منير الملائكة: كانت نازك سيمفونية موسيقية تصدح في أركان منزلنا

خال الشاعرة تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن طفولتها وذكرياته الشخصية معها

نازك الملائكة في صورة مع خالها منير الملائكة
نازك الملائكة في صورة مع خالها منير الملائكة
TT

منير الملائكة: كانت نازك سيمفونية موسيقية تصدح في أركان منزلنا

نازك الملائكة في صورة مع خالها منير الملائكة
نازك الملائكة في صورة مع خالها منير الملائكة

> أولاً، ما معنى لقب الملائكة الذي حملته عائلتكم؟
الصدفة وحدها قادت خطاي إلى شقة منير الملائكة في منطقة الغاردن في دبي، خال الشاعرة الكبيرة نازك الملائكة التي تمر هذه الأيام الذكرى المئوية لمولدها. الصديق الصحافي اللبناني إبراهيم تونتجي هو الذي أخبرني بوجود خال نازك الملائكة الذي يحتفل هو الآخر بالذكرى المئوية لميلاده هذا العام. هكذا كانت زيارتي الأولى إليه ومن ثم تكررت، ومنها برفقة الشاعر الإماراتي عادل خزام، وإثرها اطلعت على مذكراته، إضافة لألبوم صوره العائلية التي تجمعه مع الشاعرة نازك الملائكة، فوجدتُه رجلاً بذاكرة خصبة ومتوقدة وهو يجتاز المائة عام حيث شغل مناصب رفيعة في الوظيفة والسلك الدبلوماسي المرموق، حاملاً ذاكرة السنوات الحلوة والمرة التي عاشها.
في هذا الحوار الحصري، يتحدث منير الملائكة عن ذكرياته عن ابنة أخته رائدة الشعر الحديث نازك الملائكة:


نازك تتوسط أطفال العائلة

ـــ كنا في السابق، نحمل لقب الجلبي. كان ذلك في عهد والي بغداد علي باشا سنة 1760 الذي حرص على التوفيق بين السنة والشيعة، مرة يصلي في جامع أبو حنيفة ومرة في الكاظمية ليعمل التوازن بين الطائفتين. وكان والي بغداد يعني حاكم منطقة تمتد من حدود تركيا إلى البحرين. كان ينزل في الدوخانة التابعة لنا، وهي مخصصة للضيوف تعود إلى جدي الخامس، حجي محمود وحجي محمد وهما أخوة، أولاد الحجي عبد الهادي درويش. كانت لجميع البيوت الكبيرة للأعيان دوخانة للضيوف، وهو تقليد في البيوت البغدادية. كان الوالي ينزل عندنا في «الدوخانة» عندما يأتي إلى الكاظمية عبر طريق صعب، من خلال عبور الجسر القديم، وامتطاء الخيول والعربات. فتولدت صداقة بين الوالي وبين والدي. وجاء لنا لقب الجلبي بفرمان صادر من الوالي منذ عام 1865، أي في أيام مدحت باشا، وكان جيراننا نائب الوالي عبد الباقي العمري الذي كان صديقاً لجدي، وهو شاعر قد كتب فينا بيتين من الشعر:
بيت تجاذبه التحدث بالوما فكأن مَنْ فيه ملائكة السما
وازدان بالأدب الرفيع وقد سما ولكاد فيه الصمتُ أن يتكلما
فبدأ الجيران يرددون: بيت الجلبي فيه ملائكة! وشيئاً فشيئاً أطلقوا علينا بيت الملائكة، بينما ظل لقب بيت عمي عبد الجبار هو الجلبي، وبعد ذلك أدخلنا لقب الملائكة في شجرة العائلة لعشرين جيلاً وتم تسجيله رسمياً.
> من المعروف أن الشاعرة نازك الملائكة ولدت في عائلة مثقفة، هل يمكن أن تشرح لها البيئة التي ترعرعت فيها؟
ـــــ تماماً. ولدت نازك في أسرة مثقفة، وكانت والدتها أي أختي سلمى عبد الرزاق تنشر الشعر في المجلات والصحف العراقية باسمها الأدبي «أم نزار الملائكة»، أما أبوها صادق الملائكة فترك مؤلفات أهمها موسوعة «دائرة معارف الناس» في عشرين مجلداً. وهكذا فتحت نازك عينيها على مكتبة عامرة في البيت.
> نازك اسم غريب في العراق، كيف تم اختياره إذا أسعفتك الذاكرة؟
ـــ اختار والدها اسم نازك تيمناً بالثائرة السورية نازك العابد التي قادت الثوار السوريين في مواجهة جيش الاحتلال الفرنسي عام ولادتها في 1923.
> لماذا غادرت نازك الملائكة العراق، هل هناك أسباب خاصة؟
ــــ من المعروف أنها كانت تدرّس في جامعة بغداد ثم جامعة البصرة ثم جامعة الكويت، كما عاشت في بيروت لعام، ثم سافرت على خلفية حرب الخليج الأولى في عام 1990 إلى القاهرة، وفضلت البقاء هناك إلى سنة وفاتها. وقد قامت مصر بتكريمها حيث أقامت دار الأوبرا المصرية احتفالاً خاصاً لها بمناسبة مرور نصف قرن على انطلاقة الشعر الحر في الوطن العربي، وذلك في عام 1999 لكنها لم تتمكن للأسف الشديد من الحضور بسبب المرض، إذ حضر زوجها الدكتور عبد الهادي محبوبة عوضاً عنها. ومن الجدير الذكر أن لها ابناً واحداً هو البراق عبد الهادي محبوبة.
> هل عشت في بيت واحد مع الشاعرة نازك الملائكة؟
ــ نعم في منزلنا لبعض الوقت حسب ما أملته الظروف، وكنا قد ولدنا في العام ذاته، 1923 بفارق ثلاثة أشهر تقريباً أكبر مني. عشنا نحن الثلاثة، نازك الملائكة وأخي الدكتور نزار الملائكة، وهو أكبر من نازك بسنة، وأنا. بقينا في منزل العائلة الكبير إلى عام 1929 حيث انتقلت نازك إلى بيتهم الجديد في الكرادة، أما نحن فغادرناه في عام 1938 بعد أن استولت عليه الدولة من أجل شق الطرقات والشوارع. ثم أخذنا نلتقي في بيتهم بالكرادة.

منير الملائكة

> هل بدأ اهتمام نازك الملائكة بالشعر مبكراً؟
ــــ نعم. أتذكر وهي طفلة كتبت قصيدة باللهجة الدارجة عن جارتنا التي أنجبت بنتاً، وكان عمرها آنذاك عشرة أعوام، تصلح للغناء: «اليوم نرجس جابت بنت في السلة، عيني يا نرجوزة حضّري الملا».
كانت نازك تتميز بحساسية بالغة، وتعتني بالحيوانات، وتحب القطط منذ صغرها.
> هل تتذكر ماذا كانت تقرأ وما هي مصادر معارفها؟
ـــ كان والدها صادق الملائكة أستاذاً في الثانوية، يمتلك مكتبة كبيرة، وكذلك نحن كنا نمتلك مكتبة كبيرة بمنزلنا في العاقولية، لكن أحد الأعمام أساء التصرف وأقدم على بيعها بمبلغ قدره 250 ليرة ذهب، وهو مبلغ يكفي لبناء ثلاثة بيوت آنذاك. ومن العجيب أنني رأيت بأم عيني بعض هذه الكتب في متحف الفاتيكان، مكتوب عليها اسم حجي جواد عبد الرزاق، أي عمي، ومن بينها مخطوطات ثمينة، وكتب قديمة، تحتوي على الشعر والأدب والتاريخ. وبذلك فقدنا ثروة لا تقدر بثمن. كانت مكتبة العائلة متاحة لنازك.
> كيف كان تعليمها ودراستها؟
ـــ درست نازك الابتدائية في الكرادة، ثم انتقلت إلى العاقولية في الثانوية المركزية للبنات وسكنت معنا في المنزل الكبير، لأن الكرادة لم تكن تتوفر على مدرسة متوسطة. كان والدها يدرّس في الثانوية المركزية، ويأتي إلى منزلنا آخر الأسبوع يوم الخميس ليأخذها معه، إذ يركبان «ماتور الماء» في دجلة، ثم يترجلان للسير على الأقدام إلى منزلهم. كان ذلك في عام 1934، وقد سجلت تلك الذكريات في مشروع كتابي «ذكريات بغدادي في مائة عام» الذي سيصدر قريباً. وبعد تخرجها من دار المعلمين العالية عام 1944، دخلت معهد الفنون الجميلة وتخرجت من قسم الموسيقى عام 1949، وفي عام 1959 حصلت على شهادة ماجستير في الأدب المقارن من جامعة ويسكونسن - ماديسون في أميركا، ثم عينت أستاذة في جامعة بغداد وجامعة البصرة ثم جامعة الكويت كما هو معروف.
> هل واجهت نازك الملائكة معارضة لشعرها آنذاك سواء من قبل الشعراء أو المؤسسات الثقافية؟
ــــ كان الشائع أن نازك الملائكة بدأت بكتابة الشعر الحر الذي لا وزن له، وفي الواقع، لم يكن كذلك، لأنه كان موزوناً لكنها كسرت البيت الشعري التقليدي، فقام الشعراء الكلاسيكيون آنذاك بشّن هجوم عنيف عليها، لكنها كانت ملتزمة بخطها ولم تتخل عن خيارها في التجديد. وكان الجميع ضدها حتى الحكومة لأنها اعتبرت شعرها تطرفاً ضد تراث شعري عمره ألف عام. أعتقد أنها دشّنت الشعر الحر بكتابة قصيدتها الشهيرة «كوليرا» في عام 1947 كما هو معروف.
> لكنها بدأت بكتابة الشعر الحر في فترة زمنية مقاربة جداً للشاعر بدر شاكر السياب وزميلين لهما هما الشاعران شاذل طاقة وعبد الوهاب البياتي، هل هي الرائدة في نظرك؟
ــــ بالنسبة لنا نازك الملائكة كانت الرائدة في هذا المجال رغم ما ذكرت لأن الصحافة والرأي العام والشعراء الكلاسيكيين شنوا عليها حملة، ولم نكن نتوقع ذلك، ولربما ما كان مثيراً آنذاك أن تقوم امرأة بخرق القواعد الشعرية السائدة في زماننا، إذ كان الشعر العمودي مقدساً، باعتباره جزءاً من التراث. لكن نازك كانت تقرأ الشعر الإنجليزي كثيراً وقد تأثرت به، ولعلاقتها الإنجليزية قصة مثيرة.
> كيف؟
ــــ لاحظ أستاذها في المدرسة أنها متقدمة في اللغة الإنجليزية، وكانت الأولى في صفها، لذلك اقترح إرسالها إلى أميركا ببعثة من قبل وكالة التنمية الأميركية لمدة عام كامل من أجل دراسة اللغة والاطلاع على الجامعات الأميركية. وبعد ذلك، عادت إلى بغداد في عام 1950، عند عودتها أرادت أن تتعين في الجامعة إلا أن وزير المعارف آنذاك خليل الكنة لم يوافق على تعيينها حتى تدخلت شخصياً إذ كنت أعمل مع وزير الزراعة عبد الرسول الخالصي، وطلبت منه أن يتوسط عند وزير المعارف، لكنه لم يفعل ذلك لأنه أخبرني بأن هذا الرجل صعب المراس. لكن التغيير الذي حصل أن منير القاضي أصبح وزيراً للمعارف بالوكالة، وهو أستاذ جامعة، فطلبت ثانية من وزير الزراعة أن يتوسط عند وزير المعارف الجديد بالوكالة، فوافق على تعيينها في مكتبة الجامعة، وكانت لديها موظفات مساعدات، فكانت فرصة كبيرة لها للقراءة، ولكنها لم ترض بذلك المنصب، فقررت العودة إلى أميركا حيث حصلت على بعثة حكومية لسنتين، وحصلت على الماجستير في الأدب المقارن، ثم عادت إلى بغداد، فعينوها في الجامعة على الفور.
> حدثنا عن علاقتك الحميمة بنازك الملائكة؟
ـــــ ترتبط نازك الملائكة بذاكرتي لأننا من العمر نفسه، ولا تزال مكانتها في وجداني ذات أهمية كبيرة، لأنني وجدت فيها امرأة ذات حساسية عالية، وتقدر الآخرين وتصغي لهم، وهي واسعة الاطلاع، تغني الجلسات بمعارفها وثقافتها. أذكر جيداً أننا كنا نتناقش إلى ساعات متأخرة من الليل، وكان وعيها يتقدم علينا جميعاً لأنها كثيرة القراءة. وكانت تهتم ببرامج الشعر في الإذاعة المصرية، وهي تحب مصر كثيراً، وتقتني مجلاتها وصحفها وكتبها. وتأتينا بآخر أخبارها رغم عدم اهتمامها بالسياسة كثيراً. وكانت أحاديثها تتميز باللباقة والفصاحة والوضوح. وكان وجهها صبوحاً فرحاً باسماً ومستبشراً، وتتوهج بحب الحياة والمعرفة. يمكنني القول إن نازك الملائكة كانت سيمفونية موسيقية تصدح في أركان منزلنا. وما زلت أسمع صدى تلك الموسيقى التي لا تفارقني: شعرها وصوتها وأنغامها. ولي معها ومع أخواتها ذكريات كثيرة من زمن الطفولة، وكان لها تأثير كبير علينا جميعاً، إذ هي من حببت في نفوسنا اللغة العربية من خلال ما كانت تتمتع به من ذخيرة لغوية كبيرة، تجعلنا نقترب من صميم اللغة وعمقها من خلال طرحها التساؤلات والمباراة في معرفة معاني الكلمات.
> ما هي الصدمة التي عانت منها نازك الملائكة في حياتها؟
ــــ يمكنني القول إنها وفاة والدتها حيث رافقتها إلى لندن، وطغى عليها الحزن، وكنتُ حينها هناك، فاستقبلناهما في المطار مع صديقي القنصل العراقي محسن الجزائري، حيث كانت سيارة الإسعاف في انتظارها، وذهبنا بهما إلى المستشفى مباشرة لأنها كانت تعاني من السرطان. وبعد العملية لم تستيقظ من التخدير، فكانت صدمة كبيرة لنازك لأن علاقتهما كانت حميمية للغاية، ومليئة بالعواطف والأحاسيس. ثم رتبنا مراسيم دفنها في لندن في عام 1935، ومن اعتزازها بذكرى والدتها، قامت بطباعة الديوان الذي كتبته، إذ كانت سليمة عبد الرزاق الملائكة شاعرة أيضاً.
> يعني أنكم عائلة شعراء، مَنْ من عائلتكم كانوا شعراء؟
ـــ أخي عبد الصاحب عنده ديوان، وأختي أم نزار عندها ديوان. وأمي شاعرة نظمت قصيدة من مائة بيت عن زيارتها لمكة انطلاقاً من بغداد. وأخي جميل الملائكة الذي كان أستاذاً في كلية الهندسة هو شاعر أيضاً، وسميت قاعة باسمه. ومن المفارقات التي تخطر على بالي أن سفيرة أستراليا في بغداد أطلقت اسم نازك الملائكة على قاعة في السفارة.
> كيف استقبلتَ خبر وفاتها وحيدة في مصر؟
ــــ كان أمراً محزناً للغاية. لقد مرضت، فتبرع الملك حسين بتحمّل نفقات علاجها في عمّان، وعندما سمع صدام حسين بذلك، أعلن عن تبرعه بتحمّل نفقات علاجها على حسابه لكن الملك رفض ذلك. إن رحيلها أثار في أعماقي مشاعر الحزن الكبير لأنني لم أتمكن من حضور مراسيم دفنها، وحتى أنها لم تكن تعلم بوفاة زوجها هادي محبوبة الذي كان رئيساً لجامعة البصرة، لأنها كانت متعبة، ولم يكن من المفضل إخبارها بهذا الخبر الحزين، خشية عدم تحملها الخبر وهي في حالة سيئة. وعندما توفيت اتصل نوري المالكي لجلب جثمانها من القاهرة، لكن الحكومة المصرية قامت بدفنها في مقبرة خاصة للعائلة غرب القاهرة في عام 2007 عن عمر يناهز 83 عاماً.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مصر: انتقاد الفنانين القدامى يثير تباينات حول حرية الرأي

الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
TT

مصر: انتقاد الفنانين القدامى يثير تباينات حول حرية الرأي

الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)

أثار تكرار وقائع انتقاد الفنانين القدامى تباينات حول حرية التعبير في مصر، متى تدخل التصريحات في إطارها... ومتى تتجاوزها لتصبح «إساءة». وكانت أحدث الوقائع جرت أخيراً حين وجَّه الممثل المصري الشاب أحمد عبد الله محمود تصريحات عدّتها أسرة الفنان الراحل، رشدي أباظة، وجمهوره تحمل «إساءة» لـ«دنجوان السينما المصرية».

وحضر أحمد عبد الله محمود جلسة تحقيق بنقابة المهن التمثيلية المصرية؛ بسبب الأزمة التي أثارتها تصريحاته التلفزيونية الأخيرة حول الفنان الراحل رشدي أباظة، والتي عدّها متابعون وأسرته تحمل «إساءة» للفنان الراحل.

وتصدَّر اسم رشدي أباظة قوائم البحث على «غوغل» بمصر، الثلاثاء، مع نشر تصريحات الفنان الشاب بشكل موسَّع حول أسطورة السينما المصرية، الراحل رشدي أباظة. وخلال التحقيقات أكد الفنان الشاب تقديره للفنان الكبير الراحل، ووصفه بأنه «أحد أعمدة الفن العربي»، وشدَّد على أنَّ ما بدر منه لم يكن بقصد الإساءة لتاريخ «الدنجوان»، وفق وسائل إعلام محلية.

وأبدى محمود اعتذاره لأسرة الفنان الراحل، وأكد احترامه الكامل لهم، كما قدَّم اعتذاره للأسرة الفنية، ونقابة المهن التمثيلية.

وسبقت هذه الواقعة وقائع عدة تعرَّض فيها ممثلون شباب لفنانين راحلين، ما عدَّه متابعون إساءةً للفنانين الراحلين، ومن ذلك توجيه الاتهام للفنانَين عمر متولي وزميله الفنان أحمد فتحي بإهانة الفنان الراحل شكري سرحان، ووقتها تقدَّم نقيب الممثلين الدكتور أشرف زكي باعتذار لأسرة الفنان الراحل.

وقبل أسابيع واجه الفنان أحمد ماهر أزمةً مشابهةً خلال حديثه عفوياً عن المخرج الراحل جلال توفيق، والد الفنانَين ياسر ورامز جلال، ما عدّه الفنانان إساءة لوالدهما، وأصدرا بياناً يرفضان فيه هذه التصريحات، وقدَّم لهما ماهر اعتذاراً بعد تدخل نقابة المهن التمثيلية في الأمر، واعتذار الفنان أشرف زكي أيضاً للفنانَين.

رشدي أباظة (موقع السينما دوت كوم)

ويرى الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، أن أي فنان من حقه أن يقول رأيه في فنان آخر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن إبداء الرأي بمحبة أو كراهية فنان معين يدخل في إطار حرية الرأي، «لكن المشكلة أننا أصبحت لدينا عصبية غير طبيعية في التعامل مع الأسماء الراحلة»، مشيراً إلى الضجة التي أُثيرت حول عمر مصطفى متولي حين قال عن شكري سرحان إنه أخذ أكثر من حقه، ووصفها بأنه «رأي شخصي، لكنه خرج من جلسة أصحاب على (البودكاست) إلى العلن فأصبح قضية».

وكان الفنان أحمد عبد الله محمود قد أشار للفنان رشدي أباظة بأنه لو كان حياً لحصل على نصف أجره بالأعمال الفنية «سيدات»، الأمر الذي تسبَّب في حالة غضب ورفض لهذه التصريحات من قبل أسرة الفنان وجمهوره، إلى أن تدخلت نقابة المهن التمثيلية للتحقيق في هذا الأمر.

وإن كان سعد الدين يرفض ما يسميه «التجاوز ضد الفنانين الراحلين والتباسط في الحديث عنهم»، فإنه في الوقت نفسه يتساءل عن «السبب في تدخل نقابة المهن التمثيلية في كل موضوع، وإجراء تحقيق، وفي النهاية ينتهي بالتصالح».

وأكد أن الفنانين الشباب الموجودين حالياً «يجب أن يعرفوا أنه لا يصح الكلام عن الجيل الأقدم من الرواد بشكل مسيء في الإعلام، خصوصاً في عالم (السوشيال ميديا)، الذي لم يعد يترك شاردة أو واردة».

ويرى الناقد والمؤرخ الفني المصري، محمد شوقي، أن «الآونة الأخيرة شهدت بالفعل تصريحات مستفزة عن رموزنا الفنية بشكل غير لائق، كما حدث من الفنان محمد ممدوح الذي صرَّح بأنه لا يحب الاستماع لأم كلثوم، والفنان أحمد فتحي من قبل حين قال إن شكري سرحان لا يستحق النجومية التي حصل عليها، وهناك أكثر من شخص تحدَّثوا عن إسماعيل ياسين وأنه لا يمثل ظاهرةً في الكوميديا، وهناك تصريحات نالت من فاتن حمامة تنكر عليها لقب (سيدة الشاشة العربية)».

ويفرِّق شوقي بين حرية الرأي في الفنانين وبين الإساءة لهم قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «التصريحات الأخيرة التي أطلقها الفنان أحمد عبد الله محمود، ابن الممثل الكبير الراحل عبد الله محمود، لا تليق أبداً، خصوصاً مع اللفظ الذي أطلقه وأزعج أسرته وجمهوره والنساء أيضاً».

وأشار المؤرخ الفني إلى أنَّ «رشدي أباظة كان يمثل نموذجاً لابن البلد الخلوق الذي يعرف الأصول ويعتني بكل مَن حوله، ولم يكن يحصل على أجره حتى يطمئن أن عمال موقع التصوير حصلوا على أجورهم، وله كثير من المواقف التي تشير إلى شخصيته الاستثنائية، حتى إنه في مرضه الأخير جاءه عرض سخي من الرئيس السادات لعلاجه على نفقة الدولة فقال (أنا أتعالج على نفقة الجماهير) في إشارة إلى أمواله التي هي من عائد التذاكر عن أعماله السينمائية». وعدَّ شوقي أنَّ «التطاول على الرموز الفنية مرفوض تماماً».

ويعد الفنان رشدي أباظة (1926 - 1980) من أبرز نجوم السينما المصرية وعُرف بألقاب مثل «الدنجوان»، و«فتى الشاشة»، وقدم كثيراً من الأفلام السينمائية الناجحة مثل «تمر حنة»، و«الرجل الثاني»، و«الزوجة رقم 13»، و«وا إسلاماه»، و«صغيرة على الحب»، و«كلمة شرف».


«دموع الفرح»...ما هي؟ وما فوائدها النفسية؟

البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
TT

«دموع الفرح»...ما هي؟ وما فوائدها النفسية؟

البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)

أحياناً، يغمرنا شعور بالفرح أو الحزن لدرجة تجعلنا نبكي. عادةً ما نربط الدموع بالحزن أو الألم؛ لذا قد يبدو غريباً أن يبكي الإنسان وهو سعيد. ومع ذلك، للبكاء آثار إيجابية على صحتنا النفسية، ويمكن أن يساعدنا على التحكم بمشاعرنا وتنظيمها، وفقاً لموقع «ويب ميد».

ما دموع «الفرح»؟

لا يُعرف بالضبط سبب ذرفنا دموع السعادة أو الفرح، أو كيف تختلف عن دموع الحزن أو الغضب. لكن بشكل عام، عندما نبكي نتيجة شعور إيجابي أو تجربة ممتعة، يُطلق على هذه الدموع «دموع الفرح».

الدموع ليست مجرد علامة على الحزن، بل يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنواع رئيسية حسب سبب ظهورها:

الدموع القاعدية: تبقى هذه الدموع في العين طوال اليوم، وتعمل كمرطب ومطهر. تحتوي على الماء والملح، إضافة إلى مخاط وزيت يحميان الدموع من التبخر.

الدموع النفسية أو العاطفية: تُذرف استجابةً لأحداث عاطفية، وتحتوي على هرمونات التوتر، وتساعد الجسم على التعامل مع المشاعر المكبوتة.

الدموع المُهيّجة: تنهمر عند دخول جسم غريب للعين أو التعرض لمهيجات، مثل الدموع الناتجة عن تقطيع البصل.

فوائد البكاء

يحفّز البكاء الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج، مثل الأوكسيتوسين والإندورفين. وعادةً ما يؤدي البكاء إلى شعور بالراحة النفسية وتحسن المزاج لاحقاً. لكن محاولة كبت الدموع أو الشعور بالخجل عند البكاء قد يكون له أثر معاكس، ويؤدي إلى تدهور الحالة المزاجية. كما تلعب الثقافة دوراً في تجربة البكاء؛ فالأشخاص في الدول الغنية غالباً ما يشعرون بالراحة والتفاؤل بعد البكاء.

أنواع دموع السعادة

أظهرت دراسة حديثة وجود أربعة أنواع رئيسية من الدموع الإيجابية:

دموع التسلية: تظهر عند الضحك الشديد، أو عندما تستمتع بشيء مسلٍّ إلى درجة لا تستطيع معها كبح دموعك.

دموع المودة: تنهمر عند شعور مفاجئ بالدفء والامتنان، مثل حضور حفل زفاف أو التفاعل العاطفي مع شخص عزيز.

دموع الجمال: تحدث عند الانبهار بمشهد طبيعي ساحر أو موسيقى مؤثرة، فتغمرنا الدهشة والجمال.

دموع الإنجاز: تظهر عند تحقيق هدف مهم أو التغلب على تحدٍّ، لتعكس شعوراً بالفخر والانتصار.

كيف تؤثر دموع الفرح على الصحة؟

تلعب دموع الفرح دوراً مهماً في الحفاظ على التوازن العاطفي. فالأشخاص الذين يبكون فرحاً عند شعورهم بالإرهاق العاطفي قد يتعافون بسرعة أكبر من المشاعر التي دفعتهم للبكاء. كما يمكن أن يشعر الإنسان بعاطفتين متضادتين في آن واحد استجابةً لموقف واحد، وهو ما يُعرف بالتعبير المزدوج. ويساعد هذا النوع من التعبير العاطفي على تنظيم المشاعر ومنعها من السيطرة على سلوك الفرد.


ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
TT

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً، فهناك حالة من التعطش الدائم للبقاء في ذلك العالم الذي خلقته المؤلفة، وتصويرها للحياة في عصر «الريجنسي» (أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر «1787– 1817» والمعروف بعصر الوصاية على العرش «Regency era») وبطلاتها اللواتي تحولن لأيقونات تغالب الزمن، من إليزابيث بينيت في «كبرياء وتحامل» إلى إيما وودهاوس في «إيما» وألينور وماري آن داشوود في «العقل والعاطفة»، وفاني برايس في «مانسفيلد بارك»، وصولاً لآخر وأنضج بطلاتها آن إليوت في «إقناع».

وقع القراء في حب بطلات أوستن، وافتتنت السينما والتلفزيون بهن، فتوالت الأفلام والمسلسلات والكتب المستوحاة من الروايات، ولا يكاد يمر وقت طويل حتى يعلَن عن معالجة درامية جديدة للروايات الشهيرة (لم تنجح أغلب المحاولات، ولكن ذلك لم يوقف الكتاب وصناع الأفلام والمسلسلات عن الدخول لمعترك إعادة روايات تلك الكاتبة للحياة مرات ومرات).

الأخوات بينيت في «الكبرياء والتحامل» عام 2005 (آي إم دي بي)

ميس أوستن

لم تتوقف المعالجات عند الدراما والسينما؛ بل تجاوزت ذلك لتتوالى الروايات الحديثة التي استلهمت موضوعاتها من الروايات «الأوستنية»، ولتتحول بعد ذلك بدورها لمعالجات درامية، لتظل الساحة مشبَّعة بشخصيات جين أوستن؛ سواء تلك التي كتبتها فعلاً، أو بالشخصيات المتخيَّلة التي نُسجت من القماشة ذاتها، وإن كانت النتائج ليست دائمة مقنعة ولا ذات مستوى يرقى لعبقرية جين أوستن.

ملصق مسلسل «ميس أوستن»

ودأب التلفزيون البريطاني على إنتاج الروايات درامياً بشكل مستمر. ومن بعد الروايات الأصلية لأوستن، انطلقت المعالجات الدرامية لوريثاتها. الأحدث في هذه السلسلة التي لا تنتهي كان مسلسل «ميس أوستن» من إنتاج «بي بي سي» الذي عرض قبل أشهر، وهو مأخوذ من رواية بالاسم نفسه للمؤلفة جيل هورنبي، صدرت عام 2020. الكتاب عن كاساندرا أخت جين أوستن، والتي كانت كاتمة أسرارها والعين الساهرة على سمعة أختها الراحلة، لدرجة أنها أحرقت جزءاً كبيراً من الرسائل الشخصية التي كتبتها جين أوستن في حياتها.

الشقيقة الأخرى

وفي انتظار الإنتاج الجديد من «نتفليكس» لرواية «الكبرياء والتحامل» المتوقع صدوره هذا العام، عرضت «بي بي سي» مسلسل بعنوان «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» وهو معتمد على رواية للكاتبة جانيس هادلو صدرت في عام 2020.

بدايةً، لا يمكن إغفال تأثير أسلوب جين أوستن على المؤلفة هادلو، فهي نسجت عالماً جديداً مستمد من عائلة بينيت في الرواية الأصلية. تبدأ أحداث «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» من النقطة نفسها التي انطلقت منها «الكبرياء والتحامل»؛ حيث يدور نقاش عائلي حول وصول رجل أعزب ثري للبلدة، والخطط التي تبدأ الأم في حياكتها لضمانه زوجاً لواحدة من بناتها الست. تتشابه أحداث كثيرة بين الرواية الأصلية ورواية هادلو؛ لكن المختلف في الرواية الجديدة هو أن المؤلفة أخذت شخصية ماري الشقيقة الوسطى لتنسج حولها قصة مختلفة.

في «الكبرياء والتحامل» شخصية ماري هزلية، تعاملها أوستن على أنها شخصية تحب القراءة ومطلعة بشكل كبير، ولكنها تفتقر للجاذبية والجمال اللذين كان المجتمع في ذلك الزمن يتطلبهما من أي فتاة لتصبح جديرة بإعجاب الخُطَّاب. طوال الرواية لا تثير شخصية ماري في القارئ سوى الشفقة أو النفور من تعليقاتها الجافة، وعرضها للمعلومات التي تقرأها كطريقة للتعليق المتعالي على تصرفات شقيقاتها.

رواية «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» لجانيس هادلو

ولكن جانيس هادلو قررت المغامرة بإخراج شخصية ماري من تلك الدائرة التي قبعت فيها. نجد أنفسنا أمام ماري التي تعيش مع التعليقات السلبية لوالدتها وشقيقاتها الأصغر سناً، تسمع بنفسها تعليق لوالدتها بأنها لن تستطيع الزواج بسبب افتقادها للجمال. وتقرر بينها وبين نفسها أن الكتب والقراءة وعزف البيانو هي كل ما يمكنها التميز فيه. ورغم أنها لا تستطيع -أو لا تريد- تحدي والدتها المسيطرة، فإنها تصر على ارتداء نظارة لتحسين نظرها، وهو أمر يعرضها للهجوم من والدتها، ولكن أيضاً للتشجيع من والدها.

في رواية هادلو تتزوج الشقيقات كلهن ما عدا ماري التي تعيش مع والديها، وبعد وفاة والدها تنتقل مع والدتها للعيش مع شقيقاتها؛ جين ثم إليزابيث، وفي الحالتين تجد نفسها محصورة في دور المرافقة لوالدتها المتذمرة دائماً. تحاول الهروب من وضعها لتنتقل للعيش مع عائلة خالها في لندن، وهنا ترى عالماً جديداً، وعائلة ترى فيها الميزات التي عجزت عائلتها القريبة عن رؤيتها وتقديرها. في لندن تتفتح شخصية ماري للحياة كما تتفتح الزهرة، ترى عالماً جديداً يقدِّر فيه الناس ثقافتها وميلها للقراءة، وتتعرف على شخصين يتنافسان على اهتمامها، ورغم يقينها بأن طريقها في الحياة لن يتوَّج بالزواج، فإنها تجد من يجد فيها الزوجة التي يريد.

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

الرواية تغامر بالدخول لعالم جين أوستن المعروف، والتقاط الشخصية الأقل تأثيراً على الأحداث، لتصنع منها بطلة، تتعمق في مشاعرها وأحاسيسها، وترينا تطور الشخصية من فتاة منزوية محبطة إلى فتاة ناضجة تتحدث بثقة عن قراءاتها وآرائها، وتدافع عن نفسها عند تطاول البعض عليها.

الرواية والمسلسل ينجحان في إضافة اسم جانيس هادلو في طابور طويل من المتأثرين والمتأثرات بأدب جين أوستن، ولكنها تدخل الطابور برواية لها أسلوب مميز، به مزيج من الفكاهة والجدية والتشويق.

ربما لن ينجح أي كاتب ولا كاتبة في إعادة أسلوب جين أوستن أو رواياتها، ولكن تبقى هناك تلك المساحة الصغيرة التي يمكن للكاتب الماهر تحويلها لملعبه الخاص، وخلق شخصيات لها طابعها الخاص، حتى لو كانت مستوحاة من روايات شهيرة.