، كاشفاً عن عالم خفيّ يرزح تحت سطح الماء، لا تطوله الأبصار إلا نادراً.

وغاص جيكوبس، مستشار التنوّع البيولوجي القادم من هولندا، لعمق 8 أمتار (26 قدماً) تحت سطح الجليد، حيث تسلَّلت خيوط الضوء عبر الكتل المتجمِّدة، لتُنير مشهداً أخّاذاً لأسماك تسبح حول تشكيل صخري في بيئة نائية قلّة مَن يحظون بمشاهدتها، خصوصاً خلال فصل الشتاء حين تنخفض درجات الحرارة إلى 40 درجة مئوية تحت الصفر.

في الأعماق دهشة لا تنتهي (أ.ب)

وذكرت «الإندبندنت» أنّ هذه المغامرة جاءت ضمن دورة «الغوص العلمي القطبي» في شمال فنلندا، التي تشرف عليها «الأكاديمية العلمية الفنلندية للغوص». وتهدف هذه المبادرة إلى إعداد جيل جديد من الباحثين والعلماء الذين يتمتّعون بمهارات استكشاف ما تحت جليد القطبين الشمالي والجنوبي، ودراسة الكائنات الحيّة الفريدة من الحيوانات والنباتات. وبعد الغوص لمدة وصلت إلى 45 دقيقة، وصف جيكوبس التجربة بعبارة مقتضبة موجزة هي: «المشهد جميل».

وتشير المعطيات إلى ارتفاع درجة الحرارة في القطب الشمالي بمعدل أسرع من باقي أنحاء الكوكب بمقدار 4 أمثال. ويمثّل ارتفاع درجات الحرارة في القطب الشمالي كارثة على العالم بأسره؛ إذ يؤثّر في أنماط الطقس على مستوى العالم، ويهدّد وجود الدببة القطبية ويضعفها ويزيد من جوعها، نظراً لاعتمادها على الجليد البحري للصيد.

حين تنكسر السطحية... نرى أكثر (أ.ب)

وعلى الجانب الآخر، في القارة القطبية الجنوبية، يؤدّي الاحتباس الحراري العالمي إلى ذوبان الصفائح الجليدية، مما يُسهم في ارتفاع مستوى سطح البحر واضطراب النظم البيئية للمحيطات.

العنصر البشري في الغوص يظلّ ضرورةً لا غنى عنها

وسط هذا المشهد، يواصل العلماء مساعيهم في دراسة ما يجري تحت ما تبقى من الجليد في القطبين الشمالي والجنوبي، لتحديد كيفية تأثير التغير المناخي على النباتات والحيوانات التي عاشت تقليدياً على طول قاع البحر في وجود قدر ضئيل من أشعة الشمس.

ومع ذلك، يتطلَّب إجراء هذه البحوث مهارات متخصِّصة في الغوص، إلى جانب تأهيل علمي مناسب، وهي مؤهّلات لا يمتلكها سوى بضع مئات من المتخصّصين عالمياً في الوقت الحالي، وفق ما يوضح الخبراء.

ولا تهدف الأكاديمية الفنلندية إلى تدريب مزيد من الغواصين فحسب، بل تعمل على إقناع العالم بضرورة تكثيف البحوث لمواجهة أزمة الجليد القطبي. وقال عالم الأحياء البحرية وأحد مدرّبي الغوص العلمي في الدورة، إريك وورز: «نظراً إلى سرعة الذوبان، نحتاج إلى مزيد من الباحثين، وزيادة الجهود العلمية هناك لفهم ما يحدث بشكل أفضل».

وأضاف: «علينا التحرُّك سريعاً لإنقاذ هذا النظام البيئي الفريد، سواء في القطب الشمالي أو الجنوبي».

وفي عالم يتزايد فيه الاستعانة بالذكاء الاصطناعي والروبوتات في إنجاز الأعمال والمَهمّات، يرى عالم الأحياء البحرية في «المسح البريطاني للقطب الجنوبي»، سايمون مورلي، أنّ الدور البشري لا يزال ضرورياً. وقد يُدمّر استخدام الشباك في أنحاء قاع البحر البيئة والموائل الطبيعية، في حين لا تستطيع غواصة تعمل عن بعد أو روبوتات سوى جمع عيّنة واحدة في المرة الواحدة.

وقال مورلي، الذي لا يشارك في الدورة المذكورة: «يمكن للغواص جمع 12 قنفذاً بحرياً ووضعها داخل حقيبة من دون الإضرار ببقية النظام البيئي».

كلّما تعمّقنا اتّسعت الحكاية (أ.ب)

ظروف قاسية

تُجرى التدريبات في محطة «كيلبيسجارفي» البيولوجية التابعة لجامعة هلسنكي. وخلال الدورة الواحدة، التي تستغرق 10 أيام داخل بحيرة متجمِّدة، يُدرّب المعلم المتخصِّص نحو 12 غواصاً متمرّساً. ومنذ إطلاق البرنامج في 2024، تزايد الإقبال عليه، ممّا أتاح إضافة دورة أخرى سنوياً.

ويضمّ البرنامج طيفاً متنوّعاً من المشاركين، من علماء أحياء إلى علماء في تخصّصات أخرى، وغواصين ذوي مهارة عالية، وصنّاع أفلام وثائقية.

ويريد الطالب في قسم الأحياء البحرية وعلم دراسة المحيطات بجامعة بليموث في إنجلترا، رورلي بوجيز، في النهاية العمل في القطب الجنوبي والبحث في شؤون الحيوانات البحرية الضخمة. وقد سجَّل في دورة الغوص القطبي للشهر الحالي في محاولة لزيادة فرص توظيفه عند التخرج. وأوضح: «اعتقدت أنّ هذه ستكون خطوة جيدة تجاه تحقيق هدفي».

ويواجه فريق الدعم السطحي تحدّيات، حيث يتعيَّن عليهم تشغيل معدات لضمان سلامة الغواص، إضافة إلى تفادي خطر التعرُّض لقضمة الصقيع. كذلك يجب عليهم تعلم كيف يصبحون غواصي إنقاذ في حالات الطوارئ، مثل عدم تمكُّن الغواص الأساسي من العثور على فتحة في الجليد للعبور من خلالها إلى السطح بعد 45 دقيقة من البقاء تحت الماء.

ومع ذلك، بمجرّد وجودهم تحت الماء، يقول الغواصون إنها تجربة مذهلة. وخلال الدورة الحالية، غاصت المجموعة تحت طبقة من الجليد يبلغ سمكها نحو 80 سنتيمتراً (نحو قدمين ونصف قدم تقريباً). وشاهدت تشين بعض الأسماك، في حين كانت أشعة الشمس تنفذ عبر الجليد فيما يشبه ظاهرة قطبية أخرى. وقالت: «يبدو المشهد من الأسفل إلى الأعلى مذهلاً. إنه يتغيَّر باستمرار، كأنه الشفق القطبي».


فطر نادر يُشبه اللسان يظهر للمرة الأولى في بريطانيا

من قلب الأرض يولد العجب (فيسبوك)
من قلب الأرض يولد العجب (فيسبوك)
TT

فطر نادر يُشبه اللسان يظهر للمرة الأولى في بريطانيا

من قلب الأرض يولد العجب (فيسبوك)
من قلب الأرض يولد العجب (فيسبوك)

كشفت محمية طبيعية في جنوب إنجلترا عن فطر نادر يتّخذ هيئة اللسان، في اكتشاف يُنظر إليه على أنه شهادة حيّة على القيمة البيئية الفريدة للمحميات الطبيعية الوطنية في البلاد. وقد سُجّل ظهور فطر «ميكروغلوسوم سيانوبيسيس» للمرة الأولى في المملكة المتحدة، في محمية «كينغلي فيل» بمقاطعة ويست ساسكس، ليكون بذلك ثاني توثيق له على مستوى قارة أوروبا.

ووفق «الغارديان»، جاء الاكتشاف على يد ليز فروست، المتحمِّسة المولعة بعلم الفطريات، التي اعتادت زيارة الموقع بانتظام. وقالت في تدوينة على موقع «ناتشورال إنغلاند»: «لا أزال غير مصدّقة تماماً لما حدث».

وأضافت أنها كانت تبحث عن الفطريات في غابات الطقسوس العتيقة بالمحمية خلال ديسمبر (كانون الأول)، حين «عثرت مصادفة على شيء استثنائي، وهو فطر صغير على هيئة لسان يبرز من بين الطحالب وبقايا الأوراق. ولم أكن أعلم أنني أسجّل بذلك أول ظهور لهذا النوع في بريطانيا، والثاني له في أوروبا».

ويبلغ ارتفاع هذا الفطر الصغير، الذي يصعب رصده لقدرته على التمويه، نحو 45 إلى 55 مليمتراً، وله سيقان دقيقة وهشّة، ويبدو تماماً كما يوحي اسمه، إذ يتّخذ شكل ألسنة صغيرة تخرج من باطن الأرض. ومع ذلك، فإن ما يميّز هذا النوع عن غيره من فطريات «لسان الأرض» الشائعة هو قاعدة ساقه ذات اللون الأزرق المائل إلى السماوي.

وقالت فروست: «من هنا جاء اسمه، فـ(سيانوبيسيس) تعني القاعدة الزرقاء. وهذه السمة تحديداً هي ما يميّزه عن سائر الأنواع الأخرى. وتعدّ فطريات لسان الأرض مؤشراً على جودة الموائل الطبيعية. ووجودها يدل على تمتّع الموقع بقيمة بيئية حقيقية».

من جانبها، أكدت هيئة «ناتشورال إنغلاند» أن هذا الاكتشاف يذكّر بأهمية الإدارة والرعاية الدقيقة للبيئة، وما يمكن أن تسفر عنه من نتائج استثنائية. وقالت مديرة محمية «كينغلي فيل» راتشيل غاي: «إن اكتشاف هذا الفطر يبرز جودة الموائل الطبيعية، ويؤكد قيمة محمياتنا الطبيعية الوطنية البالغ عددها 224 في إنجلترا وأهميتها».

وأضافت: «وتعدّ تلك المناطق الخاصة، التي تتمتّع بقيمة بيئية استثنائية، مصدر فخر لجميع مَن يعتني بها. ويشير وجود الفطريات إلى وجود أراضٍ عشبية بكر قليلة التغذية وأنواع تربة غابات مستقرة منذ مدّة طويلة. وتزداد ندرة تلك البيئات بسبب التخصيب، وتصريف المياه، والحرث، وتغيير استخدام الأراضي».

وحدث اكتشاف فطر «ميكروغلوسوم سيانوبيسيس» للمرة الأولى في إسبانيا عام 2009.


أنغام تتألَّق في جدة... إطلالة جديدة وتفاعل جماهيري واسع

أنغام خطفت الأضواء بحفلها في جدة (إم بي سي مصر)
أنغام خطفت الأضواء بحفلها في جدة (إم بي سي مصر)
TT

أنغام تتألَّق في جدة... إطلالة جديدة وتفاعل جماهيري واسع

أنغام خطفت الأضواء بحفلها في جدة (إم بي سي مصر)
أنغام خطفت الأضواء بحفلها في جدة (إم بي سي مصر)

خطفت المطربة المصرية أنغام الأضواء بإطلالة جديدة خلال حفلها الذي أُقيم مساء الخميس في مدينة جدة بالسعودية ضمن حفلات موسم عيد الفطر، وقدّمت خلال الحفل عدداً من أغنياتها الشهيرة والجديدة، وسط تفاعل جماهيري، فضلاً عن الإشادات التي حظيت بها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصدَّر اسم أنغام «الأكثر تداولاً» على محرّك البحث «غوغل» في مصر، الجمعة، مع أخبار ومقاطع وصور من حفلها على مسرح «عبادي الجوهر أرينا» بجدة، وتفاعل الجمهور خصوصاً مع أحدث أغنياتها «مش قادرة» التي طرحتها بالتزامن مع حفلات عيد الفطر، وحقَّقت مشاهدات تجاوزت 8 ملايين مشاهدة على المنصات المختلفة خلال يومين من طرحها، وحين قدَّمتها على المسرح حظيت بإعجاب وتفاعل. وغنّت أيضاً أغنيات «وين تروح»، و«قلبك»، و«ياريتك فاهمني»، وغيرها.

وحظي الحفل بتعليقات متنوّعة أشادت بأداء أنغام وإحساسها في الغناء، وأبرزت بعض الصفحات المؤتمر الصحافي الذي تحدَّثت فيه الفنانة لهذه المناسبة.

وأكدت سعادتها وحرصها على الغناء في جدة، مؤكدة أن جمهور جدة يمنحها طاقة مختلفة لتقديم أغنياتها بطريقة مميزة.

وتحدَّثت أنغام عن كلمات أغنياتها، مستبعدة الاعتماد بالضرورة على تجاربها الشخصية، لافتة إلى أنها اعتادت أن تعيش كلمات هذه الأغنيات وتتفاعل معها بإحساسها، وعن هذا الإحساس تقول إنه من الصعب وصفه، ولكنه حالة تعيشها.

أنغام في إطلالة جديدة (صفحتها في «فيسبوك»)

وقال الناقد الموسيقي المصري محمود فوزي السيد إنّ «حفلات أنغام في جدة والرياض أصبحت أشبه بعلامة مميزة»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الحفلات عادة ما تصاحبها أوركسترا موسيقية ضخمة وتقام في أجواء مبهرة».

وأشار إلى أن «الحالة والأجواء في حفلات أنغام مميزة جداً، والأهم هو التفاعل الجماهيري معها، فتشعر دائماً بأنها تغني وسط أشخاص يحبّونها ويردّدون معها أغنياتها بودّ ومحبّة كبيرَيْن».

ولفت إلى أن الحضور الطاغي لأنغام وقدرتها على جذب تفاعل الجمهور بأسلوبها وطريقتها، من خلال إحساسها والحالة الطربية التي تُقدّمها، يضمن لحفلاتها النجاح دائماً.

وأنغام من الأصوات الطربية المميّزة في مصر، وقد أصدرت ألبومات عدّة منذ ثمانينات القرن الماضي، من بينها «في الركن البعيد الهادي»، و«ببساطة كده»، و«إلا أنا»، و«وحدانية»، و«عمري معاك»، و«أحلام بريئة»، وأحدث ألبوماتها الغنائية صدر قبل عامين بعنوان «تيجي نسيب».

أنغام خلال الحفل (إم بي سي مصر)

وعدَّ الناقد الموسيقي المصري أنّ «حب الجمهور من أكثر المظاهر البارزة في حفلات أنغام بجدة، فالحالة الخاصة جعلت حفلاتها من الأنجح، لذلك يحرص (موسم الرياض) عادة على تنظيم أكثر من حفل لها، وهو أمر يحمل كثيراً من التقدير للفنّ المصري ولصوت أنغام خصوصاً».