من بين عشرات الشركات التي تتنافس على عقود «البنتاغون» لتوريد الطائرات المسيرة الهجومية، تبرز شركة واحدة بشكل لافت.
وتتمتع شركة «باوروس» بسيولة كبيرة وتتوسع بسرعة في حجمها عبر شرائها لشركات منافسة، ولديها ميزة أخرى: فهي مملوكة جزئيا لأكبر ابنين من أبناء الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
وتعرضت عائلة ترمب لانتقادات بسبب توسيع أعمالها العقارية إلى دول أجنبية تحاول كسب ود الرئيس، ولتحقيقها مليارات الدولارات من مشاريع العملات المشفرة التي تستفيد من سياساته. وما يلفت انتباها أقل هي حصص الملكية الجديدة في شركات متعاقدة مع الحكومة الفيدرالية، توفر كل شيء بدءا من أجزاء الصواريخ والمغناطيسات النادرة وصولا إلى رقائق الذكاء الاصطناعي وأجهزة الحواسيب.
وقالت كاثلين كلارك، خبيرة أخلاقيات الحكومة في كلية الحقوق بجامعة واشنطن في سانت لويس: «إنه فساد. سيشعر صانعو القرار في الحكومة بالضغط لاستخدام منح العقود لزيادة ثروة عائلة الرئيس».
وتأمل أحدث مشاريع عائلة ترمب في الفوز بجزء من مبلغ 1.1 مليار دولار خصصه البنتاغون لبناء قاعدة تصنيع أميركية للطائرات المسيرة المسلحة، بعد أن فرضت إدارة ترمب الآن حظرا على استيرادها من الصين.
وتقول شركة باوروس إنه لا مشكلة في تقديمها عروضا للحصول على أموال حكومية قد تزيد ثراء ابني الرئيس.
وقال بريت فيليكوفيتش، الشريك المؤسس للشركة، في إشارة إلى الأخوين ترمب: «لا يوجد تعارض هنا. كل ما يفعلانه، هو شأنهما الخاص. وتركيزنا في الشركة لا علاقة له بالسياسة».
وعند طلب التعليق بشأن احتمال وجود تضارب مصالح، أرسلت مؤسسة ترمب بيانا من إريك ترمب جاء فيه: «أشعر بفخر كبير للاستثمار في شركات أؤمن
بها. ومن الواضح أن الطائرات المسيرة هي موجة المستقبل».
وتنتج شركة باوروس، التي تأسست قبل نحو عام على يد محاربين قدامى في قوات العمليات الخاصة الأميركية، الطائرات المسيرة في الغالب لأغراض
تجارية، بدءا من رش الأسمدة وصولا إلى إخماد حرائق الغابات. لكنها تتوسع بسرعة لتزود وزارة الدفاع بطائرات مسيرة مسلحة مثل تلك التي
تستخدمها أوكرانيا وروسيا، ومؤخرا إيران التي تستخدمها في تشن هجمات مدمرة على دول الخليج المتحالفة مع الولايات المتحدة.
واستحوذت الشركة على ثلاثة منافسين خلال الأشهر الستة الماضية وتخطط للاستحواذ على المزيد.
وجمعت الشركة 60 مليون دولار من مستثمرين لتمويل حملة الشراء، وتأمل في الحصول على تمويل إضافي عبر إجراء «اندماج عكسي»، بموجبه تحصل شركة خاص على إدراج في البورصة عن طريق الاستحواذ على شركة عامة موجودة بالفعل في سوق الأسهم، عادة ما تكون شركة ذات نشاط قليل أو معدوم.
وتكون الشركة العامة في هذه الحالة هي «أوروس جرينوي هولدينجز»، وهي شركة مقرها فلوريدا مملوكة جزئيا لإريك ودون جونيور، التي تمتلك بعض
ملاعب الغولف ومدرجة في بورصة ناسداك.
ومن بين الأخوين الأكبر، يعد دون جونيور هو الأكثر انخراطا مع شركات المقاولات الفيدرالية من خلال صندوق رأس مال المخاطر المسمى 1789 كابيتال.
وبعد فترة وجيزة من إعادة انتخاب ترمب، جعل صندوق 1789 كابيتال دون جونيور شريكا، ثم شرع في حملة شراء خاصة به، مستثمرا في 25 شركة خلال
«ديزل بوتين» في حسابات ترمب الانتخابية... مكاسب محدودة وتكلفة سياسية متصاعدة
ترمب مستقبلاً بوتين بمناسبة «قمة ألاسكا» 15 أغسطس 2025 (أ.ب)
يراهن الرئيس الأميركي دونالد ترمب على اتفاق الديزل مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين لتخفيف ضغط أسعار الطاقة على الجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي، لكن المكسب الانتخابي يظل رهناً بحجم الوقود الذي يصل فعلاً، وسرعة انعكاسه على فواتير المستهلكين، فالاتفاق يمنح البيت الأبيض فرصة لإظهار التحرك دفاعاً عن المزارعين وسائقي الشاحنات، مقابل تكلفة سياسية ظهرت في انتقادات ديمقراطية وجمهورية لتخفيف العقوبات على موسكو، وأزمة ثقة مع كييف تزامنت مع محادثات السلام التي جرت في فلوريدا، يومي الجمعة والسبت.
سباق مع الاقتراع
تكشف أسعار الطاقة حجم المأزق، حيث بلغ متوسط سعر غالون الديزل الأميركي 6.28 دولار، الجمعة، مقابل 3.68 دولار قبل عام، وفق بيانات جمعية السيارات الأميركية التي نقلتها صحف أميركية عدة. وهذه زيادة تقارب 71 في المائة، وتطاول مباشرة الزراعة والنقل، وتنتقل تكلفتها إلى أسعار السلع والغذاء، فتوسع الأثر السياسي خارج مستخدمي الديزل أنفسهم.
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الحملة الانتخابية في سان أنطونيو بولاية تكساس مساء الأربعاء (رويترز)
وتبرز الحساسية في ولايات زراعية مثل أيوا وكانساس ونبراسكا، حيث تتقاطع تكلفة الوقود مع موسم الحصاد وهوامش أرباح المزارعين، وتقول صحيفة «واشنطن بوست» إن الاستياء يساعد الديمقراطيين على تحسين مواقعهم في دوائر بالغرب الأوسط كانت تبدو بعيدة المنال؛ ما يجعل تخفيف الأسعار أولوية لحماية الأغلبية الجمهورية في الكونغرس.
وتقوم الصفقة، وفق إعلان ترمب، على إتاحة أكثر من 300 ألف طن من الديزل فوراً للأسواق الأميركية والعالمية، ثم 500 ألف طن في نوفمبر (تشرين الثاني) ومليون طن بعدها، مع كميات إضافية مرتبطة بحالة المصافي الروسية. وأصدرت الخزانة الأميركية ترخيصاً مؤقتاً يُخفّف قيوداً على تجارة الديزل الروسي حتى أبريل (نيسان) 2027.
صورة لزيارة ميدانية أجراها بوتين إلى مركز تدريب عسكري في منطقة شليابينسك يوم 2 أكتوبر (أ.ف.ب)
لكن الجدول نفسه يكشف حدود العائد الانتخابي، فمعظم الكميات المعلنة تأتي في نوفمبر أو بعده، ولا يضمن الإعلان وصولها إلى المستهلك قبل اقتراع الثالث منه. وقد يكون الأثر السياسي الأقرب هو تسويق صورة الرئيس القادر على عقد الصفقات، بينما يبقى الاختبار الاقتصادي في الأسعار الفعلية.
وتأتي المبادرة بعد التراجع عن فكرة حظر صادرات الديزل الأميركية، والضغط على الحلفاء للإفراج عن مخزوناتهم، وتوسيع استخدام الديزل المعفى من الضريبة المخصص للمعدات الزراعية. ويعكس تعاقب هذه الإجراءات ضيق الوقت والخيارات أمام إدارة تبحث عن تخفيف ملموس لتكلفة المعيشة.
إمدادات لا تكفي
ظهرت استجابة أولية مشجعة للبيت الأبيض، حيث أفادت «رويترز» بأن العقود الآجلة الأميركية للديزل هبطت قرابة 5 في المائة بعد الإعلان، لكن انخفاض العقود لا يساوي تلقائياً تراجعاً مماثلاً ومستداماً في المحطات، حيث يتوقف انتقال الأثر على الإمدادات والتوزيع واستمرار توقعات السوق.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مصافحاً نظيره الأميركي دونالد ترمب بمناسبة «قمة ألاسكا» 15 أغسطس 2025 (رويترز)
وتشير تقديرات نقلتها «نيويورك تايمز» إلى أن الكميات الإضافية محدودة قياساً باستهلاك عالمي يقارب 30 مليون برميل يومياً من الديزل والوقود المرتبط به. أما «وول ستريت جورنال»، فنقلت أن السوق تعاني نقصا بنحو 1.6 مليون برميل يومياً، وحتى مجموع الكميات الموعودة، إذا أتيح دفعة واحدة، يسد هذه الفجوة لنحو 3 أسابيع فقط.
والعقبة الأساسية، بحسب صحيفة «واشنطن بوست»، ليست توافر النفط الخام وحده، بل تضرّر طاقات التكرير في روسيا ومنطقة الشرق الأوسط؛ لذلك، لا يكفي تحسن المرور عبر مضيق هرمز لاستعادة إنتاج الوقود، بينما تختلف تقديرات الخبراء بشأن قدرة موسكو على الوفاء بوعودها بعد ضربات أوكرانيا التي استهدفت المصافي وقيود التصدير الروسية.
وقد تساعد إمدادات إضافية، ولو محدودة، على تهدئة سوق شديدة الضيق، لكن لا تتوافر ضمانة بأن تعيد الأسعار سريعاً إلى مستويات ما قبل الحرب مع إيران. ومن هنا تنشأ مخاطرة انتخابية معاكسة: إذا بالغ ترمب في وعود الخفض، ثم ظلت الأسعار مرتفعة، فقد يصبح الاتفاق دليلاً يستخدمه خصومه على محدودية استجابته للأزمة.
غضب في واشنطن
في بيان مشترك، عدّ أعضاء ديمقراطيون في مجلس الشيوخ، هم جين شاهين وتشاك شومر وإليزابيث وارن، الصفقة بأنها خذلان لأوكرانيا والحلفاء الأوروبيين والأمن القومي الأميركي. واتّهموا ترمب بمحاولة معالجة أزمة الوقود التي فاقمتها حربه مع إيران عبر مكافأة بوتين، وطالبوه بـ«إنهاء تلك الحرب بدلاً من تمويل آلة الحرب الروسية»، على حد قولهم.
Trump is doing a deal with the devil to try to help his flailing political fortunes from the shockingly high diesel prices caused by his own reckless, illegal war in the Middle East. This filthy deal will only aid and abet the same Putin who is helping the Iranians to target... https://t.co/lEILjnE38R
في حين طالب السيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنثال بإلغاء الاتفاق، عادّاً إياه مناقضاً لمقصد الكونغرس من تشريع العقوبات الأخير. ولم يقتصر الاعتراض على الديمقراطيين، فقد دعا النائب الجمهوري دون بيكون إلى استخدام العقوبات لتشديد الضغط على فلاديمير بوتين، بينما حذّر زميله مايكل ماكول من تمويل العمليات الروسية، وإضعاف فرص إنهاء الحرب، رغم تفهمه هدف خفض الأسعار.
وتتيح هذه الردود للديمقراطيين ربط الغلاء بخيارات ترمب الخارجية، بينما تكشف اعتراضات الجمهوريين صعوبة التوفيق بين الاستجابة للمستهلكين ومواصلة الضغط على موسكو؛ فالمكسب الروسي من تخفيف القيود يبدأ سياسياً فوراً، بينما يبقى المكسب الأميركي عند المضخة غير مضمون.
بوتين مستقبلاً مبعوثَيْ ترمب جاريد كوشنر وستيف ويتكوف في الكرملين بموسكو يوم 5 سبتمبر(رويترز)
بيد أن الاتفاق انعكس على محادثات ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مع الأوكرانيين والأوروبيين في فلوريدا، التي عدّها الجانب الأميركي مثمرة. وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن تخفيف العقوبات كان مقبولاً لو ارتبط بوقف متبادل للهجمات على منشآت الطاقة، عادّاً الصفقة المنفردة غير عادلة. ونقل موقع «أكسيوس» خلافاً حول مطالبة واشنطن كييف بوقف ضرب المصافي الروسية، بما يهدد الثقة المطلوبة لأي هدنة محدودة.
وبذلك، يستطيع الاتفاق منح ترمب متنفساً في السوق ورسالة انتخابية، لكنه لا يضمن إنقاذ الجمهوريين من فاتورة الغلاء. وستتوقف قيمته السياسية على ما يراه الناخب في الأسابيع المقبلة. فهل يؤدي الاتفاق إلى انخفاض محسوس في تكلفته اليومية، أم أنه تنازل لموسكو يفوق مردوده الاقتصادي؟
التصويت في أميركا... بين تسهيل الاقتراع ومخاوف التزويرhttps://aawsat.com/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85/%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D8%A9%E2%80%8B/5328120-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B5%D9%88%D9%8A%D8%AA-%D9%81%D9%8A-%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D8%A7-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D8%B3%D9%87%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%B9-%D9%88%D9%85%D8%AE%D8%A7%D9%88%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B2%D9%88%D9%8A%D8%B1
التصويت في أميركا... بين تسهيل الاقتراع ومخاوف التزوير
متظاهرون يحملون لافتات تحتج على مساعي ترمب تعديل عملية التصويت عبر البريد خارج مبنى الكونغرس في 14 سبتمبر (أ.ف.ب)
قبل أقل من شهر على انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) النصفية، بدأت عملية التصويت في أميركا.
وتوجّه الناخبون إلى صناديق الاقتراع في عدد من الولايات التي فتحت أبواب التصويت المبكر، فيما تلقّى الملايين بطاقات الاقتراع عبر البريد، تمهيداً لانتخابات ستحدد موازين القوى في الكونغرس. لكن طرق التصويت المعتمدة منذ عقود باتت في قلب معركة سياسية وقانونية متصاعدة، في ظل تشكيك البعض، وعلى رأسهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في نزاهة التصويت عبر البريد، ومساعيه لتشديد القواعد التي تنظمه.
يستعرض برنامج «تقرير واشنطن»، وهو ثمرة تعاون بين صحيفة «الشرق الأوسط» وقناة «الشرق»، أساليب التصويت المتعددة، ومساعي ترمب تغيير قواعد التصويت، وتشديد شروط التحقق من هوية الناخب، وأهليته.
التصويت عبر البريد
في الولايات المتحدة يوم الانتخابات ليس بالضرورة اليوم الذي يدلي فيه معظم الناخبين بأصواتهم. ففي انتخابات عام 2024، صوّت نحو 34 في المائة من الناخبين حضورياً يوم الاقتراع، مقابل 32 في المائة أدلوا بأصواتهم مبكراً حضورياً، ونحو 34 في المائة صوّتوا عبر البريد، أو بالاقتراع الغيابي، وفق استطلاع أجراه مركز «بيو» للأبحاث.
بطاقة اقتراع عبر البريد في ولاية فلوريدا في 28 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
وتختلف مواعيد عمليات التصويت وشروطها من ولاية لأخرى، في انعكاس لنظام انتخابي لا مركزي يمنح الولايات صلاحيات واسعة في إدارة انتخاباتها. فعلى سبيل المثال، وفي إطار التصويت عبر البريد حيث يتسلم الناخب ورقة الاقتراع بالبريد ويعيدها بالطريقة نفسها، هناك 29 ولاية تسمح لأي ناخب بطلبه دون تقديم سبب، بينما تُرسل 8 ولايات ورقة التصويت تلقائياً عبر البريد، مقابل 13 ولاية لا تزال تشترط عذراً للتصويت عبر البريد.
لكن هذا التنوع في طرق التصويت لم يعد مجرد مسألة إجرائية، بل تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى جزء من معركة سياسية أوسع حول نزاهة الانتخابات من جهة، وسهولة الوصول إلى صناديق الاقتراع من جهة أخرى. وازداد هذا الانقسام منذ انتخابات عام 2020، وجائحة «كوفيد - 19»، عندما توسّع الاعتماد على التصويت عبر البريد، والتصويت المبكر. ومنذ ذلك الحين بات التصويت عبر البريد أكثر ارتباطاً بالانتماء الحزبي.
موظفو الانتخابات يستعدون لتوزيع بطاقات التصويت عبر البريد في كاليفورنيا في 4 نوفمبر 2022 (أ.ف.ب)
ويشير كايل كونديك، مدير التحرير في «ساباتو كريستال بول» ومدير الاتصالات في مركز السياسة بجامعة فرجينيا، إلى ولاية بنسلفانيا كمثال. فالأصوات المرسلة عبر البريد شكّلت نحو 20 إلى 25 في المائة من إجمالي الأصوات في الولاية خلال السنوات الأخيرة. وهذه الكتلة، بحسب كونديك، «تميل بشدة نحو (الحزب الديمقراطي)». لكنه يستدرك أن الأمر لم يكن دائماً كذلك، مشيراً إلى أن الجمهوريين كانوا يتمتعون في السابق بأفضلية بين المصوتين عبر البريد في ولايات مثل فلوريدا.
وهنا تبرز إحدى مفارقات موقف ترمب. فمن جهة، يواصل الرئيس الجمهوري التشكيك في التصويت عبر البريد، والتحذير من إمكان استغلاله في عمليات تزوير، ومن جهة أخرى يدعو الجمهوريين إلى استخدامه عندما تسمح قوانين ولاياتهم بذلك، كما أنه هو نفسه يصوت عبر البريد.
ويرى جون فورتير، كبير الباحثين في معهد «أميركان إنتربرايز» ومؤلف كتاب «التصويت الغيابي والمبكر»، أن هذا التناقض تفرضه حسابات الواقع الانتخابي. فترمب «رئيس واقعي، ويُدرك أنه لكي يفوز حزبه فإنه عليه أن يستفيد من القواعد المعتمدة في كل ولاية».
نزاهة الانتخابات وتقييد التصويت
يتجاوز الخلاف طريقة التصويت إلى الضمانات المحيطة بها. فالجمهوريون يطالبون بتشديد شروط التحقق من هوية الناخب، وإثبات الجنسية، وتقليص بعض أشكال التصويت عبر البريد، معتبرين أن تسهيل الاقتراع يجب أن يترافق مع ضمانات تجعل التلاعب أكثر صعوبة.
مركز للتصويت المبكر في ولاية فيرجينيا في 7 أكتوبر 2026 (رويترز)
ويُشدّد غريغ كيلر، المدير التنفيذي السابق لاتحاد المحافظين الأميركيين، على نزاهة الانتخابات من دون عرقلة عملية التصويت، معتبراً أن التصويت عبر البريد يفتح الباب أمام التزوير أكثر من التصويت الشخصي، حيث يمكن التحقق مباشرة من هوية الناخب.
في المقابل، يرى الديمقراطيون أن إضافة المزيد من الشروط قبل التصويت قد تتحول عملياً إلى عوائق أمام بعض الناخبين، خاصة لدى الأقليات، وكبار السن، وذوي الدخل المحدود، وسكان المناطق التي يصعب فيها الوصول إلى مراكز الاقتراع، أو الحصول على الوثائق المطلوبة. وربط كونديك هذا الموقف بحوادث تاريخية حين استخدمت عوائق انتخابية لمنع فئات من الناخبين السود من ممارسة حقهم في التصويت. لكنه يقر في الوقت نفسه بأن اشتراط إظهار بطاقة هوية يحظى بتأييد واسع، وأن تطبيقه « يجب ألا يكون تمييزياً بالضرورة».
أما فورتير، فيعتبر أنه من المنطقي أن يظهر الناخب بطاقة هوية لدى التصويت، لكنه يعتبر أن القضية أوسع من مجرد إبراز الهوية، إذ تشمل التسجيل، والتصويت عبر البريد، والتحقق من أهلية الناخب، وما إذا كان فعلاً يحمل الجنسية الأميركية. وهذه هي النقطة الجدلية، فالقانون الأميركي يحصر التصويت في الانتخابات بالمواطنين الأميركيين، لكن عملية التسجيل تعتمد في معظم الولايات على إقرار الشخص بأنه مواطن، ومؤهل للتصويت من دون ضرورة إظهار أوراق ثبوتية. وتسمح بعض الولايات بإجراءات تحقق إضافية، فيما تدور معارك قضائية حول مدى صلاحيتها في فرض إثباتات إضافية.
التزوير بين المخاوف والأدلة
رغم إصرار ترمب وعدد من الجمهوريين على الثغرات المحتملة في الانتخابات، والمخالفات الفردية باعتبارها مبرراً لتشديد القواعد، يذكّر فورتير بأن القضايا التي رفعت أمم المحاكم أثبتت غياب «الغش على نطاق واسع» في الانتخابات.
صورة لكاميرا مراقبة في مركز للتصويت المبكر في ولاية فيرجينيا في 7 أكتوبر 2026 (رويترز)
ويوافق كونديك على هذه المقاربة، مؤكداً عدم وجود «الكثير من التزوير في الانتخابات الأميركية»، ويعتبر أن لا مركزية النظام تشكل بحد ذاتها أحد عناصر الحماية، إذ لا توجد سلطة مركزية واحدة تدير العملية برمتها، بل آلاف الجهات المحلية التي تشرف عليها.
في المقابل، يبدي كيلر تشككاً أكبر، مستنداً إلى ممارسات مثل جمع بطاقات الاقتراع وتسليمها نيابة عن الناخبين، خاصة في ولاية كاليفورنيا.
ترمب في قمة «عصر أميركا الذهبي» في واشنطن في 8 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
ومن هنا تأتي محاولة ترمب نقل المعركة من الخطاب السياسي إلى تغيير القواعد الانتخابية. فمنذ عودته إلى البيت الأبيض، دفع باتجاه تشديد متطلبات إثبات الجنسية، وهوية الناخب، وانتقد التصويت عبر البريد، كما دعا الكونغرس إلى إقرار مشروع «إنقاذ أميركا» الذي يفرض إصلاحات على النظام الانتخابي.
لكن مع عجز الكونغرس عن إقرار المشروع، يشير فورتير إلى أن الولايات هي التي تدير الانتخابات، وتفرض جزءاً كبيراً من قواعدها، فيما يستطيع الكونغرس سن قوانين فيدرالية تنظم جوانب محددة من العملية، مؤكداً أن الرئيس لا يستطيع إلغاء التصويت عبر البريد بمفرده، أو فرض نظام انتخابي موحد على الولايات.
أول إعدام بـ«البث المباشر» في أميركا... نضال حسن من عيادة النفس إلى طابور الموتhttps://aawsat.com/%D8%A8%D8%B1%D9%88%D9%81%D8%A7%D9%8A%D9%84/5328010-%D8%A3%D9%88%D9%84-%D8%A5%D8%B9%D8%AF%D8%A7%D9%85-%D8%A8%D9%80%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AB-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A8%D8%A7%D8%B4%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D8%A7-%D9%86%D8%B6%D8%A7%D9%84-%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D9%85%D9%86-%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B3-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%B7%D8%A7%D8%A8%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%AA
أول إعدام بـ«البث المباشر» في أميركا... نضال حسن من عيادة النفس إلى طابور الموت
نضال حسن يظهر بعد نقله من مركز بروك الطبي العسكري في سان أنطونيو إلى سجن مقاطعة بيل في بيلتون بولاية تكساس 9 أبريل 2010 (أ.ف.ب)
في خطوة غير مسبوقة هزت الأركان السياسية والقانونية في واشنطن، يقف المجتمع الأميركي على أعتاب تحوّل تاريخي وأخلاقي بالغ الحساسية، إذ يتأهب البنتاغون لتنفيذ أول عملية إعدام علنية تُبث مباشرة عبر شبكة الإنترنت في تاريخ الولايات المتحدة الحديث بحق الرائد الطبيب النفسي السابق نضال مالك حسن يوم 3 ديسمبر (كانون الأول) المقبل.
وتكتسب هذه القضية أبعاداً استثنائية لكونها تمثل أول عملية تنفيذ حكم إعدام عسكري رمياً بالرصاص منذ عام 1945؛ أي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لتضع رتبة «رائد» في الجيش الأميركي تحت مقصلة العقوبة القصوى ليكون عبرة مشهودة أمام ملايين الشاشات بعد عقود طويلة من تجميد هذا النوع من الأحكام العسكرية.
صورة لنضال حسن تعود لعام 2007 في جامعة الخدمات الموحدة للعلوم الصحية وكان حسن يحمل رتبة نقيب في الجيش الأميركي وقت التقاط الصورة (ويكيبيديا)
الجذور والمنشأ بين التفوق والتطرف
ولد نضال مالك حسن في سبتمبر (أيلول) عام 1970 في مقاطعة أرلينغتون بولاية فرجينيا لعائلة من أصل فلسطيني، وتلقى تعليمه في المدارس الأميركية قبل أن يقرر الانضمام إلى المؤسسة العسكرية في عام 1988 فور تخرجه من المرحلة الثانوية.
تكفلت الحكومة الأميركية بتمويل دراسته الجامعية بشكل كامل حتى نال شهادة الطب النفسي، وبدأ يتدرج في الرتب العسكرية بثبات وثقة حتى حاز رتبة رائد طبيب في الجيش الأميركي، وهو موقع كان يؤهله لمستقبل مهني رفيع.
صورة نضال حسن في كتاب التخرج للمرحلة الثانوية عام 1986 (ويكيبيديا)
خلف هذا الستار العسكري المتميز، كانت هناك أزمة هوية حادة وصراع فكري مرير يتشكل في خفاء تام، وأظهرت التحقيقات اللاحقة أن حسن انخرط في مراسلات فكرية عميقة مع قادة متطرفين في الخارج، على رأسهم أنور العولقي، القيادي في تنظيم «القاعدة» حسب ما ذكرته وسائل الإعلام الأميركية.
بدأ حسن يعبر بشكل متزايد عن معارضته الشديدة للسياسات الخارجية الأميركية، معتبراً الحروب في العراق وأفغانستان هجوماً مباشراً على معتقداته، ووصلت هذه الأزمة إلى ذروتها عندما تلقى أوامر عسكرية رسمية تقضي بنقله للخدمة الميدانية في الجبهة الأفغانية.
نضال حسن في 29 يونيو 2012 (رويترز)
«فورت هود» وحمام الدم العشوائي
في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2009، وقبل أسابيع قليلة من موعد شحنه المقرر إلى أفغانستان، اتخذ الرائد نضال حسن قراره بالارتداد التام عن قسمه العسكري واقتحم مركز تجهيز الجنود الطبي في قاعدة «فورت هود» العسكرية الشهيرة بولاية تكساس.
استل حسن سلاحه الناري وفتح النار بكثافة وعشوائية مطلقة على زملائه العسكريين الذين كانوا عزلاً وينتظرون إجراء الفحوصات الطبية والتطعيمات الروتينية قبل الانتشار.
أسفر هذا الهجوم المباغت عن مقتل 13 شخصاً، من بينهم 12 عسكرياً ومدني واحد، بالإضافة إلى إصابة 32 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة، في مجزرة وُصفت بأنها أشد الهجمات دمويةً على قاعدة عسكرية أميركية في التاريخ الحديث.
انتهت المجزرة بإطلاق النار على حسن من قبل عناصر الأمن المدني في القاعدة، مما أدى إلى إصابته بشلل جزئي أقعده على كرسي متحرك منذ ذلك اليوم وحتى الآن.
الجنود ينقلون جندياً مصاباً في إطلاق النار في فورت هود (ويكيبيديا)
قاعة المحكمة والاعتراف الصادم
خلال محاكمته العسكرية التاريخية التي جرت في عام 2013، أقدم نضال حسن على خطوة أثارت ذهول الحاضرين عندما رفض الاستعانة بمحامين، وقرر تمثيل نفسه قانونياً أمام هيئة المحلفين العسكرية.
لم يبذل حسن أي جهد للدفاع عن نفسه أو التماس الأعذار، بل أعلن صراحة مسؤوليته الكاملة عن الحادثة أمام القضاة، مؤكداً أنه غيّر ولاءه وانتقل إلى الجانب الآخر حمايةً لمن اعتبرهم يحاربون ضد القوات الأميركية.
أدانته الهيئة المؤلفة من 13 ضابطاً عسكرياً بـ45 تهمة تشمل القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد ومحاولة القتل العمد، وصدر بحقه حكم نهائي بالإعدام نُقل على أثره إلى ثكنات الانضباط العسكري الصارمة في فورت ليفنوورث بولاية كانساس.
ولم يُدن حسن رسمياً بتهمة الإرهاب، نظراً لأن القانون الجنائي العسكري الأميركي لا يتضمن بنداً مستقلاً يحمل هذا المسمى، بل يعامل القضية جريمةَ قتل جماعي كبرى.
نضال حسن في عام 2003 وهو العام الذي تخرج فيه من جامعة الخدمات الموحدة للعلوم الصحية (ويكيبيديا)
مصادقة ترمب وإنهاء العقود الستة
بموجب القوانين العسكرية الأميركية الصارمة والمعقدة، لا يمكن تنفيذ عقوبة الإعدام بحق أي عسكري عامل إلا بعد صدور مصادقة رسمية وتوقيع نهائي من رئيس الولايات المتحدة بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة.
وبعد استنفاد كافة درجات التقاضي والطعون القانونية المتاحة، ورفض المحكمة العليا لكافة التماساته، وقع الرئيس دونالد ترمب على أمر تنفيذ الحكم بناءً على توصية واضحة من وزير دفاعه بيت هيغسيث. يمهد هذا القرار الرئاسي الطريق لإنهاء عقود من غياب الإعدامات العسكرية، حيث تعد هذه العملية الأولى من نوعها في الجيش الأميركي بشكل عام منذ عام 1961 حين أُعدم الجندي جون بينيت شنقاً، وتكمن خصوصيتها التاريخية في كونها أول إعدام عسكري يُنفذ رمياً بالرصاص على وجه التحديد منذ إعدام الجندي إيدي سلوفيك بتهمة الفرار من الخدمة عام 1945 إبان الحرب العالمية الثانية.
شاشات الموت وانقسام البيت الأبيض
فجّرت وزارة الدفاع الأميركية مفاجأة من العيار الثقيل عندما أعلنت أن عملية الإعدام رمياً بالرصاص ستكون علنية ومتاحة للمشاهدة مباشرة عبر منصات الإنترنت، وبرر البنتاغون هذا الإجراء غير المسبوق بالسعي إلى إيجاد رادع حاسم يوضح العواقب الوخيمة للخيانة العسكرية.
واختار المسؤولون تنفيذ الحكم في تمام الساعة الواحدة والنصف ظهراً، وهو التوقيت الدقيق الذي نفذ فيه حسن هجومه الدموي قبل سنوات في قاعدة «فورت هود».
أثار إعلان البث المباشر عاصفة من الجدل والانقسامات الحادة داخل أروقة السياسة الأميركية، وعبر نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس عن تحفظاته العميقة وشكوكه حيال علنية البث، مؤكداً أنه لن يتابع هذا المشهد إطلاقاً. وانتقد الديمقراطيون هذه الخطوة بشدة معتبرين إياها سلوكاً تراجعياً لا يليق بدولة مؤسسات، في حين أبدى بعض أقطاب الحزب الجمهوري اشمئزازهم من تحويل العدالة القضائية إلى استعراض إعلامي يماثل ممارسات الأنظمة الشمولية المتطرفة.
الصدام القانوني ودستورية البث العلني
يفتح قرار البث المباشر نفقاً قانونياً ودستورياً مظلماً ومثيراً للجدل في المنظومة القانونية الأميركية، إذ لم يسبق أن عُرضت عملية إعدام رسمية على الشاشات العامة في تاريخ البلاد الحديث منذ آخر إعدام علني مرخص أقيم في ثلاثينات القرن الماضي.
وتصطدم هذه الرغبة السياسية بالجدار التشريعي المعقد الذي ينظم علنية العقوبات، ويختلف بشكل جوهري بين القوانين المحلية والأنظمة الفيدرالية. تمنع القوانين المحلية في معظم الولايات الأميركية تصوير وبث أحكام الإعدام وتكتفي بحضور عدد محدود من الشهود والإعلاميين لتوثيق الشفافية فقط، بينما تحكم اللائحة العسكرية الفيدرالية رقم 190-55 الحضور بدائرة ضيقة تشمل أقارب الضحايا والصحافيين المعتمدين مع حظر مطلق لمن هم دون السن القانونية.
ورغم محاولات الدفاع تقديم التماسات عاجلة أمام المحاكم المدنية لتعطيل التنفيذ بناءً على هذه الثغرات، يبدو البنتاغون عازماً على تجاوز العقبات والمضي قدماً في تنفيذ الإعدام والبث في الموعد المحدد.