مساءلة التناقض واللعب عليه شعريّاً

عبد الرحمن مقلد في ديوانه «بوينج سي 17 ليست شجرة»

مساءلة التناقض واللعب عليه شعريّاً
TT

مساءلة التناقض واللعب عليه شعريّاً

مساءلة التناقض واللعب عليه شعريّاً

بباقة من الإهداءات إلى الأم وبعض الأصدقاء، تردفها ومضتان شعريتان دالتان للشاعرين الفرنسيين لوتريامون، وبودلير، تركز الومضة الأولى على صورة البشر ضيقي الأكتاف، الذين تحولوا إلى مجرد أشباه لأرواحهم، بينما تركز الثانية على صورة الأرض القاسية، التي أصبحت بمثابة مجهول تخبّ عليه الأقدام الدامية العارية، يستدرج الشاعر عبد الرحمن مقلد قارئه للدخول إلى أجواء ديوانه «بوينج سي17 ليست شجرة» الصادر حديثاً عن دار المثقف بالقاهرة.
يقع الديوان في 130 صفحة، ويشير عنوانه إلى مشهد الانسحاب الأميركي من أفغانستان، واستيلاء «طالبان» على السلطة، والفوضى العارمة التي وقعت في مطار كابول، حتى إن البعض تسلق ذيل الطائرة أملاً في الفرار، ويضعنا عبر 19 قصيدة أمام ذات شعرية قلقة، تراقب العالم بخوف وحذر، وتقيم تماثلاتها معه من منظور متوتر، يسائل الشاعر من خلاله أبرز الأساطير التي شكلت إرث العالم روحياً وأخلاقياً، واختلط فيها الكذب بالحقيقة، ومنها أسطورة سيزيف وصخرته التي ارتبطت بفكرة العذاب الأبدي، وفي ظلالها ينسج الديوان حزمة من المراثي الموجعة لبشر خانتهم إرادة التشبث بالحياة والأمل في أن تكون أكثر عدلاً ونقاء.
يقول الشاعر في قصيدة: «مصالحة السماء والاعتذار للصخرة» (سيزيف يروي الرواية المضادة) مستهلاً بها الديوان، ويهديها «إلى كل أب»:
«صنعتُ بذاتي مصيري
كما أتشهَّى
تزوَّجتُ من أتعلقُ في صدرها كالرضيعِ
وأصرخُ في الحبِّ حتى يراني أخيراً
أمارسه دون خوفٍ ولا خجلٍ
حين كنت صغيراً أصبتُ به
في منامي على صخرة بالعراءِ
غشيتُ من الشمس
عشتُ مريضاً
ولم أشفَ من غربتي»
تمتد القصيدة على مدار 5 صفحات، وتستثمر تفعيلة بحر «المتقارب»، لما تكتنزه من توتر درامي، وشحنة صوتية تعكس طوايا الذات، كما يبرز جدل الصعود والهبوط، ما بين السفح والقمة، وهو جدل خافت، يومض في تضاعيفها، بينما يعلو صوت سيزيف جائراً بالشكوى والتوجع والإذعان: «لم أكُ لصّاً ولا شاعراً، ولم أكُ فظّاً، ولا بهلواناً ولا تاجراً، ولم أخن الرَّب». لقد صنع سيزيف مأزقه بنفسه حين سخر من بعض الآلهة، كما هو معروف في الميثولوجيا الإغريقية، ثم إن الأسطورة وترويض الصخرة في رحلة الصعود والهبوط التي لا تنتهي تحولاً إلى شكل من أشكال اللعب مع الحرية، حرية أن تكون أو لا تكون. ورغم أن القصيدة تؤكد على لسان سيزيف أنه صانع مصيره، فإنها لم تلتفت إلى هذا اللعب في دلالته الأبعد، وأن ما يضمره من عبث وجودي هو ظل لحقيقة هاربة. فتحولت الصخرة صانعة اللعب إلى مجرد أداة صامتة، في حوارية أحادية الصوت والمعنى والدلالة، لا تملك سوى أن تجتر نفسها. ناهيك عن أن الأسطورة نفسها لا تخرج عن فكرة الثواب والعقاب، وليست رمزاً لسلطة أبوية مطلقة، ممتدة في جسد الزمان والمكان، حتى يمكن إهداؤها لكل أب، ولو على سبيل المجاز.
على ضوء هذا، تبرز ثنائية المع والضد كمعول أساس يستند عليه عالم الرؤية في الديوان، بخاصة حين يغيم الخط الفاصل بينهما، متحولاً إلى خط وهمي كاذب، فلا حلم يبقى أو يصمد، بل لا شيء سوى المراوغة والإذعان والتواطؤ ضد الذات والماضي والحاضر والغد. في هذه المسافة المعتمة الشائكة، يصبح مشهد العالم كما تلتقطه القصائد مجرد رتوش جوفاء لتزيين الصورة والإطار، باسم قيم ومعتقدات وأفكار، تتشدق بالحق الإنساني في الحياة، لكنها تخفي تحت قشرتها البراقة ما يذبح هذا الحق، ويسلبه إرادة التشبث بالحياة نفسها.
يعي الشاعر ذلك، وأن مساحة الفراغ الرخوة في هوامش هذا الخط، يمكن التحايل عليها شعرياً، فهي ملعب مفتوح، يمكن للعب داخله أن يشكل نوعاً من الحصانة والحماية للذات، بخاصة حين تضيق الرؤية وتضطرب القيم والمعايير، ولا تقيم وزناً لكل ما هو إنساني، وهو ما يطالعنا في قصيدته «ذئبة وول ستريت» المهداة إلى كريستين لاغارد، الرئيسة السابقة لصندوق النقد الدولي، مديرة البنك المركزي الأوروبي. القصيدة مشرّبة بمسحة من السخرية، ومع ذلك تتغنى بهذه المرأة، إلى حد الافتتان بأقراطها ونمشها وشاماتها وسحرها، وفي مقابل نبرة الغفران والتسامح التي تعلو في النص، تصبح الإدانة الساخرة مجرد وخزة عابرة لامرأة تصفها القصيدة بـ«الأيقونة العظمى». وتشبه عينيها بعيني ميدوزا، المرأة الجميلة التي تحولت بحسب الأسطورة الإغريقية إلى امرأة، الثعابين التي تتدلى من خصلات شعرها، وحين تصوب عينيها إلى إنسان تحيله إلى كومة من الحجارة.
يقول الشاعر في القصيدة (ص 34 - 35 - 36):
«أراك يا أيقونتي العظمى
لاجارد
أراك أبعدَ من حساب الربحِ
لا نذيرةَ ذلك الموتِ المدجج في حماسك
غيرَ دائسةٍ على أعناق مليارين
من أبناء هذا الكونِ
***
من 90 في مائةٍ من الأحياءِ
تجمعنا هنالك هدنةٌ
لأحرِّرَ الذئبَ المقيدَ في نسيجك
أدركُ الغجريَّ خلف التل
إني أحبك غير واعدةٍ بشيء
غير ناصبةٍ فخاخك
غير ضاربة بمخلبك القوي
ولا أحبك حين تتحدثين عن (النظام العالمي)
أحب فوضاك الخبيئة
أن أجيئك مثل لص زاحفٍ أو مستريباً
***
لا أراك وأنت تقترحين نصلك في صدور المتعبين
وإنما أرتاح في عينيك إن أغلفتِ هذا الضرام
إن سهوتِ ولم تكيلي الوعدَ
ثم الوعد للجوعى والأمم الفقيرة
إن خلعت عيون ميدوزا
وإن أشعلت عينيك اللتين تسافران إلى بعيد».
يلعب الشاعر على حبال التناقض وعلائقها الضدية الشرهة، منحازاً في ظلالها إلى الجمال في صورة الأنثى، بصرف النظر عما يتخفى في الصورة من خداع مهلك. فهو مع العالم وضده، ويعبر عن موقفه منه بشكل واضح ومباشر، معه حين يكون عادلاً وإنسانياً، وضده حين يتحول إلى غابة خانقة، البقاء فيها للأقوى صاحب النفوذ والجاه... لا تختلف هذه المعادلة الخطرة مع «ذئبة وول ستريت»، إنه معها حين تلقي بقناعها السلطوي الفتاك خارج ملعب السلطة، وضدها حين يصبح سلاحاً لإذلال الشعوب الفقيرة، ما يجعل الفرار من أوطانها بمثابة طوق نجاة من إقامة مضطربة، محاصرة ومهددة دوماً بالموت والجوع.
في خضم هذا الهم، وبثلاث قصائد مكثفة ينفتح الديوان على المأساة الأفغانية، تبرز القصائد الاهتمام بروح المشهد ولغة الصورة الحية ابنة اللقطة الطازجة وما تنطوي خلفها من أبعاد إنسانية. ويلجأ الشاعر إلى بنية المقاطع الشعرية، المتصلة - المنفصلة، كما ينفض الإيقاع عن كاهله الضرورات العروضية السمجة، وينفتح بحيوية على زوايا متخيلة للمشهد ومأساويته المعلقة ما بين الأرض والسماء.
تصور القصيدة الأولى، وهي بعنوان «أبناء صنوبرة» – مشهد 3 أفغان سقطوا من طائرة الشحن الأميركية وهي في السماء، بينما ترصد القصيدة الثانية «السيدة الميتة» مشهد امرأة تجمدت فوق الثلج إلى حد الموت على الحدود بين إيران وتركيا، وهي تصرخ «أعدني يا رب - أعدْ أطفالي - وليأخذني (جند الله) ضمن سباياهم - الموت هنا... الموت هناك - والرحلة بينهما موت أقسى».
أما القصيدة الثالثة «وفق رويترز» فتصور بحسب التذييل المرافق للعنوان - مشهد رضيع، أعطاه والده لجندي في مطار حامد كرازي ضمن فوضى انسحاب الأميركان، مشيراً في آخر النص وكنوع من التوثيق: «حتى اليوم في 14 يناير (كانون الثاني) عام 2022 لم يلتئم شمل عائلة الطفل الرضيع في أميركا».
من أجواء هذه القصيدة نقرأ:
«نحن ثلاثةُ أفغانٍ متلاشينَ
ثلاثةُ أجسادٍ ساخنةٍ سقطتْ
مثل التمرِ العطنِ
ولم تلقفها الأرضُ
ثلاثةُ أرواحٍ فارغةٍ
علقتْ في طائرة الشحن.
***
الطائرة زوجة أبٍّ قاسيةٌ
والشجرة أمٌ نتعلّق في رقبتها
حتى لا تخطفنا الريحُ
ولا تأخذنا الأرضُ
ولا يفتتنا العشبُ الأخضرُ
نسقطُ
أو نتحطّمُ
لكنا نبقى أبناءَ صنوبرةٍ تبكي».
لا تبتعد هذه اللقطات الثلاث بزخمها الواقعي ومشهديتها المأساوية عن مناخ معظم قصائد الديوان، فرمزية الشجرة وما تحيل إليه من مفارقة ضدية، في مقابل واقعية مشهد طائرة «البوينج»، تتناسل في القصيدة الأخيرة «تقرير من الكهف»، التي تشكل مرثية لإنسان هذا العصر، المشتت ما بين واقع مليء بالكوارث والمحن والحروب، وغد أصبح يتنكر لماضيه ولا يثق فيه. وما من طريق سوى أن يعود هذا الإنسان إلى صورته الأولى الفطرية في الكهف... أسئلة كثيرة خصبة ومدهشة يطرحها هذا الديوان، بمحبة للشعر وللحياة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«الشقيقات كيم» أو جدَّات الـ«كي بوب»... وُلِدن من رحم الجوع والحرب وأذهلن أميركا الستِّينات

الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)
الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)
TT

«الشقيقات كيم» أو جدَّات الـ«كي بوب»... وُلِدن من رحم الجوع والحرب وأذهلن أميركا الستِّينات

الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)
الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)

كان دخول الدراما الكورية وموسيقى الـK-Pop (كي بوب) إلى قلوب الناس حول العالم سريعاً. سبقَ التبنّي الجماهيري لتلك المسلسلات والأغاني الناطقة بلغةٍ غير مفهومة، اعترافَ المحافل الفنية العالمية بالصناعة الترفيهية الكورية الجنوبية.

لكن خلال السنوات القليلة الماضية، توالت الإنجازات الدرامية والموسيقية الكورية على منابر عريقة مثل حفلَي جوائز «إيمي» و«غرامي». من فريق BTS الغنائي المحبوب، مروراً بمسلسل «لعبة الحبّار Squid Game»، وليس انتهاءً بفيلم «فرقة البوب الكورية: صائدات الشياطين K-Pop Demon Hunters».

K-Pop Demon Hunters أحدث إنجازات الآلة الترفيهية الكورية (نتفليكس)

الـ«كي بوب» إلى الأوسكار

هذا الفيلم الذي أنتجته منصة «نتفليكس» وحقق أرقاماً مليونيّة عليها، يتّجه صوب الأوسكار منافساً على جائزتَين: أفضل فيلم رسوم متحركة وأفضل أغنية. وإذا جاءت الجائزتان أو إحداهما من نصيب الفيلم، فإنه سيحقق بذلك إنجازاً تاريخياً للبوب الكوري في هوليوود.

كل الذين تبنّوا الموسيقى الكورية أو أيّ محتوى ترفيهي آتٍ من سيول، وهُم بمعظمهم من «الجيل زد»، يظنّون أنّ تلك الظاهرة حديثة العهد. لكن فيلم «صائدات الشياطين» حَرص في مقدّمته على التذكير بأنّ لهذا الفنّ رائدات مؤسِّسات. في مشهدٍ افتتاحيّ يرجع الفيلم 65 سنة إلى الوراء، ليقدّم تحية مصوّرة إلى فريق «الشقيقات كيم The Kim Sisters».

إعدامات ولجوء وجوع

ألهمَت تلك الفتيات الثلاث أجيالاً من مغنّي البوب الكوري، بمَن فيهم البطلات الافتراضيات لفيلم «صائدات الشياطين». فمَن هنّ «الشقيقات كيم» اللواتي أسّسن البوب الكوري وصدّرنه إلى العالم، قبل حتى أن يصير اسمه K-Pop؟ وكيف تحوَّلت حكايةُ القهر التي طلعن منها إلى قصة مجدٍ على الأراضي الأميركية؟

بدأ كل شيء في مطلع خمسينيات القرن الماضي، بينما كان الاجتياح الكوري الشمالي يعصف بكوريا الجنوبية. وجدت المغنّية الشهيرة لي نان يونغ نفسها بلا مالٍ ولا مأوىً، بعد إعدام زوجها المايسترو كيم ها سونغ على أيدي قوات كوريا الشمالية. لم تكن يونغ بمفردها، بل كانت مسؤولة عن أولادها السبعة، ومن بينهم ابنتَاها سو وآيجا، وابنة عمّهما ميا التي توفّي والدُها الموسيقيّ هو الآخر فتبنّتها يونغ.

في المخزن الذي لجأت إليه بعد أن أحرق الشماليون بيتها، عاشت يونغ وأولادها في مساحة ضيّقة مع 22 شخصاً لا تربطها بهم أي صِلة. أمضوا أياماً من دون طعام وتشاركوا الحمّام ذاته مع اللاجئين الآخرين، وفق ما توثّق سو كيم في حوار مع منصة «هيستوري». بقيت الأوضاع على حالها إلى أن حلّ يونيو (حزيران) 1950 وجلبَ معه الجيش الأميركي إلى سيول، بعد أن انضمّت واشنطن إلى الحرب الكورية مسانِدةً الجنوبيين.

الشقيقات كيم كما ظهرن في فيلم K-Pop Demon Hunters (يوتيوب)

سو وآيجا وميا يغنّين للمارينز

وجدت يونغ الخلاص في «المارينز» فاسترجعت صوتها وبدأت بإقامة الحفلات في المخيّمات العسكرية الأميركية. سرعان ما جلبَ ذلك طعاماً إلى المائدة وسدّ جوع الأولاد، فالجنود كانوا يقدّمون لها صناديق المشروبات الكحولية بدلاً عن أتعابها فتستبدلها بالأرزّ والمواد الغذائية في السوق السوداء.

من السوق السوداء، أحضرت يونغ كذلك أسطوانات لأغانٍ أميركية معروفة. من بين الأولاد انتقت سو وآيجا وميا لتدرّبهنّ على حفظ تلك الأغاني من دون أي معرفةٍ للّغة الإنجليزية. وهي أيضاً لم تكن تنطق بتلك اللغة. كانت الفتيات حينها بين الـ8 والـ9 من العمر، لكنّ ذلك لم يَحُل دون اعتلائهنّ الخشبة والغناء والعزف أمام الجنود.

الشقيقات سو وآيجا وميا كيم (إنستغرام)

المنتج الأميركي في كوريا من أجلهنّ

بآلاتهنّ الموسيقية المتعددة وأصواتهنّ البريئة، لفتن الأنظار والأسماع وأيقظن الحنين إلى الأرض رغم اللكنة الكورية في أداء الأغاني. كبرت الفتيات بين صفوف الجنود واحتكرن الترفيه الفنيّ عنهم، فاستحققنَ اسماً رسمياً عام 1953: The Kim Sisters أي «الشقيقات كيم».

استمرت الحال هذه حتى 1958 وكانت قد بلغت شعبية الأخوات الثلاث ذروتها بين الجنود، الذين خطّوا رسالة للمنتج الأميركي طوم بال مطالبين إياه بزيارة كوريا الجنوبية لمشاهدة عرضٍ للفرقة. لبّى بال الطلب، وكما جنود بلاده، أُعجب كثيراً بهنّ فقدّم لهنّ عقدَ عمل في الولايات المتحدة.

تميزت الشقيقات كيم في الغناء والعزف على آلات متعددة (إنستغرام)

من لاس فيغاس إلى التلفزيون

تأخّر الحصول على فيزا لكن بحلول 1959، حطّت الشقيقات كيم رحالهنّ في لاس فيغاس. بدأت هناك رحلة الغناء في الفنادق من دون أي ضمانات لناحية الحصول على إجماع الحاضرين. فالجنود الأميركيون في كوريا الجنوبية تعلّقوا بهنّ لأنهن جلبن إليهم نفحةً من هواء الوطن، لكنّ التحدّي في لاس فيغاس كان التميّز بين عشرات الفنانين الأميركيين والعالميين الذين لا يتعثّرون في اللغة الإنجليزية.

لم تكن المهمة صعبة، إذ أسرت الفتيات قلوب الجماهير، وسرعان ما انتقلن من فنادق لاس فيغاس وقاعات الرقص فيها، إلى شاشات التلفزة الأميركية. ظهرن في 22 حلقة من «برنامج إد سوليفان» والذي كان يُعدّ الأكثر جماهيريةً حينذاك. بالزيّ التقليديّ الكوريّ أو الـ«هانبوك»، كرّرن الإطلالات التلفزيونية إلى أن بتنَ وجوهاً وأصواتاً معروفة على امتداد الولايات الأميركية.

قصة نجاح أو دعاية سياسية؟

غير أنّ الرحلةَ لم تَخلُ من الصعوبات، فالشقيقات كيم واجهنَ العنصريّة حيال العرق الآسيويّ والنظرة الدونيّة تجاه المرأة ذات البشرة الصفراء. مع ذلك، هنّ تصدّرن أغلفة أهمّ المجلّات كـ«نيوزويك» و«لايف»، وأصدرن ألبومهنّ الأول عام 1963 ليصبحن بذلك أول فريق آسيوي ينتج الموسيقى داخل الأراضي الأميركية.

كانت المنفعةُ متبادلة، فمع تراجع الدعم الشعبي الأميركي للحرب الكورية، جرى استخدام قصة نجاح الشقيقات كيم كبروباغندا أو دعاية سياسية ساعدت في تبرير القرار الأميركي بالدفاع عن كوريا الجنوبية. كما شكّلن الدليل القاطع على أنّ تحقيق «الحلم الأميركي» ليس مستحيلاً، مما أدّى إلى نشوء ظواهر مشابهة في سيول من دون أن تحقّق النجاح ذاته.

الشقيقات كيم على غلاف مجلة «لايف» عام 1960 (إنستغرام)

جدّات الكي بوب

في حوارها مع «هيستوري» عام 2019، أي بعد 44 سنة على اعتزال الفريق، تقول سو كيم إنها «متأكدة من أن الشقيقات كيم مهّدن الطريق أمام نجوم الـK-Pop الحاليين».

صحيح أنّ الموسيقى الكورية المعاصرة لا تُشبه في شيء ما كانت الشقيقات يقدّمنه، غير أنّ ثمة نقاطاً مشتركة. تجتمع النسختان القديمة والجديدة على مسار المثابرة والقصة الملهمة التي يطلع منها الفنانون. كما أنّ المظهر الموحّد أساسي في الإطلالة. ليست الأصوات الجميلة مهمة بقَدر أهمية الصورة البرّاقة والقدرات الاستعراضية.

ليس مُستغرباً إذن أن تؤدّي بطلات «صائدات الشياطين» التحيّة لجدّاتهنّ «الشقيقات كيم»، وذلك نيابةً عن سائر نجوم الكي بوب الذين يغزون العالم بأغانيهم ورقصاتهم وألوانهم.


97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
TT

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)

بلغ إجمالي أعداد قاصدي وزوار الحرمين الشريفين 96 مليوناً و638 ألفاً و865 شخصاً خلال الفترة من 1 حتى 20 رمضان الحالي، الموافق من 18 فبراير (شباط) إلى 9 مارس (آذار) 2026.

وأوضحت «هيئة العناية بشؤون الحرمين الشريفين» أن هذه الإحصائية جاءت وفق مؤشرات تشغيلية تقيس إجمالي مرات الدخول للمصليات والعمرة، في مشهد يعكس المكانة الروحية والإيمانية للحرمين الشريفين، والإقبال الكبير من المسلمين لأداء العبادات في الشهر الفضيل.

وأفادت الهيئة بأن المسجد الحرام في مكة المكرمة استقبل 57 مليوناً و595 ألفاً و401 مصلٍّ أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، إضافةً إلى 15 مليوناً و605 آلاف و86 معتمراً.

وبيّنت أن المسجد النبوي في المدينة المنورة استقبل 21 مليوناً و143 ألفاً و259 مصلّياً أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، و579 ألفاً و191 في الروضة الشريفة، مضيفة أن عدد من قام بالسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه - رضي الله عنهما - بلغ مليوناً و715 ألفاً و928 زائراً.

وأكدت الهيئة أن هذه الأرقام تعكس الجاهزية التشغيلية العالية وتكامل منظومة الخدمات المقدمة لقاصدي الحرمين الشريفين خلال شهر رمضان، بما يضمن انسيابية الحركة وتهيئة بيئة تعبّدية آمنة.


حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
TT

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان الأبرز للسينما العربية بالدول الإسكندنافية، المقرر انطلاق فعالياته خلال الفترة من 10 إلى 16 أبريل (نيسان) المقبل.

وتشارك المخرجة السعودية شهد أمين بفيلمها «هجرة» في المسابقة الرسمية للمهرجان، وهو الفيلم الذي عرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «البندقية»، ونال لدى عرضه عربياً في مهرجان «البحر الأحمر» جائزة «فيلم العلا» لأفضل فيلم سعودي بتصويت الجمهور، بالإضافة إلى جائزة «لجنة التحكيم».

وتدور أحداثه حول حكاية جدة تسافر مع حفيدتَيها إلى مكة المكرمة عام 2001، في رحلة تتخلّلها مواقف إنسانية مؤثرة. وعندما تختفي الحفيدة الكبرى في ظروف غامضة، تبدأ رحلة البحث عنها برفقة الحفيدة الصغرى، وسط مزيج الألم والأمل.

أما مسابقة «الأفلام الوثائقية» فتشهد حضور المخرج علي سعيد بفيلمه «ضد السينما» الذي عرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، وهو العمل الذي يروي حكاية انطلاق السينما السعودية متتبعاً جيل أطفال الثمانينات الذين أحبوا السينما وتعلقوا بها.

الملصق الترويجي لفيلم «ضد السينما» (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم المحاولات الأولى لصناعة الأفلام والتحديات التي واجهتهم، مستعيناً بالأرشيف الصحافي ومانشيتات الصحف السعودية، ومن بينها مانشيتات صحيفة «الشرق الأوسط» موثقاً لمائة عام من رحلة السينما السعودية، منذ انطلق أول شريط تصوير للفرنسي «جو براش» في جدة.

بينما تحضر المخرجة السعودية سارة بالغنيم بفيلمها القصير «ارتزاز» الذي عرض في الدورة الماضية لمهرجان «البحر الأحمر»، وتدور أحداثه في الرياض من خلال أم تعاني إحباطاً من ابنتها، وتمارس الضغوط عليها حتى تخطط للزواج، وهو من بطولة ريم الحبيب ورند القصيبي.

ويشهد برنامج «ليالي عربية» عرض الفيلم السعودي «إسعاف» الذي يقوم ببطولته إبراهيم الحجاج مع بسمة داود ومحمد القحطاني، ومن إخراج كولين توج، وتتناول قصته شابين يعملان مسعفَين، الأول مستهتر والثاني جاد، وكلاهما يتورط مع مجرم يلاحق كلاً منهما بشكل مريب، فيحاولان الهرب منه، ولكن يقعان في ورطة طريفة عبر مواقف كوميدية متتالية.

فريق فيلم «إسعاف» مع المخرج كولين توج (الشركة المنتجة)

وتشهد المسابقة الرسمية للمهرجان في الأفلام الروائية الطويلة عرض أفلام شاركت غالبيتها في مهرجانات سينمائية عالمية، منها الفيلمان المصريان «كولونيا» للمخرج محمد صيام، و«القصص» للمخرج أبو بكر شوقي، بالإضافة إلى الفيلم المغربي «زنقة ملقا» الذي مثّل السينما المغربية في ترشيحات الأوسكار، بالإضافة إلى الفيلم الأردني «غرق» للمخرجة زين دريعي.

كما حضر في المسابقة الفيلم العراقي «إركالا: حلم كلكامش»، وفيلم «يونان» للمخرج أمير فخر الذي عرض العام الماضي في مهرجان «برلين السينمائي»، بالإضافة إلى الفيلم التونسي «وين ياخدنا الريح» للمخرجة آمال قلاتي، والفيلم الإماراتي «باب» للمخرجة نايلة الخاجة، بالإضافة إلى الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعبيس.

وكان المهرجان قد أعلن الشهر الماضي عن تكريم «رائد السينما السعودية» المخرج عبد الله المحيسن ليكون الشخصية المكرمة في النسخة الجديدة، مع عرض فيلمه «اغتيال مدينة» وتنظيم «ماستر كلاس» يناقش فيه تجربته السينمائية ورؤيته الفنية.

وأرجع الناقد السعودي أحمد العياد وجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان خلال النسخة المقبلة إلى الحضور المتزايد للسينما السعودية عالمياً، بما يعكس حالة التنوع التي باتت تتسم بها داخل المملكة، ما بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة إلى جانب الأفلام الوثائقية.

وأضاف العياد لـ«الشرق الأوسط» أن «الحراك السينمائي الذي تشهده السعودية في السنوات الأخيرة أسهم في لفت أنظار المهرجانات المعنية بالسينما العربية إلى التجارب السعودية الجديدة، وهو نشاط جعل كثيراً من تلك المهرجانات يحرص على إدراج أعمال سعودية ضمن برامجه المختلفة، لما وصلت إليه من مستوى فني ملحوظ وتنوع في الموضوعات والأساليب».

ولفت إلى أن مهرجان «مالمو للسينما العربية» يعدّ من أبرز المنصات التي تتابع هذا التطور عن قرب، مؤكداً أن حضور الأفلام السعودية في أكثر من مسابقة وبرنامج يعكس الاهتمام المتزايد بهذه التجربة السينمائية، ويمنح صناعها فرصة أوسع للتعريف بأعمالهم أمام جمهور أوروبي ومهنيين في صناعة السينما، مشيداً بإتاحة المهرجان عرض الأفلام السعودية في مدن إسكندنافية مختلفة على غرار ما حدث العام الماضي مع أفلام «فخر السويدي» و«نورة».