إجماع المعارضة التركية على مرشح واحد يطرح تحدياً كبيراً لإردوغان

ديديه بيون يرسم لـ«الشرق الأوسط» صورة السوسيولوجيا الانتخابية في تركيا

ديديه بيون (الشرق الأوسط)
ديديه بيون (الشرق الأوسط)
TT

إجماع المعارضة التركية على مرشح واحد يطرح تحدياً كبيراً لإردوغان

ديديه بيون (الشرق الأوسط)
ديديه بيون (الشرق الأوسط)

بعد أقل من أسبوعين، في 14 مايو (أيار) المقبل، تجري الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية في تركيا، بالتوازي مع الانتخابات التشريعية التي تحسم نتائجها من المرحلة الأولى. وبعكس الانتخابات السابقة التي خاضها الرئيس رجب طيب إردوغان، وفاز بـ14 منها بين انتخابات بلدية وتشريعية ورئاسية واستفتاءات، فإن المعركة الرئاسية المقبلة لا تبدو محسومة النتائج لصالح الأخير الذي يسعى للفوز بولاية رئاسية إضافية.
ومن أجل التعمق في السوسيولوجيا الانتخابية التي شهدت انعطافة حادة من خلال تقديم المعارضة مرشحاً وحيداً يمثل الأحزاب الستة، توجهت «الشرق الأوسط» إلى ديديه بيون، الأكاديمي والخبير بالشؤون التركية ونائب مدير معهد الدراسات الدولية والاستراتيجية في باريس، للكشف عن خبايا المعركة الانتخابية - السياسية المقبلة، وعن أوراق ضعف وقوة المرشحين الرئيسيين، اللذين هما إردوغان وكمال كليتشدار أوغلو.
السؤال الرئيسي الذي لا يشغل فقط الأتراك، ولكن أيضاً الجوار الإقليمي والعديد من دول العالم، يدور حول حظوظ إردوغان في الفوز بولاية رئاسية إضافية، وعما إذا كان ذلك ممكناً من الدورة الأولى. ويرد ديديه بيون الذي أصدر مؤخراً كتاباً بعنوان «تركيا: الشريك الإلزامي»، عن «دار أيرول» في باريس، بأن استطلاعات الرأي لا تحسم الإجابة؛ إذ تبين غالبيتها أن إردوغان سيحصل على الأرجح على 42 في المائة مقابل 46 في المائة لمنافسه. ويضيف بيون أن «معركة الجولة الثانية ستكون صعبة على الطرفين»، مضيفاً أن إردوغان «يواجه تحديات عديدة، أهمها المحافظة على الفئة من الناخبين التي اقترعت له منذ 21 عاماً، لأنه نجح في توفير طفرة اقتصادية لافتة.
والحال أن الوضع الاقتصادي والمالي تغير اليوم كثيراً. لكنه، بالطبع، ما زال يتمتع بدعم شريحة واسعة من الأتراك التي تنتخبه آلياً لأسباب آيديولوجية أو حتى دينية. بيد أن الجديد يكمن في أنه يواجه مرشح تكتل المعارضة الموحدة الذي يضم 6 أحزاب، أبرزها حزب «الشعب الجمهوري» الذي أسسه أتاتورك في عام 1923.
يعتبر الأكاديمي الفرنسي أن كلمة السر عنوانها اليوم القدرة على «إطلاق دينامية سياسية قوية قادرة على أن تتحول إلى موجة انتخابية» تطيح المنافس في الجهة المقابلة. والحال أن أياً منهما لم ينجح حتى اليوم في ذلك، وبالمقابل فإن أياً منهما لم يرتكب خطأ تكتيكياً أو استراتيجياً «مميتاً» يطيح حظوظه بالفوز. ويسرد بيون أن من أوراق القوة التي يتمتع بها مرشح المعارضة وقوف حزب «الشعب الديمقراطي الكردي» إلى جانبه. والمعلوم أن الحزب المذكور قادر على إيصال ما بين 60 و70 نائباً إلى البرلمان؛ ما يدل على قوته، وأن قادته أكدوا أنهم «سيقومون بكل ما هو ممكن لإلحاق الهزيمة بإردوغان». فضلاً عن ذلك، فإن شخصية كليتشدار أوغلو تتميز بالهدوء والرصانة والثبات، وكلها تتناقض مع شخصية إردوغان التي يصفها البعض بالمتموجة الاستقطابية.
ويضيف الباحث الفرنسي أن تركيا بحاجة لـ«فترة من الهدوء»، علماً بأن الأتراك أوجدوا صفتين لمرشح المعارضة البالغ من العمر 74 عاماً: الأولى أنه «القوة الهادئة»، والثانية أنه «غاندي تركيا» تيمناً بالزعيم الهندي الذي رفض اللجوء إلى العنف لتمكين الهند من الحصول على استقلالها.
منذ 21 سنة، يحتل إردوغان المشهد السياسي التركي. من هنا، يرى الباحث الفرنسي أن تركيا «بحاجة لنوع من التجديد، لأن عامل التآكل أو الاهتراء موجود، ويلعب ضد الرئيس الحالي الذي استخدم دوماً عامل الاستقطاب الداخلي لإرساء سلطته». ومن الأوراق التي تلعب ضده الصورة الملتصقة به من أنه «ليس صديقاً للحريات العامة والخاصة بما فيها حرية الصحافة»، الأمر الذي أبعد عنه الليبراليين. ويعيد الباحث التأكيد على «أهمية العامل الاقتصادي - المالي في تحديد وجهة الاقتراع؛ إذ إن الليرة التركية خسرت 100 في المائة من قيمتها إزاء اليورو، والتضخم بلغ في 2022 ما يزيد على 80 في المائة»، ما من شأنه إبعاد الناخب التركي المنتمي إلى الطبقة الوسطى عن رئيسه الحالي والمراهنة على وصول فريق جديد.
وفي هذا السياق، يشير بيون إلى وجود علي باباجان، وزير الاقتصاد السابق لفترات طويلة، الذي كان نائباً لإردوغان داخل صفوف المعارضة. وباباجان انشق عن حزب «العدالة والتنمية»، وأسس حزباً ما زال صغيراً هو «حزب الديمقراطية والتقدم»، وهو يحظى باحترام كبير لدى الأوروبيين لجديته، وبالتالي فإنه «يمكن أن يشكل الضمانة الاقتصادية لبرنامج المعارضة الاقتصادي».
ثمة سؤال يُطرح بخصوص كليتشدار أوغلو، ويتناول انتماءه إلى الطائفة العلوية التي تشكل أقلية في تركيا، ومدى تأثير ذلك على حظوظه الرئاسية. لا يرى ديديه بيون أن إعلان الأخير انتماءه إلى الطائفة العلوية يؤثر على حظوظه، لأسباب عديدة؛ أولها أن كثيراً من الأتراك كانوا يعرفون ذلك. ورغم أن إردوغان هاجمه واتهمه بالتخفي، فإن ذلك لا يبدو أنه أثَّر على الناخبين، لا، بل إن كليتشدار أوغلو استفاد من مناسبة كشف انتمائه الديني علناً، وعبر شريط فيديو من أجل الدعوة إلى «تخطي الانقسامات» والسعي لوحدة الشعب التركي والتحلي بالتسامح. ويضيف بيون أن الأخير دعا إلى «تمكين كل مدرسة دينية من أن تعبر عن آرائها بكل حرية». ولا شك أن وجود «حزب السعادة» الذي يُعد إسلاموياً داخل تحالف المعارضة يمكن أن يشكل، بحسب الباحث، «نوعاً من الضمانة» بالنسبة لكليتشدار أوغلو.
لم ينسَ المتابعون للشؤون التركية عقيدة وزير الخارجية الأسبق أحمد داود أوغلو صاحب نظرية «صفر مشكلات» لتركيا مع جيرانها والعالم كله. والحال أنه بعد إقالة الأخير، راجت في تركيا نكتة تقول: بعد سياسة «صفر مشكلات» طبَّق إردوغان سياسة «صفر بلد من غير صفر مشكلات». ويذكر الباحث أن إردوغان كان على خلاف تقريباً مع الجميع من بلدان الجوار ومع الأبعد منها، كفرنسا والحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. ومنذ عامين، سعى إردوغان لقلب هذه الصفحة؛ بالتصالح مع بلدان الخليج وإسرائيل، ويحاول مع مصر وسوريا حيث يبدو التطبيع معها «أكثر تعقيداً»، بحسب ديديه بيون، وذلك «بسبب وجود الإخوان المسلمين المصريين في تركيا، ورفضه حتى اليوم التخلي عنهم وإخراجهم»، مضيفاً أن «الأمر نفسه حاصل مع سوريا بالنظر لكلمة الرئيس السوري التي أكد فيها أن لا اتفاق مع تركيا قبل 14 مايو»، أي موعد الانتخابات. وخلاصة ديديه بيون أن إردوغان «سياسي ماهر لكن مشكلته تكمن في أنه متقلّب من جهة، ومن جهة ثانية غير قادر على بناء سياسة ثابتة تمتد لـ10 أو 15 عاماً». وخلاصته أن تقاربه مع الجوار القريب والبعيد «لن يخدمه سياسياً في حملته الانتخابية»، لأن الناخب التركي، كما غيره في العالم، ينظر أولاً إلى ما يجري داخل بلاده وليس خارجها.
ولكن ماذا عن الدور الذي لعبه إردوغان وما زال يلعبه في ملف الحرب الروسية على أوكرانيا؟ يرى ديديه بيون أن الرئيس التركي «لم يرتكب أخطاء في التعاطي مع هذه الحرب»، وأنه قبل اندلاعها «كان على علاقة جيدة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين وبنظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي».
وأشار الباحث إلى أن الأخير «قام بزيارة رسمية إلى تركيا قبل الحرب بعام، حيث ذكره إردوغان بأن بلاده لم تعترف أبداً بضم روسيا لشبه جزيرة القرم، وأنه دافع سابقاً عن انضمام كييف إلى الحلف الأطلسي». وبهذه المناسبة، عقد الطرفان اتفاقيات اقتصادية وتجارية، ولكن أيضاً عسكرية، وإحداها إنشاء مصنع مشترك لإنتاج المسيرات في أوكرانيا نفسها. وهذه المسيرات لعبت، كما هو معلوم، دوراً كبيراً في إفشال الغزو الروسي ومنع الدبابات الروسية من الوصول إلى كييف. ويذكر الباحث أيضاً أنه عندما بدأ الغزو في فبراير (شباط) 2022، سارعت تركيا لإدانته، كما أنها عمدت إلى تفعيل بنود «معاهدة مونترو» الخاصة بالمضايق.
ومن نجاحات أنقرة، بحسب الباحث، أنها «نجحت في جمع وزيري خارجية روسيا وأوكرانيا في (منتدى أنطاليا) الذي عقد بعد أسابيع قليلة على بدء الغزو، كما لعبت دوراً رئيسياً في إبرام (اتفاقية إخراج الحبوب الأوكرانية) إلى جانب (الأمم المتحدة). كذلك، ساعدت في إتمام عمليات مبادلة الأسرى بين روسيا وأوكرانيا». وخلاصة الباحث أن «إردوغان لعب هذه الورقة بمهارة»، والدليل على ذلك أن تركيا (رغم كونها عضواً في الحلف الأطلسي) ترفض تطبيق العقوبات الاقتصادية والمالية المفروضة على روسيا. لذا، يتوقع ديديه بيون أنه «مهما تكن نتيجة الانتخابات المقبلة، فسيكون لأنقرة دور في المسار الذي سيفضي إلى وقف القتال والسلام في وقت ما».


مقالات ذات صلة

تركيا: المعارضة تتعهد هزيمة إردوغان في الانتخابات المقبلة

شؤون إقليمية احتشد آلاف الأتراك في ميدان ساراتشهانه أمام مبنى بلدية إسطنبول ليل الأربعاء - الخميس في ذكرى اعتقال رئيس البلدية أكرم إمام أوغلو مطالبين بإطلاق سراحه (حزب الشعب الجمهوري - إكس)

تركيا: المعارضة تتعهد هزيمة إردوغان في الانتخابات المقبلة

تعهدت المعارضة التركية انتزاع السلطة من الرئيس رجب طيب إردوغان في أول انتخابات مقبلة وحل مشاكل البلاد.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل متحدثاً أمام حشد من أنصار الحزب في مدينة أوشاك غرب تركيا السبت الماضي (حساب الحزب في إكس)

تركيا: زعيم المعارضة يواجه رفع الحصانة البرلمانية والمحاكمة

اتهم رئيس حزب «الشعب الجمهوري» المعارض أوزغور أوزيل الرئيس إردوغان بتحويل القضاء إلى «أداة سياسية» للانتقام من منافسه رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية أنصار حزب «الشعب الجمهوري» يرفعون صورة لرئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو خلال تجمع بمدينة أوشاك غرب تركيا السبت الماضي (حساب الحزب في إكس)

تركيا: زعيم المعارضة يقترح فرض «الإقامة الجبرية» على إمام أوغلو

أثار اقتراح لرئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل وضع رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو رهن الإقامة الجبرية لحين انتهاء محاكمته في قضية فساد جدلاً واسعاً.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية أنصار رئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو يواصلون الاحتجاجات في محيط سجن سيليفري حيث تجري محاكمته في قضية الفساد في البلدية (أ.ب)

إمام أوغلو: أواجه محاكمة «سياسية» مبنية على لائحة للتشهير

وصف رئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو محاكمته بتهمة الفساد بأنها «قضية سياسية» منذ البداية، عاداً أن لائحة الاتهام فيها ما هي إلا «وثيقة للتشهير»

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية تجمع مئات الأتراك بمحيط سجن سيليفري خلال انعقاد الجلسة الأولى لمحاكمة أكرم إمام أوغلو في قضية الفساد بالبلدية مطالبين بإطلاق سراحه (أ.ف.ب)

تركيا: انطلاق محاكمة إمام أوغلو المرتقبة بتهمة الفساد في بلدية إسطنبول

انطلقت في إسطنبول الاثنين المحاكمة المرتقبة لرئيس بلدية إسطنبول المعارض المحتجز أكرم إمام أوغلو في قضية الفساد بالبلدية الأكبر بتركيا وسط أجواء متوترة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.