نظم الذكاء الصناعي «الحساسة»... تحديات تواجه البشرية

حوار مع مدير «معهد مستقبل البشرية» في جامعة أكسفورد

نظم الذكاء الصناعي «الحساسة»... تحديات تواجه البشرية
TT

نظم الذكاء الصناعي «الحساسة»... تحديات تواجه البشرية

نظم الذكاء الصناعي «الحساسة»... تحديات تواجه البشرية

يكرّر الخبراء وبصوتٍ عالٍ: الذكاء الصناعي لا يشعر. إلا إن بوتات (نسبة إلى بوت (bot) وهو تطبيق أو برنامج إنترنتي للمحادثة الذكية مع الزبائن في المواقع الإلكترونية - تمييزاً عن الروبوت وهو جهاز آلي ذكي)، أو برامج المحادثة الذكية، أثارت كثيراً من الضجيج في الأشهر الأخيرة، وتسبب حدثان مستجدّان على الأقلّ في زرع فكرة «البوتات» الواعية والحسّاسة في مخيّلتنا.

تطبيقات ذكية واعية

كان أحد موظفي شركة «غوغل» أثار العام الماضي بعض المخاوف عندما تحدّث عمّا سماه دليلاً على وجود الإحساس لدى الذكاء الصناعي. بعدها، في فبراير (شباط)، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي محادثة بين «روبوت المحادثة» الخاص بـ«مايكروسوفت» وزميلي كيفن روز عن الحبّ ورغبة الأوّل في التحوّل إلى كائن بشري، مما أثار هلع النّاس.
في المقابل، يذكّر الخبراء والصحافيون النّاس بشكلٍ متكرّر بأنّ بوتات المحادثة المدعومة بالذكاء الصناعي ليست واعية، وبأنّها حتى لو بدت بشرية بدرجة مريبة، فهذا الأمر يعود إلى تعلّمها كيف تشبه البشر... من كميات هائلة من النصوص الإلكترونية التي تشمل كلّ شيء؛ من مدوّنات الطعام إلى منشورات «فيسبوك» وصفحات «ويكيبيديا».
يوافق قادّة الصناعة على هذا التقييم حتّى الآن في الأقلّ، ولكنّ كثيرين يصرّون على أنّ الذكاء الصناعي سيصبح يوماً ما قادراً على عمل أي شيء يستطيع الدماغ البشري فعله.
يتحضّر نيك بوستروم (Nick Bostrom)، الفيلسوف ومدير «معهد مستقبل البشرية» في جامعة أكسفورد ومعدّ كتاب «الذكاء الخارق»، منذ عقودٍ لهذا اليوم. يعكف بوستروم على تخيّل المستقبل، ويحدّد المخاطر، ويضع أسساً متخيّلة لكيفية التعامل معها، ويتركّز اهتمامه الأكبر على كيفية إدارة عالم مليءٍ بالعقول الرقمية خارقة الذكاء.

نيك بوستروم

حوار علمي

تحدّثنا مع بوستروم عن احتمال تمتّع الذكاء الصناعي بالأحاسيس وكيف يمكن لهذا الأمر أن يعيد تشكيل افتراضاتنا الأساسية حول أنفسنا ومجتمعاتنا.
س: يصرّ كثير من الخبراء على أنّ بوتات المحادثة «ليست حسّاسة» و«لا واعية»، مستخدمين هذين التعبيرين اللذين يصفان الوعي بالعالم المحيط بنا. هل توافق على التقييم الذي يصف البوتات بالمُدخلات التي يُعاد إخراجها؟
ج: الوعي حالة فضفاضة ومعقّدة، متعدّدة الأبعاد، ويصعب تحديدها أو تعريفها. طوّر علماء أعصاب وفلاسفة فرضيات عدّة عن الوعي على مرّ السنوات، ولكن لا يوجد بعدُ توافق على واحدة منها. يمكن للباحثين مثلاً أن يحاولوا تطبيق هذه الفرضيات المختلفة لاختبار حسيّة أنظمة الذكاء الصناعي.
ولكنّني شخصياً أرى أنّ الإحساس مسألة متدرّجة، وكنتُ أودّ لو أستطيع أن أنسب درجة طفيفة من الإحساس لمجموعة واسعة من الأنظمة كالحيوانات. وإذا كان النّاس مستعدّين للاعتراف بأن مسألة الإحساس ليست «كلّ شيء أو لا شيء»، فعندها لن نبالغ إذا قلنا إنّ بعض هذه البوتات أو الأنظمة قد تملك بعض درجات الإحساس.
في البداية، في مسألة النماذج اللغوية الكبيرة، أعتقد أنّه ليس من الإنصاف أن نصفها بالنصوص المدخلة والمُعاد إخراجها؛ لأنّها ببساطة تُظهر ملامح لافتة من الإبداع والتفكير والفهم، حتّى إنّها قد توحي بمستويات بدائية من المنطق. قريباً، قد تطوّر هذه الأنواع من الذكاء الصناعي مفهوماً ثابتاً للذات، وتبدي مراعاة لبعض الرغبات، وتتفاعل مع المجتمع، وتبني علاقات مع البشر.

أحاسيس الذكاء الصناعي

س: ما الذي قد يحدث إذا أصرّ الذكاء الصناعي، ولو قليلاً، على أن يكون حساساً؟
ج: إذا أظهر الذكاء الصناعي نوعاً من الإحساس، إذن فسيكون لديه أيضاً مستوى معيّناً من الأخلاق، مما يعني أنه سيكون من الخطأ التعامل معه بأساليب معيّنة تشبه ركل أحدهم كلباً، أو إجراء الجرّاحين عملية جراحية على فأر من دون تخديره.
تعتمد التداعيات الأخلاقية على نوع ودرجة الأخلاق التي نتحدّث عنها. في الحدّ الأدنى منها، قد يعني الأمر ألا نتسبب له في الألم والمعاناة، وفي الحدّ الأقصى، قد يعني أن نراعي تفضيلاته وأن نحصل على موافقته قبل القيام ببعض الأمور. أعمل في مسألة أخلاقيات العقول الرقمية وأحاول تخيّل عالم مستقبلي توجد فيه عقول بشرية ورقمية من جميع الأنواع ودرجات التعقيد، ودائماً ما أتساءل: كيف نتعايش بطريقة منسجمة؟ الأمر صعب بسبب الافتراضات الكثيرة في الحالة البشرية والتي تحتاج إلى إعادة تفكير.
س: ما بعض هذه الافتراضات التي تحتاج لإعادة تخيّل أو تطوير لاستيعاب البشرية الذكاء الصناعي؟
ج: إليكم 3 جوانب؛ أولاً: البشر إمّا أحياء وإما أموات، بينما تختلف الحال مع العقول الرقمية؛ لأنّها قابلة للتوقيف المؤقّت وإعادة التشغيل لاحقاً.
ثانياً: الفردانية: عند البشر، الاختلاف موجود حتّى بين التوائم المتطابقة، في حين أنّ العقول الرقمية يمكن أن تكون نسخاً متطابقة.
ثالثُا: حاجتنا للعمل: الأعمال التي تحتاج البشر لإتمامها كثيرة في يومنا هذا، الأمر الذي قد ينتفي في حال تحقيق الأتمتة التامّة.
س: هل يمكنكم إعطاء مثال على كيف يمكن لهذه الافتراضات أن تختبرنا، أي تخضعنا للاختبار، على المستوى الاجتماعي؟
ج: مثالٌ واضحٌ آخر هو الديمقراطية؛ ففي الدول الديمقراطية، نتفاخر بأنّنا نعيش في ظلّ حكومة تضمن حريّة التعبير للجميع، ويكون الأمر عادة بصوتٍ واحد لشخصٍ واحد. فكّروا مثلاً في مستقبل تكون فيه العقول مطابقة للعقول البشرية باستثناء أنّها منفّذة على جهاز كومبيوتر. كيف يمكن توسيع الحوكمة الديمقراطية لتشملها؟ ربّما يمكننا إعطاء صوت واحد لكلّ ذكاء صناعي، ومن ثمّ صوت واحد لكلّ إنسان، ولكنّ الأمر ليس بهذه السهولة؛ إذ ما الذي قد يحدث إذا كان البرنامج الرقمي قابلاً للنسخ؟
قبل يومٍ من الانتخابات، يمكن صناعة 10 آلاف نسخة من ذكاء صناعي معيّن والحصول على 10 آلاف صوتٍ إضافي؛ أو ما الذي قد يحدث إذا كان مطوّرو الذكاء الصناعي يستطيعون اختيار القيم والتفضيلات السياسية لهذا الذكاء؟ وإذا كنتم من أصحاب الثروات، فيمكنكم بناء كثير من مشروعات الذكاء الصناعي للحصول على تأثير يوازي حجم ثروتكم.

مخاطر على البشرية

س: عمد أكثر من ألف قائد وباحث من صناعة التقنية، ومنهم إيلون ماسك، أخيراً إلى توجيه رسالة تحذّر من التطوير غير المراقب للذكاء الصناعي؛ لأنّه «يرتّب مخاطر كبيرة على المجتمع والإنسانية». ما مدى مصداقية التهديد الوجودي للذكاء الصناعي؟
ج: لطالما اعتقدتُ أنّ الانتقال إلى تفوّق الذكاء الآلي سيكون مصحوباً بمخاطر كبيرة وبعضها وجودي، وهذا الأمر لم يتغيّر، وأعتقد أيضاً أنّ المدة التي تفصلنا عن هذه المرحلة باتت أقصر من الماضي. يجدر بنا اليوم أن نحضّر أنفسنا لهذا التحدّي. مهّدت العقود الثلاثة الماضية لهذا الأمر، ولكنّنا للأسف كنّا نعيش حالة من الاسترخاء والاكتفاء بمشاهدة ما يحدث بدل التفكير في ما يجب علينا فعله في مجال أخلاقيات وحوكمة الذكاء الخارق المحتمل، وهذا الوقت الضائع لن يعود أبداً.
س: هل يمكنكم التوسّع أكثر في الحديث عن هذه التحديات؟ ما المسائل الأكثر إلحاحاً التي يجب أن يفكّر فيها الباحثون، وصناعة التقنية، وصانعو السياسات؟
ج: أولاً: يجب أن نفكّر في الاصطفاف. كيف نضمن أنّ أنظمة الذكاء الصناعي ذات القدرات المتزايدة التي نبنيها تسير في الاتجاه نفسه الذي يريد مطوّروها أن تسير فيه؟ إنها مشكلة تقنية. وتوجد أيضاً مشكلة الحوكمة. لعلّ المسألة الأهمّ بالنسبة لي هي محاولة مقاربة هذا الأمر بطريقة تعاونية؛ لأنّ الأمر أكبر من أي أحد منّا، أو أي شركة، أو حتّى أي دولة.
ويجب أيضاً أن نتجنّب تصميم نظم ذكاء صناعي يصعّب على الباحثين تحديد ما إذا كانت فعلاً تملك درجة من الأخلاق، كتدريبها مثلاً على رفض فكرة أنّها واعية أو أنّها تملك أخلاقاً في الأساس. صحيحٌ أنّنا لا نستطيع الحكم على المخرجات الشفهية الصادرة عن أنظمة الذكاء الصناعي اليوم، ولكنّنا يجب أن نبحث دائماً - دون محاولة القمع أو الإلغاء - عن إشارات واضحة على أنّ هذه الأنظمة نمّت فعلاً درجة من الإحساس أو الأخلاق.
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«غوغل كلاود» تحوّل «جيميناي» من مساعد ذكي إلى «زميل عمل» رقمي

تكنولوجيا تقدّم «غوغل كلاود» وكيل «جيميناي» بوصفه أداة تنفذ مهام كاملة بدلاً من الاكتفاء بالإجابة عن الأسئلة (شاترستوك)

«غوغل كلاود» تحوّل «جيميناي» من مساعد ذكي إلى «زميل عمل» رقمي

تقدّم «غوغل كلاود» وكيل «جيميناي» الجديد لتنفيذ مهام العمل عبر التطبيقات، مع ذاكرة مستمرة وصلاحيات مؤسسية وأدوات تحليل متقدمة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يختبر «واتساب» تبويباً جديداً يجمع جهات الاتصال ويعرض الأكثر نشاطاً بسهولة أكبر (رويترز)

«واتساب» يختبر تبويباً جديداً لجهات الاتصال يعرض المتصلين وأعياد الميلاد

يختبر «واتساب» تبويباً جديداً لجهات الاتصال يعرض المتصلين وأعياد الميلاد مع البحث السريع والحفاظ على إعدادات الخصوصية الحالية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يمكن للمقياس أن يدفع الأنظمة الذاتية إلى تعديل طريقة التعلم أو إعادة تقييم خطتها عند ظهور معلومات مهمة (أدوبي)

مقياس جديد يساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي على «فهم المفاجأة»

يقترح باحثون مقياساً جديداً يساعد الأنظمة الذاتية على تمييز الأحداث النادرة من التغيرات التي تتطلب إعادة التقييم وتعديل السلوك.

تكنولوجيا تتيح الخدمة في الأسواق الجديدة أكثر من 350 ألف عنوان بأكثر من 120 لغة مع اختلاف النماذج والأسعار بحسب السوق (أدوبي)

«سبوتيفاي» توسّع الكتب الصوتية إلى أكثر من 180 سوقاً... والسعودية ضمن التوسع

توسع «سبوتيفاي» خدمة الكتب الصوتية إلى أكثر من 180 سوقاً مع أسواق عربية جديدة ومكتبة واسعة ونماذج اشتراك متعددة عالمياً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يظل تاريخ الميلاد جزءاً من التقييم لكنه ليس العامل الوحيد في التصنيف (د.ب.أ)

كيف يتنبأ «ChatGPT» بعمر المستخدم ويُفعّل تجربة المراهقين؟

يتنبأ «شات جي بي تي» بعمر المستخدم عبر إشارات الحساب وسلوك الاستخدام لتفعيل ضوابط أمان وتجربة مخصصة للمراهقين عند الحاجة.

نسيم رمضان (لندن)

«النينيو» تهدّد صحة الملايين... والعلماء يحدّدون 5 خطوات للمواجهة

ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
TT

«النينيو» تهدّد صحة الملايين... والعلماء يحدّدون 5 خطوات للمواجهة

ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)

حدّد علماء مناخ 5 إجراءات رئيسية يمكن للدول اتخاذها لتعزيز استعدادها لظاهرة «النينيو» والحدّ من تداعياتها الصحية، محذّرين من ارتفاع مُحتَمل في مخاطر انتشار الأمراض المعدية وسوء التغذية، فضلاً عن المشكلات المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، مثل الجفاف وضربة الشمس.

وجاءت التوصيات في دراسة قادها باحثون من جامعة بريستول البريطانية، ونُشرت الخميس في دورية «ذا لانسيت» الطبية.

و«النينيو» ظاهرة مناخية طبيعية تحدث عند ارتفاع درجة حرارة سطح مياه المحيط الهادئ الاستوائي على نحو غير معتاد، ممّا يُغيّر أنماط الرياح والأمطار ودرجات الحرارة في مناطق مختلفة من العالم، وقد يزيد احتمالات موجات الحرّ والجفاف والفيضانات.

وشدَّدت الدراسة على أهمية الاستعداد المبكر للمخاطر الصحية المرتبطة بالظاهرة، خصوصاً أنّ العلماء يستطيعون التنبّؤ بحدوثها قبل أشهر، ممّا يمنح الحكومات فرصة لاتخاذ إجراءات وقائية لحماية السكان.

وأوضح الباحثون أنّ «النينيو» تؤثّر في أنماط الطقس عالمياً، وقد تدفع مناطق مختلفة إلى ظروف مناخية أشدّ تطرفاً، لكن حجم الأعباء الصحية الناجمة عنها تحديداً لا يزال غير معروف بما يكفي.

وقالت الباحثة الرئيسية في الدراسة والمتخصصة في علوم المناخ بجامعة بريستول، الدكتورة روبي ليبر، إن أعداد المتضرّرين من الكوارث المرتبطة بالمناخ تتأثر بدرجة كبيرة بدورة «النينيو»، لكن الأدلة العلمية لا تزال محدودة بشأن التمييز بين الأعباء الصحية الناجمة عن تغيُّر المناخ وتلك المرتبطة بالظاهرة نفسها.

وأضافت، وفق موقع الجامعة، أنّ «النينيو» الحالية تدفع مناطق عدّة إلى ظروف مناخية أكثر تطرفاً، ممّا يجعل فهم المخاطر الصحية وقياسها على مستوى الدول والمناطق أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

ولمواجهة هذه المخاطر، أوصى الباحثون بأن تضع الأمم المتحدة والهيئات الدولية حماية الصحة والوقاية من الأمراض في مقدّمة أولوياتها عند الإعلان رسمياً عن حدوث «النينيو»، مع دعم الحكومات في تقييم آثارها الصحية واتخاذ التدابير الوقائية، بما فيها إنشاء أنظمة الإنذار المبكر وتعزيزها.

ودعوا أيضاً إلى توسيع البحوث بشأن الآثار الصحية للظاهرة، وتوظيف نتائجها في صياغة السياسات الصحية والمناخية، ومواصلة رصد تداعياتها لتحديد الثغر في الأدلة العلمية وسدّها.

وشملت التوصيات تقييم فاعلية إجراءات التكيّف وتكاليفها، ومنها تطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتعزيز قدرة الأنظمة الصحية على مواجهة الأزمات، وحماية المدن من الفيضانات، وزيادة قدرة النظم الغذائية على الصمود أمام التقلبات المناخية.

ووفق الباحثين، يُتوقّع حدوث ظاهرة قوية من «النينيو» قرب نهاية العام، فيما ترجّح بعض التوقعات احتمال أن تكون من أقوى الظواهر المسجّلة. وقد تمتدّ تأثيراتها إلى الهند وشرق آسيا وأميركا الجنوبية وأجزاء من أفريقيا وغرب المحيط الهادئ، مع ارتفاع مُحتَمل في مخاطر الأمراض المعدية وسوء التغذية والجفاف وضربة الشمس، إلى جانب التداعيات الصحية للفيضانات والجفاف.

وأكد الباحثون أنّ التمييز بين الآثار الصحية المرتبطة بـ«النينيو» وتلك الناجمة عن تغيّر المناخ بفعل الأنشطة البشرية يمثّل تحدّياً رئيسياً. وقد يساعد تطوير الأساليب العلمية المستخدمة لتحديد إسهام تغيُّر المناخ في الظواهر المتطرّفة على فهم مصادر المخاطر بدقة أكبر، ووضع تدابير وقائية تتناسب مع طبيعة كلّ منها.


الشباب الأميركي يتوجه نحو وظائف «مقاومة للذكاء الاصطناعي»

الشباب الأميركي يتوجه نحو وظائف «مقاومة للذكاء الاصطناعي»
TT

الشباب الأميركي يتوجه نحو وظائف «مقاومة للذكاء الاصطناعي»

الشباب الأميركي يتوجه نحو وظائف «مقاومة للذكاء الاصطناعي»

انخفضت نسبة توظيف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عاماً، في المهن التي تتأثر بشدة بالذكاء الاصطناعي بنحو 20 في المائة مقارنةً بالمهن الأخرى غير المتأثرة بالذكاء الاصطناعي.

وظائف المبتدئين مهددة بالانقراض

تُعدّ وظائف المبتدئين مهددة بالانقراض، على الأقل في المهن التي تتأثر بالذكاء الاصطناعي. فبينما لا يزال الخريجون الجدد يجدون فرصاً في مجالات مثل العقارات والمرافق العامة والبناء، فإن سوق التوظيف بشكل عام كانت قاسية للغاية: ففي الرُّبع الثاني من عام 2026، بلغت نسبة البطالة بين خريجي الجامعات الجدد 48 في المائة، بينما بلغت نسبة مَن يعملون في وظائف لا تتطلب شهادة جامعية 42 في المائة، كما كتب بيتر سالفيلد(*).

ويشير تحليل أجراه «مختبر ستانفورد للاقتصاد الرقمي» إلى أن الشباب قد يميلون إلى الوظائف «المقاومة للذكاء الاصطناعي» التي تتضمَّن أعمالاً يدوية وتفاعلات اجتماعية ومهارات أخرى يصعب أتمتتها. استند الباحثون إلى بيانات الرواتب الإدارية من شركة معالجة البيانات الآلية «ADP» لملايين العمال الأميركيين لدراسة تأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي على التوظيف منذ انتشاره على نطاق واسع.

انحسار التوظيف في المهن الأكثر استخداماً للذكاء الاصطناعي

وتُظهر الدراسة أن معدل التوظيف بين العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عاماً في المهن التي تشهد استخداماً مكثفاً للذكاء الاصطناعي، مثل خدمة العملاء وهندسة البرمجيات، أقل بنسبة 19 في المائة مما كان عليه لو حافظ على وتيرة مماثلة لمعدل التوظيف في الفئة العمرية نفسها في المهن الأخرى منذ عام 2022.

وبينما انخفض معدل توظيف العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عاماً بنحو 11 في المائة في 40 في المائة من الوظائف الأكثر استخداماً للذكاء الاصطناعي، ارتفع بنحو 10 في المائة في فئات وظيفية أخرى أقل استخداماً له. وقد اتسعت الفجوة بين العمال الشباب بشكل ملحوظ منذ أغسطس (آب) الماضي، عندما رصد الباحثون تبايناً بنسبة 13 في المائة. ويُعزى انخفاض عدد الخريجين الجدد، الذين يتركزون في المهن التي يُؤتمت فيها الذكاء الاصطناعي المهام البشرية بدلاً من أن يُكملها، إلى تباطؤ التوظيف وليس إلى زيادة حالات التسريح.

تحولات جذرية في العمل المعرفي للمبتدئين

ويقتصر هذا الاتجاه الواضح على العمال الشباب فقط. لم تجد الدراسة أي دليل على «فقدان واسع النطاق للوظائف على مستوى الاقتصاد» مرتبط بالذكاء الاصطناعي. بالنسبة للعاملين ذوي الخبرة، لم تكن هناك أي فجوة على الإطلاق بين الوظائف التي تعتمد بشكل أكبر على الذكاء الاصطناعي والوظائف التي تعتمد بشكل أقل عليه.

تُعدُّ هذه النتائج أحدث دليل على أن الذكاء الاصطناعي يُحدث تحولاً جذرياً في العمل المعرفي للمبتدئين، ما يؤدي إلى فقدان بعض الوظائف وإثارة القلق بين العاملين الشباب. ووفقاً لـ«مركز بيو للأبحاث»، ارتفعت نسبة الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً والذين يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى انخفاض عدد الوظائف بمقدار 12 نقطة مئوية خلال عامين، لتصل إلى 73 في المائة.

متطلبات عالية تدفع إلى العمل في المهن الحرفية

كما تُغير هذه التقنية توقعات العاملين المبتدئين في المجالات المتأثرة بالذكاء الاصطناعي. ووفقاً لدراسة أجرتها شركة «برايس ووترهاوس كوبرز»، فإن إعلانات الوظائف للمبتدئين في هذه المجالات تتطلب، بـ7 مرات أكثر، قدرات تُعدُّ تقليدياً من مستوى كبار الموظفين، مثل القيادة والتفكير الاستراتيجي، مقارنةً بعام 2019.

وإلى جانب الأمن الوظيفي، وتكاليف التعليم العالي، وغيرها من القضايا، قد يُسهم الذكاء الاصطناعي في زيادة اهتمام جيل الألفية (جيل زد) بالمهن الحرفية الماهرة مثل البناء والسباكة.

* مجلة «فاست كومباني».


ثورة في قياس الزمن... علماء يصنعون أول ساعتين نوويتين في العالم

بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)
بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)
TT

ثورة في قياس الزمن... علماء يصنعون أول ساعتين نوويتين في العالم

بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)
بلورة من فلوريد الكالسيوم مثبتة في حاملها وتحتوي على أعداد كبيرة من أنوية الثوريوم داخل نظام التفريغ الهوائي للساعة النووية (رويترز)

طوَّر فريق علمي في فيينا وآخر في بكين أول ساعتين نوويتين عاملتين في العالم، فيما وصفاه بأنه تقدُّم مهم في مجال قياس الوقت يبشر بتطبيقات عملية واسعة النطاق، ويوفّر أداة جديدة لدراسة الفيزياء الأساسية.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، يمثّل الجهازان الجيل التالي من الساعات الذرية، وهي أجهزة قياس وقت فائقة الدقة ابتُكرت لأول مرة في 1949. وعرض كل فريق بحثي تفاصيل إنجازه، اليوم (الأربعاء)، في ورقة علمية بدورية «نيتشر»، حيث قالوا إن الساعات النووية لديها القدرة على التفوُّق في الأداء على أفضل الساعات الذرية التقليدية، لكنها لم تصل إلى ذلك بعد.

ويُطلَق عليها اسم الساعات النووية ليس لأنها تعمل بالاندماج أو الانشطار النووي، كما قد يظن الشخص العادي، وإنما لأن الوقت يُحسب من خلال مراقبة كيفية تفاعل الضوء - المتمثل في شعاع ليزر عالي القدرة - مع نواة الذرة. وتعتمد كلتا الساعتين النوويتين على شكل، أو نظير، من عنصر الثوريوم يسمى «الثوريوم 229»، محبوس في بلورات فلوريد الكالسيوم الصلبة.

حلم نصف قرن تحقق

وقال عالم الفيزياء، شي تشيان دينغ، من جامعة تسينغهوا في الصين، الذي ساعد في قيادة الفريق المسؤول عن ساعة بكين: «عمل الفريقان على نحو مستقل، وتوصلا في الوقت نفسه إلى ساعتين نوويتين تعملان بـ(الثوريوم 229)، باستخدام مناهج تجريبية مختلفة. أعتقد أن هذا أمر مشجع للغاية لأنه يُظهر أن المفهوم قوي ولا يعتمد على تطبيق تقني معين».

أما الفيزيائي ثورستن شوم من جامعة فيينا التقنية في النمسا، الذي ساعد في قيادة الفريق المسؤول عن ساعة فيينا، فقال: «كان صنع ساعة نووية حلماً راود الفيزيائيين منذ ما يقرب من 50 عاماً. وفي فريقي، كنا نعمل على تحقيق هذا الهدف منذ 2008».

وأضاف شوم أنه يتصور استخدامات للساعات النووية في مجالات مثل الملاحة عبر الأقمار الصناعية ومزامنة نقل البيانات والمسح وعلم القياس، وهو دراسة القياس وتطبيقاته العملية.

تقيس الساعات الذرية التقليدية الوقت باستخدام الليزر أو الموجات الدقيقة لجعل الجسيمات دون الذرية، التي تُعرَف بالإلكترونات، تقفز ذهاباً وإياباً بين مستويين من الطاقة في غلاف الذرة، باستخدام عناصر مثل السيزيوم أو السترونتيوم.

أما الساعات النووية الجديدة فتقيس الوقت باستخدام الليزر لجعل الجسيمات دون الذرية، التي تُعرَف بالبروتونات والنيوترونات، تقفز ذهاباً وإياباً بين مستويات الطاقة داخل نواة الذرة، وهي في هذه الحالة «الثوريوم 229».

وتكمن الفكرة في أن تتبع هذه الانتقالات داخل نواة الذرة قد يحقق مستويات دقة أعلى حتى من تتبعها في الإلكترونات، لأن نواة الذرة أصغر بكثير من الغلاف المحيط بها، الذي يحوي الإلكترونات.

إتقان التكنولوجيا

قال شوم إن الساعة النووية لا تزال «بعيدة عن الأداء المستهدف»؛ إذ يسعى الباحثون إلى إتقان هذه التكنولوجيا.

وأضاف: «ما يبعث على التفاؤل حقاً هنا هو أن (ساعة فيينا) تحتوي على بلورات ثوريوم أفضل قليلاً - بتركيز أعلى وخصائص بصرية أفضل - بينما لدى فريق بكين ليزر أقوى. لذا، بمجرد الجمع بين هذه المكونات، يمكننا تصميم ساعة أفضل بكثير».

ويمكن لأفضل الساعات الذرية التقليدية أن تعمل لمليارات السنين دون أن تفقد أو تكتسب سوى ثانية واحدة. وهذه الدقة الفائقة حيوية لتطبيقات، مثل أنظمة الملاحة العالمية عبر الأقمار الصناعية والإنترنت والاتصالات الخلوية والألياف الضوئية.

ويعتقد الباحثون أن الساعات النووية، بمجرد إتقانها، قد تؤدي المهمة على نحو أفضل، ويمكن تصنيعها بحيث تكون أقل ضخامة.

والساعات النووية واعدة في استكشاف الفيزياء الأساسية؛ فقد أثبت فريق فيينا أن ساعته قادرة على إجراء تجربة فيزيائية دقيقة، إذ سعى إلى اكتشاف المادة المظلمة، وهي مكوِّن أساسي في الكون، لم يرصد حتى الآن.

ولم تنجح التجربة في الواقع في اكتشاف المادة المظلمة، لكن الساعة النووية أدت أداء يضاهي أفضل الساعات الذرية. وقال شوم: «إنها تفتح الباب أمام عالم فيزيائي جديد تماماً».