نقد المستعمَر... غياب النظريات المتماسكة

الكتابات العربية مليئة بالنقد الذاتي

راناجيت غوها    -   حميد دباشي
راناجيت غوها - حميد دباشي
TT

نقد المستعمَر... غياب النظريات المتماسكة

راناجيت غوها    -   حميد دباشي
راناجيت غوها - حميد دباشي

«غرب زاديغي» عنوان كتاب لباحث إيراني اسمه جلال الأحمد. العبارة تعني بالفارسية «الثمل بالغرب». يخبرنا عن ذلك الباحث الإيراني حامد دباشي في كتابه الصادر بالإنجليزية «أوروبا وظلالها»، فهو يترجم العبارة الفارسية إلى المفردة الإنجليزية المركبة «Westoxication» المشتقة من الجمع بين كلمتين، تعني الأولى «الغرب» والثانية «الثمل» أو السُكْر (Intoxication). أما جلال الأحمد فلم أسمع به قبل الاطلاع على كتاب دباشي الذي يعرّف بالكتاب ويناقش أهميته، والأرجح أن كثيراً من القراء العرب لم يسمعوا لا بالكتاب ولا بالمؤلف. ولا يلام القارئ العربي إن لم يعرف أياً منهما لأن الكتاب لم يترجم، كما يبدو، إلى لغة أوروبية فضلاً عن أن يترجم إلى العربية، وعدد من يعرف الفارسية بين المثقفين أو الباحثين العرب قليل جداً فيما أظن. إنها المشكلة التي تعيشها الشعوب والثقافات التي تركن في معارفها إلى ما يأتيها من الغرب: إن لم يترجم الكتاب إلى لغة غربية فحري به وبمؤلفه ألا يعرف عند غير أهله.
شد انتباهي عنوان كتاب جلال الأحمد، الذي صدر عام 1962 وما ذكره دباشي عنه لأنني تذكرت كتاباً حديثاً نسبياً لباحث هندي يتناغم معه في العنوان هو «إغراءات الغرب» صدر عام 2006، الباحث الهندي هو بانكاج مشرا الذي يختلف عن المؤلف الإيراني في أن كتابه مؤلف بالإنجليزية، الأمر الذي يزيد من احتمالات انتشاره، مع أن كون مؤلفه هندياً ليس مما يخدمه عند كثير من القراء غير الغربيين، فقد اعتدنا أن ننظر باحترام إلى ما يصدر عن أوروبا وأميركا أكثر مما يأتي من غيرهما من جهات العالم، أن نهتم بكتاب صادر في فرنسا أكثر من كتاب صادر في الصين أو أندونيسيا بغض النظر عما يمكن أن يحمله الكتاب أو يطرحه المؤلف.
تلك الفجوة هي ما يبدو أن الباحثين الإيراني والهندي معنيان بها، كما توحي بذلك العروض والمراجعات المتوفرة للكتابين، ففي العنوانين إشارة ضمنية إلى ما أشير إليه بـ«نقد المستعمَر» (بفتح الميم). أجل بفتح الميم لأننا اعتدنا أن نقرأ نقد المستعمِر بكسر الميم، والاعتياد ناجم عن كثرة النقد الموجه للدول الاستعمارية للكشف عن تاريخها المظلم والآثار المدمرة للاستعمار. النقد ما بعد الاستعماري معني بذلك النقد، كما هو معروف، فلا غرابة أن يتجه التفكير إلى القوى الاستعمارية بدلاً من المناطق التي وقع عليها الاستعمار. ومع ذلك فإن النقد ما بعد الاستعماري لم يتجاهل المجتمعات التي وقع عليها الاستعمار فهي موضع نقد أيضاً، وإن لم يكن بالكثافة التي انصبت على القوى الاستعمارية. على أن من الضروري فهم النقد هنا على أنه الكشف عن مواطن الخلل على اختلاف أشكاله في الخطاب الثقافي والسياسي، أي تقييم ذلك الخطاب وليس الاكتفاء بتحليله والكشف عن سماته أو تأريخه.
أحد النقود التي وجهت إلى كتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد هي أنه لا يعرف الشرق الذي يدافع عنه في وجه التنميط الاستشراقي والتعسف أو العنف في التعامل معه. يقول بيرنارد لويس، المستشرق البريطاني - الأميركي، إن سعيد لا يعرف تاريخ المنطقة، ويخلط كثيراً من الأمور بشأن ما يسميه الشرق (ولويس، كما هو معروف، ممن اتهمهم سعيد بالتعاون مع القوى الغربية في سياساتها الإمبريالية). وما يقوله لويس في نقده ينطوي على مسائل وجيهة ويصعب إنكارها، منها اختصار سعيد الشرق كله في الشرق الأوسط، وعدم تحريه الدقة في بعض المعلومات التاريخية التي يوردها. ولويس، كما هو معروف، ومهما قيل في تحيزه يظل عالماً بتاريخ العالم الإسلامي وبعض الثقافات الشرقية ولغاتها على نحو لا يتوفر لباحث مثل سعيد أفنى جل عمره في دراسة الآداب والثقافات الغربية بوصفه متخصصاً فيها. ولكن بغض النظر عن أهمية نقد لويس وتأثيره على أطروحة سعيد بشأن الاستشراق، ما يبدو صحيحاً هو أن نقد الاستشراق نقد لخطاب غربي حول الشرق، وليس نقداً أو تحليلاً للبلاد التي تقع تحت ذلك المسمى، هو نقد للمستعمِر وليس للمستعمَر. ذلك أن سعيد عني بنقد ما عرف لاحقاً بالخطاب الاستعماري أكثر من عنايته بالثقافات أو المجتمعات التي وقع عليها الاستعمار، وهو ما انصب عليه اهتمام الحقل الذي تطور فيما بعد وعرف بنقد ما بعد الاستعمار، وهذا النقد جعل أوضاع البلاد المستعمرة ضمن اهتماماته وإن لم تكن في بؤرة تلك الاهتمامات.
النقد ما بعد الاستعماري تطور لدى باحثين عنوا بدراسة الجانبين معاً: ما يصدر في الغرب متضمناً رؤى ومواقف تجاه البلاد المستعمرة سابقاً ودراسة أوضاع تلك البلاد من النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية في علاقة ذلك كله بالاستعمار. ومن أمثلة ذلك عناية المفكرة الهندية غاياتري سبيفاك، بدراسة خطاب التابع في الهند، أي الخطاب السياسي والاجتماعي المقاوم للاستعمار لدى فئة التابعين أو المهمشين. وكان ذلك الخطاب موضوع بحث وتحليل لعدد من المفكرين الهنود، لعل أشهرهم المؤرخ الهندي راناجيت غوها (Guha) الذي اشتهر بانتمائه إلى «مجموعة دراسات التابع» (سبالترن قروب) (وكلمة «سبالترن» subaltern اشتقت من استعمال الجيش البريطاني لها في الرتب العسكرية، فهي الرتبة الأقل من رتبة ضابط، التي تسمى في بعض الجيوش «ضابط صف»). تركزت تلك الدراسات على الطبقات الدنيا في المجتمع الهندي، لا سيما طبقة الفلاحين، الذين حفلت علاقتهم بالمستعمر البريطاني بالثورات الرافضة لوجوده. عبرت سبيفاك عن إعجابها بدراسات تلك المجموعة من الباحثين الهنود لكنها تحفظت على تجاهلهم للصوت النسائي، الصوت الذي قالت إنه محروم من القدرة على الكلام أو الاحتجاج. ذلك هو موضوع مقالة شهيرة لها بعنوان «هل يستطيع التابع أن يتكلم؟».
الروائية والناقدة المصرية رضوى عاشور، توقفت عند مسألة متصلة بالعلاقة بين الذات الثقافية والمهيمن الكولونيالي في دراستها لرواية «الساق على الساق» للشدياق التي اعتبرتها الرواية العربية الأولى، ضمن كتاب لها بعنوان «الحداثة الممكنة» (2009). وجدت عاشور أن بعض النقاد العرب يرون أن تحقيق الحداثة الغربية يقتضي اعترافاً بالانحطاط والقطيعة مع التراث، وترى أن ذلك لون من ألوان الاستشراق الذاتي: «النظرة الاستشراقية للذات نظرة ترى في الاعتراف بانحطاط الأنا وتخلفها شرطاً أساسياً من شروط حداثة تعتبرها علاجاً روحياً وعقلياً، ثم المفارقة العجيبة في السعي إلى التحرر والنهوض عبر هذه الحداثة رغم كونها هي نفسها ركيزة من ركائز الهيمنة الكولونيالية». هذا النقد للذات هو نقد للتابع حين لا يرى تبعيته، التبعية التي سبق لعاشور أن تتبعتها في كتابها السابق «التابع ينهض»، وهي أيضاً التي بدت لي واضحة في كتابي «استقبال الآخر: الغرب في النقد العربي الحديث» (2004).
يظل مالك بن نبي بطبيعة الحال رائداً لهذا اللون من النقد، وذلك من خلال مفهوم «القابلية للاستعمار». في كتابه «شروط النهضة» طرح بن نبي ذلك المفهوم شارحاً إياه بأنه لون من ألوان الخضوع للمستعمر يشعر فيه المستعمر الأفراد «المستَعمرين (الأهالي) بتفوقه عليهم وعدم قدرتهم على إدارة شؤون حياتهم من دونه، ودونيتهم في كل شيء». المفارقة هنا هي أن المفكر الجزائري ألف كتابه، الذي يتألف من مجموعة من المقالات ذات الطابع الصحافي، بالفرنسية ليترجم لاحقاً بعد وفاته. وهي مفارقة لا تدل بالطبع على خضوع بن نبي نفسه للقابلية للاستعمار، لكنها تؤكد عمق الإشكالية التي يتحدث عنها. لكن الأهم من ذلك هو أن أطروحة بن نبي لم تتطور فكرياً في صورة نظريات ومفاهيم تختط تياراً يمكن الإشارة إليه في دراسة العلاقة بالاستعمار.
تبقى أهميته في أنه وجه نقده ليس إلى القوى الاستعمارية وإنما إلى من وقع عليه الاستعمار. وواضح أن بن نبي يرى ذلك النقد خطوة أساسية للنهوض، وواضح أيضاً أن الثقافة العربية منذ بن نبي بل وقبله مليئة بالنقد الذاتي، وأن ذلك يشغل حيزاً واسعاً من الكتابات العربية منذ بدايات العصر الحديث، سواء لدى طه حسين أو غيره، لكن ذلك النقد لم يتبلور، حسب علمي، في نظريات أو فلسفات متماسكة أو ذات معالم واضحة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«موسم الرياض» يعود بفعاليات استثنائية وتجارب متنوعة

تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
TT

«موسم الرياض» يعود بفعاليات استثنائية وتجارب متنوعة

تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)
تركي آل الشيخ تحدَّث في فيديو حول «موسم الرياض» عن دعم وتمكين القيادة السعودية للقطاع (هيئة الترفيه)

أطلق «موسم الرياض» نسخته السابعة بفعاليات وتجارب ترفيهية وبطولات رياضية عالمية، وحفلات غنائية وعروض مسرحية متنوعة، استعرضها المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة هيئة الترفيه السعودية (GEA)، في مقطع فيديو نشره على منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

وأعلن آل الشيخ عودة «موسم الرياض» بفعاليات وتجارب ترفيهية متنوعة، وبطولات رياضية استثنائية، وحفلات غنائية وعروض مسرحية مختلفة فيها، مثمناً دعم وتمكين خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لقطاع الترفيه.

وتضمن الفيديو لقطات لأبرز البطولات والأحداث الرياضية التي يشهدها الموسم، وفي مقدمتها بطولة «Six Kings Slam» للتنس، التي تجمع نخبة من أبرز نجوم اللعبة عالمياً، ونزالات «Mexico vs. The World»، حيث يتصدرها النزال المرتقب بين الملاكم المكسيكي كانيلو ألفاريز والفرنسي كريستيان مبيلي.

ويشهد الموسم بطولات «Zuffa Boxing» التي تقدم مواجهات احترافية في الملاكمة، و«UFC» للفنون القتالية المختلطة، وعرض «WWE Crown Jewel» الذي يجمع أبرز نجوم المصارعة العالمية.

كما يضم فعالية «Power Slap» التي تجمع نخبة من المتنافسين في هذه الرياضة، ومهرجان الإثنوسبورت الثقافي الذي يسلط الضوء على الرياضات والألعاب التقليدية، ويقدم منافسات وأنشطة ثقافية مصاحبة.

واستعرض الفيديو مجموعة من مناطق الموسم ووجهاته الترفيهية، بينها «بوليفارد وورلد» التي تجمع ثقافات وتجارب مستوحاة من دول العالم، وتشهد هذا العام إضافة 4 دول جديدة هي أوزبكستان واليمن وهولندا والبرتغال، في حين تقدم «وندر جاردن» ألعاباً وتجارب ترفيهية متنوعة في أجواء مستوحاة من عالم الخيال والطبيعة.

وتجمع منطقة «بوليفارد سيتي» العروض المسرحية والتجارب التفاعلية والمطاعم والمقاهي، بينما يقدم «سوق المزارعين» المنتجات الزراعية والمحلية، وتقام تجربة «متاهة الحصن» تقام لأول مرة بتحديات تفاعلية ومغامرات داخلها، كذلك تحتوي وجهة «سفن الحمراء» الترفيهية على تجارب وأنشطة متنوعة.

وشملت اللقطات منطقة «شتاء الديرة» التي تقدم تجارب ثقافية وتراثية تستحضر تاريخ الرياض وأسواقها القديمة، فيما تجمع «فيا رياض» المطاعم الراقية والتسوق والتجارب الفاخرة، وتتيح «ذا جروفز» تجربة حديقة مفتوحة تضم المطاعم والمقاهي والعروض الحية والأنشطة الترفيهية.

ويُمكن لزوار «حديقة الحيوان» في الرياض مشاهدة أنواع متعددة من الحيوانات والاستمتاع بالتجارب العائلية، بينما تحتضن «حديقة السويدي» سبع ثقافات من حول العالم، تشمل اليمن وباكستان والسودان والفلبين وإندونيسيا وبنغلاديش والهند، عبر العروض الفنية والمأكولات الشعبية والمنتجات التقليدية والتجارب الثقافية المتنوعة.

وتطرق الفيديو إلى حفلات غنائية يحييها أشهر الفنانين على مسارح الرياض، وعروض مسرحية متنوعة يقدمها نخبة من أبرز نجوم المسرح العربي، ضمن برنامج ترفيهي يجمع مختلف الفنون والتجارب التي تلبي اهتمامات شرائح واسعة من الجمهور.

ورحّب آل الشيخ بالجمهور، قائلاً: «أهلاً وسهلاً بكم في موسم الرياض»، الذي تشهد نسخته السابعة برنامجاً متنوعاً من الفعاليات والتجارب المحلية والعالمية، بما يعزز مكانة العاصمة السعودية كوجهة عالمية رائدة للترفيه.


وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)
TT

وفاة الممثل توم سكيريت الحائز جائزة إيمي عن سن 93 عاماً

 توم سكيريت (رويترز)
توم سكيريت (رويترز)

توفي الممثل توم سكيريت، الحائز جائزة إيمي، الذي اشتهر بأداء أدوار شخصيات تتسم بالرصانة والسلطة الممزوجة بالسخرية، سواء في دور مدرب الطيران في فيلم «توب جن»، أو قائد الشرطة الحازم والمنصف في المسلسل التلفزيوني «بيكيت فنسز» أو قائد المركبة الفضائية الذي يلقى حتفه في فيلم «إليان» عن عمر 93 عاماً.

وقالت عائلة سكيريت في بيان إنه توفي أمس الأربعاء لأسباب طبيعية. وجاء في البيان: «بينما عرفه العالم من خلال مسيرته التمثيلية الاستثنائية، عرفناه نحن بروح دعابته وفضوله وحكمته وكرمه والحب الذي غمرنا به في حياتنا».

وتم ترشيح سكيريت مرتين لجائزة إيمي، في المرتين عن دوره في مسلسل «بيكيت فنسز» وفاز عام 1993 بجائزة أفضل ممثل رئيسي في مسلسل درامي.

ومن أبرز محطات مسيرته الفنية أيضاً تجسيده دور الزوج المتفهم للممثلة شيرلي ماكلين في فيلم » تيرنينج بوينت» أو (نقطة تحول).


لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
TT

لغز لوحة «ليلة النجوم»... كيف رسم فان غوخ كوكبة الثور من داخل مصحته العقلية؟

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)
لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

في خضم النوبات الذهنية العنيفة التي كادت تعصف بعقله، اتخذ الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ قراراً مصيرياً في مايو (أيار) من عام 1889 بالدخول طواعية إلى مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا. هناك، بين الجدران الصامتة وفي غمرة العزلة الخانقة، عاش الفنان الفترة الأكثر إنتاجاً وزخماً في حياته، حيث كانت إدارة المصحة قد خصصت له غرفتين، إحداهما للنوم، والأخرى استعملها كمرسم مؤقت ليصارع من خلالها خطوط المرض اللامرئية.

الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ (ويكيبيديا)

نافذة المصحة تفتح أبواب الكون

ومن وراء قضبان نافذته الضيقة التي كانت تطل على حقل من القمح وسماء الجنوب الفسيحة، لم يكن فان غوخ يستسلم لهلاوسه، بل كان يطوّع الطبيعة بالريشة، ليتضح اليوم أن تلك النافذة لم تكن تطل على الفراغ، بل كانت بوابته الشخصية لتوثيق الكون بدقة علمية مذهلة.

وقد تحوّلت لوحته الشهيرة «ليلة النجوم» (The Starry Night) إلى محور نقاش علمي وفني مثير، بعد أن كشف باحثون ومختصون في علم الفلك عن مفاجأة غير متوقعة تقلب المفاهيم التاريخية السائدة حول عبقرية هذا الفنان المثير للجدل.

فلطالما اعتقد نقاد الفن لقرابة قرن ونصف قرن من الزمان أن تلك الدوامات اللامعة والنجوم المتفجرة في سماء اللوحة كانت مجرد نتاج هلوسات بصرية أو تدفقات من الخيال المحض الذي تغذى على العزلة والاضطراب النفسي.

غير أن العلم المعاصر جاء ليثبت العكس تماماً، مؤكداً أن ما خطّته ريشة الفنان المضطرب لم يكن سوى وثيقة فلكية شديدة الدقة ترصد حركة الأجرام الكونية كما بدت في ليلة صيّاد حقيقية، وليس بناءً على الخيال المحض.

وتكتسب هذه الدقة الفلكية بعداً درامياً هائلاً، إذ أشارت كتب التاريخ أن إدارة المصحة كانت تمنع الفنان من الخروج إلى الحديقة ليلاً خشية انتكاسه الصحي وسقوطه في نوبات الصرع، ما يعني أن فان غوخ كان يقف لساعات طوال يتأمل المشهد ويحفظه عبر القضبان الحديدية لزنزانته، ثم يقوم برسمه نهاراً من الذاكرة البصرية بدقة هندسية تفوقت على أعتى تليسكوبات عصره.

غرفة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ داخل مصحة «سان بول دو موزول» للأمراض العقلية في منطقة «سان ريمي دو بروفانس» بجنوب فرنسا (ويكيبيديا)

العزلة التي رصدت حركة المجرات

لطالما نظر نقاد الفن إلى الأشكال الحلزونية والدوامات المضيئة في لوحة «ليلة النجوم» على أنها انعكاس مباشر للاضطراب النفسي وتجسيد بصري للشيزوفرينيا أو الصرع الذي عانى منه. لكن الكشف الفلكي الحديث الذي نشرته مجلة «Nature» بالتعاون مع متحف الفن الحديث في نيويورك (MoMA) جاء ليعيد الاعتبار لعقل الفنان الأسير، حيث أثبتت المحاكاة الفلكية أن فان غوخ كان يرسم بوعي فائق، ويقظة بصرية صارمة عاكساً تفاصيل سماء حقيقية ظهرت في أفق فرنسا قبل فجر يوم 22 يوليو (تموز) 1889.

رسالة تاريخية نادرة يحمل جزؤها العلوي الرقم 593 كتبها فان غوخ لشقيقه ثيو عام 1889 ليرصد فيها سماء الفجر قبل أن يخلدها علمياً وفنياً في لوحة «ليلة النجوم» (متحف فان غوخ - أمستردام)

هذا التناغم الكوني المذهل لم يكن وليد الصدفة، بل وثّقه الفنان بنفسه في رسائله التاريخية المؤثرة إلى شقيقه «ثيو»، إذ كتب له في إحداها قبل رسم اللوحة بأسابيع واصفاً المشهد الفجري: «رأيت هذا الصباح الريف من نافذتي لفترة طويلة قبل شروق الشمس، ولم يكن هناك سوى نجمة الصباح التي بدت كبيرة جداً»، ونجمة الصباح هذه التي بهرته لم تكن في الحقيقة سوى كوكب الزهرة الذي أثبتت المحاكاة الفلكية المعاصرة وجوده في المكان ذاته.

وفي ذلك التوقيت المقدر، بدت سماء ما قبل الفجر فوق منطقة سان ريمي دو بروفانس في فرنسا متطابقة تماماً مع التشكيل الملحمي للوحته، حيث يظهر هلال متضائل واضح، وإلى جواره كوكب الزهرة المتوهج، وعنقود «القلائص» (Hyades) النجمي، وهي الأجرام الثلاثة التي بدت في تلك اللحظة التاريخية متقاربة معاً في الفضاء.

كوكبة الثور ولغز الهالات الصفراء

لم يتوقف التطابق عند حدود المظهر العام، بل امتد ليشمل تفاصيل هندسية بالغة الدقة أثبتها تحليل الأشكال والمواقع داخل اللوحة. فقد أكد التحليل البصري وجود تطابق علمي قاطع بين 5 نجوم مركزية، رسمها الفنان وتتوسط المشهد، وعنقود «القلائص» النجمي الذي يمثل جزءاً أصيلاً ورئيسياً من كوكبة الثور.

وتُظهر المقارنات العلمية المستندة إلى الدراسة المشتركة، أن ريشة فان غوخ وضعت في مواضعها الصحيحة هندسياً كلاً من القمر وكوكب الزهرة، بالإضافة إلى نجم الدبران اللامع ومجموعة هياديس النجمية التي تتضمن النجوم الفردية الدقيقة لكوكبة الثور وهي: غاما تاوري، ثيتا تاوري، دلتا تاوري، إبسيلون توري.

ويظل اللغز الأكبر كامناً في تلك الدوامات الحلزونية والهالات الضخمة التي تحيط بالنجوم والقمر، إذ يرجح بعض الأطباء والمؤرخين أن العقاقير الطبية التي كان يتناولها الفنان داخل المصحة، ولا سيما مستخلصات نبات «الديجيتالس» ويُعرف علمياً في العصر الحالي باسم «نبات القمعية» أو «قفاز الثعلب» (Foxglove) لعلاج الصرع، كانت تسبب عارضاً بصرياً جانبياً يجعل المريض يرى الأجرام محاطة بهالات مشعة، ما يعني أن اللوحة مزجت بعبقرية بين حقيقة السماء الفلكية وحقيقة الرؤية البصرية الواقعية للفنان تحت تأثير العلاج.

لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان غوخ «ليلة مرصعة بالنجوم» (The Starry Night) (ويكيبيديا)

مسح السماء الرقمي يوثق العبقرية

تأتي القيمة العلمية المضافة لهذا الاكتشاف الفلكي من خلال الاعتماد الفني المتبادل على مسح السماء الرقمي الثاني، وهي البيانات المرجعية المتقدمة الموثقة من قِبل المختبر الوطني لأبحاث الفلك البصري والأشعة تحت الحمراء التابع لمؤسسة العلوم الوطنية الأميركية ورابطة الجامعات لأبحاث الفلك (NOIRLab/NSF/AURA/Digitized Sky Survey 2).

لقد قدم هذا المسح الرقمي المتقدم الدليل الملموس والقاطع على أن التوزيع النجمي في لوحة فان غوخ لم يكن مجرد عشوائية تشكيلية أو شطحة لونية، بل كان تجسيداً عبقرياً لحركة ومواقع الكون الحقيقي الذي رآه الفنان وعاش تفاصيله بعقله وروحه من وراء قضبان المصحة العقلية.

قبر فينسنت فان غوخ وإلى جواره شقيقه ثيو في فرنسا، اللذان خلّد التاريخ رسائلهما المتبادلة كواحدة من أعظم قصص الدعم الإنساني والفني في التاريخ. (ويكيبيديا)

فبعد أن دخل فان غوخ المصحة عام 1889 غادرها في مايو (أيار) 1890 متوجهاً إلى بلدة «أوفير سور أواز»، حيث توفي هناك سريعاً في يوليو (تموز) 1890، تاركاً خلفه هذه التحفة الفنية الخالدة لتظل شاهداً حياً على أن العبقرية الصارمة يمكنها أن تولد وتشرق من عتمة المعاناة والمصحات.