الحرب السودانية ساحة جديدة للمواجهة بين روسيا والغرب

موسكو تستعد لتوسيع تدخلها المباشر

لقاء لافروف وحميدتي في موسكو مارس 2022 (غيتي)
لقاء لافروف وحميدتي في موسكو مارس 2022 (غيتي)
TT

الحرب السودانية ساحة جديدة للمواجهة بين روسيا والغرب

لقاء لافروف وحميدتي في موسكو مارس 2022 (غيتي)
لقاء لافروف وحميدتي في موسكو مارس 2022 (غيتي)

حمل تصريح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، حول إمكانية تدخل مجموعات «فاغنر» في الحرب السودانية، إشارة جديدة إلى الأدوار الخفية للاعبين الخارجيين في تأجيج الوضع الداخلي في السودان، ومؤشراً إلى احتمال انزلاق الوضع في هذا البلد إلى صراع مفتوح تتداخل فيه أجندات أجنبية.
وقال لافروف، في مؤتمر صحافي في المقر الرئيسي للأمم المتحدة في نيويورك، إنه «يحق للسودان الاستفادة من الخدمات الأمنية لمجموعة (فاغنر)»، في أول تعليق رسمي واضح على الاتهامات الغربية المتواصلة لهذه المجموعة بلعب أدوار واسعة في عمليات تهريب الذهب وتقديم الدعم العسكري لأطراف داخلية، في مقابل الحصول على تسهيلات تخدم المصالح الروسية.
وعندما سئل الوزير الروسي عما إذا كانت «فاغنر» تعمل في السودان، أجاب بأن «ما يحصل في السودان مأساة»، مضيفاً أن «لهذا البلد الحق في الاستفادة من خدمات (فاغنر)».
وكانت موسكو تمهلت طويلاً في إعلان موقف واضح حيال التطورات الساخنة على الأرض السودانية، وباستثناء بيان مقتضب أصدرته الخارجية الروسية في أعقاب اندلاع المواجهات، حثت فيه الأطراف على العودة إلى الاتفاقيات السابقة ووقف الصراع، لم تعلق موسكو على تطور الوضع خلال الأسبوعين الماضيين إلا بإشارات طفيفة إلى وضع الرعايا الروس وعدم تعرضهم لأذى.
لكن اللافت في حديث لافروف أنه جاء في وقت عزز فيه فكرة الاستعداد لتدخل مباشر من خلال المجموعة العسكرية الروسية الخاصة «فاغنر» التي تحظى بدعم واسع من جانب الكرملين، حيث إنه انهال بالانتقادات على واشنطن واتهمها بالتسبب في أزمات السودان، بسبب سياسات «الهندسة الجيوسياسية» التي أسفرت عن تقسيم هذا البلد ثم خضوعه لعقوبات صارمة طويلة الأمد.
- مصالح واسعة للكرملين
انطلقت موسكو في وقت مبكر، وقبل إطاحة حكومة الرئيس عمر البشير، من ضرورة المحافظة على وجود عسكري وأمني في السودان، فضلاً عن منح الأولوية لتحسين شروط عمل الشركات الروسية على صعيد الطاقة، والشركات الخاصة التي نشطت في مجال التنقيب عن الذهب وبعض الثروات الأخرى.
وخلال سنوات حكم البشير، شهدت العلاقات العسكرية بين موسكو والخرطوم تطوراً كبيراً، حتى أصبحت روسيا مصدر السلاح الرئيسي للجيش السوداني، وتحولت الخرطوم إلى ثاني شريك عسكري لروسيا في القارة الأفريقية بعد الجزائر.
وفي عام 2017، وقّع البشير اتفاقاً مع روسيا على إنشاء قاعدة على البحر الأحمر، تستضيف سفناً روسية، بما في ذلك سفن تعمل بالوقود النووي، على أن يتمركز فيها 300 جندي.
لكن القيادة العسكرية الجديدة أعلنت، بعد سيطرتها على الوضع في البلاد، أن السودان بصدد مراجعة الاتفاق مع موسكو. في توجه عكس حرصها على مواصلة مسار رفع العقوبات الغربية، بعد قرار الولايات المتحدة آنذاك رفع السودان من لائحة الدول الراعية للإرهاب. ورغم ذلك، أصرت موسكو على مواصلة النقاش مع القيادة السودانية لتنفيذ تلك الاتفاقية، التي تحتاج إلى تصديق البرلمان السوداني عليها لتغدو نافذة.
في هذا الإطار، استفادت موسكو من مواقف نائب رئيس مجلس السيادة، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، الذي دافع في أكثر من مناسبة عن المشروع، وكرر خلال زيارة لافتة للأنظار قام بها إلى روسيا، عشية اندلاع الحرب الأوكرانية، رؤيته حول أن «كل الدول فيها قواعد أجنبية مثل النيجر، وجيبوتي»، وأكد استعداد الحكومة السودانية للتعاون مع أي دولة تريد بناء قاعدة على الساحل الذي يبلغ 730 كلم، طالما أنها «تحقّق مصالحنا ولا تهدد أمننا القومي، سواء كانت روسيا أو غيرها».
ولا شك في الأهمية الخاصة التي توليها موسكو لإقامة القاعدة العسكرية في بورتسودان على الرغم من المعارضة الغربية، وهذا التوجه يصب في تعزيز الاستراتيجية الروسية في القارة الأفريقية. ووفقاً لخبراء، فإن الحضور العسكري الأمني الروسي في جمهورية أفريقيا الوسطى سوف يتم تعزيزه بشكل كبير في حال نجحت موسكو في تكريس وجود دائم في السودان، ما يعني أن موسكو ترى في ظروف المنافسة في هذا البلد فرصة لإقامة مركز لوجيستي لتحركاتها في القارة الأفريقية كلها وعلى سواحل البحر الأحمر.
وكانت آخر مرة جرت فيها المفاوضات بشأن إنشاء مركز لوجيستي للبحرية الروسية، في أثناء زيارة وزير الخارجية الروسي للخرطوم في ربيع العام الحالي. وأكد السودان في ختامها اهتمامه بمواصلة بحث المشروع، وفي المقابل، سيحصل السودان على أسلحة ومعدات عسكرية من روسيا.
وقد قدمت موسكو إغراءات للقيادة السودانية مفادها أن إقامة القاعدة يجب أن يساعد في تنمية المنطقة المحيطة في بورتسودان في شرق البلاد. وعلى سبيل المثال، خططت شركة سكك الحديد الروسية لبناء خط سكة حديد في المنطقة. وبالتالي، يمكن استخدام القاعدة كأساس لنقطة إعادة شحن البضائع.
العنصر الثاني المهم هو مصالح الشركات النفطية الروسية. ففي عام 2014، وقّع وزير المعادن السوداني آنذاك أحمد الكاروري اتفاقاً مع وزير البيئة والموارد الطبيعية الروسي حول التنقيب عن المعادن والنفط. وقاد الاتفاق إلى توسيع حضور شركات مثل «روسنفط» و«غازبروم نفط» اللتين حاولتا الفوز بامتيازات للتنقيب واستخراج النفط.
ودخل سوق التنقيب السوداني عدد من الشركات الروسية بموجب هذا الاتفاق. وكان على رأس هذه الشركات شركة «سيبرين» التي وقعت اتفاقاً عام 2015 بحضور البشير لإنتاج 46 طناً من الذهب خلال 6 أشهر، لكنها فشلت في ذلك، ما دفع الحكومة إلى إنهاء امتيازها عام 2018.
لكن هذا النشاط تم استئنافه لاحقاً. وتعمل شركة تعدين الذهب الروسية حالياً في معالجة رواسب كبيرة تبلغ قيمتها نحو 300 مليار دولار في مقاطعتين سودانيتين. وفي الوقت الحالي، تقوم الشركة الروسية القابضة «روس جيولوجيا» بالتنقيب عن الذهب في السودان، وقد وقعت معها الخرطوم عقوداً حتى عام 2027.
وفي عام 2017، دخلت شركات للعمل في ولايات نهر النيل والبحر الأحمر والشمالية، مثل شركة «غولد ميرور» المرتبطة برجل الأعمال الروسي يفغيني بريغوجين، حليف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس مجموعة «فاغنر».
وتؤكد أوساط محللين أن حجم ومجالات الاستثمارات الروسية في السودان، خصوصاً في مجال تعدين الذهب، يحيط به الكثير من الغموض. وأفاد تقرير للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية نهاية العام الماضي، بأنه تم توزيع أفراد تابعين لمجموعة «فاغنر» في مواقع التنقيب عن التعدين، في وقت مبكر، وحتى قبل الشروع بتقديم المساعدة السياسية والعسكرية لنظام البشير في 2017.
- دور «فاغنر»
على هذه الخلفية من حجم المصالح الواسعة لموسكو، تعمدت روسيا الإبقاء على علاقات وثيقة مع اللاعبين الأساسيين في السودان خلال السنوات الماضية، لكن علاقاتها مع حميدتي تميزت باتساع أكبر، خصوصاً على خلفية تزايد التقارير حول إمداد قواته بالسلاح والمساعدة العسكرية الروسية.
ولا شك في أن الاتهامات الغربية للشركات الروسية الخاصة، والتي قادت إلى فرض الولايات المتحدة عقوبات على مؤسس «فاغنر» في عام 2020 متهمة إياه باستغلال موارد السودان الطبيعية، عكست جانباً من تصاعد التنافس في وقت مبكر على الثروات السودانية والموقع الاستراتيجي لهذا البلد.
وعلى الرغم من نفي موسكو صحة تقارير غربية أشارت إلى تعزيز التدخل الروسي في الحرب الجارية حالياً بين الأطراف السودانية، فإن الملاحظ أن موسكو أبقت الأبواب مفتوحة أمام احتمالات توسيع هذا التدخل ومنحه طابعاً رسمياً وقانونياً.
وكانت تقارير غربية تحدثت أخيراً عن نقل مجموعة «فاغنر» أنظمة صاروخية أرض - جو لقوات «الدعم السريع»، بشكل قد يسفر عن تعزيز قدراتها بشكل ملحوظ.
وحملت التقارير الغربية في هذا الشأن معطيات محددة، مثل نشر تحليل لصور الأقمار الصناعية التي أظهرت كيف قامت طائرة نقل روسية من طراز «إيليوشين 76» بعدة رحلات بين قاعدتين جويتين ليبيتين يسيطر عليهما الجنرال حفتر وتستخدمهما شركة «فاغنر» العسكرية الخاصة.
وفقاً للمعطيات، فقد نقلت موسكو شحنات من الأسلحة والصواريخ من اللاذقية في سوريا إلى ليبيا عشية اندلاع الحرب الجديدة في السودان.
على المستوى الرسمي، حافظت موسكو على تكتم واضح حيال الموضوع، لكن الملاحظ أن التصريحات التي صدرت على المستوى الرسمي، وعلى مستوى مجموعة «فاغنر» نفسها، فتحت على احتمالات توسيع التدخل الروسي في الحرب الجارية. وفضلاً عن تصريحات لافروف الأخيرة، فقد كان رئيس «فاغنر» يفغيني بريغوجين، أكد استعداد مجموعته للتدخل في حال «طلب الشعب السوداني ذلك»، وقال إنه على استعداد لإرسال وحدات لحفظ السلام إلى السودان، كما أشار إلى استعداد مجموعته للتوسط بين الطرفين المتصارعين، تمهيداً لتوسيع التدخل.
على هذه الخلفية، لم يعد مستبعداً أن تلجأ موسكو إلى توسيع حجم تدخلها في الظروف الراهنة، انطلاقاً من الحاجة الروسية لضمان عدد من المكتسبات، على رأسها المحافظة على تحالف المجلس العسكري القائم حالياً، وإيجاد آليات للتوافق بين البرهان وحميدتي؛ لأن انهيار المجلس السيادي أو السماح بانتصار واضح لطرف على آخر، يؤسس - كما يقول خبراء روس - لتدخل أوسع من جانب الولايات المتحدة والغرب عموماً في السودان، كما أنه يهدد المصالح المباشرة للشركات الروسية، ويوجه نكسة قوية لجهود موسكو على صعيد تنشيط سياساتها في القارة الأفريقية. وتبدو فرص هذا التدخل واسعة لجهة توسيع حجم الدعم العسكري لقوات حميدتي لمنع انهيارها، وفي الوقت ذاته، محاولة القيام بجهود للوساطة لوقف الاقتتال والعودة إلى طاولة مفاوضات لإيجاد حلول وسط للنقاط المختلف عليها.
وحمل توقيت وقوع المواجهات في السودان عنصراً سلبياً بالنسبة إلى موسكو، التي تعمل على إنجاح تحضيراتها لعقد القمة الروسية الأفريقية الثانية، المقررة صيف هذا العام. ويشكل السودان أحد الأعمدة التي تستند إليها روسيا في سياستها الأفريقية، وهو أمر ظهر خلال زيارة الوزير لافروف في مارس (آذار) 2023 إلى الخرطوم، عندما تحدث عن انخراط البلدان الأفريقية بشكل ملموس في تشكيل عالم متعدد الأقطاب ونظام دولي أكثر عدلاً.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«الإخوان» تواجه عزلة دولية بعد قرار ترمب

محاكمة سابقة لعناصر من «الإخوان» أُدينوا بـ«الإرهاب» في مصر (أ.ف.ب)
محاكمة سابقة لعناصر من «الإخوان» أُدينوا بـ«الإرهاب» في مصر (أ.ف.ب)
TT

«الإخوان» تواجه عزلة دولية بعد قرار ترمب

محاكمة سابقة لعناصر من «الإخوان» أُدينوا بـ«الإرهاب» في مصر (أ.ف.ب)
محاكمة سابقة لعناصر من «الإخوان» أُدينوا بـ«الإرهاب» في مصر (أ.ف.ب)

تواجه جماعة «الإخوان» عزلة دولية بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تصنيف فروعها في مصر والأردن ولبنان «منظمات إرهابية».

وانضمت الأرجنتين إلى قائمة الدول التي اتخذت قراراً بحظر «الإخوان»، حيث أعلنت، الخميس، «إدراج فروع الجماعة في مصر والأردن ولبنان ضمن قائمتها للمنظمات الإرهابية»، حسب ما أعلن مكتب الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي.

ويرى خبراء وباحثون أن قرار ترمب «سوف يوسع من الحظر الدولي لفروع (تنظيم الإخوان)»، وتحدثوا عن أن «هناك دولاً سوف تتخذ نفس الخطوات، رغم أن الإجراءات الأميركية لن تؤثر على كافة فروع الجماعة في الخارج».

وجاء التحرك الأرجنتيني بعد يومين، من إعلان وزارتي الخزانة والخارجية الأميركيتين، الثلاثاء، «تصنيف (جماعة الإخوان) بمصر رفقة فرعيها في الأردن ولبنان كـ(منظمات إرهابية)».

وقالت الحكومة الأرجنتينية إن «قرارها استند إلى تقارير رسمية تُثبت وجود أنشطة غير مشروعة ذات طابع عابر للحدود تشمل أعمالاً إرهابية ودعوات علنية للتطرف العنيف، فضلاً عن صلات مع منظمات إرهابية أخرى وتأثيرها المحتمل على جمهورية الأرجنتين».

وأشارت إلى أن «هذا الإجراء يعزّز آليات منع الإرهاب والكشف المبكر عنه ومعاقبة مموليه، بحيث لا يتمكن أعضاء (تنظيم الإخوان) وحلفاؤهم من الإفلات من العقاب».

ووفق الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، ماهر فرغلي، فإن «قرار الرئيس الأميركي ضد (الإخوان) سوف يشجع دولاً أخرى لحظر الجماعة وفروعها في الخارج»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك توقعات لاتخاذ دول أخرى في أميركا اللاتينية، مثل كولومبيا وفنزويلا، قرارات مشابهة بتصنيف الجماعة كـ(منظمة إرهابية)».

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

وأشار فرغلي إلى أن «الحظر المتتالي لجماعة (الإخوان) توازيه تحركات أوروبية مماثلة في النمسا والسويد». وقال إن «الأهم في القرارات الدولية هو مدى تأثيرها على تحركات التنظيم في الخارج»، منوهاً إلى أن «الإجراءات الأميركية تعدّ جزئية، لأنها شملت فروعاً بعينها محيطة بإسرائيل»، في حين أن «هناك فروعاً ومنظمات أخرى تابعة لـ(الإخوان) تحمل أسماء أخرى، لم يطلها قرار الحظر».

وجاء في البيان الرسمي الأميركي: «تدّعي فروع (الإخوان المسلمين) أنها منظمات مدنية شرعية، بينما تدعم في الخفاء وبحماسة جماعات إرهابية مثل (حماس).

وبناء على ذلك، يُدرج مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) الفرعين المصري والأردني لجماعة (الإخوان) بسبب تقديمهما دعماً مادياً لـ(حماس)، بوصفهما (إرهابيين عالميين مصنّفين بشكل خاص)»، بموجب سلطة مكافحة الإرهاب المنصوص عليها في الأمر التنفيذي رقم «13224» بصيغته المعدّلة.

«تثبت التحركات الدولية لعزل تنظيم (الإخوان) صحة الرؤية العربية والمصرية تجاه التنظيم»، بحسب تقدير فرغلي، الذي أشار إلى أن «القاهرة كانت سبّاقة بتصنيف (الإخوان) كجماعة إرهابية».

مرشد «الإخوان» محمد بديع خلال إحدى جلسات محاكمته في مصر (أرشيفية)

وتصنّف السلطات المصرية «الإخوان» كـ«جماعة إرهابية» منذ عام 2013، ويقبع معظم قيادات «الإخوان» وفي مقدمهم المرشد العام محمد بديع، داخل السجون المصرية في قضايا عنف وقتل وقعت بمصر بعد رحيل الجماعة عن السلطة في العام نفسه. وهناك آخرون من أعضاء الجماعة هاربون في الخارج ومطلوبون للقضاء المصري، ويديرون حالياً التنظيم، وسط انقسامات حادة، بحسب مراقبين.

خبير مكافحة الإرهاب الدولي، حاتم صابر، يرى أن «(جماعة الإخوان) تواجه عزلة دولية بعد القرارات الأميركية الأخيرة». وأشار إلى أن «تصنيف التنظيم (كجماعة إرهابية) سيحدّ من تحركاته، خصوصاً في مصر ولبنان والأردن». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «من تأثير القرار تجميد أموال التنظيم، وحظر سفر أعضائه، ومنع حصول أعضائه على أي دعم، مع تجريم أي شخص أو مؤسسة تقدم مساعدة للجماعة».

صابر يعتقد أن «هناك صعوبة في إدراج التنظيم كاملاً كحظر عابر للحدود، بسبب صعوبات قانونية في تصنيف منظمات تابعة للجماعة، لكنها تحمل أسماء أخرى». وقال إن «إجراءات واشنطن لن تطبق في الداخل الأميركي فقط، إنما ستطول أي معاملات خارجية لفروع الجماعة التي جرى حظرها».


مصر للتوسع في تجربة التعليم الياباني

وفد ياباني يزور إحدى المدارس المصرية-اليابانية بالقاهرة في حضور وزير التعليم المصري خلال نوفمبر الماضي (التعليم المصرية)
وفد ياباني يزور إحدى المدارس المصرية-اليابانية بالقاهرة في حضور وزير التعليم المصري خلال نوفمبر الماضي (التعليم المصرية)
TT

مصر للتوسع في تجربة التعليم الياباني

وفد ياباني يزور إحدى المدارس المصرية-اليابانية بالقاهرة في حضور وزير التعليم المصري خلال نوفمبر الماضي (التعليم المصرية)
وفد ياباني يزور إحدى المدارس المصرية-اليابانية بالقاهرة في حضور وزير التعليم المصري خلال نوفمبر الماضي (التعليم المصرية)

تتطلع مصر إلى التوسع في تجربة التعليم الياباني؛ حيث دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى «مضاعفة عدد المدارس اليابانية المستهدفة في البلاد خلال السنوات الخمس المقبلة، وزيادة أعداد الخبراء اليابانيين المسؤولين عن إدارة هذه المدارس».

وأنشأت الحكومة «المدارس المصرية-اليابانية»، بهدف تطبيق مناهج متطورة، تستلهم فلسفة التعليم اليابانية. ووصل عدد هذه المدارس حتى نهاية عام 2025 إلى 69 مدرسة، كما تُشارك اليابان في تطوير مناهج الرياضيات بما يتوافق مع مخرجات التعليم الياباني.

واستقبل الرئيس السيسي، في القاهرة، الخميس، وزير التعليم والثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا الياباني، ماتسوموتو يوهي، في حضور وزير التربية والتعليم المصري، محمد عبد اللطيف، وسفير اليابان في القاهرة، إيواي فوميو.

وأكد السيسي «اعتزاز مصر بعلاقات التعاون الوثيقة والممتدة مع اليابان في مختلف المجالات، ولا سيما التعليم، مشيداً بالمساهمة اليابانية البارزة في مشروع إنشاء المتحف المصري الكبير وبنجاح مشروع المدارس المصرية-اليابانية». وأشار إلى «اهتمام مصر بزيادة عدد هذه المدارس في مختلف المحافظات، وتعزيز مشاركة وزيادة عدد المديرين والخبراء اليابانيين المسؤولين عن إدارتها».

الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال استقبال وزير التعليم والثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا الياباني (الرئاسة المصرية)

ولفت الوزير الياباني ماتسوموتو يوهي إلى أن زيارته لمصر هي الأولى خارجياً منذ توليه مهام منصبه، ما يعكس حرص بلاده على تعزيز التعاون مع مصر في مجال التعليم. مؤكداً أن «مشروع المدارس المصرية-اليابانية يمثل نموذجاً ناجحاً للتعاون التنموي والدعم الذي تقدمه اليابان لشركائها في أفريقيا والشرق الأوسط».

وقال المتحدث باسم الرئاسة المصرية، محمد الشناوي، إن اللقاء تناول آفاق تطوير العلاقات التعليمية بين مصر واليابان، بما يشمل التعاون في تطوير المناهج المصرية وتدريس مادة البرمجيات لنحو 750 ألف طالب وفق المناهج اليابانية، بالإضافة إلى التعاون في التعليم الفني، وتأهيل المعلمين المصريين لتدريس اللغة والمناهج اليابانية، ودعم برامج تعليم وتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة.

كما جرى بحث سبل توسيع نطاق المدارس اليابانية في مصر لتكون نموذجاً يمكن تعميمه في أفريقيا والمنطقة العربية. وشدد السيسي خلال اللقاء على «أهمية الاستفادة من التجربة اليابانية المتميزة في الانضباط والرؤية التعليمية، والعمل على تكثيف برامج التبادل الطلابي بين البلدين».

مصر تتطلع إلى مضاعفة العدد المستهدف من المدارس اليابانية (الرئاسة المصرية)

وأكد رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، خلال اجتماع حكومي في ديسمبر الماضي، أن «الحكومة تدعم نجاح مشروع المدارس اليابانية في مصر والتوسع فيه تنفيذاً لتوجيهات الرئيس السيسي». مشيراً إلى «حرص مصر على الاستفادة من التجارب التعليمية العالمية الرائدة بما يتماشى مع رؤية الدولة لبناء الإنسان المصري، وزيادة عدد المدارس اليابانية والخبراء اليابانيين العاملين في مصر لتحقيق طفرة تعليمية نوعية».

وبدأت مصر تدريس مادة «البرمجة والذكاء الاصطناعي» لطلاب الصف الأول الثانوي بالتعاون مع مؤسسة «سبريكس» اليابانية، عبر منصة «كيريو»، وفقاً لما أعلنته وزارة التعليم المصرية في وقت سابق.


القضاء الجزائري يعيد فتح ملف جريمة «حرائق القبائل»

بلدة بمنطقة القبائل بعد إخماد النيران عام 2021 (حسابات ناشطين بالإعلام الاجتماعي)
بلدة بمنطقة القبائل بعد إخماد النيران عام 2021 (حسابات ناشطين بالإعلام الاجتماعي)
TT

القضاء الجزائري يعيد فتح ملف جريمة «حرائق القبائل»

بلدة بمنطقة القبائل بعد إخماد النيران عام 2021 (حسابات ناشطين بالإعلام الاجتماعي)
بلدة بمنطقة القبائل بعد إخماد النيران عام 2021 (حسابات ناشطين بالإعلام الاجتماعي)

قرر القضاء الجزائري إعادة فتح أحد أكثر الملفات إثارة للجدل، بالنظر إلى كثرة الانتقادات الحقوقية التي وجهت إلى الإجراءات الأمنية والجزائية المتبعة، التي قادت إلى محاكمة 81 شخصاً قبل أربع سنوات، صدرت في حق 49 منهم أحكام بالإعدام. وعُرفت القضية بـ«جريمة قتل والتنكيل بالشاب جمال بن إسماعيل» في خضم حرائق القبائل التي خلّفت مئات القتلى ودماراً واسعاً في الممتلكات.

وأكد محامون يشتغلون على الملف لصحافيين، أن «المحكمة العليا»، وهي أعلى هيئة في القضاء المدني، نقضت الأحكام وقررت إعادة الملف إلى «الغرفة الجزائية بمجلس قضاء الجزائر العاصمة» (محكمة الاستئناف)، مجدداً لتنظيم محاكمة جديدة في 1 مارس (آذار) المقبل، وهذا بعد أكثر من عامين من صدور الأحكام في الدرجة الثانية من التقاضي.

تفاعل سياسي

وأحدث هذا القرار تفاعلاً لدى قطاع من الطيف السياسي في البلاد، إذ دعا «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» المعارض، في بيان، إلى توفير ضمانات المحاكمة العادلة بما يحفظ كرامة الإنسان، مشدداً على أن الملف «يجسد نموذجاً للعدالة المستعجلة».

واعتبر الحزب، الذي يملك حضوراً لافتاً في منطقة القبائل شرق العاصمة، أن «سياق القضية طغى عليه الانفعال الجماعي والاعتبارات السياسية، ما أسفر عن تهميش الضمانات القانونية الأساسية»، مشيراً إلى أن الإجراءات المتبعة والأحكام الصادرة «كانت محل طعن وعدَت غير متناسبة، مما خلف جرحاً عميقاً لدى عائلات المعتقلين والرأي العام».

قفص الاتهام

وعرفت القضية أيضاً بـ«أحداث الأربعاء ناث إيراثن» (بلدة في القبائل الكبرى حيث جرت الأحداث). ومنذ بداياتها الأولى، تبنى «التجمع من أجل الديمقراطية» بقيادة رئيسه عثمان معزوز، خطاً واضحاً يرتكز على التنديد بـ«التوظيف السياسي للجهاز القضائي»، والدفاع عن قرينة البراءة وحقوق الدفاع، ومواجهة ما سمّاه «حملات الوصم والترهيب التي طالت الأصوات الناقدة للمسار القضائي».

وأكد الحزب، في بيانه، أنه «صمد في موقفه هذا رغم العزلة والمناخ العدائي الذي ساد في فترات معينة»، مؤكداً «تضامنه الكامل مع المعتقلين وذويهم».

وفي أعقاب الإعلان عن موعد المحاكمة، بادر سكان منطقة الأربعاء ناث إيراثن إلى تنظيم لقاء تشاوري خصص لمناقشة وضعية المعتقَلين من أبناء المنطقة، حيث أتاح اللقاء لعائلاتهم فرصة التعبير عن معاناة عميقة وإحساس متزايد بالظلم حيال ملف قضائي لا يزال معلقاً، ومشحوناً بأحكام قاسية، وفق ما أكده محامون ترافعوا في القضية.

ومع اقتراب موعد الجلسة المقبلة، يؤكد «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» أن «إعادة فتح المحاكمة ينبغي أن تتحرر من كل ضغط سياسي، لتكون محطة حقيقية لفحص دقيق وموضوعي لمجمل الملف، واحترام صارم لمبادئ دولة القانون وضمانات المحاكمة العادلة، واستعادة مصداقية العدالة عبر أحكام لا تنطق إلا باسم الحقيقة».

وكانت محكمة الجنايات بالدار البيضاء في العاصمة الجزائرية، أصدرت في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، أحكامها في «قضية مقتل الشاب جمال بن إسماعيل»، وجاءت الأحكام متفاوتة بين الإعدام والبراءة. إذ قضت المحكمة بالإعدام في حق 49 متهماً، وبالسجن النافذ لمدة عشر سنوات ضد 15 متهماً آخرين، فيما استفاد 17 شخصاً من أحكام البراءة.

مدانون بالإعدام في قضية الانتماء إلى ماك وحرائق القبائل (الشرطة)

وقد استمرت أطوار المحاكمة عدة أيام، تخللتها عروض لمقاطع مصورة صادمة توثق وقائع الجريمة. وكانت النيابة العامة قد التمست توقيع عقوبة الإعدام على 74 متهماً، على خلفية تورطهم في قتل وحرق جمال بن إسماعيل خلال شهر أغسطس (آب) 2021، على هامش الحرائق المدمّرة التي اجتاحت منطقة الأربعاء ناث إيراثن بولاية تيزي وزو. وأودت النيران المستعرة بحياة 90 شخصاً، زيادة على هلاك مواشي السكان وحقولهم والعطاء النباتي في المنطقة.

وتم تثبيت الأحكام في درجة الاستئناف عام 2023، وسط احتجاج كبير للمحامين وعائلات المدانين، علماً أن تنفيذ حكم الإعدام في الجزائر مجمَد منذ أكثر من 30 سنة، على خلفية ضغوط دولية أجنبية في سياق الاقتتال بين قوات الأمن الجزائرية والجماعات الإسلامية المتطرفة، وهي فترة تعرف بـ«العشرية السوداء».

وبث الأمن الجزائري «اعترافات» لعدد كبير من المعتقلين بعد الأحداث، أكدوا كلهم أنهم وراء النيران المستعرة، وأنهم أشعلوا المنطقة بأوامر من رئيس تنظيم «حركة الحكم الذاتي في القبائل» (تحول لاحقاً إلى حركة تقرير مصير القبائل) فرحات مهني، الذي يتحدر من المنطقة، ويقيم منذ سنوات طويلة بفرنسا بصفته لاجئاً سياسياً، الذي أعلن في 14 ديسمبر (كانون الأول) 2024 «دولة القبائل المستقلة» في خطوة تصعيدية جديدة مع الجزائر.

قصاص تحت ضغط الشارع

كان جمال بن إسماعيل، البالغ من العمر 38 عاماً يوم الأحداث، قد توجه طوعاً إلى بلدة الأربعاء ناث إيراثن، للمشاركة في إخماد الحرائق.

الشاب القتيل جمال بن إسماعيل (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

غير أن الشبهات سرعان ما لاحقته من طرف بعض سكان البلدة، على خلفية كونه غريباً عن المنطقة، حيث جرى اتهامه من دون تثبت، بالضلوع في إشعال الحرائق. وإزاء ذلك، بادر جمال إلى تسليم نفسه لقوات الشرطة طلباً للحماية، لكن حشداً من المواطنين الغاضبين انتزعه من أيدي عناصر الأمن، واعتدى عليه بوحشية قبل أن يحرق حيّاً، مع التنكيل بجثته، في مشاهد وثقت وبثت مباشرة عبر منصة «فيسبوك».

وأظهرت المقاطع المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي حشوداً هائجة تطوق سيارة الشرطة التي كان بداخلها، قبل أن تسحبه منها وتنهال عليه ضرباً بينما كان جمال يتوسَل إليه أن يتركوه «لأنني بريء والله بريء ياخاوتي». وبعد تعذيبه، أضرم النار في جسده، فيما ظهر شبان يلتقطون صوراً تذكارية إلى جانب جثته.

وقد أثارت هذه الجريمة صدمة وغضباً عارمين في مختلف أنحاء البلاد، رافقها تداول واسع للصور والمقاطع مرفقة بوسم #العدالة_لجمال_بن_إسماعيل.

ويرى عدد معتبر من المحامين المتابعين لهذا الملف أن لجوء القضاء إلى نقض الأحكام يندرج في إطار تصحيح أخطاء نتجت عن قرارات اتُّخذت على عجل، في ظل ضغط رأي عام كان يطالب بالقصاص.