مساءلة التناقض واللعب عليه شعريّاً

عبد الرحمن مقلد في ديوانه «بوينج سي 17 ليست شجرة»

مساءلة التناقض واللعب عليه شعريّاً
TT

مساءلة التناقض واللعب عليه شعريّاً

مساءلة التناقض واللعب عليه شعريّاً

بباقة من الإهداءات إلى الأم وبعض الأصدقاء، تردفها ومضتان شعريتان دالتان للشاعرين الفرنسيين لوتريامون، وبودلير، تركز الومضة الأولى على صورة البشر ضيقي الأكتاف، الذين تحولوا إلى مجرد أشباه لأرواحهم، بينما تركز الثانية على صورة الأرض القاسية، التي أصبحت بمثابة مجهول تخبّ عليه الأقدام الدامية العارية، يستدرج الشاعر عبد الرحمن مقلد قارئه للدخول إلى أجواء ديوانه «بوينج سي17 ليست شجرة» الصادر حديثاً عن دار المثقف بالقاهرة.
يقع الديوان في 130 صفحة، ويشير عنوانه إلى مشهد الانسحاب الأميركي من أفغانستان، واستيلاء «طالبان» على السلطة، والفوضى العارمة التي وقعت في مطار كابول، حتى إن البعض تسلق ذيل الطائرة أملاً في الفرار، ويضعنا عبر 19 قصيدة أمام ذات شعرية قلقة، تراقب العالم بخوف وحذر، وتقيم تماثلاتها معه من منظور متوتر، يسائل الشاعر من خلاله أبرز الأساطير التي شكلت إرث العالم روحياً وأخلاقياً، واختلط فيها الكذب بالحقيقة، ومنها أسطورة سيزيف وصخرته التي ارتبطت بفكرة العذاب الأبدي، وفي ظلالها ينسج الديوان حزمة من المراثي الموجعة لبشر خانتهم إرادة التشبث بالحياة والأمل في أن تكون أكثر عدلاً ونقاء.
يقول الشاعر في قصيدة: «مصالحة السماء والاعتذار للصخرة» (سيزيف يروي الرواية المضادة) مستهلاً بها الديوان، ويهديها «إلى كل أب»:
«صنعتُ بذاتي مصيري
كما أتشهَّى
تزوَّجتُ من أتعلقُ في صدرها كالرضيعِ
وأصرخُ في الحبِّ حتى يراني أخيراً
أمارسه دون خوفٍ ولا خجلٍ
حين كنت صغيراً أصبتُ به
في منامي على صخرة بالعراءِ
غشيتُ من الشمس
عشتُ مريضاً
ولم أشفَ من غربتي»
تمتد القصيدة على مدار 5 صفحات، وتستثمر تفعيلة بحر «المتقارب»، لما تكتنزه من توتر درامي، وشحنة صوتية تعكس طوايا الذات، كما يبرز جدل الصعود والهبوط، ما بين السفح والقمة، وهو جدل خافت، يومض في تضاعيفها، بينما يعلو صوت سيزيف جائراً بالشكوى والتوجع والإذعان: «لم أكُ لصّاً ولا شاعراً، ولم أكُ فظّاً، ولا بهلواناً ولا تاجراً، ولم أخن الرَّب». لقد صنع سيزيف مأزقه بنفسه حين سخر من بعض الآلهة، كما هو معروف في الميثولوجيا الإغريقية، ثم إن الأسطورة وترويض الصخرة في رحلة الصعود والهبوط التي لا تنتهي تحولاً إلى شكل من أشكال اللعب مع الحرية، حرية أن تكون أو لا تكون. ورغم أن القصيدة تؤكد على لسان سيزيف أنه صانع مصيره، فإنها لم تلتفت إلى هذا اللعب في دلالته الأبعد، وأن ما يضمره من عبث وجودي هو ظل لحقيقة هاربة. فتحولت الصخرة صانعة اللعب إلى مجرد أداة صامتة، في حوارية أحادية الصوت والمعنى والدلالة، لا تملك سوى أن تجتر نفسها. ناهيك عن أن الأسطورة نفسها لا تخرج عن فكرة الثواب والعقاب، وليست رمزاً لسلطة أبوية مطلقة، ممتدة في جسد الزمان والمكان، حتى يمكن إهداؤها لكل أب، ولو على سبيل المجاز.
على ضوء هذا، تبرز ثنائية المع والضد كمعول أساس يستند عليه عالم الرؤية في الديوان، بخاصة حين يغيم الخط الفاصل بينهما، متحولاً إلى خط وهمي كاذب، فلا حلم يبقى أو يصمد، بل لا شيء سوى المراوغة والإذعان والتواطؤ ضد الذات والماضي والحاضر والغد. في هذه المسافة المعتمة الشائكة، يصبح مشهد العالم كما تلتقطه القصائد مجرد رتوش جوفاء لتزيين الصورة والإطار، باسم قيم ومعتقدات وأفكار، تتشدق بالحق الإنساني في الحياة، لكنها تخفي تحت قشرتها البراقة ما يذبح هذا الحق، ويسلبه إرادة التشبث بالحياة نفسها.
يعي الشاعر ذلك، وأن مساحة الفراغ الرخوة في هوامش هذا الخط، يمكن التحايل عليها شعرياً، فهي ملعب مفتوح، يمكن للعب داخله أن يشكل نوعاً من الحصانة والحماية للذات، بخاصة حين تضيق الرؤية وتضطرب القيم والمعايير، ولا تقيم وزناً لكل ما هو إنساني، وهو ما يطالعنا في قصيدته «ذئبة وول ستريت» المهداة إلى كريستين لاغارد، الرئيسة السابقة لصندوق النقد الدولي، مديرة البنك المركزي الأوروبي. القصيدة مشرّبة بمسحة من السخرية، ومع ذلك تتغنى بهذه المرأة، إلى حد الافتتان بأقراطها ونمشها وشاماتها وسحرها، وفي مقابل نبرة الغفران والتسامح التي تعلو في النص، تصبح الإدانة الساخرة مجرد وخزة عابرة لامرأة تصفها القصيدة بـ«الأيقونة العظمى». وتشبه عينيها بعيني ميدوزا، المرأة الجميلة التي تحولت بحسب الأسطورة الإغريقية إلى امرأة، الثعابين التي تتدلى من خصلات شعرها، وحين تصوب عينيها إلى إنسان تحيله إلى كومة من الحجارة.
يقول الشاعر في القصيدة (ص 34 - 35 - 36):
«أراك يا أيقونتي العظمى
لاجارد
أراك أبعدَ من حساب الربحِ
لا نذيرةَ ذلك الموتِ المدجج في حماسك
غيرَ دائسةٍ على أعناق مليارين
من أبناء هذا الكونِ
***
من 90 في مائةٍ من الأحياءِ
تجمعنا هنالك هدنةٌ
لأحرِّرَ الذئبَ المقيدَ في نسيجك
أدركُ الغجريَّ خلف التل
إني أحبك غير واعدةٍ بشيء
غير ناصبةٍ فخاخك
غير ضاربة بمخلبك القوي
ولا أحبك حين تتحدثين عن (النظام العالمي)
أحب فوضاك الخبيئة
أن أجيئك مثل لص زاحفٍ أو مستريباً
***
لا أراك وأنت تقترحين نصلك في صدور المتعبين
وإنما أرتاح في عينيك إن أغلفتِ هذا الضرام
إن سهوتِ ولم تكيلي الوعدَ
ثم الوعد للجوعى والأمم الفقيرة
إن خلعت عيون ميدوزا
وإن أشعلت عينيك اللتين تسافران إلى بعيد».
يلعب الشاعر على حبال التناقض وعلائقها الضدية الشرهة، منحازاً في ظلالها إلى الجمال في صورة الأنثى، بصرف النظر عما يتخفى في الصورة من خداع مهلك. فهو مع العالم وضده، ويعبر عن موقفه منه بشكل واضح ومباشر، معه حين يكون عادلاً وإنسانياً، وضده حين يتحول إلى غابة خانقة، البقاء فيها للأقوى صاحب النفوذ والجاه... لا تختلف هذه المعادلة الخطرة مع «ذئبة وول ستريت»، إنه معها حين تلقي بقناعها السلطوي الفتاك خارج ملعب السلطة، وضدها حين يصبح سلاحاً لإذلال الشعوب الفقيرة، ما يجعل الفرار من أوطانها بمثابة طوق نجاة من إقامة مضطربة، محاصرة ومهددة دوماً بالموت والجوع.
في خضم هذا الهم، وبثلاث قصائد مكثفة ينفتح الديوان على المأساة الأفغانية، تبرز القصائد الاهتمام بروح المشهد ولغة الصورة الحية ابنة اللقطة الطازجة وما تنطوي خلفها من أبعاد إنسانية. ويلجأ الشاعر إلى بنية المقاطع الشعرية، المتصلة - المنفصلة، كما ينفض الإيقاع عن كاهله الضرورات العروضية السمجة، وينفتح بحيوية على زوايا متخيلة للمشهد ومأساويته المعلقة ما بين الأرض والسماء.
تصور القصيدة الأولى، وهي بعنوان «أبناء صنوبرة» – مشهد 3 أفغان سقطوا من طائرة الشحن الأميركية وهي في السماء، بينما ترصد القصيدة الثانية «السيدة الميتة» مشهد امرأة تجمدت فوق الثلج إلى حد الموت على الحدود بين إيران وتركيا، وهي تصرخ «أعدني يا رب - أعدْ أطفالي - وليأخذني (جند الله) ضمن سباياهم - الموت هنا... الموت هناك - والرحلة بينهما موت أقسى».
أما القصيدة الثالثة «وفق رويترز» فتصور بحسب التذييل المرافق للعنوان - مشهد رضيع، أعطاه والده لجندي في مطار حامد كرازي ضمن فوضى انسحاب الأميركان، مشيراً في آخر النص وكنوع من التوثيق: «حتى اليوم في 14 يناير (كانون الثاني) عام 2022 لم يلتئم شمل عائلة الطفل الرضيع في أميركا».
من أجواء هذه القصيدة نقرأ:
«نحن ثلاثةُ أفغانٍ متلاشينَ
ثلاثةُ أجسادٍ ساخنةٍ سقطتْ
مثل التمرِ العطنِ
ولم تلقفها الأرضُ
ثلاثةُ أرواحٍ فارغةٍ
علقتْ في طائرة الشحن.
***
الطائرة زوجة أبٍّ قاسيةٌ
والشجرة أمٌ نتعلّق في رقبتها
حتى لا تخطفنا الريحُ
ولا تأخذنا الأرضُ
ولا يفتتنا العشبُ الأخضرُ
نسقطُ
أو نتحطّمُ
لكنا نبقى أبناءَ صنوبرةٍ تبكي».
لا تبتعد هذه اللقطات الثلاث بزخمها الواقعي ومشهديتها المأساوية عن مناخ معظم قصائد الديوان، فرمزية الشجرة وما تحيل إليه من مفارقة ضدية، في مقابل واقعية مشهد طائرة «البوينج»، تتناسل في القصيدة الأخيرة «تقرير من الكهف»، التي تشكل مرثية لإنسان هذا العصر، المشتت ما بين واقع مليء بالكوارث والمحن والحروب، وغد أصبح يتنكر لماضيه ولا يثق فيه. وما من طريق سوى أن يعود هذا الإنسان إلى صورته الأولى الفطرية في الكهف... أسئلة كثيرة خصبة ومدهشة يطرحها هذا الديوان، بمحبة للشعر وللحياة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
TT

مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)

أكدت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، أن الوزارة بصدد تنفيذ استراتيجية متعددة الأبعاد لنشر الثقافة والوعي والفنون والاحتفاء بالرموز الوطنية وبالمبدعين المصريين في كل أنحاء العالم.

وقالت خلال لقائها، رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، الاثنين، إن من ضمن خطة الوزارة أنه سيتم إطلاق منصة موحدة لمتاحف رموز الدولة المصرية؛ للتعريف بمسيرة تلك الرموز عبر أشكال رقمية لافتة، مثل «الريلز» وغيرها من داخل تلك المتاحف، بشكل رقمي جاذب للأجيال المُستهدفة، بالإضافة إلى تنظيم رحلات للمدارس والجامعات إلى تلك المتاحف لربط الأجيال بالرموز الوطنية، والترويج لزيارتها من خلال برامج مع وزارة السياحة، وتنفيذ برامج أخرى لتسويق التراث الوطني.

ومن المتاحف التي تخص رموزاً وطنية في مجالات شتى وتابعة لوزارة الثقافة، متحف سعد زغلول «المركز الثقافي بيت الأمة» ومتحف «رامتان» منزل «عميد الأدب العربي» طه حسين، ومتحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» ومتحف محمود مختار، ومتحف أم كلثوم ومتحف محمد عبد الوهاب.

وترتكز خطة الوزارة خلال الفترة المقبلة على ثلاثة أبعاد، هي «البعد الاجتماعي» ويستهدف تحقيق العدالة الثقافية وضمان الثقافة بصفتها حقاً للجميع، ثم «البعد الوطني»، ويسعى لضمان الأمن الثقافي عبر حماية الهوية والوعي، وأخيراً «البعد الحضاري»، ويرمي إلى تمكين المبدعين ونشر الإبداع في مصر، وفق بيان لرئاسة الوزراء، الاثنين.

ويستند البعد الاجتماعي إلى إرساء مبدأ العدالة الثقافية، وأكدت الوزيرة أنه من المخطط البدء الفوري في تطوير 30 قصر ثقافة في محافظات عدة، وذلك مرحلة أولى خلال 12 شهراً، وفق خطة تستهدف رفع جودة الخدمات الثقافية المُقدمة في القصور المطورة وزيادة إقبال المواطنين عليها.

وزيرة الثقافة خلال عرض خطة عمل الوزارة بمجلس الوزراء (رئاسة مجلس الوزراء)

بينما يهدف البعد الوطني إلى إنشاء برنامج متخصص لجيلَي «زد وألفا» يجمع بين التكنولوجيا والتراث المصري عبر تطبيقات تفاعلية وألعاب تعليمية ورحلات ثقافية، مع دمج المحتوى الثقافي المصري الأصيل في مناهج التعليم الأساسي لجميع المراحل لتعريف الأجيال بهويتهم وتراثهم.

ويتخذ البعد الحضاري شعار «مصر تبدع للعالم»، ويستهدف الاحتفاء بالمبدعين المصريين في كل مجالات الفنون والثقافة في أنحاء العالم، من خلال إنشاء استوديو مصر الرقمي ليكون مركز إنتاج رقمي متكاملاً لإنتاج محتوى مصري عالي المستوى يحكي قصة مصر للعالم بلغة العصر، بالإضافة إلى إنشاء برنامج التصدير الثقافي المصري، وبناء شراكة بين متاحف مصر الفنية وعواصم العالم لعرض قطع فنية للتعريف بالفنون المصرية والمبدعين المصريين.

وعرضت وزيرة الثقافة آليات تنفيذ محاور العمل المُستهدفة، سعياً لبناء منظومة ثقافية متكاملة، مشيرة إلى أن محور «الرقمنة» يشغل اهتماماً كبيراً ضمن أجندة عمل الوزارة، حيث تعدّه عصب منظومة الثقافة المصرية، وأنه لم يعد اختياراً، حيث تستهدف «الثقافة» بناء المنصة الثقافية الموحدة منصةً واحدة تجمع كل المبادرات الثقافية المصرية، مع السعي للوصول إلى عدد أكبر من المستفيدين لتحقيق الأهداف المرجوة.


مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
TT

مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)

ضمن ديكورات تتنقّل مشاهدها بين ثلاثة فضاءات مختلفة، تدور أحداث مسرحية «كذبة بيضا» (Mensonge blanc)، من تأليف ألكسندر نجار، وإخراج لينا أبيض، وبطولة أنطوني توما. تتوزّع هذه الفضاءات بين منزل عائلي، وثكنة لمقاتلين في ميليشيا، وخطوط تماس تفصل بين مناطق المدينة الواحدة، لتشكّل مشهداً بصرياً درامياً يعكس انقسام الشخصيات وتقلّباتها الداخلية.

مسرحية «كذبة بيضا» على مسرح مونو (الفنانة جوزيان بولس)

يبدأ عرض المسرحية في 5 مارس (آذار) على خشبة «مونو» في بيروت، وتروي حكاية شاب لبناني أراد الالتحاق بميليشيا مسلَّحة أسوة بأصدقائه، فيقرّر أهله إرساله إلى اسكوتلندا لإبعاده عن أجواء الحرب الأهلية في السبعينات.

يوصل الأهل ابنهم إلى مطار بيروت مطمئنين إلى أنه متجه نحو بلد ينعم بالسلام، لكن الشاب يعود سريعاً لينخرط مع أصدقائه في ثكنة للمقاتلين في منطقة السوديكو، ويخوض تجربة قاسية تستمر 6 أشهر تترك أثرها في مسيرته الحياتية.

وتوضح المخرجة لينا أبيض لـ«الشرق الأوسط» أن القصة حقيقية وصلت إلى مسامع المؤلف ألكسندر نجار، فتأثر بها وكتبها، مشيرة إلى أن الوجهة الأصلية للشاب كانت رومانيا، ومنها ولدت فكرة العمل في استعادة لحقبة عاشها اللبنانيون.

تدور المسرحية في حقبة الحرب الأهلية في السبعينات (الفنانة جوزيان بولس)

يشارك في المسرحية، إلى جانب أنطوني توما، 9 ممثلين منهم جو أبي عاد، وجلال الشعر، وغاييل عايلة، وجاك مارون، وعلي بليبل، وجوزيان بولس. وتُقدَّم باللغتين العربية والفرنسية، في انعكاس لأسلوب اللبنانيين في المزج بينهما، مع ترجمة متبادلة للحوار تُعرض على شاشة عملاقة أثناء العرض.

وعن سبب التسمية، تشرح لينا أن الشاب حين عاد إلى بيروت مخالفاً قرار أهله، بدأ يتساءل إن كان قد ارتكب خطأً وكذب عليهم، قبل أن تصف ممرضة فرنسية في الثكنة ما فعله بأنه «كذبة بيضاء»، وهو ما يفتح باباً لصراع داخلي وأسئلة وجودية.

تحمل المسرحية أبعاداً سياسية واجتماعية وفلسفية، وتطرح موضوع العلاقة بين الأهل والأبناء وفرض القرارات عليهم. وتستطرد لينا أبيض قائلة: «كان الشاب يحلم باحتراف الغناء، بينما أراد والده له مساراً مهنياً مختلفاً، رافضاً دخوله المجال الفني». وتشير لينا إلى أن العمل، رغم استعادته أحداث منتصف السبعينات، فإنه يعكس واقعاً لا تزال آثاره حاضرة اليوم، حيث تستمر التعقيدات السياسية وتبعات الحرب في حياة اللبنانيين.

وتؤكد أن الفكرة الأساسية تتمحور حول العلاقة بين الأجيال، وكيف يرث الأبناء أفكار ذويهم من دون مساحة كافية للاختيار أو الاعتراض، في دوامة تتكرر من جيل إلى آخر.

يتضمن العرض عناصر فنية متعددة، بينها الغناء، والموسيقى، وديكورات ذات حضور بصري لافت، إذ يؤدي أنطوني توما عدداً من الأغنيات، محققاً رمزياً حلم الشخصية التي حُرمت من ممارسة شغفها الفني.

الفنان أنطوني توما بطل العمل (الفنانة جوزيان بولس)

وترى لينا أن كل مشاهد سيتلقى العمل من زاويته الخاصة؛ فقد يدرك الأهل أخطاءهم، بينما يكتشف الشباب أهمية اتخاذ قراراتهم بأنفسهم، مؤكدة أن المسرحية تسعى إلى تعزيز التفاهم بين الأجيال من دون إصدار أحكام أو توجيه نقد مباشر.

كما يضم العمل ممثلين من أعمار مختلفة، من العشرينات حتى الستينات، لتقديم نماذج تمثِّل أجيالاً متعددة، مما يضفي على العرض نضجاً فنياً وإنسانياً. ويستغرق عرض المسرحية نحو ساعة، وهي، بحسب مخرجتها، «مسلية وفلسفية في آن واحد».


وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
TT

وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)

قالت الممثلة المصرية وفاء عامر، إن مسلسل «الست موناليزا» منذ حلقاته الأولى لم يكن يعتمد على الصدمات السريعة أو المفاجآت، بقدر ما كان يبني توتره بهدوء وثقة، عبر تفاصيل صغيرة تتراكم تدريجياً حتى تصل إلى لحظة فارقة تغيّر مسار الحكاية بالكامل، مؤكدة أن هذا النفس الدرامي الطويل هو ما جذبها إلى العمل وجعلها تتحمس للمشاركة فيه؛ لأنها شعرت بأن النص يراهن على وعي المشاهد وصبره، وليس على إبهاره اللحظي فقط.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن التحولات التي شهدتها شخصية «عفاف» في الحلقات التي أُذيعت لم تكن انقلاباً مفاجئاً أو تغييراً مصطنعاً لخلق الإثارة، بل نتيجة طبيعية لمسار درامي محسوب بدقة شديدة، موضحة أنها حين قرأت السيناريو أدركت أن الشخصية ستسير في هذا الاتجاه، حتى وإن ظهر في البداية أنها امرأة بسيطة، حنونة، قريبة من الجميع، تحمل ملامح الطيبة والتلقائية.

وأشارت إلى أن هذا الهدوء الظاهري كان يخفي خلفه طبقات أعمق، وأن «عفاف» منذ ظهورها الأول كانت تحمل بذور تحوّلها، لكن هذه البذور احتاجت وقتاً كي تنبت أمام أعين الجمهور، وهو ما حدث في أحدث الحلقات.

ويدور العمل حول شخصية «موناليزا» التي تجسدها مي عمر، والتي تعاني من زواج فاشل مرتبط بشروط صعبة، وتمر بسلسلة من المواقف المعقدة مع شخصيات متنوعة في محيط العائلة والأصدقاء، وبعد الانفصال تحاول إعادة بناء ذاتها.

وتتوقف وفاء عند فكرة أن «الدراما لا تقدم أسوأ ما في المجتمع» كما يظن البعض، بل تسلط الضوء على مناطق مسكوت عنها، معتبرة أن وظيفة الفن هي التنبيه، لا الإدانة فقط. فحين تعرض الدراما بوادر أزمة أو أعراض خلل نفسي أو اجتماعي، فإنها تمنح المشاهد فرصة للفهم والانتباه، وربما التصحيح.

راهنت وفاء عامر على تأثير دورها في الأحداث (صفحتها على «فيسبوك»)

وتؤكد أن شخصية «عفاف» تنتمي إلى هذا النوع من الشخصيات المركبة، التي تحمل داخلها صراعات لا يراها المحيطون بها بسهولة، لافتة إلى أنها تناقشت مع المؤلف والمخرج في الكثير من التفاصيل حول خلفياتها وطريقة التعامل معها.

وأوضحت أن أكثر ما أسعدها بعد عرض الحلقات هو أن عدداً كبيراً من المشاهدين عادوا إلى الحلقات الأولى ليتأملوا التفاصيل من جديد، فاكتشفوا أن الإشارات كانت موجودة منذ البداية، سواء في نظرة عابرة، أو جملة قصيرة بدت عادية في سياقها، لكنها حملت دلالة مختلفة بعد اكتمال الصورة.

وأكدت أن تعاونها مع المؤلف محمد سيد بشير كان سبباً أساسياً في حماسها للتجربة؛ لكونه كاتباً يؤمن بالشخصيات التي لا تُختصر في صفة واحدة، ولا يُحكم عليها من مشهد أو موقف، لافتة إلى أنه يجيد توزيع المفاجآت على امتداد الحلقات، بحيث لا يشعر المشاهد بقطيعة مفاجئة في تطور الشخصية.

أما عن تعاونها مع مي عمر، فأكدت أنها وجدت فيها ممثلة مجتهدة تحب عملها بصدق وتسعى دائماً إلى تطوير أدواتها، لافتة إلى أنها تواصلت معها فور قراءة السيناريو لتعبّر عن إعجابها بالشخصية التي تقدمها، وشعورها بأنها تناسبها للغاية، مشيرة إلى أن العلاقة بينهما على المستوى الإنساني انعكست بشكل واضح على الشاشة.

وقالت إن «الكيمياء بين الممثلين لا تُصنع فقط أمام الكاميرا، بل تبدأ من الاحترام المتبادل والثقة، وهو ما شعرت به منذ الأيام الأولى للتصوير»، معتبرة أن هذا التفاهم ساعدهما على تقديم مشاهد تعتمد على شدّ نفسي وتوتر داخلي أكثر من اعتمادها على المواجهات الصريحة.

وعلّقت على ما يُثار أحياناً عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن مي عمر، معتبرة أن «الجدل في حد ذاته دليل حضور وتأثير، وأن الفنان الذي لا يُثار حوله نقاش قد يكون بعيداً عن دائرة الضوء، في حين أن الجدل يعكس اهتمام الجمهور وترقبه، لكن الأهم في النهاية هو الاستمرار في العمل والاجتهاد وتقديم اختيارات متنوعة»، ومؤكدة أنها على المستوى الشخصي تحب متابعة أعمال مي عمر وتشاهدها كممثلة قبل أن تكون زميلة.

وفاء عامر تحدثت عن دورها في «الست موناليزا» (صفحتها على «فيسبوك»)

وتطرقت وفاء عامر إلى فكرة التنقل بين البطولة المطلقة والأدوار الرئيسية داخل الأعمال الفنية، معتبرة أن هذا الأمر بالنسبة لها مرتبط بالاختيارات الفنية وليس بحسابات المساحة أو عدد المشاهد.

وقالت: «لا أنظر إلى حجم الدور بقدر ما أنظر إلى تأثيره في البناء الكلي للعمل»، مشيرة إلى أن الشخصية التي تُحدث تحولاً في مسار الحكاية قد تكون أكثر أهمية من شخصية حاضرة في كل المشاهد بلا تأثير حقيقي.

وأشارت إلى أن هذا المفهوم يتجلى بوضوح في «الست موناليزا»؛ فشخصية «عفاف» رغم أنها ليست محور الحكاية الوحيد، فإن وجودها كان عنصراً مفصلياً في تغيير مسار العلاقات والصراعات بين الشخصيات. فبمجرد انكشاف دوافعها الحقيقية، أعادت ترتيب موازين القوى داخل العمل، ودفعت شخصيات أخرى إلى اتخاذ قرارات مصيرية، وهو ما تعتبره جوهر البطولة من وجهة نظرها.

وأضافت أن الفنان الحقيقي يجب أن يملك شجاعة التنقل بين المساحات المختلفة؛ لأن البطولة في رأيها ليست لقباً ثابتاً يُعلّق على «الأفيش»، بل حالة درامية تتحقق حين تكون الشخصية مكتوبة بعمق ومؤثرة في مجرى الأحداث. وأكدت أن هذا الوعي بات يحكم اختياراتها في السنوات الأخيرة؛ إذ تسعى إلى أدوار تضيف إلى رصيدها مناطق جديدة وتكشف جوانب لم تقدمها من قبل، بدلاً من تكرار أنماط نجحت سابقاً، لكنها لم تعد تشبع طموحها الفني.

وفي الختام عدّت وفاء عامر مسلسل «الست موناليزا» تجربة تعتز بها، ليس فقط بسبب ردود الفعل الإيجابية التي تلقتها؛ بل لأن شخصية «عفاف» منحتها مساحة تمثيلية ثرية، جمعت بين الهدوء الظاهري والعاصفة الداخلية.