سلمى الخضراء الجيوسي... امرأة مخلوقة للصفوف الأولى

ليس من السهل تصنيف إرثها تصنيفاً تراتبياً

سلمى الخضراء الجيوسي
سلمى الخضراء الجيوسي
TT

سلمى الخضراء الجيوسي... امرأة مخلوقة للصفوف الأولى

سلمى الخضراء الجيوسي
سلمى الخضراء الجيوسي

أدهشني أن تموت سلمى الخضراء الجيوسي. حقاً أن الموت حق علينا جميعاً، وأنها كانت في الخامسة والتسعين من عمرها، وهو عمر لا يطمح إليه أغلبنا. لكن الجيوسي كان لها حضور طاغٍ يصعب تصور إمكانية غيابه غياباً تاماً. كان حضورها طاغياً في إنجازاتها الأكاديمية في خدمة الأدب العربي، كما كان حضوراً طاغياً أيضاً في أي مناسبة حضرتها شخصياً. كانت امرأة مخلوقة للصفوف الأولى، ليس فقط بعملها الدائب ومنجزها الأكاديمي والأدبي، ولكن بتركيبتها الشخصية الساحرة التي لا تقبل الرفض كإجابة على ما تطلب، ولكن أيضاً لأن سحر شخصيتها كان يجعل عدم القبول أو الاعتذار عن طلب أو تكليف منها أمراً ليس في إمكان الكثيرين. كانت تعرف كيف تجعل من الإصرار والإلحاح والمعاودة فناً جميلاً محبباً، لو مارسه غيرها لكان مصدر إزعاج ومدعاة لصرف الملحّين خائبين. هذه الشخصية هي ما سهّل لها استقطاب الدعم المالي لمشروعاتها النبيلة، وتجنيد الكُتّاب والمترجمين والأكاديميين في خدمة مشروعها الأكبر في ترجمة ونشر الأدب العربي باللغة الإنجليزية، (بروتا). التقيت سلمى الجيوسي لأول مرة حين دعوناها لإلقاء البحث الافتتاحي في مؤتمر كبير نظمناه في جامعة إكستر Exeter في خريف عام 1994 حول «التقليد والحداثة في اللغة والأدب العربيين»، حيث تكلمت في موضوعها الأثير «التقليد والحداثة في الشعر العربي»، والذي نُشر لاحقاً (لندن 1996) ضمن كتاب أعددناه عن أعمال المؤتمر. أذكر أني كنت رئيس الجلسة وأنها تمادت في تجاوز الوقت المخصص لها، رغم أريحيته كونها متحدثاً رئيسياً، وأن كل محاولاتي المستميتة والمتكررة لتذكيرها بوجوب الانتهاء، باءت بالفشل الذريع، أمام عنادها وإصرارها، ولكن قبل ذلك سحر شخصيتها، الذي لم أملك أمامه ولا ملك جمهور الحاضرين إلا الغفران الكامل. وإن كان هذا العناد وهذا السحر قد كسبا لها دقائق إضافية عدة في ذلك المؤتمر (وفي غيره بلا شك)، فإنها هي الخلال ذاتها التي جاءت لها بمكاسب أهم كثيراً في مشروعاتها الأدبية الواسعة كما أسلفت.

ليس من السهل تصنيف إرث الجيوسي تصنيفاً تراتبياً. وليس من السهل التنبؤ بما يصمد منه لاختبار الزمن وما تطويه الأيام ضمن ما تطوي. إلا أنه إن سألني سائل اليوم سؤالاً في هذا المضمون، فإني شخصياً لن أتردد في ترشيح دراستها «الشعر العربي الحديث: حركاته واتجاهاته» Trends and Movements in Modern Arabic Poetry الصادرة عام 1977 في اللغة الإنجليزية عن دار بريل، والذي صدرت لها ترجمة عربية في عام 2007 عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت. قام الكتاب على أساس من أطروحتها للدكتوراه التي كانت أنجزتها قبل سنوات في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية التابعة لجامعة لندن. يغطي هذا الكتاب الموسوعي الواقع في مجلدين والذي تتجاوز صفحاته الثمانمائة - تطور الشعر العربي من أواخر القرن التاسع عشر وحتى آخر اتجاهاته وقت إجراء الدراسة في فترة الستينات من القرن الماضي، التي شهدت تحولات جذرية في هذا الفن القديم قِدم اللغة العربية ذاتها. حين كنت أدرِّس مادة الشعر العربي الحديث للطلاب الإنجليز كان هذا الكتاب مرجعي الأول، وكان يتصدر القائمة الببليوغرافية التي أزود بها طلابي لإعانتهم على القراءة والبحث في الموضوع. ولا أشك أنه لا يزال يحتل المكان نفسه لدى مدرسي المادة اليوم مع شيء من الحسرة، إنه ليس هناك مجلد ثالث يغطي ما حدث في الشعر العربي من ستينات القرن الماضي إلى أوائل القرن الحالي.
هذا في رأيي الإنجاز الأكبر والأبقى للجيوسي؛ فهو إنجاز بحثي كبير استغرق سنوات طويلة من البحث المنفرد والعكوف على مصادر ومراجع الشعر العربي ومدارس النقد، قديمها وحديثها، وقد صدر في وقت كانت تعزّ فيه مثل تلك الدراسات الشاملة، ليس فقط في اللغة الإنجليزية بل والعربية أيضاً. لكن الأدب العربي يدين للجيوسي بما هو أكثر من ذلك، ويدين لها أيضاً الآلاف من قراء هذا الأدب ودارسيه ومدرِّسيه في اللغة الإنجليزية؛ إذ إنها أنفقت قسماً كبيراً من حياتها للتعريف بذلك الأدب وأعلامه وروائع نصوصه، خاصة الحديث منها، عن طريق الترجمة والتقديم والتحرير. كانت تضطلع شخصياً بالترجمة كما فعلت على سبيل المثال في ترجمتها في عام 1982، بالاشتراك مع المستعرب البريطاني ترفور ليجاسيك LeGassick، لرواية إميل حبيبي الشهيرة، «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل». إلا أن الجهد الأكبر للجيوسي في مجال الترجمة كان في عملها الجماعي من خلال المشروع الذي عُرف باسم «بروتا» PROTA الكلمة المؤلفة حروفها من الاسم الكامل في الإنجليزية «مشروع الترجمة من العربية»Project for Translation from Arabic الذي أسسته الجيوسي في 1980 واستقطبت للعمل فيه عبر عقود عدة مجموعات متميزة من الأكاديميين ومترجمي الأدب والمؤلفين، مستغلة مهاراتها الشخصية وصبرها الطويل وعلاقاتها المتشعبة وقدرتها على استجلاب الدعم المالي للبحث والنشر من مصادر متعددة. اتسم هذا المشروع الكبير بصفة خاصة بنشر الأنتولوجيات أو بعبارة أخرى المختارات أو المنتخبات، تمييزاً عن الأعمال المفردة. وهي من أصلح سبل الترجمة والنشر في استهدافها تقديماً عريضاً لنوع أدبي أو فترة بعينها أو أدب قومي لجمهور قراء لا يعرفون عنه شيئاً، بدلاً من التركيز على كاتب بعينه أو نص منفرد.
كان من بواكير تلك المنتخبات مجلد فيما يقارب الستمائة صفحة نُشر في 1988 عن دار كيجان بول اللندنية برعاية جامعة الملك سعود في الرياض بعنوان The Literature of Modern Arabia ضاماً بين غلافيه أعمالاً شعرية وقصصية لما لا يقل عن 95 كاتباً من السعودية واليمن وسائر أنحاء شبه الجزيرة العربية. كان عملاً رائداً في الترجمة والتعريف بأدب الجزيرة العربية في وقت كان العالم لا يقرن اسم شبه الجزيرة بشيء سوى النفط. ثم تتالت المنتخبات المترجمة. فمنها واحد عن «الشعر العربي الحديث»، وآخر عن «الأدب الفلسطيني الحديث»، وثالث عن «المسرح العربي الحديث» أسعدتني المشاركة فيه بترجمة لمسرحية ألفريد فرج ذائعة الصيت «علي جناح التبريزي وتابعه قفة»، وغير هذا من المنتخبات والأعمال المنفردة التي صدرت عن كبريات دور النشر الجامعية مثل «مطبعة جامعة كولومبيا» و«مطبعة جامعة إنديانا» وغيرها والتي تتالت من الثمانينات وعلى مدى العقود الثلاثة التالية.
كتبت سلمى الجيوسي بعض الشعر ونشرته، على أنني لا أظن أن شعرها مما يبقى مع ما يبقى من آثارها. ولعلها ما كانت لتخالفني الرأي وهي المتخصصة الوثيقة بالشعر العربي الحديث. صنّفها الناقد والأكاديمي المصري مصطفى بدوي في مختاراته من الشعر العربي الحديث (أوكسفورد - بيروت 1969) باعتبارها من أتباع الرومانسية أو من ممارسي الأسلوب الرومانسي في الشعر بعد انقضاء عصره. وهو تصنيف أوافقه الرأي فيه تماماً. ولنختمْ هذه المقالة الاحتفائية بالكاتبة الراحلة بالمقطع الأول من قصيدة لها بعنوان «المدينة والفجر»
لكل مدينة في الفجر ساعة طهرها الساحر
فلو ضجّت لياليها
ولو صخبت مقاهيها
ولو سالت دنانُ الخمر رجساً في سواقيها
فعند الفجر تلقاها
وثوبُ الطهر يغشاها
كأن الليل لم يرقص على مصباحها الساكر


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

عودة «الطبل الناطق» إلى ساحل العاج بعد أكثر من 100 عام في فرنسا

الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)
الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)
TT

عودة «الطبل الناطق» إلى ساحل العاج بعد أكثر من 100 عام في فرنسا

الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)
الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)

أعادت فرنسا إلى ساحل العاج طبلاً مقدّساً من نوع «الطبول الناطقة» كان قد نُهب إبّان الحقبة الاستعمارية، وذلك بعد أكثر من قرن على إخراجه من البلاد.

وكانت القوات الاستعمارية الفرنسية قد استولت على الطبل عام 1916، قبل أن يُنقل إلى فرنسا عام 1929، حيث عُرض بدايةً في «متحف تروكاديرو»، ثم انتقل لاحقاً إلى متحف «كيه برانلي» في باريس، ليظلَّ هناك عقوداً بكونه أحد المعروضات المرتبطة بتاريخ الحقبة الاستعمارية.

ويُعرف هذا الطبل باسم «ديدجي أيوكويه» (Panther Lion)، وقد استقبله لدى عودته أفراد من جماعة «إيبرييه» التي تعود ملكيته الأصلية إليها. ويبلغ طول الطبل أكثر من 3 أمتار، ويزن نحو 430 كيلوغراماً، وهو منحوت من خشب شجرة «الإيروكو».

قطعة من ذاكرة أفريقيا تعود إلى أرضها (رويترز)

وتأتي هذه الخطوة في إطار مساعٍ فرنسية أوسع لإعادة القطع الثقافية الأفريقية إلى بلدانها الأصلية، وهي عملية بدأت عام 2017.

ووصل الطبل إلى أبيدجان على طائرة استُؤجرت لنقله، غير أنه بقي داخل صندوق خشبي كبير وُضعت عليه علامة «قابل للكسر». وكانت مجموعة من الراقصين التقليديين وعدد من الزعماء المحلّيين في مطار أبيدجان الدولي لاستقباله.

وقالت وزيرة الثقافة في ساحل العاج، فرنسواز رمارك، لـ«بي بي سي»، إنّ عودة الطبل تمثّل «يوماً تاريخياً مشحوناً بالمشاعر»، مضيفة أنّ البلاد «تعيش لحظة إنصاف واستعادة للذاكرة تعلن أخيراً عودة طبل (ديدجي أيوكويه) إلى موطنه الأصلي».

ومن جانبه، أوضح مدير متحف الحضارات في أبيدجان، فرانسيس تاغرو، أنّ الطبل سيُعرض «في موقع يليق بقيمته في قلب المتحف الوطني». وأضاف: «نشعر بسعادة غامرة وفخر عميق باستعادة هذا الطبل المقدّس؛ لما يمثّله من رمزية كبيرة بالنسبة إلينا، ولما سيتركه من أثر في تعزيز الوعي الثقافي لدى الأجيال الشابة».

ويُعدّ «الطبل الناطق» أحد أبرز رموز التراث لدى جماعة «إيبرييه»؛ إذ كان يُستخدم تقليدياً للتحذير من الأخطار، وحشد الناس في زمن الحرب، وكذلك لدعوة القرى إلى المناسبات والاحتفالات. وتتركز هذه الجماعة في مدينة أبيدجان، كبرى مدن ساحل العاج.

وكانت باريس قد سلَّمت الطبل رسمياً في 20 فبراير (شباط) الماضي، بعد أن أقرّ البرلمان الفرنسي قانوناً خاصاً يجيز إعادته. ويمثّل «الطبل الناطق» أول قطعة ضمن قائمة تضم 148 عملاً فنياً وثقافياً تسعى ساحل العاج إلى استعادتها من فرنسا ودول أخرى.

وسبق لفرنسا أن أعادت بعض كنوز مملكة أبومي الملكية إلى بنين، كما أعادت سيفاً تاريخياً إلى السنغال. ويأتي ذلك في ظل تزايد مطالب الدول التي خضعت للاستعمار باسترداد تراثها الثقافي؛ إذ اعتمد مجلس الشيوخ الفرنسي في 29 يناير (كانون الثاني) الماضي قانوناً إطارياً يهدف إلى تسهيل إعادة القطع العائدة إلى الحقبة الاستعمارية من المجموعات الوطنية الفرنسية، على أن يُطرح مشروع القانون قريباً للنقاش في الجمعية الوطنية الفرنسية.


مختبرات بلا حيوانات... ثورة علمية تلوح في الأفق

العلم يودِّع حيوانات المختبر (شاترستوك)
العلم يودِّع حيوانات المختبر (شاترستوك)
TT

مختبرات بلا حيوانات... ثورة علمية تلوح في الأفق

العلم يودِّع حيوانات المختبر (شاترستوك)
العلم يودِّع حيوانات المختبر (شاترستوك)

أعلنت الحكومة البريطانية عن خطّة جريئة للتوقّف تدريجياً عن استخدام حيوانات التجارب في بعض مجالات البحث العلمي؛ إذ تقرَّر -على سبيل المثال- وقف الاختبارات الخاصة بحساسية الجلد على الحيوان بحلول هذا العام، ووقف بعض البحوث على الكلاب في 2030؛ حيث تنص السياسة الجديدة على أنّ عصر استخدام الحيوان في العلوم قد انقضى باستثناء بعض الحالات الخاصة.

وذكرت «وكالة الأنباء الألمانية» أنّ دولاً أخرى في العالم اتخذت إجراءات مماثلة؛ إذ أزاحت إدارة الغذاء والدواء الأميركية في أبريل (نيسان) الماضي الستار عن خطّة لجعل التجارب على الحيوانات هي «الاستثناء وليست القاعدة» في مجال اختبارات سلامة الأدوية في غضون 3 إلى 5 سنوات. وفي الشهر عينه، طرحت معاهد الصحة الوطنية الأميركية مبادرة لتقليل استخدام حيوانات التجارب في البحوث التي تموّلها. وفي العام الحالي، تعتزم المفوضية الأوروبية نشر خريطة طريق لإنهاء الاختبارات على الحيوانات في مجال تقييم سلامة الكيميائيات.

وقد عزَّزت المخاوف الأخلاقية والشواغل بشأن سلامة الحيوان من الجهود للتصدّي لاستخدام الحيوانات في التجارب العلمية، كما تسارعت في الوقت الحالي وتيرة التوصل إلى تقنيات علمية حديثة تُغني عن حيوانات التجارب.

ومن بين مناهج البحث الجديدة ما يعرف باسم «أعضاء على رقائق»، وهي أنسجة مجسَّمة تُزرع على رقائق إلكترونية وتُخضَع لاختبارات علمية مختلفة.

وكشفت دراسة إحصائية أجرتها منظمة «بحوث خالية من تجارب الحيوان» في بريطانيا أنّ عدد الرسائل العلمية التي نُشرت في مجال علوم الطبّ الحيوي عن طريق هذه التقنية الجديدة فيما يخص 7 أمراض مختلفة ارتفع من نحو 25 ألف رسالة علمية إلى نحو 100 ألف رسالة بين 2006 و2022.

وتضخّ الصين أيضاً استثمارات ضخمة في هذا المجال؛ إذ أطلقت عام 2024 «منظومة مضاهاة الأعضاء البشرية المريضة»، وهي مشروع مخصَّص لتطوير مناهج بحث بديلة تُغني عن استخدام حيوانات التجارب، بقيمة 2640 مليون يوان (382 مليون دولار).

ويقول مؤيّدو هذه الفكرة إنّ مناهج البحث البديلة قد تكون أفضل من الحيوان في محاكاة الطبيعة البيولوجية للإنسان، والتنبُّؤ بشكل أفضل بمدى سلامة الأدوية الجديدة وفاعليتها؛ إذ كثيراً ما تُصنع الرقائق الإلكترونية بواسطة خلايا بشرية حقيقية مع تصميم النماذج الحوسبية الخاصة بها بواسطة بيانات بشرية.

ويقول خبير الهندسة الحيوية في معهد «وايس» للبحوث في مدينة بوسطن بولاية ماساتشوستس الأميركية، دونالد إنغبر، لموقع «ساينتفيك أميركان» المعني بالبحوث العلمية، إنّ التحوّل إلى التقنيات البديلة هو خطوة «مستحقّة منذ مدّة طويلة».

يُذكر أنّ جهود إيجاد بديل للاختبارات على الحيوان، وتنقيحها، والحدّ منها في مجال البحث العلمي تتواصل منذ عقود، وقد تراجع استخدام الحيوانات في مجال التجارب بالفعل في بعض الدول.

وتشير البيانات في بريطانيا إلى أنّ عدد التجارب العلمية التي أجريت على الحيوان تراجع من 14.4 مليون تجربة في 2015 إلى 2.64 مليون تجربة في عام 2024، كما انخفض إجمالي عدد الحيوانات التي استخدمت في التجارب في الاتحاد الأوروبي والنرويج بنسبة 5 في المائة بين 2018 و2022.

وخلال العقد الماضي، طوَّر العلماء نماذج مصغَّرة من الأعضاء البشرية يمكن استخدامها لدراسة بعض الأمراض، مثل السرطان والاضطرابات الوراثية، واستخدموها في ابتكار أدوية جديدة والتأكد من سلامتها.

وعام 2021، ابتكر فريق علمي نموذجاً مصغَّراً من الكبد البشري، واستخدموه لاختبار 238 من الأدوية التي تُستخدم لعلاج أمراض الكبد المختلفة. وتُعدّ النماذج الحوسبية من الخيارات المطروحة بديلاً عن تجارب الحيوان. وعام 2021 أيضًا طوَّر فريق بحثي نموذجاً حوسبياً لاختبار حساسية الجلد تجاه مركبات كيميائية معيّنة.

وتُعدّ هذه النوعية من الاختبارات بمثابة إجراءات قياسية للتيقن من سلامة عدد من المنتجات الصناعية والمنزلية، وكانت عادة ما تتطلَّب استخدام حيوانات التجارب في هذا الغرض.

وبنى الفريق البحثي نموذجاً حوسبياً باستخدام بيانات تخصّ 430 مادة اختُبِرت على البشر وفئران التجارب في وقت سابق، وتبيَّن من هذه التجربة أنّ هذا النموذج يمكنه التعرُّف بدقة على المواد الكيميائية. وقد صادقت منظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية العام الماضي على استخدام النماذج الحوسبية لاختبار حساسية الجلد تجاه المركبات الكيميائية.

ويأمل الباحثون أيضاً في إمكان توظيف الذكاء الاصطناعي في مجال البحوث العلمية بدلاً من حيوانات التجارب؛ إذ تعمل جهات رقابية عدّة -مثل هيئة الدواء الأوروبية وإدارة الغذاء والدواء الأميركية- على دمج آليات الذكاء الاصطناعي في مجال دراسة وتقييم سلامة الأدوية والمواد الكيميائية.

ويؤكد الباحثون أنّ بعض الاختبارات التي تُجرى على الحيوان ستظلّ ضرورية في المستقبل المنظور. ويقول الباحث روبن لوفيل بادج، المتخصّص في مجال علوم الأحياء في معهد «فرنسيس كريك» بلندن، إنه «من الصعب دراسة الأنظمة البيولوجية المتكاملة التي تحتوي على شبكة من الأوعية الدموية والأعصاب، أو أنظمة التجارب، أو شيخوخة الأنسجة، بواسطة نماذج مصغرة أو أنسجة على رقائق إلكترونية».

وتضيف سارة بايلي، المتخصّصة في علم الأدوية العصبية بجامعة باث في بريطانيا، أنه من المستحيل أيضاً دراسة السلوكيات البشرية والأنشطة الإدراكية عن طريق نموذج حوسبي. وأضافت لموقع «ساينتفيك أميركان» أنه عندما يتعلَّق الأمر بدراسة تعقيدات علوم الأحياء، فإننا سنظلّ بحاجة لاستخدام الحيوانات في مجال العلوم الأساسية لبعض الوقت في المستقبل».


حادثة غريبة في الصين... الشرطة «تعتقل» روبوتاً بعد ترويعه امرأة

صورة مثبتة من مقطع فيديو للشرطة الصينية وهي «تعتقل» الروبوت
صورة مثبتة من مقطع فيديو للشرطة الصينية وهي «تعتقل» الروبوت
TT

حادثة غريبة في الصين... الشرطة «تعتقل» روبوتاً بعد ترويعه امرأة

صورة مثبتة من مقطع فيديو للشرطة الصينية وهي «تعتقل» الروبوت
صورة مثبتة من مقطع فيديو للشرطة الصينية وهي «تعتقل» الروبوت

أثارت حادثة غير مألوفة في شوارع مدينة ماكاو الصينية تفاعلاً واسعاً بعد أن احتجزت الشرطة روبوتاً بشري الشكل عقب ترويعه امرأة مسنّة أثناء سيرها في الشارع.

وانتشر مقطع فيديو للحادثة على نطاق واسع عبر الإنترنت، ما أعاد النقاش حول استخدام الروبوتات في الأماكن العامة وتأثيرها في سلامة المارة.

وفي تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، تدخلت الشرطة لاحتجاز روبوت بشري الشكل بعدما أثار الذعر لدى امرأة تبلغ من العمر 70 عاماً في أحد شوارع ماكاو.

ووقعت الحادثة الأسبوع الماضي عندما انتهى الأمر بالمرأة إلى المستشفى بعد مواجهتها مع الروبوت الذي يبلغ طوله نحو 1.3 متر.

كيف بدأت الواقعة؟

أظهرت مقاطع فيديو التقطها شهود عيان المرأة وهي تصرخ في وجه الروبوت، الذي يُعتقد أنه من طراز «Unitree G1»، ويبلغ سعره نحو 13.500 دولار.

وبحسب تقارير إعلامية، كانت المرأة تسير في الشارع وتنظر إلى هاتفها الجوال عندما لاحظت أن «شيئاً ما» يسير خلفها عن قرب. وعندما التفتت، فوجئت بالروبوت.

وقالت المرأة في مقطع الفيديو، وهي تصرخ باللغة الكانتونية: «أنت تجعل قلبي يخفق بسرعة! لديك الكثير لتفعله، فلماذا تعبث بهذا؟ هل فقدت عقلك؟».

تدخّل الشرطة

في الفيديو، يظهر الروبوت وهو يرفع ذراعيه في حين كانت المرأة توبّخه، قبل أن يظهر لاحقاً عنصران من الشرطة وهما يقتادانه بعيداً عن الشارع المزدحم.

وذكرت صحيفة «Macau Post» أنه «لم يحدث أي احتكاك جسدي» بين المرأة والروبوت، إلا أنها نُقلت إلى المستشفى حيث خضعت لفحص طبي قبل أن تُغادر لاحقاً.

روبوت لأغراض ترويجية

وأفادت التقارير بأن الروبوت مملوك لمركز تعليمي في ماكاو، وكان يُستخدم في «أنشطة ترويجية» في المنطقة.

وكان الروبوت يُدار عن بُعد بواسطة رجل يبلغ من العمر 50 عاماً، قال للشرطة إنه كان يختبر الجهاز بهدف تحسين طريقة تشغيله.

وعقب الحادثة، وجهت السلطات تحذيراً له بضرورة توخي الحذر، وعدم تعريض المارة للخطر أو إثارة خوفهم.

تفاعل واسع على الإنترنت

انتشر مقطع الفيديو للحادثة بسرعة على مواقع التواصل الاجتماعي، ما أثار موجة من التعليقات الساخرة. وكتب أحد المستخدمين: «يبدو أن الروبوت يحتاج إلى محامٍ أو إلى بعض الحقوق الأساسية»، في حين علق آخر مازحاً: «ستذهب إلى السجن يا صديقي».