لبنان منقسم حول عودة النازحين السوريين

«الكتائب» اعتبر أن «البلد لم يعد يحتمل»... و«الاشتراكي» يطالب بـ«ضمانات لهم»

أحد مخيمات النازحين السوريين في الريحانية بمحافظة عكار شمال لبنان (أ.ف.ب)
أحد مخيمات النازحين السوريين في الريحانية بمحافظة عكار شمال لبنان (أ.ف.ب)
TT

لبنان منقسم حول عودة النازحين السوريين

أحد مخيمات النازحين السوريين في الريحانية بمحافظة عكار شمال لبنان (أ.ف.ب)
أحد مخيمات النازحين السوريين في الريحانية بمحافظة عكار شمال لبنان (أ.ف.ب)

تعود قضية النازحين السوريين إلى الواجهة في لبنان مع تحركات وحملات على أكثر من خط يقوم بها الفرقاء السياسيون والمجتمعات المحلية للدفع باتجاه ترحيلهم، في وقت لا تزال فيه بعض الأحزاب والمنظمات الدولية ترفض هذا الأمر وتعدّ أن ظروف عودتهم غير متوفرة، وهو ما استدعى تحذير البعض من «اقتتال سوري - لبناني»، خصوصاً مع دعوات مجهولة المصدر للنازحين السوريين للتظاهر أمام مقر مفوضية اللاجئين اليوم، مقابل دعوة مماثلة من قبل لبنانيين يطالبون بترحيلهم.
وأكد أمس رئيس حزب «الكتائب اللبنانية»، النائب سامي الجميل، أن لبنان لم يعد يحتمل وجود اللاجئين، داعياً لتغيير طريقة تعاطي لبنان مع هذا الملف. وقال بعد لقائه منسّقة الأمم المتّحدة، يوانا فرونتسكا: «لبنان استقبل أكثر من مليون و800 ألف نازح، وتعامل معهم بأفضل الطرق الإنسانية، لكنّنا اليوم أمام مرحلة جديدة؛ لأن الأعمال القتالية في سوريا انتهت، ولم تعد هناك معارك مفتوحة، وباتت هناك إمكانية لعودتهم إلى بلادهم». وأكد: «لبنان اليوم لم يعد يحتمل، وأصبحنا ثالث أكبر بلد مكتظّ في العالم من دون بنى تحتيّة، وكل من يعطينا أمثولة في هذا الموضوع، لا سيما الدول الأكثر تطوراً في مجال حقوق الإنسان مثل الدنمارك والسويد، رحّلت لاجئين، وحان الوقت كي نغيّر طريقة تعاطينا في هذا الموضوع».
وميّز الجميل بين «النازحين المعارضين» ومن وصفهم بـ«المهاجرين الاقتصاديين»، قائلاً: «بعض الناشطين في المعارضة السورية مطلوبون للعدالة في سوريا، ولكن أكثريتهم غير معرّضين للخطر في حال عودتهم، وهم يعتبرون أن الوضع في لبنان أفضل من سوريا، وبالتالي باتوا (مهاجرين اقتصاديين) لا لاجئين بالمعنى القانوني الدولي. من هنا لم يعد بإمكاننا التعاطي مع هذا الملف كما كنا نتعاطى في السابق».
وتوجه الجميّل لرئيس حكومة تصريف الأعمال، نجيب ميقاتي، وقادة الأجهزة الأمنية، قائلاً: «هناك قوانين في لبنان تحمي؛ أولها قانون العمل الذي يمنع المنافسة غير الشرعية للبنانيين، واللاجئ السوري يحصل على دعم بالدولار الأميركي شهرياً، وبالتالي يستطيع القبول بنصف راتب؛ لأنه يحصل على النصف الآخر من المنظمات الدولية، والطريقة الوحيدة لرفع الراتب ليقبل به اللبناني هي بوجود المنافسة الشرعية، وعلى الحكومة أن تطبق قانون العمل بحرفيته».
وفي موضوع صلاحيات البلديات، قال: «تستطيع البلديات أن تمارس صلاحياتها والحفاظ على المصلحة العليا للمواطنين فيما يتعلق بالأمن والإقامة ضمن نطاق البلدة، وندعوهم لأخذ كل الإجراءات لحماية أهالي المناطق بكل الوسائل المتاحة».
ودعا الجميل إلى إسقاط صفة اللاجئ عن كل من يدخل خلسة إلى لبنان، وكل من يدخل ويخرج من لبنان وفق ما ينص عليه القانون، مضيفاً: «نحن نشجع على العودة الطوعية إلى سوريا، وبدل إعطاء المساعدات في لبنان يجب دفعها في سوريا، شرط عودة اللاجئين إلى بلادهم».
في موازاة ذلك، حذّر نائب رئيس البرلمان السابق، إيلي الفرزلي، مما سماه «الاقتتال السوري - اللبناني»، ورأى بعد لقائه رئيس البرلمان نبيه بري أن هناك «تناغماً بين بعض السوريين في الخارج الذين يطلقون شعارات في غاية الخطورة، وبين بعض الداخل الذي يريد أيضاً أن يلعب على هذه العصبية والذي كان يستقبل هؤلاء على قاعدة أن هناك مشروعاً يريد استعمالهم فيه. نحن لنا مصلحة في الإسراع بانتخاب رئيس للجمهورية يقارب هذا الملف ويعمل من أجل إنهائه في أقرب وقت ممكن».
في المقابل، يطالب «الحزب التقدمي الاشتراكي» بضمانات لعودة اللاجئين إلى بلدهم، داعياً إلى الابتعاد عن الشعبوية. وقال النائب في «الاشتراكي» هادي أبو الحسن لـ«الشرق الأوسط»: «لسنا متمسكين باللاجئين، وبرأينا لا بد من عودتهم إلى بلدهم، لكن مجيئهم إلى لبنان كان لظروف قسرية ساهم فيها النظام السوري الذي هجّرهم ليس ليعيدهم، وبالتالي؛ فإن هذه العودة لا بد من أن تترافق مع ضمانات دولية ومن الأمم المتحدة، خصوصاً بشأن المعارضين منهم، وتتمثل في العودة الآمنة، وتوفير مقومات الصمود، والظروف الاجتماعية الملائمة لهم، وهي التي إن لم تتوفر؛ فهذا يعني أننا نعدمهم».
وفي خضم كل ذلك، برزت دعوة للتظاهر اليوم الأربعاء أمام مقر مفوضية شؤون اللاجئين في بيروت من قبل مجموعة أطلقت على نفسها اسم «الحملة الوطنية لتحرير لبنان من الاحتلال الديمغرافي السوري»، «لمواجهة غطرسة المحتل»، وفق ما جاء في الدعوة التي أتت رداً على دعوة من النازحين السوريين للتظاهر أمام المفوضية رفضاً لعمليات الترحيل التي تجري بحقهم، كما قال مارون خولي، رئيس «الاتحاد العام لنقابات عمال لبنان» الذي سبق أن أطلق الحملة الأسبوع الماضي. ويقول الخولي لـ«الشرق الأوسط»: «دعونا للتظاهرة في الوقت نفسه الذي دعا إليه النازحون؛ لأننا لن نسمح لهم بالوقوف ضد قرارات الجيش اللبناني والقوانين، ولمواجهة الاحتلال الديمغرافي والسياسي»، مشيراً إلى أن هناك تأييداً للحملة التي أطلقوها نتيجة الاستياء في لبنان من تداعيات اللجوء السوري، متوقعاً أن تكون هناك مشاركة واسعة في المظاهرة.
وفي المقابل، أكد أحد النازحين السوريين في لبنان لـ«الشرق الأوسط» أن هناك دعوات مجهولة المصدر انتشرت بين اللاجئين تحثهم على التظاهر، عادّاً أنها محاولة لإيقاع التوتر والصدام بين اللبنانيين والسوريين.
وكان الخولي قد ذهب خلال إطلاق الحملة قبل أسبوع إلى حد وصف النزوح بـ«الاحتلال»، وقال: «نحن أمام نوع من أخطر الاحتلالات، والذي يجري فيه استخدام التغيير الديموغرافي أداةً للسيطرة على الأراضي والموارد والنفوذ السياسي، خصوصاً أن لهذا الاحتلال امتداداً جغرافياً على 80 في المائة من الحدود اللبنانية، وسنداً أهلياً وأخوياً لـ23 مليون سوري»، وفق تعبيره.
ويبدو أن الإجراءات بحق النازحين بدأت في بعض المناطق، بحيث برز أمس قرار من محافظ لبنان الشمالي، القاضي رمزي نهرا، يتعلق «بتنظيم العمالة الأجنبية حفاظاً على السلامة والأمن العام، وذلك نظراً إلى ما لهذا الأمر من انعكاسات كبيرة على الأمن المجتمعي، خصوصاً في وسط الأزمة المالية والاقتصادية والاجتماعية الخانقة التي يعيشها المواطن اللبناني وازدياد نسبة البطالة، ومنعاً لتصاعد حدة التوترات والتزاماً بمكافحة دخول العمالة الأجنبية إلى الأراضي اللبنانية خلسة دون أي مسوغ شرعي».
وأبرز ما نص عليه التعميم هو إجراء مسح لكل العمال الأجانب والتأكد من استحصالهم على ترخيص بالإقامة على الأراضي، وإخلاء من لا يملك إقامة شرعية، إضافة إلى منع تجمع وتجول النازحين الأجانب من الساعة السادسة مساءً حتى الساعة الخامسة صباحاً، وتسطير محاضر ضبط بحق المخالفين.
وفي ظل المستجدات الحاصلة في ملف النزوح السوري وبعد المعلومات التي أشارت إلى ترحيل أكثر من 50 سورياً من لبنان، دعت منظمة العفو الدولية في بيان، مساء أول من أمس، «السلطات اللبنانية إلى وقف عمليات الترحيل غير القانونية للاجئين سوريين خشية أن يتعرضوا لتعذيب أو اضطهاد من الحكومة السورية عند عودتهم إلى بلادهم».
وقالت نائبة مديرة «المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا» في «منظمة العفو الدولية»، آيا مجذوب، في بيان: «يجب عدم إعادة أي لاجئ إلى مكان تتعرض فيه حياته للخطر». وأضافت: «من المقلق جداً رؤية الجيش يقرر مصير لاجئين من دون احترام الضمانات بإجراء قانوني. بدلاً من العيش في خوف، تجب حماية اللاجئين الذين يعيشون في لبنان من عمليات الدهم التعسفية والترحيل غير القانوني».
ورد النائب جورج عطا الله، من «التيار الوطني الحر»، على بيان المنظمة، وكتب عبر حسابه على «تويتر»: «رداً على بيان منظمة العفو الدولية التآمري الذي تهدد فيه جيشنا بوجوب وقف ترحيل المجرمين والمخالفين للقوانين اللبنانية، فإننا ندعوها إلى الاهتمام بشؤونها وعدم التدخل في القرارات السيادية اللبنانية، وندعوها إلى المساهمة في إعادة كل النازحين السوريين إلى بلدهم لكي يعيشوا بأمان وكرامة هناك».


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

علاج نفسي وسط الدمار... مشاهد افتراضية تُخفف قسوة الحرب عن أطفال غزة

طفلة تتابع مشاهد افتراضية في غزة (يمين) مع إحدى العاملات في مشروع «تك ميد غزة» (صفحة المشروع على «إنستغرام»)
طفلة تتابع مشاهد افتراضية في غزة (يمين) مع إحدى العاملات في مشروع «تك ميد غزة» (صفحة المشروع على «إنستغرام»)
TT

علاج نفسي وسط الدمار... مشاهد افتراضية تُخفف قسوة الحرب عن أطفال غزة

طفلة تتابع مشاهد افتراضية في غزة (يمين) مع إحدى العاملات في مشروع «تك ميد غزة» (صفحة المشروع على «إنستغرام»)
طفلة تتابع مشاهد افتراضية في غزة (يمين) مع إحدى العاملات في مشروع «تك ميد غزة» (صفحة المشروع على «إنستغرام»)

في مكتب صغير بمدينة غزة، تقف طفلة مرتدية نظارة واقع افتراضي. تسألها المعالجة عمّا تراه، فتعدد ابنة السابعة، رزان، الأشياء التي تظهر أمامها: قطار، وألعاب، وحيوانات، والبحر. تأتي التوجيهات بهدوء: «مدّي يدك نحو المكعب، استخدمي اليد التي تستطيعين مدها، وأخبريني ماذا تشعرين». إنها جلسة علاج، لكنها تبدو كأنها لعبة.

أصيبت رزان العام الماضي عندما خرجت لجلب الماء لعائلتها، إذ سقطت قذيفة إسرائيلية في مكان قريب، واخترقت شظاياها ساقها. تلت ذلك سلسلة من العمليات الجراحية، من بينها محاولة لإعادة بناء الساق، لكنها لم تنجح، ولا تزال الإصابة واضحة للعيان؛ إذ تبدو ساق رزان مشوهة بعد فقدان جزء من اللحم والعضلات.

وأبلغ الأطباء عائلة رزان بأن الإمكانات العلاجية داخل غزة باتت محدودة للغاية، في ظل تضرر المرافق الطبية بشدة جراء عامين من الحرب. وقالوا إن الأمل في تعافٍ حقيقي يكمن في مغادرة القطاع لتلقي العلاج في الخارج. وبالنسبة لطفلة صغيرة، بدا الخبر كأنه صدمة ثانية.

ترتدي رزان البالغة من العمر 7 سنوات شاشة الواقع الافتراضي في مخيم للنازحين في مدينة غزة (شبكة «سكاي نيوز» البريطانية)

تقول والدتها، رنا أبو حربيد، لشبكة «سكاي نيوز» البريطانية إن الصدمة كانت قاسية لدرجة أن رزان امتنعت عن الطعام لأيام، ولم تتناول سوى الماء قبل أن تنهار وتُنقل مجدداً إلى المستشفى. ولا تزال الكوابيس توقظها من نومها.

وبعد أشهر من الدعم الذي يقدمه هذا الفريق العلاجي، بدأت حالتها النفسية تتحسن، وإن ببطء ومن دون ضمانات كاملة. تُضيف الأم: «بدأت تتحسن تدريجياً، وراحت تنسى شيئاً فشيئاً، لكن الكوابيس ما زالت تعود، فتستيقظ مذعورة، ترتجف، وتشعر كأن الأرض تتحرك تحتها».

مشاهد خيالية... وأجساد تحمل شظايا

خلال جلسات الواقع الافتراضي، يجلس عدد من الأطفال في دائرة، يرتدون نظارات الواقع الافتراضي ويمسكون بأجهزة تحكم يدوية. ويمنحهم هذا النوع من العلاج إحساساً بالانتقال إلى أماكن جديدة من دون مغادرة مقاعدهم. فجأة، ومن عالم غزة الرمادي المثقل بالركام والغبار والدمار، يجد الطفل نفسه يشاهد حيوانات تتجول، وأسماكاً تسبح، أو شخصيات كرتونية تمرح بسعادة.

في المكتب نفسه، يتحدث الشقيقان أحمد وأمجد، البالغان 17 و13 عاماً، عما تمنحهما إياه هذه الجلسات.

أصيب الشقيقان في الحرب عندما استهدفت غارة جوية إسرائيلية منزلهما. يقول أحمد إنه اندفع في الهواء «مثل قطعة ورق». أصابته شظايا عدة، واستقر بعضها في وجهه، وهو اليوم فاقد إحدى عينيه.

ويضيف أنه ظن أنه سيموت، خصوصاً بعدما قُتل شقيقه التوأم في وقت سابق من العام نفسه، فبات الموت قريباً في إحساسه، أما أمجد فكانت إصاباته أشد خطورة. نُقل مباشرة إلى غرفة العمليات. وبعد الجراحة، لُفّ ببطانية ونُقل إلى مشرحة المستشفى بعدما اعتُقد أنه فارق الحياة، قبل أن يتمكن من تحريك يده، ليؤكد أنه لا يزال حياً.

وتقول والدة أحمد وأمجد، نسمة، إنها استيقظت على الغبار والأنقاض، وكان المكان الذي ينام فيه الصبيان مدفوناً تحت الحجارة. عثرت على أحمد مغطى بالدماء، ولاحظت أن عينه فُقدت، ثم بدأت تبحث عن أمجد معتقدة أنه لا يزال تحت الركام. وبعد أشهر، لا يزال الشقيقان يتلقيان العلاج، فيما لا تزال شظايا مستقرة في جسديهما.

ويؤكد أمجد أن بعض إصاباته تتطلب جراحة خارج غزة، إذ لا يملك الأطباء في القطاع خيارات إضافية لعلاجها. غير أن السفر للعلاج يبدو حلماً بعيد المنال لكثير من العائلات، إذ لا يُسمح يومياً إلا لعدد محدود جداً بمغادرة غزة لتلقي العلاج، في حين ينتظر آلاف آخرون الفرصة نفسها.

الجلسات تُساعد على المشي

تندرج جلسات الواقع الافتراضي ضمن مشروع تديره «تك ميد غزة». وتوضح إحدى العاملات في المشروع، لما أبو دلال، أن الفكرة بدأت بعد ملاحظة أعراض نفسية حادة على طفل جريح رفض الأكل والشرب، وتجنب الناس، وكان يبكي باستمرار.

جُرّبت تقنية الواقع الافتراضي لتخفيف تلك الأعراض، وأظهرت نتائج إيجابية. ومنذ ذلك الحين، تعامل المشروع مع نحو 180 حالة، عبر جلسات منظمة داخل بيئة افتراضية، تتضمن تمارين تنفس ومشي، ومشاهد طبيعية.

وتقول لما إن بعض الأطفال الذين عجزوا عن المشي بسبب الخوف، خطوا خطواتهم الأولى وهم يرتدون النظارة، ما دلّ على أن العائق كان نفسياً لا جسدياً. غير أن العمل يظل محدوداً بالإمكانات المتاحة؛ فعدد النظارات قليل، وإذا تعطلت إحداها لا تتوفر قطع غيار، ولا تصل معدات جديدة، ما يعني أن عدداً أقل من الأطفال يمكنهم الاستفادة من الجلسات.

كل ذلك يجري في ظل واقع أمني هش. فوقف إطلاق النار المعلن أواخر العام الماضي لا يزال قائماً رسمياً، لكنه هش، وتتواصل الضربات، ويسقط قتلى، فيما تبقى الحياة في المخيمات محفوفة بالمخاطر.

وتقول وزارة الصحة في غزة إن إجمالي عدد القتلى منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بلغ 612 شخصاً، إضافة إلى 1640 مصاباً، فضلاً عن 726 حالة انتشال.

في نهاية الجلسة، تخلع رزان النظارة، فيختفي البحر والغابة. في الخارج، لا يزال المخيم على حاله. لبضع دقائق، يكون هؤلاء الأطفال في مكان آخر، ثم يعودون إلى غزة كما هي.


إسرائيل تكثّف ضرباتها «الاستباقية» في لبنان

سكان يعاينون أمس الدمار الذي خلفته ضربة إسرائيلية في قرية بدنايل بوادي البقاع شرق لبنان أول من أمس (إ.ب.أ)
سكان يعاينون أمس الدمار الذي خلفته ضربة إسرائيلية في قرية بدنايل بوادي البقاع شرق لبنان أول من أمس (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تكثّف ضرباتها «الاستباقية» في لبنان

سكان يعاينون أمس الدمار الذي خلفته ضربة إسرائيلية في قرية بدنايل بوادي البقاع شرق لبنان أول من أمس (إ.ب.أ)
سكان يعاينون أمس الدمار الذي خلفته ضربة إسرائيلية في قرية بدنايل بوادي البقاع شرق لبنان أول من أمس (إ.ب.أ)

بالتوازي مع عودة الحديث عن ضربة أميركية وشيكة لطهران، كثفت إسرائيل ضرباتها في لبنان. ويعتقد خبراء ومراقبون أنها استباقية لكبح «حزب الله» عن القيام بأي خطوة «إسناد» عسكري، بعدما سبق أن أكد أمينه العام نعيم قاسم أن الحزب لن يكون على الحياد في حال نشوب حرب جديدة مع إيران.

وقالت مصادر وزارية لـ«الشرق الأوسط» إنّ اتصالات داخلية وخارجية أُجريت في اليومين الماضيين، لكن لم تسفر عن أجوبة واضحة، كما لم يحصل لبنان على ضمانات بعدم زجّه في أي مواجهة أوسع إذا توسّعت الحرب.

وفي ما يتعلق بموقف «حزب الله»، ذكرت المصادر أن الأجواء التي نُقلت عن رئيس البرلمان نبيه برّي تشير إلى أن {الحزب لن يُقدم على أي خطوة في حال حصول ضربة على إيران}.


رمضان غزة... خروقات إسرائيلية وقتلى وجرحى

إفطار جماعي بين أنقاض المنازل شمال قطاع غزة (إ.ب.أ)
إفطار جماعي بين أنقاض المنازل شمال قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

رمضان غزة... خروقات إسرائيلية وقتلى وجرحى

إفطار جماعي بين أنقاض المنازل شمال قطاع غزة (إ.ب.أ)
إفطار جماعي بين أنقاض المنازل شمال قطاع غزة (إ.ب.أ)

واصلت إسرائيل خروقاتها في قطاع غزة، وقتلت فلسطينيين، وأصابت عدداً آخر خلال نهار اليوم الرابع من شهر رمضان المبارك، الذي يمر على السكان وسط ظروف حياتية صعبة بعد عامين من حرب مدمرة.

ومنذ بدء شهر رمضان الحالي، قُتل ما لا يقل عن 5 فلسطينيين، جميعهم سقطوا في مناطق تقع غرب «الخط الأصفر» المشار إليه كخطَ انتشار للقوات الإسرائيلية ضمن اتفاق وقف إطلاق النار.

وتأتي هذه الخروقات في وقت يعيش فيه سكان قطاع غزة ظروفاً صعبة تتفاقم مع شهر رمضان.

على صعيد آخر، أعلن حسين الشيخ، نائب الرئيس الفلسطيني، أن السلطة الفلسطينية أنشأت رسمياً مكتب الارتباط، برئاسة رئيس الوزراء محمد مصطفى، في رسالة أرسلها، أمس، إلى نيكولاي ملادينوف، الممثل السامي لـ«مجلس السلام» لغزة، وقال فيها إن «المكتب بات جاهزاً للاضطلاع بمهامه كاملة».