«سانا»... أول مذيعة «ذكاء صناعي» هندية

في نقلة تقنية وإعلامية مهمة

«سانا» في لقطة برفقة صحافي محترف (شبكة «إنديا توداي»)
«سانا» في لقطة برفقة صحافي محترف (شبكة «إنديا توداي»)
TT

«سانا»... أول مذيعة «ذكاء صناعي» هندية

«سانا» في لقطة برفقة صحافي محترف (شبكة «إنديا توداي»)
«سانا» في لقطة برفقة صحافي محترف (شبكة «إنديا توداي»)

كشفت شبكة التلفزيون الهندية «إنديا توداي» النقاب أخيراً عن «سانا»، التي غدت أول مذيعة أخبار قائمة على الذكاء الصناعي في الهند. وفي حفل إطلاقها، أظهرت مذيعة الذكاء الصناعي مهاراتها اللغوية واستقبلت الضيوف بثلاث لغات، بما في ذلك الغُجراتية.
نظم الحدث بحضور رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي - وهو من ولاية غجرات - وعدد من الشخصيات رفيعة المستوى. وخلال الحدث، قدّمت «سانا» نفسها لرئيس الوزراء الهندي، وأعربت عن رغبتها في إجراء مقابلة حصرية معه في المستقبل القريب. كذلك ذكرت «سانا» أن «خبراتها العملية قد بدأت»، وأنها ستسعى جاهدة بحلول عام 2024 لتصبح أفضل صحافية في البلاد.
جدير بالذكر أن «سانا» ظهرت لأول مرة على قناة «آج تاك» الإخبارية جنباً إلى جنب مع الصحافي سودهير تشودري في برنامج «بلاك آند وايت». وقدّم تشودري شخصيات الذكاء الصناعي إلى جمهور العرض قائلاً: «سانا معي الآن لأول مرة وستعرض الأخبار». وبعد فترة وجيزة تولّت مذيعة الذكاء الصناعي تقديم الحدث حتى نهايته. من مظهرها الخارجي، لا يمكن لأحد ملاحظة حقيقة أن «سانا» شخصية غير حقيقية، ويرجع ذلك إلى مظهرها ولغة جسدها اللذين تستطيع السيطرة عليهما تماماً. وفي ظهور آخر على الشاشة، لعبت مذيعة أخبار الذكاء الصناعي دور مراسل الطقس. وهنا بدأت في التكلم باللغة الإنجليزية التي بدت «ميكانيكية للغاية»، وكافحت لتضفي قدراً من الحيوية والإحساس بدلاً من الاكتفاء بنطق بيانات إحصائية.
ووفق المجموعة الإعلامية «إنديا توداي»، من المقرّر أن تتولّى «سانا» تحديث نشرة الأخبار عدة مرات في اليوم بلغات متعدّدة، وهي ستقدم أيضاً عرضاً يومياً تتفاعل من خلاله مع الجمهور. وهنا، نذكر أنه خلال نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، ظهرت أول مذيعة أخبار للذكاء الصناعي في الصين لأول مرة، كذلك انضم مذيع الذكاء الصناعي المسمّى «رن شياورونغ» إلى وكالة أنباء الصين الجديدة «شينخوا» التي تديرها الدولة. وتقدم مذيعة أخبار الذكاء الصناعي الناطقة باللغة الإنجليزية الأخبار على مدار 24 ساعة، 365 يوماً في السنة.

«سانا» في لقطة بمفردها (شبكة «إنديا توداي»)

- ما هو الذكاء الصناعي؟
ينظر إلى الذكاء الصناعي على نطاق واسع باعتباره عصر الحوسبة الثالث، الذي يعرف عالمياً بأنه قدرة الآلة على تقديم عمليات معرفية مماثلة لتلك التي يؤديها البشر. وتشمل هذه الوظائف: الإدراك، والتعلم، والتفكير، وحل النزاعات، والتفكير التحليلي، وعمل التنبؤات. وتستفيد جميع الصناعات والقطاعات الآن تقريباً من قدرات الذكاء الصناعي، نظراً لأنه يعمل على تبسيط تعقيدات الأعمال، ويكتشف الاحتيال، ويعزّز إنتاجية المزارع، ويراقب سلاسل التوريد، ويوصي بالمنتجات، ويساعد حتى المطوّرين والكتّاب. كذلك يمكن للذكاء الصناعي الآن التوقّع واقتراح مستويات التوظيف، بالإضافة إلى التنبؤ بالحالة العاطفية والسلوك العاطفي للموظف لمساعدة الشركات في توقع حلول ملائمة. وبالمثل، يمكن أن يوفّر تحليل الفيديو القائم على الذكاء الصناعي رؤى مفيدة أثناء مراقبة جميع معايير البيع بالتجزئة، مثل اكتشاف الأشياء وتحليل مناطق الزحام وتحليلات حركة الناس في المتاجر واكتشاف العنف قبل حدوثه.
ومن المتوقع أن يضيف الذكاء الصناعي ما يقدّر بـ967 مليار دولار أميركي إلى الاقتصاد الهندي بحلول عام 2035، ونحو 450 أو 500 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بحلول عام 2025، وهو ما يمثل 10 بالمائة من المستهدف للبلاد البالغ 5 تريليونات دولار من الناتج المحلي الإجمالي، وفقاً لتقرير موقع «تيم ليز». ويشير التقرير إلى أن الإيرادات الناتجة عن الذكاء الصناعي في الهند بلغت 12.3 مليار دولار في عام 2022، وأنه من المتوقع أن ينمو قطاع برمجيات الذكاء الصناعي بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 18 بالمائة في البلاد بحلول نهاية عام 2025.
وفيما يخصّ الاستثمار، ارتفعت الاستثمارات العالمية في الذكاء الصناعي إلى مستوى قياسي بلغ 77.5 مليار دولار في عام 2021، مقارنة بنحو 36 مليار دولار في عام 2020. وبلغت حصة الهند من الاستثمار العالمي في الذكاء الصناعي في عام 2022 ما نسبته 1.5 بالمائة. كذلك ذكرت نتائج التقرير أن الهند تملك نحو 45 ألف فرصة عمل في الذكاء الصناعي، بدءاً من فبراير (شباط) 2023. ويُعَد علماء البيانات (المعطيات) ومهندسو التعلم الآلي من بين المهن المطلوبة في الذكاء الصناعي بالهند. ووفقاً لتقرير «تيم ليز»، تُعد الهند اليوم ثالث أكبر مساهم في مجموعة مواهب الذكاء الصناعي، إذ إنها أنتجت وحدها نحو 400 ألف قاعدة مواهب ذكاء صناعي، أي ما يعادل 16 بالمائة من مجموع المواهب العالمية في مجال الذكاء الصناعي.

- بنغالور وحيدر آباد
أما على صعيد أفضل المدن الناشئة التي تتمتع بمجموعة مواهب في مجال الذكاء الصناعي، فقد احتلت بنغالور (جنوب الهند) المرتبة الخامسة على مستوى العالم، وفقاً لدراسة تستند إلى تنوّع المواهب والاستثمار وتطور المؤسسات الرقمية في الهند. واحتلت العاصمة نيودلهي المرتبة الثامنة عشرة، تليها حيدر آباد (في جنوب البلاد) في المرتبة التاسعة عشرة، وجاءت مومباي في المرتبة السابعة والعشرين.
ومن ناحية أخرى، أفاد تقرير بحثي آخر بأنه من المتوقع أن تنمو سوق الذكاء الصناعي في الهند، لتصبح ثاني أسرع معدل عالمي بنسبة 20 بالمائة بين الاقتصادات الكبرى على مدى السنوات الخمس المقبلة، بعد الصين. وتحت عنوان «من الضجيج إلى الواقع»، ذكر التقرير أن «الوتيرة المتسارعة للذكاء الصناعي في الهند تحققت بعد إجراء بحث على 343 مؤسسة ومنظمة نفذت الذكاء الصناعي، و148 مزوداً ومشغلاً تقنياً يقدمون حلول الذكاء الصناعي». وخلص إلى أن «التوجه لتبني الذكاء الصناعي بلغ ذروته في قطاعات مثل الاتصالات، والألعاب، والتكنولوجيا والخدمات المالية». وأردف أن ما يقرب من 64 بالمائة من مقدمي الخدمات لديهم ذكاء صناعي أو تعلم آلي كعنصر أساسي في منتجاتهم وخدماتهم، مما يجعلهم «إما متقدمين أو على قدم المساواة مع نظرائهم العالميين».
في هذا السياق، صرح سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، الشركة التي أنشأت روبوت الدردشة الشهير بالذكاء الصناعي، قائلاً إن «الهند دولة متنوعة جغرافياً ولغوياً واجتماعياً واقتصادياً، وهو ما يوفر فرصة كبيرة أمام الذكاء الصناعي لسد الفجوة الرقمية وخلق مجتمع شامل. وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، رسّخت الهند موقعها مركزاً للذكاء الصناعي من خلال تعزيز الشركات الناشئة ذات التكنولوجيا العميقة، وتعزيز البحث الأكاديمي، وتمكين التحول الرقمي في جميع القطاعات الرئيسية. ولأنها تمثل قوة في مجال تكنولوجيا المعلومات، وأيضاً لكونها ثاني أكبر سوق على الإنترنت في العالم، تتمتع الهند حالياً ببيئة مؤاتية لازدهار الذكاء الصناعي». وفي الوقت ذاته، فإن إضفاء الطابع «الديمقراطي» على هذه التكنولوجيا في البلاد يتسم بوضع مختلف عن بقية العالم بسبب تنوّع سكان الهند، ووفرة البيانات، وقابلية التوسع في حالات الاستخدام.
ما يستحق الإشارة هنا، أن ساتيا ناديلا، رئيس مجلس إدارة «مايكروسوفت» والرئيس التنفيذي لشركة «مايكروسوفت»، قال في وقت مبكر من العام الحالي، إن الهند ستقود استخدام الذكاء الصناعي لحل المشاكل الحقيقية. وتابع ناديلا أثناء إلقائه كلمته أمام تجمع لكبار المديرين التنفيذيين بالهند ضمن فعاليات قمة «مايكروسوفت للقيادة الجاهزة للمستقبل» في مومباي، قائلاً إن «الهند تتولى القيادة عندما يتعلق الأمر بالسلع العامة الرقمية. وهي تحتل القمة في النهج الذي تبني به بنيتها التحتية الرقمية».
وعرض ناديلا النماذج التي تعمل بالذكاء الصناعي مثل «ChatGPT» و«Dall- E» التي تعمل على مساعدة العاملين في مجال المعرفة وتعزيز إنتاجيتهم قائلاً: «سيكون كل عامل معرفي أكثر إبداعاً وأكثر تعبيراً وأكثر إنتاجية. سيكون كل عامل في الخطوط الأمامية قادراً على القيام بعمل معرفي أكثر من أي وقت مضى. كل مهمة تصميم، سواءً كانت هندسة برمجيات أو تصميماً ميكانيكياً أو هندسة معمارية، ستكون أكثر إنتاجية في المستقبل. لذلك، في رأيي الشخصي، سيتسارع الإبداع والإنتاجية البشرية عبر مجموعة من المهام».

- مبادرة حكومية
في سياق موازٍ، خصصت الموازنة الهندية 2023 - 2024 الكثير لصناعة الذكاء الصناعي وتحليل البيانات. إذ أعلنت الحكومة عن إنشاء 3 معاهد للتميز لتطوير الذكاء الصناعي لتوفير إمدادات ثابتة من المتخصصين الموهوبين في الذكاء الصناعي وإنشاء نظام بيئي بحثي قوي في البلاد. وبحسب نارين فيجاي، نائب الرئيس التنفيذي لقطاع النمو بشركة «لومينور»، فإن «رؤية صنع الذكاء الصناعي في الهند ولصالح الهند ستقطع شوطاً طويلاً في دعم نمو صناعة الذكاء الصناعي وتحليلات البيانات». وأضاف: «من المتوقع أن يلعب الذكاء الصناعي والتعلم الآلي دوراً مهماً في مستقبل كل قطاع رئيسي. إلا أنه سيحتاج إلى كمية كبيرة من البيانات لتشغيل الخوارزميات والتحقق من صحة النتائج. وبالتالي، ستساعد القدرة على الوصول إلى البيانات مجهولة المصدر في دفع نتائج أبحاث الذكاء الصناعي - التعلم الآلي وإنشاء نظام بيئي لصناعة الذكاء الصناعي - التعلم الآلي وتحليلات البيانات».
وحقاً، أثبت الذكاء الصناعي نفسه بشكل هائل في قطاعات الرعاية الصحية، والسيارات، والزراعة، والتصنيع، وتكنولوجيا المعلومات. وفي الوقت الحاضر ما يحلم به قطاع الأعمال الهندي أو الحكومة هو تنفيذ الذكاء الصناعي في كل زاوية وركن تقريباً من المجتمع، سواء كان مساحة تجارية أو استثماراً خاصاً أو عمليات قطاع عام. كذلك استفادت الحكومة من الذكاء الصناعي والبيانات لمواجهة التحديات وتعزيز إدارة الأزمات والمدن، وخدمات المواطنين الحيوية، والخدمات المالية.
في الوقت نفسه، لا تخطط الهند راهناً لتنظيم نمو الذكاء الصناعي داخل سوق جنوب آسيا، وتحديد القطاع كمنطقة «مهمة واستراتيجية» للبلاد. يأتي هذا الموقف في وقت تدعو فيه أصوات عديدة إلى زيادة التدقيق في التكنولوجيا سريعة التقدم. وبهذا الصدد، قالت وزارة الإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات إنها قيّمت المخاوف الأخلاقية ومخاطر التحيز والتمييز المرتبطة بالذكاء الصناعي. وأردفت الوزارة أنها تنفذ السياسات اللازمة وتدابير البنية التحتية لتنمية قطاع قوي للذكاء الصناعي في البلاد، لكنها لا تنوي تقديم تشريع لتنظيم نموها. ومن ثم، أكدت أن توسيع الذكاء الصناعي سيكون له «تأثير حركي» على ريادة الأعمال وتطوير الأعمال في الهند... «فالذكاء الصناعي هو عامل تمكين حركي للاقتصاد الرقمي والنظام البيئي للابتكار... والحكومة تتيح إمكانات الذكاء الصناعي لتوفير خدمات شخصية وتفاعلية تتمحور حول المواطن من خلال المنصات الرقمية العامة».


مقالات ذات صلة

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

إعلام جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

جاء إطلاق «مدونة السلوك» المهني في ظل حالة من الفوضى، وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، وعدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد.

سعاد جرَوس (دمشق)
يوميات الشرق تُكرّم «جوائز List» مجموعة تجارب استثنائية تُعيد تعريف معايير التميّز والرفاهية في العالم العربي (SRMG)

مجلة «List» تطلق النسخة الأولى من جوائزها

أطلقت مجلة «List»، النسخة الأولى من جوائزها، بالشراكة مع علامة «ريتشارد ميل»، التي تحتفي بالإبداع والتميّز بمجالات السفر والرفاهية والثقافة وفنون الطهي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.


«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
TT

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج ممن يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وجاء هذا النقاش في جلسة حوارية عقدتها وزارة الإعلام ضمن حفل إطلاق «مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا» يوم الأحد، بعد أشهر من العمل عليها، كانت خلالها المحاكم السورية تتلقى مزيداً من دعاوى التحريض على العنف والاعتداء الناجم عن خطاب الكراهية.

وفي حفل أقيم في فندق «داما روز» وسط العاصمة دمشق حضره عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، وممثلين عن وسائل الإعلام المحلي، وعدد كبير من الإعلاميين، أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، تحت عنوان «إعلام مهني... وكلمة مسؤولة».

ووقّع مديرو المؤسسات الإعلامية الرسمية على وثيقة «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، في إعلان عن التزام الإعلام الوطني بالمدونة.

وزير الإعلام حمزة المصطفى يتحدث عن «مدونة السلوك» الأحد (وزارة الإعلام)

وقال وزير الإعلام حمزة المصطفى، في إطلاق المشروع، إن «المدونة جهد إعلامي تعتبر الأهم على مستوى المنطقة، وهي جهد جماعي شارك فيه أكثر من ألف صحافي لمدة تزيد على 5 أشهر».

واعتبر وزير الإعلام المدونة «نقطة البداية وليست وثيقة عابرة»، وسيعقد مؤتمر سنوي يجمع الصحافيين السوريين لمناقشتها وتطويرها، مؤكداً على أن العمل الإعلامي دون معايير محددة ضابطة ومسؤولة تنظمه سيتحول قطعاً باتجاه الفوضى.

وجاء إطلاق مدونة السلوك المهني في ظل حالة من الفوضى وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، بالإضافة إلى عدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وما تلاها من انفتاح إعلامي، أفسح المجال لتصدر نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المشهد والتأثير بالرأي العام. الأمر الذي كانت له ارتدادات سلبية في ظل الاضطرابات السياسية والاستقطاب الحاد، وما رافقتها من موجات عنف وأحداث دامية على الأرض، كما حصل في مناطق الساحل والسويداء العام الماضي.

مصادر قضائية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن أعداد الشكاوى المتعلقة بالفتنة والتحريض الطائفي والتجييش والحض على القتل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزايدت خلال العام الماضي، في حين لا يوجد هناك تفعيل جدي في تحريك الادعاء، لغياب دور فاعل لقسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، بالإضافة إلى تأخر تعديل القانون 20، لعام 2022، الخاص بالجرائم الإلكترونية، الذي أصدره النظام المخلوع بهدف كم الأفواه والحد من الحريات.

وأضافت المصادر أن هذه الثغرة وغياب الرادع يسهمان في زيادة الفوضى وتعزيز خطاب الكراهية الذي يهدد السلم والاستقرار المجتمعي. ورأت في صدور مدونة سلوك مهني وأخلاقي مبادرةً تسهم في زيادة الوعي للتمييز بين حرية التعبير والتحريض.

ناشطة تحتج على موجة العنف والهجمات الطائفية في الساحل السوري بمواجهة متظاهر في ساحة المرجة في دمشق 9 مارس 2025 (أ.ب)

الصحافي والناشط السياسي السوري مشعل العدوي، الذي يقدم عبر قناته على «يوتيوب» نقداً سياسياً معنياً بالشأن السوري، علّق على «مدونة السلوك» أن صدورها في هذا التوقيت مهم جداً، ويساعد في هذه المرحلة على تعزيز إحلال السلم الأهلي، ويضبط الخطاب الإعلامي سلوكياً وأخلاقياً، ليتواءم مع الوثائق الدولية ويحترم حقوق الإنسان وحقوق الضحايا، وهذا كله «جيد جداً»، مع الإشارة إلى أن خطاب الكراهية في سوريا يأتي من خارج السياق الإعلامي، وأغلبه قادم من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي.

جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

مدير الشؤون الصحافية في وزارة الإعلام، عمر الحاج أحمد، قال إن «الكلمة هي مسؤولية»، وإن إطلاق المدونة يؤسس لمرحلة جديدة في مسار إعلام وطني يستند إلى «الحرية المسؤولة، ويعلي من شأن الكلمة الدقيقة».

من جانبه، قال ممثل اللجنة الوطنية المستقلة لمدونة السلوك المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، علي عيد، إن «التحديات تضاعفت مع الثورة الرقمية، وتضخم دور الذكاء الاصطناعي. وأصبح أثر الكلمة أسرع وأخطر، والمدونة ليست بديلاً عن القانون أو نصاً أخلاقياً جامداً، بل هي إطار للتنظيم الذاتي، وهو أعلى درجات حماية الحرية».

من حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

وفي جلسة حوارية حول المدونة، اعترض وزير العدل السوري مظهر الويس، على ما طرحه ميسر الجلسة خلدون الزعبي حول استفحال خطاب الكراهية بين السوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقال وزير العدل ليس هناك خطاب كراهية، وإنما هناك «عشوائية»، مؤكداً على أنه خطاب دخيل على سوريا، في حين قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وبحسب وزير العدل مظهر الويس، فإن مدونة السلوك المهني «تمثل أداة تنظيمية مهمة ترسم الخط الفاصل بين حرية التعبير واحترام حقوق الآخرين، وتسهم في الحد من التجاوزات التي تتحول في كثير من الأحيان إلى نزاعات قضائية». مشيراً إلى أن وزارة العدل والمحاكم تواجه اليوم أعباء كبيرة، ووجود مدونة سلوك مهنية يسهم في خفض هذه النزاعات، ويخفف الضغط عن القضاء.

وتتكون مدونة السلوك المهني من 82 صفحة و10 مواد تشمل المعايير الأخلاقية والمهنية وحماية الخصوصية والبيانات والمتابعة والمساءلة، إضافة إلى ميثاق شرف وملحق صنّاع المحتوى، وقد صدرت بـ3 لغات؛ العربية والإنجليزية والكردية.


«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
TT

«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)

وسط عالم تتساقط فيه الصحف العريقة واحدةً تلو الأخرى تحت ضغط الثورة الرقمية وتغيّر أنماط الاستهلاك الإعلامي، يبرز احتفال صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية بمرور مائتي سنة على تأسيسها بوصفه حدثاً يتجاوز البعد الرمزي، ليطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لمؤسسة صحافية وُلدت في القرن التاسع عشر أن تظل فاعلة، مؤثرة، ومربحة في القرن الحادي والعشرين؟

اسم عريق

أسّست «لو فيغارو» عام 1826 في مناخ سياسي شديد القسوة، إذ كانت حرية الصحافة مقّيدة، والرقابة أداة مركزية في حكم الملك شارل العاشر. ولقد أطلق عليها اسمها نسبة لشخصية «لوفيغارو» التي ابتكرها بيار-أوغوستان بومارشيه، الموسوعي الفرنسي الشهير، في مسرحه... والتي جسّدت الذكاء الشعبي والتمرّد الناعم على السلطة، وهذا ما سعت الصحيفة إلى ترجمته صحافياً.

وبالفعل، مرّت الصحيفة الفرنسية العريقة في عقودها الأولى بمراحل انقطاع وعودة، قبل أن تجد استقرارها الحقيقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين تحوّلت من نشرة أدبية ساخرة إلى صحيفة يومية مؤثرة بفضل هيبوليت دو فيلميسان، واضعةً الأساس لما سيصبح لاحقاً أحد أعمدة الصحافة الفرنسية.

قرنان تاريخيان من دريفوس إلى العولمة

لم تكن «لوفيغارو»، في الواقع، شاهداً محايداً على التاريخ الفرنسي، بل فاعلاً داخله. إذ لعبت دوراً محورياً في قضية الضابط ألفريد دريفوس، التي كشفت انقسامات المجتمع الفرنسي حول العدالة والهويّة والجمهورية.

كذلك واكبت الحربين العالميتين، وسقوط أنظمة، وقيام أخرى. وإبّان الاحتلال النازي، اتخذت الصحيفة قراراً مفصلياً بتعليق صدورها بدل الخضوع للرقابة، وهو خيار رسّخ سمعتها كصحيفة تضع الحرية فوق الاستمرارية الشكلية. ومن ثم، صار هذا الموقف جزءاً من سرديتها المؤسِّسة، ومن رأس مالها الرمزي حتى اليوم.

من الورق إلى المنصّات

مع دخول الألفية الجديدة، أدركت الصحيفة الفرنسية العريقة مبكراً أن البقاء لن يكون ممكناً من دون تحوّل جذري. ولذا أطلقت موقعها الإلكتروني في حين كانت صحف كبرى تتعامل مع «الإنترنت» كتهديد لا كفرصة. وبالتالي، نرى الآن أن «لوفيغارو» ليست مجرد صحيفة ورقية، بل مجموعة إعلامية متكاملة تضم موقعاً إلكترونياً رائداً، وقناة تلفزيونية (لو فيغارو تي في)، ومجلات متخصّصة، بالإضافة إلى حضور قويِّ على منصّات التواصل الاجتماعي بأكثر من 38 مليون متابع.

هذا التحوّل لم يكن شكلياً، بل جاء مسنوداً باستثمار تقني داخلي مكّن المجموعة من التحكم في البيانات والاشتراكات والإعلانات.

مبنى "لوفيغارو" في قلب العاصمة الفرنسية باريس (ويكيميديا)

النجاح الاقتصادي: استثناء في زمن الأزمات

اليوم، تبرز تجربة «لوفيغارو» بوصفها استثناءً لافتاً في المشهد الإعلامي العالمي. إذ بينما يعاني هذا القطاع من تراجع الإيرادات وانحسار الجمهور، واصلت الصحيفة الفرنسية العريقة تسجيل نتائج مالية قوية تؤكّد أن الأزمة ليست حتمية، بل مرتبطة بخيارات استراتيجية وإدارية محددة.

وفي صلب هذا النجاح، يبرز التحوّل الرقمي رافعةً مركزيةً. فلقد واصل الموقع الإلكتروني «لوفيغارو بوان إف إر» في 2025 تسجيل مستويات غير مسبوقة من التفاعل، بأكثر من 210 ملايين زيارة شهرية، واحتلاله مراراً صدارة مواقع الأخبار الفرنسية من حيث عدد الزوار.

ومن جهة ثانية، يصل عدد المستخدمين اليوميين، عبر الموقع والتطبيقات، إلى نحو 3.4 مليون مستخدم، ما يعكس رسوخ العلامة الرقمية للصحيفة. لكن الأهم لا ينحصر في حجم الزيارات فحسب، بل يشمل قدرة المنصة على تحويل هذا التدفّق الجماهيري إلى قيمة اقتصادية ملموسة. ذلك أن الاشتراكات الرقمية شهدت عام 2025 استمراراً للمنحى التصاعدي، بعدما تجاوز عدد المشتركين الرقميين 295 ألفاً. وهذا التطوّر النوعي جعل الإيرادات الرقمية تمثّل أكثر من نصف إجمالي عائدات الصحيفة، في سابقة تاريخية تعكس نضج نموذج الاشتراك المدفوع.

بذا، انتقلت الصحيفة العريقة، المعروفة بتوجهها اليميني، من منطق الاعتماد على الإعلان إلى اقتصاد قائم على القارئ. وبات الجمهور يساهم بنحو 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مقارنة بـ50 في المائة فقط قبل سنة واحدة، وهذا تحوّل استراتيجي يمنح الصحيفة هامش استقلالية أوسع في قراراتها التحريرية.

صمود غير متوقع

بالتوازي، ورغم السّردية السائدة حول «موت الورق»، واصلت النسخة المطبوعة للصحيفة أداءً يفوق التوقعات في عام 2025. إذ حافظت نسخة «لوفيغارو» الورقية على توزيع يقارب 400 ألف نسخة، وهو ما يضعها في المرتبة الثانية بعد صحيفة «لوموند» الشهيرة التي سجلت توزيع أكثر من 500 ألف نسخة، وهو رقم نادر في السياق الأوروبي الحالي. بل إن العائدات المرتبطة بالنسخة الورقية لصحيفة «لوفيغارو» سجّلت تحسناً ملحوظاً، مستفيدةً من سياسة تسعير مدروسة، ومن الطلب المرتفع خلال فترات سياسية ورياضية مكثّفة.

هذا الأداء يؤكد أن الورق لا يزال قادراً على تحقيق قيمة اقتصادية ورمزية، حين يكون جزءاً من منظومة متكاملة لا أعباء عليها.

هوية تحريرية واضحة

أخيراً، إن ما يميّز تجربة «لوفيغارو» بالفعل ليس فقط حجم الإيرادات، بل أيضاً طبيعتها. فلقد نجحت الصحيفة في بناء علاقة طويلة الأمد مع قرائها، تقوم على الثقة والهوية التحريرية الواضحة، لا على الاستهلاك السريع للمحتوى المجاني.

وهذا الولاء هو ما سمح للمجموعة بتحقيق توازن نادر بين الانتشار والربحية. وتتجلّى هذه السياسة في نموذج «الاشتراكات المدفوعة» الذي طبّقته الصحيفة ببراعة. حيث بدلاً من إغراق القارئ بمئات الأخبار المجّانية المعتمدة على العناوين الصادمة (Clickbait)، ركّزت «لوفيغارو» على تقديم تقارير استقصائية وتحليلات جيوسياسية حصرية. ثم إنه إبان الأزمات الكبرى، مثل التدخلات العسكرية الأخيرة أو الانتخابات، تبتعد الصحيفة عن «النقل الحرفي» للبيانات الرسمية، لتقدم ملفّات تحليلية يكتبها خبراء ومفكّرون، ما يجعل المشترك يشعر بأنه يدفع مقابل «قيمة مُضافة» وليس مقابل معلومات متاحة للجميع.