مأساة مزدوجة يعيشها لاجئو جنوب السودان في الخرطوم

الآلاف منهم تركوا أماكن لجوئهم هرباً من القتال «من دون وجهة»

مواطنون من جنوب السودان يغادرون الخرطوم (أ.ف.ب)
مواطنون من جنوب السودان يغادرون الخرطوم (أ.ف.ب)
TT

مأساة مزدوجة يعيشها لاجئو جنوب السودان في الخرطوم

مواطنون من جنوب السودان يغادرون الخرطوم (أ.ف.ب)
مواطنون من جنوب السودان يغادرون الخرطوم (أ.ف.ب)

من بين آلاف السودانيين الذين غادروا العاصمة الخرطوم على عجل، هرباً من الحرب بين الجيش و«الدعم السريع»، شريحة كبيرة من اللاجئين من أبناء جنوب السودان، ممن فضلوا البقاء في السودان منذ انفصال البلدين في 2011، أو من الذين اضطروا للعودة هرباً من الحروب التي اندلعت في بلادهم، أو فشلت برامج العودة الطوعية في نقلهم وترحيلهم. هذه الشريحة، جعلها انفجار الحرب في الخرطوم تواجه أزمة «مزدوجة»، فهم في الأصل لاجئون، واضطرهم قتال الشوارع لـ«النزوح» مجدداً. إزاء هذه المأساة المزدوجة، اضطرت أعداد كبيرة منهم خلال هذه الأيام العصيبة التي يعيشها السودان، والناتجة عن الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، إلى الفرار، من دون أن يكونوا قادرين على اختيار الجهة التي يفرون إليها، فهم ليسوا مثل السودانيين الذين فروا من مناطق تبادل النيران، وغادروا «منازلهم» إلى المدن والولايات القريبة، أو لجأوا إلى ذويهم في بقية أنحاء البلاد.
ورصدت «الشرق الأوسط» طوابير طويلة من أبناء جنوب السودان، معظمهم من الشباب والنساء والأطفال، وهم يعبرون الجسور راجلين، مثل بقية الأجانب من دول جوار السودان الفقراء، الذين وقعت عليهم المأساة «مزدوجة»، ما يهدد بأزمة نزوح جديدة، ربما تقود إلى توترات في المجتمعات المحلية، وفي كل الأحوال، وبسبب الأوضاع المأساوية التي تعيشها البلاد، فإن محنتهم «أكثر تعقيداً».
تقول ميري، وهي فتاة في العشرينات، تحمل على رأسها بعض ما يمكن حمله على عجل من منزلها، وتعلق على ظهرها طفلاً رضيعاً، وتجر بإحدى يديها طفلة لا يزيد عمرها على الرابعة، إنها، هي وعدداً كبيراً من أبناء وطنها، كانوا يسكنون أحياءً في الخرطوم، غادروها هرباً من اندلاع القتال والقذائف والرصاص المتطاير ودوي الانفجارات المحيطة بهم، وأُجبروا على ترك مواقع سكناهم في وسط الخرطوم، والتوجه إلى شرق المدينة، علهم يجدون الأمان.
وعند جسر «المنشية» شرقاً، في صبيحة اليوم السابع من أيام القتال في الخرطوم، يلفت الأنظار بين الهاربين بالسيارات وعلى ظهور الشاحنات والحافلات، مشهد «طابور طويل» من الأفراد يسيرون راجلين، معظمهم من جنوب السودان، من الشباب والنساء والأطفال وبعض كبار السن، وبدا كثيرون منهم عازفين عن الكلام ومتعجلين ومرتعبين، لذلك لم نفلح في الحصول على إفادات عن وجهتهم الحقيقية، لكنهم كانوا يفرون من الخرطوم شرقاً في جماعات.
ورفض مئات الآلاف من المواطنين المنحدرين من جنوب السودان، مغادرة السودان بعد انفصال الجنوب وتكوين دولته المستقلة في 2011، وتمسكوا بالبقاء في السودان، فيما عاد طوعياً الملايين منهم إلى جنوب السودان، بيد أن أعداداً كبيرة منهم عادت مجدداً إلى السودان إثر اندلاع الحرب في الجنوب، بين رئيس الدولة سلفاكير ميارديت ونائبه رياك مشار في 2013، والتي ترتبت عليها أوضاع اجتماعية وسياسية قاسية، دفعتهم للعودة مجدداً. وقد بقيت أعداد كبيرة من هؤلاء في مناطق تجميع أعدت لإكمال إعادتهم لبلادهم، لكن خطة العودة الطوعية تعثرت بعد اندلاع الحرب بين سلفاكير ومشار. وقدرت الأمم المتحدة وقتها عددهم بنحو 792 ألفاً، لكن العدد ازداد كثيراً بعودة البعض منهم مجدداً إلى السودان. وتقول تقارير غير رسمية إن أعداد الجنوبيين اللاجئين إلى السودان بلغت نحو مليوني شخص، يعيشون ظروفاً قاسية.
وبعد الإطاحة بحكومة الرئيس عمر البشير في أبريل (نيسان) 2019، زاد تدهور الأوضاع، وانعكس ذلك بصورة كبيرة على المواطنين الجنوبيين الذين يعيشون في تجمعات مفتوحة تعاني شظف العيش والعوز، ويشتغلون بأعمال هامشية، بما ذلك أعمال الخدمة المنزلية وحراسة المباني تحت التشييد والمزارع، خصوصاً في المدن، أو يشاركون في أعمال البناء.
ولا يمثل «طابور الجنوبيين» الفارين من الحرب في شرق الخرطوم إلاّ قمة جبل الجليد لمأساة متطاولة عجزت حكومتا البلدين في إيجاد حلول لها، وزادتها حرب قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وقائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو تفاقماً، بعد أن حولت المجتمع المضيف نفسه إلى «نازح».


مقالات ذات صلة

مقتل 7 مندوبين للسلام من جنوب السودان في هجوم استهدف منظمة نرويجية

العالم مقتل 7 مندوبين للسلام من جنوب السودان في هجوم استهدف منظمة نرويجية

مقتل 7 مندوبين للسلام من جنوب السودان في هجوم استهدف منظمة نرويجية

أعلنت منظمة إنسانية نرويجية، اليوم الخميس، أن سبعة مندوبين من جنوب السودان كانوا يشاركون في مؤتمر للسلام في هذه الدولة، قتلوا خلال عطلة نهاية الأسبوع في هجوم استهدف اثنين من سيارات الجمعية، بينما نجا ثلاثة من موظفيها. وقال رئيس جمعية المعونة الكنسية النروجية داغفين هويبراتن في بيان «ندين بشدة الهجوم على مدنيين وعلى عمال الإغاثة الإنسانية».

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
شمال افريقيا الخرطوم وجوبا تبحثان خلافاتهما على منطقة حدودية غنية بالنفط

الخرطوم وجوبا تبحثان خلافاتهما على منطقة حدودية غنية بالنفط

أكد نائب رئيس مجلس السيادة السوداني، محمد حمدان دقلو «حميدتي»، أن قضية منطقة أبيي، الحدودية بين السودان وجمهورية جنوب السودان، تمثل أولوية لا تحتمل التأخير، قائلاً: «نأمل أن نتوصل إلى نتائج إيجابية لوضعها على مسار السلام العادل والمستدام». ويتنازع البلدان على المنطقة الغنية بالنفط، التي تقع بين ولايتي كردفان السودانية وبحر الغزال بجنوب السودان، ولم يتم حسم النزاع حول المنطقة منذ انفصال الجنوب عن الشمال في عام 2011. وجرى الاتفاق بين البلدين بمنح هذه المنطقة وضعاً مؤقتاً يمنحها شبه استقلالية مع حق سيادة البلدين عليها، إلى حين حسم الخلاف حول تبعيتها إلى أي من الدولتين.

محمد أمين ياسين (الخرطوم)
العالم إثيوبيا تجدد التزامها بدعم الاستقرار في جنوب السودان

إثيوبيا تجدد التزامها بدعم الاستقرار في جنوب السودان

جددت إثيوبيا التزامها بدعم الاستقرار والسلام في جنوب السودان، وذلك خلال زيارة خاطفة أجراها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، اليوم الثلاثاء، إلى جوبا. ووفق بيان حكومي إثيوبي، فإن رئيس الوزراء أجرى محادثات مع رئيس جنوب السودان سلفا كير ميارديت، والنائب الأول للرئيس رياك مشار خلال زيارة العمل التي قام بها ليوم واحد إلى جنوب السودان. وعبّر رئيس الوزراء عن «تقديره للرئيس سلفا كير على كرم الضيافة الذي لقيه والوفد المرافق له خلال زيارتهم لجوبا».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم كباشي وعقار يرأسان اجتماع لجنة  تنفيذ بنود إتفاق جوبا

ورشة في «جوبا» لتقييم تنفيذ اتفاقية السلام في السودان

بدأت أمس في عاصمة جنوب السودان جوبا ورشة لتقييم اتفاقية السلام الموقعة بين الحكومة السودانية المقالة والفصائل المسلحة في 2020، بمشاركة عضوي مجلس السيادة الانتقالي، شمس الدين كباشي ومالك عقار آير، وفي غضون ذلك رحبت الآلية الثلاثية بانطلاقة الورشة، واعتبرتها مكملة للمشاورات، التي جرت بين الأطراف الموقعة على الاتفاق السياسي الإطاري في الخرطوم مطلع فبراير (شباط) الحالي. وأكد رئيس فريق الوساطة الجنوبية، توت قلواك، في تصريحات صحافية أمس بجوبا، أن الهدف من الورشة وضع جداول زمنية تعين على رفع مستوى التنفيذ، وليس مراجعة أو تعديل الاتفاق.

محمد أمين ياسين (الخرطوم)
العالم من أعمال العنف في السودان (تويتر)

العنف في جنوب السودان يقتل 166 مدنياً ويشرد أكثر من 20 ألفاً

قال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك اليوم (الأربعاء)، إن أعمال عنف وقعت في ولاية أعالي النيل بجنوب السودان حصدت أرواح 166 مدنياً وشردت أكثر من 20 ألفاً منذ أغسطس (آب) وسط تصاعد الاشتباكات بين الجماعات المسلحة. وينتشر العنف في أجزاء من جنوب السودان، حيث غالباً ما تؤدي الاشتباكات الناجمة عن نزاعات على مناطق الرعي والمياه والأراضي الزراعية والموارد الأخرى إلى سقوط قتلى. وكانت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قد أكدت الأسبوع الماضي أن الصراع امتداد لقتال بدأ في أغسطس في قرية بولاية أعالي النيل وانتشر منذ ذلك الحين في أجزاء أخرى من الولاية ومناطق في ولايتي جونقلي وال

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

تونس تطالب بـ«دعم أوروبي استثنائي» لاسترجاع الأموال المنهوبة

وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)
وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)
TT

تونس تطالب بـ«دعم أوروبي استثنائي» لاسترجاع الأموال المنهوبة

وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)
وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي خلال لقائه أمس نظيره الألماني في برلين (إ.ب.أ)

التقى وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي، بالعاصمة الألمانية برلين، مساء أمس (الأربعاء)، رئيسة البرلمان الفيدرالي الألماني يوليا كلوكنر، وجرى خلال اللقاء استعراض مختلف أوجه التعاون الثنائي، لا سيما في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والبيئية، فضلاً عن الأكاديمية والعلمية.

وخلال اللقاء عبَّر الوزير عن تطلّع تونس إلى دعم استثنائي من شركائها الأوروبيين، خصوصاً ألمانيا؛ لتجاوز العراقيل التي تحُول دون استرجاع الأموال المنهوبة، مشيراً إلى الأهميّة القصوى التي توليها تونس إلى هذا الموضوع، بوصف هذه الأموال ملكاً للشعب التّونسي ولا تسقط بالتّقادم.

وأكد النفطي، خلال اللقاء، ضرورة مراجعة اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، التي يعود إنشاؤها إلى أكثر من 30 سنة، «حتى تكون أكثر توازناً»، وتأخذ بعين الاعتبار خيارات الشعوب، والواقعَين الإقليمي والدولي الجديدَين، والتحديات التي يفرضانها، بما في ذلك الهجرة غير النظامية. وبيَّن في هذا السّياق المقاربة التّونسيّة في التعاطي مع الهجرة غير النّظاميّة، التي تدعو إلى معالجة الأسباب العميقة لهذه الظّاهرة، وتضافر الجهود لمحاربة الشبكات الإجراميّة التي تتاجر بالبشر، وتأمين العودة الطوعية وإعادة الإدماج للمهاجرين غير النّظاميِّين في بلدانهم الأصليّة. ودعا في المقابل إلى تعزيز آليّات التّعاون في مجال الهجرة المنظّمة، بوصفها رافداً للتنمية ونقل المهارات، مؤكّداً ضرورة أن تراعي هذه البرامج حاجيات الطّرفين.

وتأتي هذه العودة بعد أيام قليلة من مطالبة الرئيس التونسي، قيس سعيد، بمراجعة الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، ودعم أكبر لترحيل المهاجرين العالقين بتونس طوعاً إلى بلدانهم. وجاء ذلك خلال مكالمة هاتفية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمناسبة احتفال تونس بالذكرى الـ70 للاستقلال عن الاستعمار الفرنسي، حيث طالب الرئيس سعيد بشراكة «متوازنة وأكثر عدلاً وانصافاً».

لكن البيان الذي نشرته الرئاسة التونسية لم يتضمَّن مقترحات واضحة للرئيس التونسي لتعديل اتفاق الشراكة المُوقَّع منذ عام 1995.

وسمح الاتفاق برفع صادرات تونس إلى الاتحاد الأوروبي، الذي يستحوذ على نحو 75 في المائة من مبادلاتها الاقتصادية والتجارية الخارجية، وتعزيز بناها التحتية في برامج تعاون. في حين تشكو تونس باستمرار من عجز في المبادلات بعدد من القطاعات مع شريكها الأوروبي. ويطالب الرئيس سعيد بجهود أكبر لدعم رحلات العودة الطوعية لآلاف المهاجرين غيرالنظاميِّين العالقين بتونس إلى دولهم بأفريقيا جنوب الصحراء. وأوضح أن بلاده «قدَّمت كثيراً، وهي ضحية نظام اقتصادي عالمي غير عادل، وضحية شبكات إجرامية بجنوب الصحراء وشمال البحر المتوسط التي تتاجر بهؤلاء الضحايا، وعلى المنظمات الدولية المعنية، وعلى دول الشمال أن تقوم بدورها كاملاً لأنَّ تونس رفضت منذ البداية أن تكون معبراً أو مستقَرّاً».


مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
TT

مقتل 28 مدنياً على الأقل في غارات بمسيّرات في السودان

عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)
عائلات سودانية نازحة من كردفان في ملعب كرة قدم ببلدة كادوقلي جنوب الإقليم (أ.ب)

قُتل 28 مدنياً على الأقل جراء غارتين بمسيّرات استهدفتا ولايتي شمال دارفور وشمال كردفان في السودان، وفق ما أفادت مصادر طبية وكالة الصحافة الفرنسية، اليوم (الخميس).

واستهدفت إحدى الغارتين الأربعاء سوقاً في مدينة سرف عمرة بولاية شمال دارفور، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، بينهم رضيع، وإصابة 17 آخرين، وفق ما ذكر عامل صحي في المستشفى المحلي لوكالة الصحافة الفرنسية.

وتسببت غارة أخرى، الأربعاء، أيضاً باشتعال النيران في شاحنة كانت على طريق في شمال كردفان. وأفاد مصدر طبي في مستشفى مدينة الرهد المحلي لوكالة الصحافة الفرنسية بوصول 6 جثث إلى المستشفى، 3 منها متفحمة، بالإضافة إلى 10 جرحى، محملاً «قوات الدعم السريع» مسؤولية الهجوم.


البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
TT

البرلمان الجزائري يصادق بالإجماع على التعديلات الدستورية «التقنية»

جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)
جلسة البرلمان للتصويت على التعديل الدستوري التقني (البرلمان)

صوّت البرلمان الجزائري، اليوم الأربعاء، خلال اجتماع لغرفتيه بالإجماع على وثيقة «التعديل الدستوري التقني»، التي أعلنت عنها الرئاسة نهاية العام الماضي، وعرضتها على الأحزاب مطلع العام الحالي بغرض الموافقة. وحاز المسعى على ثلاثة أرباع أعضاء البرلمان (75 في المائة)، الذي يتكون من 583 عضواً، موزعين بين 407 أعضاء في «المجلس الشعبي الوطني»، و176 عضواً في «مجلس الأمة».

تفاعل قادة أحزاب مع مشروع الرئاسة تعديل الدستوري في اجتماع 25 يناير 2026 (الرئاسة)

وكان وزير العدل لطفي بوجمعة قد قدم عرضاً عن هذا التعديل أمام مكتب غرفتي البرلمان، أمس الثلاثاء، مؤكداً أن المراجعة «تمس جوهر تنظيم السلطات»، لا سيما وظيفة رئيس الجمهورية والبرلمان، والسلطة القضائية، بالإضافة إلى «السلطة المستقلة للانتخابات».

وعزت الحكومة هذه التعديلات، وفق ما ذكره وزير العدل، إلى «نقائص كشفت عنها الممارسة الدستورية على مدار خمس سنوات»، أي منذ إقرار دستور 2020، عادَة أنها «مجرد تحسينات تقنية تهدف لتطوير أداء المؤسسات». وبكلام آخر، ترى الحكومة أن هذه التعديلات لا تستدعي استفتاء شعبياً لأنها «تقنية» ولا تمس «الثوابت».

أعضاء مكتب غرفتي البرلمان مع وزير العدل خلال عرض التعديلات الدستورية (البرلمان)

فيما يخص منصب رئاسة الجمهورية، نص التعديل المقترح على المادة 87 بضرورة حيازة المترشح لـ«مستوى تعليمي» باعتباره شرطاً أساسياً؛ نظراً لتعاظم مسؤوليات المنصب، والحاجة لاتخاذ قرارات حاسمة في ملفات معقدة، دون أن يحدد النص الدرجة العلمية المطلوبة بدقة. كما سيتعزز دور الرئيس بصلاحية استدعاء «الهيئة الناخبة» لانتخابات محلية مسبقة بموجب تعديل المادة 91، وهو ما يهدف لسد ثغرة دستورية، كانت تحصر هذه الصلاحية في الانتخابات الرئاسية والتشريعية فقط.

كما اتجه المشروع نحو «دسترة» الممارسة التاريخية المتعلقة بأداء القسم، حيث سيؤدي الرئيس المنتخب اليمين أمام البرلمان بغرفتيه في الأسبوع الذي يلي انتخابه، وبحضور كبار مسؤولي الدولة، على أن يتلو نص القسم الرئيس الأول لـ«المحكمة العليا».

أما على مستوى البرلمان، فقد شهدت أحكام «مجلس الأمة» (الغرفة البرلمانية العليا) تغييرات جوهرية، حيث اقترحت الحكومة مراجعة معيار التمثيل، الذي يمنح مقعدين لكل محافظة حالياً (58 محافظة)، ليصبح مقعداً واحداً أو اثنين بناء على الحجم الديموغرافي لكل محافظة، وذلك لتجاوز الفوارق السكانية الكبيرة، حسب معدي نص التعديل.

كما رُفعت عهدة رئيس «مجلس الأمة» إلى ست سنوات، بدلاً من ثلاث لـ«ضمان استمرارية المؤسسات». ويشار إلى أن شاغل هذا المنصب، هو الرجل الثاني في الدولة، بحسب الدستور.

مدير الديوان بالرئاسة أثناء عرض التعديل الدستوري التقني في 25 يناير الماضي (الرئاسة)

وفي سياق العلاقة بين غرفتي البرلمان، أتاح تعديل المادة 145 للحكومة طلب الفصل النهائي من إحدى الغرفتين في حال استمرار خلاف تشريعي بينهما، وهو إجراء يهدف لتسريع المسار التشريعي وتفادي حالة الانسداد، حسب المبررات التي وردت في نص التعديل «التقني».

وعلى صعيد السلطة القضائية، شملت المراجعة تشكيلة «المجلس الأعلى للقضاء» (الهيئة المشرفة على المسار المهني للقضاة)، حيث تقرر إلغاء التمثيل النقابي للقضاة لـ«تجنب تضارب المصالح بين العمل النقابي ومهام المجلس الدستورية». كما خرج رئيس «مجلس حقوق الإنسان» (هيئة استشارية تابعة لرئاسة الجمهورية) من التشكيلة مقابل إدراج النائب العام لدى «المحكمة العليا» (أعلى هيئة في القضاء المدني).

عودة «الداخلية» إلى مفاصل العملية الانتخابية

تحت غطاء «البحث عن الفعالية»، يُحدث تعديل الدستور تحولاً كبيراً في تنظيم الانتخابات في الجزائر. فبينما تحتفظ «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» رسمياً بمهام الرقابة وإعلان النتائج، فإنها تُجرد من عنصر أساسي في عملها، وهو التحضير المادي واللوجيستي. هذه المهمة، التي تشمل تسيير الموارد البشرية والتقنية ميدانياً، تُعاد رسمياً إلى وزارة الداخلية، وهو ما عده مراقبون تراجعاً عن مكسب ديمقراطي جاء به «الحراك الشعبي» المطالب بالتغيير في سياق رفض ترشح الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة عام 2019.

وتُبرر مذكرة أسباب هذا الخيار بـ«الرغبة في تمكين سلطة الانتخابات من تخفيف الأعباء الثقيلة للتركيز على دورها الرقابي». غير أن المراقبين ذاتهم يرون أن عودة الجهاز الإداري، ممثلاً في وزارة الداخلية والجماعات المحلية، إلى مفاصل العملية الانتخابية تُنهي مرحلة من الاستقلالية الكاملة لهذه الهيئة، وتعيد وضع السلطة التنفيذية في قلب المنظومة الانتخابية.

وشاركت معظم الأحزاب في «استشارة» نظمتها الرئاسة حول وثيقة التعديلات، ووافقت عليها رغم بعض التحفظات عليها. وأبرز هذه التحفظات صدرت عن الحزبين المعارضين «جبهة القوى الاشتراكية»، الذي يملك ثلاثة أعضاء في الغرفة البرلمانية العليا، ومن دون أي تمثيل في الغرفة السفلى (المجلس الشعبي الوطني)، و«حزب العمال» الغائب عن الغرفتين.

وزير العدل أثناء عرض التعديل الدستوري على مكتب غرفتي البرلمان (البرلمان)

وأكد قياديون في «حركة مجتمع السلم» الإسلامية المعارضة، أن كتلتها البرلمانية قررت رفع الأيدي لصالح وثيقة التعديل «رغم عدم اقتناعنا بها بشكل كامل».

ومن البداية أظهرت الأحزاب الموالية للرئيس والمهيمنة على البرلمان دعمها للخطوة، وهي «جبهة التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي»، و«جبهة المستقبل»، و«حركة البناء الوطني».

وبعكس هذا «الإجماع»، حذر عثمان معزوز، رئيس حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» المعارض، في بيان، من تداعيات المراجعة الدستورية على المسار الديمقراطي، عادّا أنها «تمهد لاستعادة النظام الرئاسي المطلق». وانتقد معزوز بشدة توسيع صلاحيات الرئيس لتشمل حل المجالس المحلية مسبقاً، وتعديل هيكلة «مجلس الأمة»، مؤكداً أن الأمر يتعلَق بـ«خطوات تهدف إلى إحكام القبضة على آليات الخلافة المؤسساتية».

كما ندد الحزب، الذي لم يشارك في الاستشارة بخصوص تعديل الدستور، بما وصفه بـ«غياب النقاش العمومي»، وبـ«توجه البرلمان لتبني نص المشروع دون تمحيص»، محذراً من أن «تحويل أدوار السلطة المضادة إلى وظائف شكلية يهدد جوهر التوازن المؤسساتي في البلاد».