إجماع المعارضة التركية على مرشح واحد يطرح تحدياً كبيراً لإردوغان

ديديه بيون يرسم لـ«الشرق الأوسط» صورة السوسيولوجيا الانتخابية في تركيا

ديديه بيون (الشرق الأوسط)
ديديه بيون (الشرق الأوسط)
TT

إجماع المعارضة التركية على مرشح واحد يطرح تحدياً كبيراً لإردوغان

ديديه بيون (الشرق الأوسط)
ديديه بيون (الشرق الأوسط)

بعد أقل من أسبوعين، في 14 مايو (أيار) المقبل، تجري الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية في تركيا، بالتوازي مع الانتخابات التشريعية التي تحسم نتائجها من المرحلة الأولى. وبعكس الانتخابات السابقة التي خاضها الرئيس رجب طيب إردوغان، وفاز بـ14 منها بين انتخابات بلدية وتشريعية ورئاسية واستفتاءات، فإن المعركة الرئاسية المقبلة لا تبدو محسومة النتائج لصالح الأخير الذي يسعى للفوز بولاية رئاسية إضافية.
ومن أجل التعمق في السوسيولوجيا الانتخابية التي شهدت انعطافة حادة من خلال تقديم المعارضة مرشحاً وحيداً يمثل الأحزاب الستة، توجهت «الشرق الأوسط» إلى ديديه بيون، الأكاديمي والخبير بالشؤون التركية ونائب مدير معهد الدراسات الدولية والاستراتيجية في باريس، للكشف عن خبايا المعركة الانتخابية - السياسية المقبلة، وعن أوراق ضعف وقوة المرشحين الرئيسيين، اللذين هما إردوغان وكمال كليتشدار أوغلو.
السؤال الرئيسي الذي لا يشغل فقط الأتراك، ولكن أيضاً الجوار الإقليمي والعديد من دول العالم، يدور حول حظوظ إردوغان في الفوز بولاية رئاسية إضافية، وعما إذا كان ذلك ممكناً من الدورة الأولى. ويرد ديديه بيون الذي أصدر مؤخراً كتاباً بعنوان «تركيا: الشريك الإلزامي»، عن «دار أيرول» في باريس، بأن استطلاعات الرأي لا تحسم الإجابة؛ إذ تبين غالبيتها أن إردوغان سيحصل على الأرجح على 42 في المائة مقابل 46 في المائة لمنافسه. ويضيف بيون أن «معركة الجولة الثانية ستكون صعبة على الطرفين»، مضيفاً أن إردوغان «يواجه تحديات عديدة، أهمها المحافظة على الفئة من الناخبين التي اقترعت له منذ 21 عاماً، لأنه نجح في توفير طفرة اقتصادية لافتة.
والحال أن الوضع الاقتصادي والمالي تغير اليوم كثيراً. لكنه، بالطبع، ما زال يتمتع بدعم شريحة واسعة من الأتراك التي تنتخبه آلياً لأسباب آيديولوجية أو حتى دينية. بيد أن الجديد يكمن في أنه يواجه مرشح تكتل المعارضة الموحدة الذي يضم 6 أحزاب، أبرزها حزب «الشعب الجمهوري» الذي أسسه أتاتورك في عام 1923.
يعتبر الأكاديمي الفرنسي أن كلمة السر عنوانها اليوم القدرة على «إطلاق دينامية سياسية قوية قادرة على أن تتحول إلى موجة انتخابية» تطيح المنافس في الجهة المقابلة. والحال أن أياً منهما لم ينجح حتى اليوم في ذلك، وبالمقابل فإن أياً منهما لم يرتكب خطأ تكتيكياً أو استراتيجياً «مميتاً» يطيح حظوظه بالفوز. ويسرد بيون أن من أوراق القوة التي يتمتع بها مرشح المعارضة وقوف حزب «الشعب الديمقراطي الكردي» إلى جانبه. والمعلوم أن الحزب المذكور قادر على إيصال ما بين 60 و70 نائباً إلى البرلمان؛ ما يدل على قوته، وأن قادته أكدوا أنهم «سيقومون بكل ما هو ممكن لإلحاق الهزيمة بإردوغان». فضلاً عن ذلك، فإن شخصية كليتشدار أوغلو تتميز بالهدوء والرصانة والثبات، وكلها تتناقض مع شخصية إردوغان التي يصفها البعض بالمتموجة الاستقطابية.
ويضيف الباحث الفرنسي أن تركيا بحاجة لـ«فترة من الهدوء»، علماً بأن الأتراك أوجدوا صفتين لمرشح المعارضة البالغ من العمر 74 عاماً: الأولى أنه «القوة الهادئة»، والثانية أنه «غاندي تركيا» تيمناً بالزعيم الهندي الذي رفض اللجوء إلى العنف لتمكين الهند من الحصول على استقلالها.
منذ 21 سنة، يحتل إردوغان المشهد السياسي التركي. من هنا، يرى الباحث الفرنسي أن تركيا «بحاجة لنوع من التجديد، لأن عامل التآكل أو الاهتراء موجود، ويلعب ضد الرئيس الحالي الذي استخدم دوماً عامل الاستقطاب الداخلي لإرساء سلطته». ومن الأوراق التي تلعب ضده الصورة الملتصقة به من أنه «ليس صديقاً للحريات العامة والخاصة بما فيها حرية الصحافة»، الأمر الذي أبعد عنه الليبراليين. ويعيد الباحث التأكيد على «أهمية العامل الاقتصادي - المالي في تحديد وجهة الاقتراع؛ إذ إن الليرة التركية خسرت 100 في المائة من قيمتها إزاء اليورو، والتضخم بلغ في 2022 ما يزيد على 80 في المائة»، ما من شأنه إبعاد الناخب التركي المنتمي إلى الطبقة الوسطى عن رئيسه الحالي والمراهنة على وصول فريق جديد.
وفي هذا السياق، يشير بيون إلى وجود علي باباجان، وزير الاقتصاد السابق لفترات طويلة، الذي كان نائباً لإردوغان داخل صفوف المعارضة. وباباجان انشق عن حزب «العدالة والتنمية»، وأسس حزباً ما زال صغيراً هو «حزب الديمقراطية والتقدم»، وهو يحظى باحترام كبير لدى الأوروبيين لجديته، وبالتالي فإنه «يمكن أن يشكل الضمانة الاقتصادية لبرنامج المعارضة الاقتصادي».
ثمة سؤال يُطرح بخصوص كليتشدار أوغلو، ويتناول انتماءه إلى الطائفة العلوية التي تشكل أقلية في تركيا، ومدى تأثير ذلك على حظوظه الرئاسية. لا يرى ديديه بيون أن إعلان الأخير انتماءه إلى الطائفة العلوية يؤثر على حظوظه، لأسباب عديدة؛ أولها أن كثيراً من الأتراك كانوا يعرفون ذلك. ورغم أن إردوغان هاجمه واتهمه بالتخفي، فإن ذلك لا يبدو أنه أثَّر على الناخبين، لا، بل إن كليتشدار أوغلو استفاد من مناسبة كشف انتمائه الديني علناً، وعبر شريط فيديو من أجل الدعوة إلى «تخطي الانقسامات» والسعي لوحدة الشعب التركي والتحلي بالتسامح. ويضيف بيون أن الأخير دعا إلى «تمكين كل مدرسة دينية من أن تعبر عن آرائها بكل حرية». ولا شك أن وجود «حزب السعادة» الذي يُعد إسلاموياً داخل تحالف المعارضة يمكن أن يشكل، بحسب الباحث، «نوعاً من الضمانة» بالنسبة لكليتشدار أوغلو.
لم ينسَ المتابعون للشؤون التركية عقيدة وزير الخارجية الأسبق أحمد داود أوغلو صاحب نظرية «صفر مشكلات» لتركيا مع جيرانها والعالم كله. والحال أنه بعد إقالة الأخير، راجت في تركيا نكتة تقول: بعد سياسة «صفر مشكلات» طبَّق إردوغان سياسة «صفر بلد من غير صفر مشكلات». ويذكر الباحث أن إردوغان كان على خلاف تقريباً مع الجميع من بلدان الجوار ومع الأبعد منها، كفرنسا والحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. ومنذ عامين، سعى إردوغان لقلب هذه الصفحة؛ بالتصالح مع بلدان الخليج وإسرائيل، ويحاول مع مصر وسوريا حيث يبدو التطبيع معها «أكثر تعقيداً»، بحسب ديديه بيون، وذلك «بسبب وجود الإخوان المسلمين المصريين في تركيا، ورفضه حتى اليوم التخلي عنهم وإخراجهم»، مضيفاً أن «الأمر نفسه حاصل مع سوريا بالنظر لكلمة الرئيس السوري التي أكد فيها أن لا اتفاق مع تركيا قبل 14 مايو»، أي موعد الانتخابات. وخلاصة ديديه بيون أن إردوغان «سياسي ماهر لكن مشكلته تكمن في أنه متقلّب من جهة، ومن جهة ثانية غير قادر على بناء سياسة ثابتة تمتد لـ10 أو 15 عاماً». وخلاصته أن تقاربه مع الجوار القريب والبعيد «لن يخدمه سياسياً في حملته الانتخابية»، لأن الناخب التركي، كما غيره في العالم، ينظر أولاً إلى ما يجري داخل بلاده وليس خارجها.
ولكن ماذا عن الدور الذي لعبه إردوغان وما زال يلعبه في ملف الحرب الروسية على أوكرانيا؟ يرى ديديه بيون أن الرئيس التركي «لم يرتكب أخطاء في التعاطي مع هذه الحرب»، وأنه قبل اندلاعها «كان على علاقة جيدة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين وبنظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي».
وأشار الباحث إلى أن الأخير «قام بزيارة رسمية إلى تركيا قبل الحرب بعام، حيث ذكره إردوغان بأن بلاده لم تعترف أبداً بضم روسيا لشبه جزيرة القرم، وأنه دافع سابقاً عن انضمام كييف إلى الحلف الأطلسي». وبهذه المناسبة، عقد الطرفان اتفاقيات اقتصادية وتجارية، ولكن أيضاً عسكرية، وإحداها إنشاء مصنع مشترك لإنتاج المسيرات في أوكرانيا نفسها. وهذه المسيرات لعبت، كما هو معلوم، دوراً كبيراً في إفشال الغزو الروسي ومنع الدبابات الروسية من الوصول إلى كييف. ويذكر الباحث أيضاً أنه عندما بدأ الغزو في فبراير (شباط) 2022، سارعت تركيا لإدانته، كما أنها عمدت إلى تفعيل بنود «معاهدة مونترو» الخاصة بالمضايق.
ومن نجاحات أنقرة، بحسب الباحث، أنها «نجحت في جمع وزيري خارجية روسيا وأوكرانيا في (منتدى أنطاليا) الذي عقد بعد أسابيع قليلة على بدء الغزو، كما لعبت دوراً رئيسياً في إبرام (اتفاقية إخراج الحبوب الأوكرانية) إلى جانب (الأمم المتحدة). كذلك، ساعدت في إتمام عمليات مبادلة الأسرى بين روسيا وأوكرانيا». وخلاصة الباحث أن «إردوغان لعب هذه الورقة بمهارة»، والدليل على ذلك أن تركيا (رغم كونها عضواً في الحلف الأطلسي) ترفض تطبيق العقوبات الاقتصادية والمالية المفروضة على روسيا. لذا، يتوقع ديديه بيون أنه «مهما تكن نتيجة الانتخابات المقبلة، فسيكون لأنقرة دور في المسار الذي سيفضي إلى وقف القتال والسلام في وقت ما».


مقالات ذات صلة

تركيا: زعيم المعارضة يواجه رفع الحصانة البرلمانية والمحاكمة

شؤون إقليمية زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل متحدثاً أمام حشد من أنصار الحزب في مدينة أوشاك غرب تركيا السبت الماضي (حساب الحزب في إكس)

تركيا: زعيم المعارضة يواجه رفع الحصانة البرلمانية والمحاكمة

اتهم رئيس حزب «الشعب الجمهوري» المعارض أوزغور أوزيل الرئيس إردوغان بتحويل القضاء إلى «أداة سياسية» للانتقام من منافسه رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية أنصار حزب «الشعب الجمهوري» يرفعون صورة لرئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو خلال تجمع بمدينة أوشاك غرب تركيا السبت الماضي (حساب الحزب في إكس)

تركيا: زعيم المعارضة يقترح فرض «الإقامة الجبرية» على إمام أوغلو

أثار اقتراح لرئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل وضع رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو رهن الإقامة الجبرية لحين انتهاء محاكمته في قضية فساد جدلاً واسعاً.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية أنصار رئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو يواصلون الاحتجاجات في محيط سجن سيليفري حيث تجري محاكمته في قضية الفساد في البلدية (أ.ب)

إمام أوغلو: أواجه محاكمة «سياسية» مبنية على لائحة للتشهير

وصف رئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو محاكمته بتهمة الفساد بأنها «قضية سياسية» منذ البداية، عاداً أن لائحة الاتهام فيها ما هي إلا «وثيقة للتشهير»

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية تجمع مئات الأتراك بمحيط سجن سيليفري خلال انعقاد الجلسة الأولى لمحاكمة أكرم إمام أوغلو في قضية الفساد بالبلدية مطالبين بإطلاق سراحه (أ.ف.ب)

تركيا: انطلاق محاكمة إمام أوغلو المرتقبة بتهمة الفساد في بلدية إسطنبول

انطلقت في إسطنبول الاثنين المحاكمة المرتقبة لرئيس بلدية إسطنبول المعارض المحتجز أكرم إمام أوغلو في قضية الفساد بالبلدية الأكبر بتركيا وسط أجواء متوترة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية تنطلق محاكمة أكرم إمام أوغلو وسط مطالبات مستمرة بإطلاق سراحه (حساب حزب الشعب الجمهوري على إكس)

تركيا تبدأ محاكمة إمام أوغلو في قضية فساد بإسطنبول

يَمثل رئيس بلدية إسطنبول المحتجز منذ نحو عام، أكرم إمام أوغلو، أمام المحكمة، الاثنين، في أولى جلسات قضية الفساد والرشوة في البلدية الكبرى بتركيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

«الناتو» يبحث عن «أفضل طريقة» لإعادة فتح مضيق هرمز

رئيس الوزراء النرويجي جوناس غار ستور (يمين) يلتقي مع الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال اجتماع في مقر إقامة رئيس الوزراء في أوسلو يوم 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء النرويجي جوناس غار ستور (يمين) يلتقي مع الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال اجتماع في مقر إقامة رئيس الوزراء في أوسلو يوم 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

«الناتو» يبحث عن «أفضل طريقة» لإعادة فتح مضيق هرمز

رئيس الوزراء النرويجي جوناس غار ستور (يمين) يلتقي مع الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال اجتماع في مقر إقامة رئيس الوزراء في أوسلو يوم 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء النرويجي جوناس غار ستور (يمين) يلتقي مع الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته خلال اجتماع في مقر إقامة رئيس الوزراء في أوسلو يوم 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أعلن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته، الأربعاء، أن الدول الأعضاء تُجري محادثات حول «أفضل طريقة» لإعادة فتح مضيق هرمز الذي يمر عبره عادة جزء كبير من إمدادات النفط العالمية.

وقال روته في مؤتمر صحافي، خلال زيارة لمناورات تابعة للحلف في شمال النرويج: «أنا على اتصال بكثير من الحلفاء. نتفق جميعاً –بالطبع- على ضرورة إعادة فتح المضيق. وما أعرفه هو أن الحلفاء يعملون معاً، ويناقشون كيفية القيام بالأمر، وما هي أفضل طريقة».

وأضاف: «هم يناقشون ذلك جماعياً، لإيجاد طريقة للمضي قدماً»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

مجموعة من المركبات المدرعة التابعة للجيش النرويجي خلال عرض عسكري في قاعدة باردوفوس الجوية في النرويج يوم 13 مارس 2026 (أ.ف.ب)

وحث الرئيس الأميركي دونالد ترمب حلفاء بلاده على إرسال سفن حربية، لمرافقة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز الذي تغلقه إيران بشكل شبه كامل منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية عليها. ولكن هذه الدعوة لم تلقَ تجاوباً، وأكدت دول أساسية في الحلف أن «الناتو» غير معني بهذه الحرب.

وأثار ذلك امتعاض الرئيس الأميركي الذي قال، الثلاثاء، إن بلاده لم تعد بحاجة إلى مساعدة لتأمين المضيق، ولكنه ندد بـ«ارتكاب دول (الناتو) خطأ غبياً» من خلال عدم المشاركة.

كما سبق لترمب أن حذَّر من مستقبل «سيئ للغاية» للحلف، في حال عدم التجاوب مع مطلبه بتأمين المضيق.


رفيقة السلاح... هل تصبح كيم جو إي وريثة أبيها كيم جونغ أون؟

TT

رفيقة السلاح... هل تصبح كيم جو إي وريثة أبيها كيم جونغ أون؟

كيم جونغ أون وابنته كيم جو إي يجرّبان مسدّسات في مصنع أسلحة (أ.ب)
كيم جونغ أون وابنته كيم جو إي يجرّبان مسدّسات في مصنع أسلحة (أ.ب)

وكأنها سلاحٌ معلّقٌ على خاصرته، لم يعد كيم جونغ أون يخطو خطوة من دون ابنته كيم جو إي. في أحدث مشاويرهما معاً، رافقت الفتاة والدها إلى اختبار حيّ لإطلاق صواريخ باليستيّة. وكان قد سبق ذلك بأيام مشهدٌ غير مألوف للفتاة البالغة 13 عاماً وهي تُمسك مسدّساً وتُطلق النار بثقةٍ ودقّة، إلى جانب زعيم كوريا الشمالية. حدث ذلك خلال تفقّدهما معاً مصنعاً للذخائر الخفيفة.

من الواضح أن كيم يريد لابنته، رغم صغر سنّها، احتكاكاً مبكراً بالسلاح، فالشهر الماضي كانت الرحلة إلى ميدان رماية برفقة كبار المسؤولين، وقد أطلقوا جميعهم النار، بمن فيهم كيم جو إي، من بنادق أهداها الزعيم الكوري الشمالي لقادة عسكريين تقديراً لخدمتهم.

كيم «هيانغ دو»

اعتادت العيون أن تكون شاخصة إلى كيم جونغ أون، إلا أنّ ابنتَه باتت تشاطرُه الأضواء منذ مدّة. وقد تَضاعف الاهتمام بها مؤخراً بسبب المعلومات التي سرّبتها وكالة الاستخبارات الكوريّة الجنوبية، بأنه يجري تحضيرها لتكون وريثة أبيها.

لكن كيف يحصل ذلك في «إمبراطورية كيم» حيث لا توريث إلا للذكور؟ ثم أليسَ من المبكر الحديث عن توريث في وقتٍ لم تتجاوز فيه كيم جو إي الـ13، وفيما لا يزال والدُها في مطلع الـ40 من العمر؟

كيم جو إي ابنة كيم جونغ أون ورفيقة معظم تحرّكاته في صورة من العام الماضي (رويترز)

ليس من المعروف بعد ما إذا كان الأمر جاداً، أم مجرّد فقاعة إعلامية مثل تلك التي يحبّها كيم. أو ربما بالغت الاستخبارات الكورية الجنوبية في تحليل نوايا خصمِها الأشرس. لكنّ المؤكّد أنّ كيم الصغيرة تتصدّر الصورة في بيونغ يانغ حيث يلقّبها الإعلام بالابنة «المحبوبة» و«الموقّرة»، كما يسمّيها «Hyangdo» أي «شخص عظيم في التوجيه والإرشاد».

تكرّ سبحة التسميات تلك من دون أن يُذكَر للفتاة اسم في الصحافة المحلّية. وإذا كان العالم يعرّف عنها بكيم جو إي، فيعود السبب في ذلك إلى تصريحٍ أدلى به لاعب كرة السلة الأميركي دينيس رودمان لصحيفة «الغارديان» البريطانية عام 2013؛ «لقد حملت كيم جو إي المولودة حديثاً بين ذراعيّ»، قال رودمان وهو الصديق المقرّب لكيم جونغ أون، غداة زيارته بيونغ يانغ آنذاك.

يرجّح أن تكون كيم جو إي من مواليد عام 2013 (أ.ف.ب)

مستشارة كيم السياسية

أما الآن وقد بلغت الـ13 من العمر إذا كانت حسابات رودمان دقيقة، فإنّ كيم جو إي صارت رفيقة أبيها. كلّما وزّعت وكالة أنباء كوريا الشمالية صوراً جديدةً للزعيم، وجدتها تسير بمحاذاته أو تسبقه بخطوة أحياناً. ومَن سواها يجرؤ على ذلك؟

تتابع استخبارات سيول كاشفةً عن أنّ والدها بدأ يستشيرها في القرارات السياسية. قد يبدو ذلك ضرباً من الخيال، فكيف لفتاةٍ تتأرجح بين الطفولة والمراهقة أن يكون لها رأيٌ في قضايا الصواريخ الباليستيّة، وقرارات السلم والحرب، والتحالفات الإقليمية؟

لكن مَن يراقب مسار دخول كيم جو إي إلى المشهد العام في كوريا الشمالية، سيلاحظ فوراً أنّ والدها وضعها في مقام كبار المستشارين، حتى وإن كان ذلك في الشكل حصراً.

إطلالات كيم... صواريخ باليستيّة ولقاءات رئاسية

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، أطلّت كيم جو إي على العالم للمرة الأولى. لم يكن الحدث الذي اختاره لها الوالد عادياً، فهو اصطحبها معه إلى اختبارٍ لصواريخ طويلة المدى، ماسكاً يدَها وهما يتبادلان الحديث، تفحّصا الصاروخ الباليستيّ ثم شاهداه ينطلق.

كانت كيم جو إي، حينها، على مشارف الـ10 من العمر، وقد رأى المحلّلون في ذلك المشهد ملامح بروباغندا، فقرار كيم أن يكشف عن وجه ابنته أمام العالم جاء وسط تصاعد الصراع بين الكوريتين على خلفية تكثيف إطلاق صواريخ من قِبل الجارة الشمالية. وبإظهار ابنته في هكذا حدث، أراد تعزيز صورته بوصفه أباً للشعب والأمّة، وإبراز ضرورة برامج الأسلحة النووية لأمن الأجيال القادمة.

الإطلالة الأولى لكيم جو إي كانت خلال اختبار صاروخ باليستي عام 2022 (رويترز)

ثم توالت إطلالات الفتاة إلى جانب أبيها، في مناسبات متنوّعة تراوحت ما بين العروض العسكرية والتجارب الصاروخية، مروراً بإطلاق المشروعات السياحية والصناعية، وصولاً إلى الرحلات الرسمية. وفي مطلع 2023، جرى إصدار مجموعة من الطوابع تحمل صورها مع كيم في مناسبتَين عسكريتَين.

وما بين عشاءٍ مع كبار الضبّاط من هنا، واستعراض جحافل الجنود الكوريين الشماليين من هناك، كانت المحطة الأبرز لابنة الـ13 عاماً رحلتها مع والدها إلى الصين في سبتمبر (أيلول) 2025. خلال زيارته إلى بكين، حرص كيم على اصطحاب ابنته إلى معظم الاجتماعات والمآدب الرسمية.

كيم جو إي ترافق والدها في زيارة رسمية إلى الصين عام 2025 (أ.ف.ب)

بعد تلك الزيارة، تزايدت الأحاديث بخصوص احتمال تعيينها وريثة، وقد تعزّزت تلك النظرية عندما انضمّت إلى والدَيها يوم رأس السنة الجديدة في زيارة إلى قصر كومسوسان للشمس في بيونغ يانغ، وهو ضريح يعرض جثتَي جدها وجدّ أبيها المحنّطتين.

زيارة ضريح جدّها وجدّ والدها برفقة كيم جونغ أون وزوجته (رويترز)

كيم تنافس العمّة وسائر أفراد الأسرة

كيم جونغ أون متكتّم جداً حول أفراد أسرته. يُحكى أنّ لديه من زوجته ري سول جو، وهي مغنية سابقة، 3 أولاد. لا يُعرَف من هؤلاء سوى كيم جو إي، التي يُرجَّح أن تكون الابنة الوسطى بين أخٍ أكبر منها وأخٍ أو أختٍ أصغر؛ وذلك دائماً وفق التسريبات التي جمعتها السلطات الكورية الجنوبية.

وتكثر التساؤلات في هذا الإطار عن سبب تفضيل كيم لابنته على شقيقها الأكبر، هذا في حال كان وجوده حقيقياً. ولماذا يخفي ولدَيه الآخرَين عن العيون ويضع كيم جو إي في الواجهة أم أن الفتاة بمثابة حصان طروادة الذي يحمي الشقيق الأكبر تمهيداً لإعلانه لاحقاً الوريث الرسمي؟

تشير المعلومات إلى أنّ لدى كيم ولدَين غير كيم جو إي (رويترز)

يُقال كذلك إنّ كيم الصغيرة تكاد تسحب البساط من تحت قدمَي عمّتها كيم يو جونغ، وهي الشقيقة الصغرى والمفضّلة لدى زعيم كوريا الشمالية. تُعَدّ مستشارته اللصيقة وقد جرت ترقيتها إلى أعلى منصب إداري في الحزب الحاكم خلال مؤتمره الأخير قبل أسابيع.

كيم جونغ أون وشقيقته التي تتولّى منصباً رفيعاً في الحزب الحاكم (أ.ب)

كيم جو إي... طفلة بملابس سيدة ستّينيّة

وحدَها من بين سائر فتيات كوريا الشمالية يُسمح لها بأن تُفرد شعرها في المناسبات والتجمّعات الرسمية. في الـ13 من العمر، لا تشبه كيم جو إي بنات سنّها بل تبدو أكبر منهنّ. غالباً ما تظهر مؤخّراً بالسترة الجلديّة السوداء، في استنساخ لملابس والدها. وفي مناسبات أخرى، هي ترتدي البدلات الرسمية وتضع النظّارات الضخمة الداكنة وتنتعل الكعب العالي، وكأنها استعارت ملابسها من خزانة سيدة تجاوزت الـ60.

ترتدي كيم جو إي ملابس تجعلها تبدو أكبر من سنها (أ.ب)

أما المعلومات الشحيحة المتداولة عنها فتفيد بأنها تتلقّى دروسها في المنزل، كما تهوى ركوب الخيل والتزلّج والسباحة.

إن أُعلنت وريثة لوالدها أم لم تُعلَن، المؤكّد أنّ كيم جو إي ليست فتاةً عادية وهي لا تشبه سائر أطفال كوريا الشمالية إلا في أمرٍ واحد، وهو أنها مثلهم مكرّسة لعبادة الزعيم.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الرئيس الكوبي يتعهد بـ«مقاومة منيعة» في ضوء تهديد ترمب

رجل يسير في أحد شوارع هافانا بعيد إعادة التيار الكهربائي للجزيرة (رويترز)
رجل يسير في أحد شوارع هافانا بعيد إعادة التيار الكهربائي للجزيرة (رويترز)
TT

الرئيس الكوبي يتعهد بـ«مقاومة منيعة» في ضوء تهديد ترمب

رجل يسير في أحد شوارع هافانا بعيد إعادة التيار الكهربائي للجزيرة (رويترز)
رجل يسير في أحد شوارع هافانا بعيد إعادة التيار الكهربائي للجزيرة (رويترز)

انتقد الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل الثلاثاء التهديدات «شبه اليومية» التي يوجهها الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد كوبا، في ظل الحصار النفطي المستمر الذي يُثقل كاهل البلاد.

وكتب دياز كانيل في بيان على إكس «في مواجهة أسوأ السيناريوهات، تملك كوبا ضمانة واحدة: أي معتدٍ خارجي سيواجه مقاومة منيعة».

وكان مسؤولون في قطاع الطاقة قال إن كوبا أعادت توصيل شبكتها الكهربائية أمس الثلاثاء وأعادت تشغيل أكبر محطة لتوليد الطاقة تعمل بالوقود، ما وضع حدا لانقطاع التيار الكهربائي على مستوى البلاد الذي استمر لأكثر من 29 ساعة في ظل حصار أمريكي يهدف إلى قطع إمدادات الوقود عن الجزيرة.

وبعد أن غرق سكان البلاد البالغ عددهم 10 ملايين نسمة في الظلام خلال الليل، عادت شبكة الكهرباء الوطنية للجزيرة الواقعة بمنطقة البحر الكاريبي للعمل بشكل كامل بحلول الساعة 6:11 مساء بالتوقيت المحلي (2211 بتوقيت غرينتش). ومع ذلك، قال المسؤولون إن نقص الكهرباء قد يستمر بسبب عدم توليد ما يكفي من الكهرباء. وبالإضافة إلى قطع مبيعات النفط إلى كوبا، صعد ترمب من تصريحاته المناهضة للجزيرة ذات الحكم الشيوعي، إذ قال يوم الاثنين إن بوسعه فعل أي شيء يريده بها.

ولم تحدد كوبا بعد سبب انقطاع التيار الكهربائي في أنحاء البلاد يوم الاثنين، وهو أول انهيار من هذا النوع منذ أن قطعت الولايات المتحدة إمدادات النفط الفنزويلي عنها وهددت بفرض رسوم جمركية على الدول التي تشحن الوقود إلى هذه الدولة الجزرية.