تراجيديا أمكنة وأزمنة عراقية في «جاذبية الصفر» للؤي عبد الإله

تراجيديا أمكنة وأزمنة عراقية  في «جاذبية الصفر» للؤي عبد الإله
TT

تراجيديا أمكنة وأزمنة عراقية في «جاذبية الصفر» للؤي عبد الإله

تراجيديا أمكنة وأزمنة عراقية  في «جاذبية الصفر» للؤي عبد الإله

صدرت حديثاً للكاتب العراقي لؤي عبد الإله، روايته الثانية: «جاذبية الصفر»، عن «دار دلمون الجديدة» السورية.
وهي تقع في 513 صفحة من الحجم المتوسط، وكانت لوحة الغلاف للرسام العراقي قاسم الساعدي.
تعتمد الرواية تكنيك الرسائل التي عثر عليها السارد في حقيبة أخذها بالخطأ، وهي تعود لمسافر عائد من برلين إلى لندن، وتحتوي على 28 مظروفاً، ستشكل جوهر وهيكل الرواية؛ إذ نتعرف عبرها على تاريخ العراق المأساوي، خصوصاً بعد 1958، حين حصل الانقلاب العسكري على النظام الملكي، لكنها تكشف أيضاً، في الوقت نفسه، حيثيات ما حصل لاحقاً في تاريخ العراق الحديث بالعودة إلى احتلال الجيش البريطاني للعراق عام 1917، وربطه باحتلال العراق عام 2003. وقبل ذلك، غزو العراق للكويت، والحرب المدمرة التي أعقبت ذلك، بل حتى العودة إلى الأساطير الأولى، وإسقاطها على الحاضر. تاريخ دموي تتشابك أحداثه التي نعيشها، ليس بشكل مجرد، بل من خلال انعكاسها على حيوات الشخصيات ومصايرها، خصوصاً في المنفى؛ إذ تبدأ الرواية بـ«عراق مصغر» في لندن، عبر مجموعة من المنفيين، متحدرين من اتجاهات متباينة، خلفيات متنوعة، كما هي الفسيفساء العراقية، وعبر لقاءاتهم اليومية، واستذكاراتهم نتعرف أمكنة وأزمنة عراقية عصفت بها متغيرات هائلة قلبت حال البلد، وشكلت مصيره الذي لا يزال غامضاً.
كتب الناقد العراقي ياسين النصير في قراءته الأولية عنها: «(جاذبية الصفر)... شاحنة وحقيبة ورسائل، هذه هي أمكنة الرواية الثلاث، وهي أزمنتها أيضاً: ثلاثة أرحام ولودة تشترك في نسج هذه الرواية؛ رحم الشاحنة المتحرك بين المدن، علامة لسفر دائم في الطرق، ورحم الحقيبة المهترئة التي تسلمها الراوي بدلاً من حقيبته، دلالة على تشابه مؤونة أغطية الجسد، ورحم الرسائل المودعة في مظروفاتها في جوف الحقيبة، دلالة على زمن متخثر في كهوف الذاكرة. ثلاثة أمكنة وثلاثة أزمنة تصنع نسيجاً استثنائياً عن محن العراقيين المشتركة... نحن في عالم مركب تقول الرواية، لا يكون السرد فيه بطريقة واحدة، تتعاقب الضمائر كما لو أن ذاكرة الشخصيات ذاكرة كونية. هذه الرواية الاستثنائية واحدة من الكتب التي تقول شيئاً عن رحلة لا تتوقف في عالم مجهول، حين انتزعت الشخصيات من أرضها وذاكرتها، ولم يبقَ إلا أن تركب شاحنة تسير، وحقيبة مهترئة تُفتح متى ما أريد لها، وذاكرة تستوطنها رسائل تبتدئ الرواية بها وتنتهي، ويبقى القارئ إحدى شخصيات الرواية عندما يجد نفسه متضمناً في الشاحنة والحقيبة والرسائل».
أما الناشرة عفراء هدبة، مديرة «دار دلمون الجديدة»، على ظهر غلاف الرواية كتبت: «تشبه (جاذبية الصفر) أغنية البجع الأخيرة، وهي تودع القرن العشرين، الذي عاش أبطاله فيه، مستثمرة الدعابة والأسطورة والتاريخ للاقتراب من مسراته وكوارثه، مستكشفة ما يربطه بالعصور السابقة واللاحقة، لكأننا عبر صفحاتها أمام عودة أبدية مفتوحة على مصراعيها».
سبق للكاتب لؤي عبد الإله أن نشر 4 مجموعات قصصية ما بين عامي 1992 و2015، هي: «العبور إلى الضفة الأخرى» عام 1992، و«أحلام الفيديو» عام 1996، وكلتاهما صدرت عن «دار الجندي» السورية، ثم صدرت له مجموعة «رمية زهر» عن «دار المدى»، عام 1999، و«لعبة الأقنعة» عن «دار دلمون الجديدة» في دمشق عام 2015.
وكان عبد الإله قد أصدر روايته الأولى «كوميديا الحب الإلهي» عن «دار المدى» عام 2008، التي استلهم فيها أيضاً تاريخ العراق الحديث.
وله في الدراسات: «حين تغيرنا عتبات الطريق»، وهو يضم مقالات نُشِرت ما بين عامي 1990 و2020، في عدد من الصحف والمجلات الثقافية العربية، وفي أدب الرحلات، أصدر عام 2004 «مفكرة بغداد: يوميات العودة إلى مسقط الرأس»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

4 خطوات تصنع تفوق اللاعبين في المراوغة بالكرة

ركز الباحثون في دراستهم على المراوغة الخادعة بالمقص (أنسبيلاش)
ركز الباحثون في دراستهم على المراوغة الخادعة بالمقص (أنسبيلاش)
TT

4 خطوات تصنع تفوق اللاعبين في المراوغة بالكرة

ركز الباحثون في دراستهم على المراوغة الخادعة بالمقص (أنسبيلاش)
ركز الباحثون في دراستهم على المراوغة الخادعة بالمقص (أنسبيلاش)

درس باحثون بجامعة تسوكوبا اليابانية قدرة لاعبي كرة القدم المهرة على التفوق في المراوغة الخادعة للمنافسين، لتوضيح كيفية اختراقهم للضغط الدفاعي بنجاح في المواجهات الفردية.

وأظهرت نتائجهم أن المراوغة الفعالة لا تقتصر على السرعة فحسب، بل هي مهارة معقدة تجري وفق نسق خاص يتضمن تنظيماً متكاملاً للمسافة بين اللاعبين، والسرعة النسبية بين المهاجم والمدافع، والتسارع اللحظي بالكرة استجابةً لرد فعل المدافعين وتحركاتهم.

وأفاد الباحثون في بيان نشر، الثلاثاء، على موقع «ميديكال إكسبريس»، بأنه في كرة القدم، تتجاوز المراوغة مجرد التحكم بالكرة؛ فهي سلوك ديناميكي يتشكل لحظياً وبشكل مستمر بين المهاجم والمدافع، لا سيما من خلال تعديلات تتم على مستويات سرعة الحركة والمسافة المكانية والتوقيت.

وأوضحوا أنه على الرغم من أهميتها التكتيكية، اعتمدت الأبحاث السابقة حول المراوغة على تصميمات تجريبية مضبوطة باستخدام عوائق ثابتة مثل الأقماع. ونتيجة لذلك، لا تزال خصائص الحركة التي تظهر في المواجهات الفردية الواقعية بين اللاعبين على أرض الملعب غير مفهومة بشكل كافٍ. لمعالجة هذا القصور، ركز الباحثون على «المراوغة الخادعة بالمقص»، وهي مناورة مراوغة شائعة الاستخدام في كرة القدم.

وشملت الدراسة لاعبين من مستوى الجامعة وطلاب المرحلة الإعدادية بمستويات مهارة متفاوتة، حيث قاموا جميعاً بتنفيذ حركة التمويه أمام مدافع حقيقي. ووفق الباحثين فقد جرى تسجيل الحركات باستخدام كاميرات عالية السرعة، مما أتاح تحليلاً دقيقاً للميكانيكا الحيوية التى تتم على أرض الواقع.

وتضمنت المتغيرات الرئيسية في الدراسة سرعة مركز كتلة الجسم، وحركة المفاصل، والمسافة الفاصلة بين اللاعبين، والتغيرات في السرعة النسبية بين المهاجم والمدافع.

وكشف التحليل، المنشور في مجلة «تايكوغاكو كينكيو»، وهي المجلة اليابانية للتربية البدنية والصحة وعلوم الرياضة، عن خصائص حركية مميزة لدى اللاعبين ذوي المهارات العالية، الذين يُعرَّفون بأنهم رياضيون جامعيون ذوو خبرات ميدانية متقدمة.

وبالمقارنة مع اللاعبين الأقل مهارة، أظهر المراوغون المهرة الخصائص الأربع التالية:

-التنظيم الفعال للمسافة: حيث قللوا المسافة إلى المدافع عمداً مع الحفاظ على سرعة عالية للجسم.

-التعديل الاستراتيجي للسرعة النسبية: حيث قللوا في البداية فارق السرعة مع المدافع، ثم زادوا السرعة بشكل مفاجئ في لحظات حاسمة.

-التحكم الفعال في المسافة: مع التنفيذ الفعّال للمراوغة ـ تميّزت حركاتهم الجانبية برفع طفيف للقدم وميل واضح للجذع، مما أتاح لهم القيام بحركات أسرع وأكثر خداعاً ومراوغة.

-وأخيراً، آليات التسارع الانفجاري: يتولّد التسارع الانفجاري من خلال ثني الركبة بشكل منسق، يليه مدّ قوي للركبة مع الساق الداعمة.

وكما أفاد الباحثون تشير هذه النتائج مجتمعةً إلى أن المراوغة الماهرة لا تقتصر على السرعة فحسب؛ بل هي مهارة حركية متطورة يُعدّل فيها اللاعبون باستمرار علاقتهم بالمدافعين من خلال دمج عوامل المسافة والسرعة النسبية والتسارع اللحظي المفاجئ.


«الفنان الملتزم» عبد العزيز مخيون يرحل بعد أدوار أيقونية

الفنان عبد العزيز مخيون (وزارة الثقافة المصرية)
الفنان عبد العزيز مخيون (وزارة الثقافة المصرية)
TT

«الفنان الملتزم» عبد العزيز مخيون يرحل بعد أدوار أيقونية

الفنان عبد العزيز مخيون (وزارة الثقافة المصرية)
الفنان عبد العزيز مخيون (وزارة الثقافة المصرية)

ودّعت مصر الفنان الكبير عبد العزيز مخيون بعد مسيرة فنية تجاوزت نصف قرن ترك خلالها بصمات بأدواره الأيقونية في المسرح والسينما والتلفزيون، وبرع في تقديم الأدوار المركبة التي تتطلب أداء تمثيلياً عميقاً، والذي عرف بالتزامه في العمل وبالأدوار التي تضيف لمشواره، كما ذكر في أحد حواراته السابقة.

ورحل مخيون عن 80 عاماً إثر أزمة صحية تعرض لها على مدى الشهور الماضية، وتضاعفت معاناته في الأيام الأخيرة قبيل وفاته، حيث عانى من التهاب رئوي وضيق في التنفس بعد فترة من تناوله علاجاً إشعاعياً. ونعاه نقيب المهن التمثيلية الدكتور أشرف زكي، وكتب عبر حسابه على «إنستغرام»: «وداعاً أيها الرجل العظيم»، حيث جرى تشييع جثمانه عصر الأربعاء بقريته في محافظة البحيرة (شمال مصر) والتي انتقل للإقامة بها منذ سنوات.

ونعت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، الفنان الراحل الذي تُوفي بعد مسيرة فنية وإبداعية استثنائية، أثرى خلالها الحياة الثقافية والفنية المصرية والعربية بعشرات الأعمال المتميزة التي رسَّخت مكانته كأحد رموز الإبداع المصري، مؤكدة أنه مَثّل تجربة فنية متفردة جمع فيها بين الموهبة الأصيلة والثقافة العميقة والوعي بقضايا المجتمع، وقد امتلك فلسفة خاصة في الأداء وفي اختيار أدواره جعلت من أعماله انعكاساً صادقاً لقضايا الإنسان المصري وتطلعاته.

وكان آخر ظهور فني للفنان عبد العزيز مخيون في رمضان الماضي من خلال مسلسليَ «إفراج» أمام عمرو سعد، و«سوا سوا» أمام أحمد مالك، والمفارقة أن آخر ما صوره كان مشهد وفاته ضمن أحداث المسلسل الثاني.

وقد ظل مخيون حريصاً على الوجود حتى بأدوار صغيرة لا تليق بتاريخه، وكان له وجهة نظر في ذلك أكدها في حوار سابق مع «الشرق الأوسط»؛ إذ اعترف أنه بات يقبل أدواراً أقل من موهبته وخبراته بوصفه ممثلاً حتى لا يبتعد عن التمثيل، وأنه يتكيف مع كل عمل يؤديه في المساحة التي تُتاح له؛ لأن الأضرار النفسية المترتبة على الابتعاد كبيرة على أي ممثل، مؤكداً أن منظومة الإنتاج خاطئة، وأن السينما العالمية تعمل على الاستفادة من النجوم الكبار.

عبد العزيز مخيون المولود في 25 فبراير (شباط) 1946 تخرج في معهد الفنون المسرحية، كما درس الموسيقى وحصل على منحة لدراسة المسرح في فرنسا ليعود ويؤسس فرقة «مسرح الفلاحين»، حيث قدم من خلاله عشرات المسرحيات التي أخرجها، كما انضم في وقت لاحق ممثلاً بفرقة مسرح التلفزيون، ومسرح الطليعة، حيث شارك في بطولة عدد من المسرحيات من بينها «مريض الوهم» و«الناس اللي في التالت»، و«ماراصاد»، و«وا قدساه».

وشارك مخيون في بطولة أفلام سينمائية مهمة على غرار «إسكندرية ليه» و«حدوتة مصرية» ليوسف شاهين، و«الهروب» لعاطف الطيب، وقد تم اختيار الأفلام الثلاثة ضمن قائمة أفضل مائة فيلم مصري، وحاز جوائز عدة عن أدواره بها.

عبد العزيز مخيون قدَّم أدواراً أيقونية في السينما والتلفزيون والمسرح (وزارة الثقافة المصرية)

ويلفت الناقد أحمد سعد الدين إلى أن الفنان الراحل كان صاحب بصمة خاصة في أدواره، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «رغم أنه لم يتصدر البطولة السينمائية المطلقة لكنه في ذلك مثله مثل الفنانين الكبار محمود المليجي وزكي رستم وعادل أدهم الذين جعلوا من الأدوار الثانية أهمية تفوق أدوار البطولة».

وعدّه نموذجاً للفنان المثقف الذي ينتقي أدواره بذكاء منقطع النظير، مما جعل بعض أدواره علامات فنية، سواء في السينما أو التلفزيون، وبخصوص السينما يقول سعد الدين: «لا يمكن أن ننسى دوره في فيلم (بئر الخيانة) لعلي عبد الخالق الذي أدى فيه شخصية ضابط المخابرات الإسرائيلي فلا يمكن تصور ممثل آخر يؤدي الدور بتلك البراعة، وكذلك دوره في فيلم (الهروب) وشخصية (سالم ولد عبد الدايم) في دور صعب ومركب، وكذلك دوره المهم والمؤثر في فيلم (فارس المدينة) لمحمد خان».

وفي الدراما التلفزيونية، سجل الفنان عبد العزيز مخيون حضوره بأدوار أيقونية مثل شخصية «المناضل طه السماحي» في مسلسل «ليالي الحلمية»، وشخصية أحمد لطفي السيد في مسلسل «رجل لهذا الزمان».

وكان لتقارب الملامح بينه وبين الموسيقار محمد عبد الوهاب سبب في اختياره لأداء شخصية عبد الوهاب في 4 مسلسلات تنتمي لأعمال السيرة الذاتية. كما أشار سعد الدين إلى دوره في مسلسل «الجماعة» وأدائه اللافت لشخصية مرشد جماعة الإخوان المسلمين الذي استحق عليه جائزة أفضل ممثل في فئة الكبار.

ونعى مهرجان القاهرة السينمائي الفنان الراحل، وأعرب الفنان حسين فهمي، رئيس المهرجان، عن بالغ حزنه لرحيل هذا الفنان الاستثنائي، وقال: «فقدنا اليوم فناناً أصيلاً أعطى من روحه وموهبته على مدار خمسة عقود، وترك في وجدان المشاهدين أثراً عميقاً لا يمحى»، مؤكداً أن عبد العزيز مخيون كان فناناً من طراز رفيع، وسيظل اسمه راسخاً في تاريخ الفن المصري.


«وادي الفرع»... ذاكرة التاريخ والعيون الجارية التي لم تغادرها القوافل

المباني القديمة في محافظة وادي الفرع (الشرق الأوسط)
المباني القديمة في محافظة وادي الفرع (الشرق الأوسط)
TT

«وادي الفرع»... ذاكرة التاريخ والعيون الجارية التي لم تغادرها القوافل

المباني القديمة في محافظة وادي الفرع (الشرق الأوسط)
المباني القديمة في محافظة وادي الفرع (الشرق الأوسط)

قبل أن تُرسم الطرق الحديثة على خرائط الجزيرة العربية، وقبل أن تختصر السيارات المسافات بين المدن، كانت الأودية هي الممرات، وكانت العيون الجارية هي محطات الحياة، وكانت القوافل تقيس رحلاتها بمواقع الماء لا بعدد الكيلومترات.

وفي قلب هذه الحكاية الممتدة عبر القرون، تقف محافظة وادي الفرع، جنوب المدينة المنورة، بوصفها من أقدم الشواهد الحية على العلاقة التي نسجها الإنسان مع الأرض والماء والتاريخ، حيث تعاقبت الأجيال وبقي الوادي محتفظاً بذاكرة تجاوزت 1500عام، يرويها النخيل، وتحفظها القرى القديمة، وتؤكدها آثار المسافرين الذين مروا من هنا في طريقهم شمالاً وجنوباً.

يطل وادي الفرع اليوم على مرحلة جديدة من التحول التنموي في مسارته المختلفة (واس)

وتقع المحافظة على بُعد نحو 140 كيلومتراً جنوب المدينة المنورة، ويتخذ مركز الفقير مقراً لها على الطريق السريع الرابط بين المدينتين المقدستين، إلا أن تاريخها أقدم بكثير؛ فهذه البقعة التي عُرفت بخصوبة أرضها ووفرة مياهها، شكلت عبر أزمنة طويلة محطة رئيسية للقوافل والحجاج والتجار، وارتبط اسمها بالماء والنخيل والتمور، حتى غدت إحدى أشهر الواحات الزراعية في المنطقة بنحو 50 عيناً جارية تسقي آلاف النخيل، كما تضم المحافظة مساجد صلَّى فيها النبي (صلى الله عليه وسلم) ومنها مسجد «البرود»، ويسمى الآن «البريد»، (تصغيراً لكلمة «بريد»)، فيما يطلق عليه الآن عند أهل قرية المضيق اسم «مسجد النبي» و«مسجد البرود».

ويستعيد الدكتور عبد المحسن المقذلي، محافظ وادي الفرع السابق، في حديثة مع «الشرق الأوسط» ملامح تلك الحقبة، مؤكداً أن الوادي اشتهر عبر تاريخه الطويل بالنخيل والتمور، وأن ازدهاره ارتبط ارتباطاً مباشراً بوفرة المياه التي كانت تنبض في أرجائه. ويشير إلى أن عدد العيون الجارية في الوادي تجاوز 50 عيناً، مما حوَّل المكان إلى واحة خضراء يقصدها الناس من القرى والمناطق المجاورة.

يتمتع الوادي بكثرة ينابيعه وخصوبة أرضه (الشرق الأوسط)

ويبدو الحديث عن الماء في وادي الفرع حديثاً عن أصل الحكاية كلها؛ فالماء لم يكن مجرد مورد طبيعي، بل كان العنصر الذي صنع أهمية الوادي ومكانته، إذ يرى المقذلي أن هذه الوفرة في المياه شكَّلت القرى، ونمَّت الزراعة، واستقرت الحياة، ومنها استمد الوادي دوره بوصفه محطة رئيسية على طرق القوافل القادمة من بلاد الشام والمتجهة نحو الحجاز.

ومن بين تلك الطرق برز طريق القاح التاريخي الذي ارتبط اسمه بالوادي، وشكَّل أحد أهم المسارات البرية القديمة في المنطقة، ويشير المقذلي إلى وجود روايات تتحدث عن أجزاء من طرق حجرية مرصوفة ما زالت آثارها قائمة في بعض المواقع، وهي شواهد صامتة لكنها بليغة الدلالة على حجم الحركة التي شهدها المكان في عصور سابقة.

تشتهر المحافظة بزراعة النخيل وأنواع الحمضيات (واس)

ولم تقتصر أهمية الوادي على كونه ممراً للمسافرين، بل كان مركزاً اقتصادياً نشطاً، إذ تنتشر منافذ البيع التي يعود عمرها إلى أكثر من 150 عاماً وفقاً للمحافظ، الذي شدد على أن الدراسات الأثرية المتخصصة قد تكشف مستقبلاً عن مواقع وشواهد تاريخية ذات قيمة كبيرة، تضاهي في أهميتها المواقع المرتبطة بطريق الحج الشامي ومحطات الحجاج التاريخية المعروفة في المنطقة.

وفي ثنايا المحافظة تتناثر مواقع لا تزال تحتفظ بقدرتها على استحضار الماضي، ومنها وادي خضرة، الذي كان اسمه وادي «غبرة» والذي غيَّر اسمه النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى اسمه الحالي المعروف به حالياً «وادي خضرة» وفقاً للمقذلي، الذي أشار إلى أنه لا تزال إحدى عيونه المائية تتدفق حتى اليوم.

وتحتفظ المحافظة بواحد من أهم معالمها التراثية، وهي السوق القديمة التي تقف شاهداً على حيوية الوادي، فعلى الرغم من مرور أكثر من قرن ونصف القرن على إنشائها لا تزال الدكاكين الحجرية قائمة، تروي قصة سوق كان يوماً القلب التجاري النابض للمنطقة بأكملها، وكان يرد إليها حسب المحافظ، من المحاني والأكحل والقرى المجاورة؛ لشراء التمور وتبادل السلع المختلفة، في مشهد يعكس حجم النشاط التجاري الذي عرفه الوادي في تلك الفترة.

المباني القديمة في محافظة وادي الفرع (الشرق الأوسط)

ولأن الماء كان أساس الزراعة والحياة، يرى المقذلي أن المحافظة ارتبطت بمنظومة دقيقة من التنظيم والإدارة من خلال آلية توزيع المياه بين المزارع والبساتين، إذ لم يكن بصورة عشوائية، بل وفق نظام متقن يقوم على تحديد حصص زمنية دقيقة لكل مزارع، ويتولى الإشراف عليها شخص مختص معروف لدى الأهالي. ويعكس هذا النظام مستوى متقدماً من التنظيم الاجتماعي الذي نشأ حول الموارد المائية، وأسهم في استدامة النشاط الزراعي لعقود طويلة.

وإلى جانب إرثه التاريخي والزراعي، يطل وادي الفرع اليوم على مرحلة جديدة من التحول التنموي في مسارته المختلفة، إذ تعيش المحافظة نقلة نوعية وتوسع، ويُرتقب أن تشهد المحافظة تدفقاً سياحياً مع الطريق الذي يربط الوادي بساحل البحر الأحمر عبر مستورة، كما أن المحافظة تشتهر بزراعة النخيل وأنواع الحمضيات مثل الليمون والبرتقال، وكذلك العنب وأنواع الخضراوات.

Your Premium trial has ended