«ناتو» على حدود روسيا... وموسكو تعزّز قدراتها غرباً

انضمام فنلندا والسويد إلى الحلف الغربي يعيد تشكيل خريطة أوروبا الأمنية

حرب أوكرانيا غيّرت القناعات والاعتبارات في أوروبا (أ.ف.ب)
حرب أوكرانيا غيّرت القناعات والاعتبارات في أوروبا (أ.ف.ب)
TT

«ناتو» على حدود روسيا... وموسكو تعزّز قدراتها غرباً

حرب أوكرانيا غيّرت القناعات والاعتبارات في أوروبا (أ.ف.ب)
حرب أوكرانيا غيّرت القناعات والاعتبارات في أوروبا (أ.ف.ب)

لم يشكل الإعلان الرسمي عن انضمام فنلندا إلى حلف شمال الأطلسي «ناتو»، يوم 4 أبريل (نيسان) الحالي، نقطة التحول الأكبر في تاريخ علاقات الحلف الغربي مع الروس. وروسيا «المعاصرة»، التي وضعت على كتفيها العباءة السوفياتية، وحملت تركة الدولة العظمى في السابق لعقود، واجهت عدة مراحل لتوسع الحلف على مقربة من حدودها. وبعد ضم الجزء الأعظم من بلدان النفوذ السوفياتي السابق، في شرق أوروبا، خلال عام 1999، واصل الحلف تمدده داخل جغرافيا الاتحاد السوفياتي السابق، عبر انضمام جمهوريات حوض البلطيق (لاتفيا وإستونيا وليتوانيا) عام 2004، وإطلاق مسار «الشراكة الأطلسية» مع عدد من البلدان الأخرى، وعلى رأسها أوكرانيا وجورجيا، وبدرجة أقل مولدافيا. هذا الأمر أثار غضب «الكرملين»، الذي جادل، لسنوات، بأن الحلف «خان تعهداته» الشفهية، عندما وعد بألا يتوسع شرقاً، بعد «اتفاق توحيد ألمانيا»، أما النتيجة فكانت حرباً في جورجيا، عام 2008، عطّلت مسيرة تكاملها مع أوروبا، أو انضمامها إلى «ناتو»، ثم حرباً انفصالية مدمّرة في أوكرانيا أطلقت شرارتها الأولى في 2014، ولم تلبث أن أشعلت، في 2022، مواجهة كبرى ما زالت تداعياتها تتصاعد.
عنوان المواجهة في أوكرانيا، كان منع هذا البلد من التحول إلى قاعدة أمامية لـ«ناتو»، على مقربة من حدود روسيا، وإجبار الغرب على إعادة النظر في مواقفه، وتحويل «التعهدات الشفهية»، في السابق، إلى اتفاق أمني مكتوب ومُلزِم للأطراف، ويحدد مناطق النفوذ ويحترم المصالح المتبادلة.
ولكن في غمار تطورات متسارعة، لم يخطر في بال «الكرملين» أن المرحلة الجديدة للتوسع الأطلسي ستكون على حدود روسيا الشمالية الغربية. وبعدما كان الهدف المعلَن من الذهاب إلى أوكرانيا منع اقتراب الحلف من الحدود، تُعِدُّ روسيا، اليوم، لواقع جديد تغدو معه البنى التحتية لـ«ناتو» على بُعد 200 كيلومتر فقط من عاصمة القياصرة «سان بطرسبورغ».
لقد غيّرت الحرب في أوكرانيا الوضع الأمني في أوروبا كلياً، وأعادت التداعيات الأولى بانضمام فنلندا رسمياً إلى الحلف، وانتظار استكمال انضمام السويد، قبل قمة الحلف المقرّرة في بداية يوليو (تموز) المقبل، طرح السؤال الذي تكرّر طويلاً، خلال الأشهر الماضية: هل أصبحت روسيا أكثر أمناً بعد الحرب الأوكرانية؟
- نتائج أولية مباشرة
في النتائج الأولية المباشرة، فإن وجود فنلندا ضمن «ناتو» يعني أن طول الحدود المشتركة بين الدول الأعضاء في الحلف مع روسيا - التي يُنظر إليها حالياً على أنها «معسكر الأعداء» - يتضاعف ليصل إلى 2600 كيلومتر. وهذا «السيناريو» سيعني أن الحلف سيعمل على زيادة قدراته ونشر بناه التحتية على طول هذه المسافة، التي باتت تحتاج إلى حماية مباشرة وقوية. وهو أمر قد تضطر موسكو إلى الرد عليه بخطوات سريعة وفعالة لحماية مناطقها الغربية بمواجهة التطويق العسكري الكامل.
لكن ثمة تداعيات عدة أخرى لا تقتصر على الملفّين الأمني والعسكري اللذين يتطلبان من موسكو تخصيص موارد هائلة، وهي تنسحب على كل الملفات المتعلقة بالتوازن الاستراتيجي، والمصالح المتعددة في مناطق حيوية، كملف حوض البلطيق الذي غدا واقعياً «بحيرة أطلسية».
هذا الأمر يزيد أعباء موسكو الأمنية والعسكرية والاقتصادية، ويعقِّد التنافس على منطقة القطب الشمالي، حيث تخوض موسكو، منذ سنوات، مواجهة دبلوماسية وأمنية وعلمية واستخباراتية قاسية لانتزاع الاعتراف بحقوقها فيها.
وقبل ذلك كله، لا بد من إلقاء نظرة تاريخية لتحديد الفروقات، بالنسبة إلى موسكو، بين خطوات فنلندا والسويد. هنا تكمن اختلافات لها أهمية خاصة؛ لأن انضمام فنلندا إلى الحلف الأطلسي شكّل امتداداً طبيعياً للمواجهة التاريخية مع الروس، خلافاً للوضع مع السويد الذي شكّل الحياد بالنسبة إليها جزءاً من هويتها الوطنية وثقافة شعبها، ما يعني أن هذا التحول يشكل علامة فارقة تضاف إلى النتائج الأولية الكبرى للحرب في أوكرانيا، مثل إطلاق ألمانيا أكبر برنامج تسليح في تاريخها المعاصر، وميل أوروبا عموماً إلى العسكرة في مواجهة طموحات «الكرملين».
- الواقع الجيوسياسي
لطالما كان موضوع التخلي عن سياسة «عدم الانحياز» حاضراً في فنلندا، رغم الإجماعين الاجتماعي والسياسي على أنه لا جدوى من ذلك، فقد ظلت الهواجس المتعلقة بإمكانية حدوث مواجهة عسكرية جديدة في أوروبا لمدة 30 سنة، حاضرة في سياسات هلسنكي، وإن كانت النخب السياسية هناك لا تميل كثيراً إلى التشاؤم في هذا الأمر.
وكما هي حال أكثرية شعوب أوروبا، صدمت عودة الحرب إلى أوروبا الفنلنديين، الذين قرروا فوراً التخلي عن «عدم الانحياز»، والانضمام إلى «ناتو». الجدير بالذكر هنا أنه لم يدُر أي نقاش تقريباً حول ما إذا كان الوضع المحايد ليس طريقة أكثر موثوقية لضمان الأمن القومي، إذ اعتُبرت العضوية في كتلة عسكرية هي الخيار الوحيد.
وصحيحٌ أن انضمام فنلندا إلى «ناتو» كان أحد الموضوعات الرئيسة في النقاش الداخلي، خلال الأشهر الأخيرة، لكن الفنلنديين كانوا قد ناقشوا هذه القضية منذ سنوات عدة. وفي عام 2016، بعد مرور سنتين فقط على ضم شبه جزيرة القرم، واندلاع المواجهة في أوكرانيا وحولها، نشرت وزارة الخارجية الفنلندية تقريراً عن العواقب المحتملة لمثل هذه الخطوة. وعرض التقرير 3 استنتاجات رئيسة؛ أولها أن مسألة الانضمام يجب أن تُحسم في استفتاء. واتضح لاحقاً أن التصويت على المستوى الوطني ما عاد مطلوباً؛ لأن الأحداث الأخيرة ضمنت بالفعل دعماً عاماً واسعاً للانضمام إلى «ناتو».
أما الاستنتاجان الثاني والثالث، وهما الأكثر أهمية، فقضى أحدهما بأن تنضم فنلندا إلى «ناتو» برفقة السويد، وقضى الآخر باعتبار روسيا مصدر التهديد الأساسي لأمن البلاد. وكانت الخلاصة أنه على فنلندا مواجهة طموحات موسكو؛ ليس لمفردها، بل مع دول الحلف الأخرى.
الواقع أنه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، اقتنع الفنلنديون بأنهم يستطيعون ضمان أمنهم، من خلال الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحده. وفي هذا، بالمناسبة، اختلفوا مع السويديين، الذين كان الاتحاد الأوروبي، في الأساس، شريكاً تجارياً لهم. وهذا جزئياً هو سبب إضافة ما يسمى «خيار ناتو» إلى عقيدة الأمن القومي الفنلندي في عام 2004. وبعدها، فإن «خيار ناتو» شكّل انعكاساً للبراغماتية المتأصلة في الفنلنديين، بعكس السويديين الذين كان رفض الانضمام إلى التحالفات العسكرية جزءاً من هويتهم الوطنية. فبالنسبة لفنلندا، الحياد ليس أكثر من ضرورة ووسيلة لضمان بقائها.
- حرب غيّرت قناعات
قبل الحرب الروسية في أوكرانيا، اعتقدت فنلندا أن التعاون الوثيق مع «ناتو»، والتكامل العسكري مع السويد - الذي يتعمق منذ عام 2014 - والتعاون المتزايد مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، عوامل كافية لضمان أمنها، لكن مع هذا، سارت هلسنكي بحذر؛ لأنها لم ترغب في قطع كل أشكال التعاون مباشرة مع موسكو، ومع ذلك اتضح، في النهاية، أن روسيا نفسها هي التي انفصلت... ليس فقط عن فنلندا، ولكن أيضاً مع أوروبا والغرب بأَسْره.
كان من الطبيعي أن توقظ الحرب الأوكرانية ذكريات الفنلنديين حول أحداث عام 1939، عندما أنكر الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين حق فنلندا في الوجود، وأطلق العنان لـ«حرب الشتاء». وبعد مرور أكثر من 80 سنة، كانت الحرب الأوكرانية، وليس تصريحات موسكو بـ«أنه ليس لفنلندا والسويد الحق في الانضمام إلى ناتو»، السبب في تغير المزاج الشعبي.
- سنوات من التحضير
مع ذلك، بدأت فنلندا الاستعداد لمواجهة محتملة مع جارتها الشرقية العملاقة منذ وقت طويل، وأدى العمل المستمر على تعزيز القدرات الدفاعية إلى جعل فنلندا مالكة أقوى القوات المسلَّحة في شمال أوروبا، إذ لا يزال فيها نظام التجنيد الشامل الإلزامي للخدمة العسكرية، ويمتلك الجيش الفنلندي أيضاً عدداً كبيراً من جنود الاحتياط الذين يشاركون بانتظام في التدريبات العسكرية.
تعتز فنلندا بتقاليدها العسكرية الطويلة، وبعكس السويد أو ألمانيا، على سبيل المثال، لم تنتقل من الدفاع الإقليمي إلى الدفاع السريع، بل دأب الجيش الفنلندي دائماً على تقييم مدى ملاءمة المشاركة في العمليات الاستكشافية، من حيث حجم المساهمة في تعزيز الدفاع الإقليمي.
من جهة ثانية، تفيد تقارير بأن وحدات مدفعية الجيش الفنلندي هي الأكبر في أوروبا، وكان لإرث الحرب العالمية الثانية تأثير في ذلك، بما يتوافق تماماً مع القول الستاليني «المدفعية هي إله الحرب». وأيضاً يشير خبراء إلى أن المهندسين العسكريين الفنلنديين متخصصون من الدرجة الأولى في تجهيز الخطوط الدفاعية والعقبات والفِخاخ وتعدين التضاريس.
أما بالنسبة للطيران، فبعدما استقبلت القوات الجوية الفنلندية 64 مقاتلة من طراز «إف 35»، ستحلُّ محل طائرات «إف 18» الموجودة حالياً في الخدمة، سيتيسر للقوات الجوية الفنلندية، بالتعاون بسلاسة مع أعضاء «ناتو»، بما في ذلك ضمن «القوات المشتركة لشمال أوروبا»، التي تشارك فيها الولايات المتحدة بريطانيا، والنرويج، وإيطاليا، وكندا، وبولندا، والدنمارك، وهولندا.
وبالإضافة لما سبق، تعمل عضوية «ناتو» على دمج القوات المسلَّحة الفنلندية بشكل أفضل في التحضير والتخطيط مع الحلفاء الآخرين، وقد شاركت قوات فنلندا، بانتظام، في تدريبات «ناتو» بصفتها شريكاً منذ بعض الوقت.
وقد أورد تقريرٌ، صدر، نهاية العام الماضي، عن «مركز ويلسون» في واشنطن، 3 مجالات رئيسة يتوقع أن تفيد فيها فنلندا الحلف: قوات الاحتياط، والوصول إلى التكنولوجيا، وقوات المدفعية. ويشرح التقرير «أن قوات المدفعية الفنلندية هي الأكبر والأفضل تجهيزاً في أوروبا الغربية... ومع حوالي 1500 قطعة مدفعية، بما في ذلك 700 مدفع هاوتزر، و700 مدفع هاون ثقيل، و100 قاذفة صواريخ متعددة، تتمتع المدفعية الفنلندية بقوة نيران أكبر، مما تستطيع القوات المسلَّحة المشتركة لبولندا وألمانيا والنرويج والسويد حشدها حالياً».
وينوّه تقرير المركز أيضاً بالمستوى العالي من الأمن السيبراني في فنلندا، مذكّراً بأن البلاد هي موطن شركة نوكيا، التي هي «المزوِّد الرئيسي للبنية التحتية لشبكات الجيل الخامس»، كما أنها واحدة من أكبر 3 مزوّدين للبنية التحتية للجيل الخامس في العالم.
وتابع التقرير أيضاً أن فنلندا تستطيع تجنيد 900 ألف جندي احتياطي سبق تدريبهم بصفتهم مجندين في قواتها المسلحة، على الرغم من حقيقة أن عدد القوات المسلحة الفنلندية في زمن الحرب يبلغ 280 ألف فرد عسكري.
يضاف إلى هذا كله حقائق التاريخ والجغرافيا، إن إلقاء نظرة واحدة على الخريطة كافٍ لفهم أنه من منظور أوسع، سيكون لانضمام فنلندا والسويد إلى «ناتو» عواقب سياسية وأمنية وعسكرية خطيرة على موسكو. ويكفي القول إن لدى روسيا وفنلندا حدوداً مشتركة ضخمة بطول 1300 كيلومتر من المناطق المشجرة وذات الكثافة السكانية المنخفضة، من مورمانسك، إلى بطرسبورغ. وليس من الواضح كيف ستدافع موسكو عنها، على الرغم من إعلان وزارة الدفاع الروسية عن برنامج ضخم لاستحداث قطع عسكرية جديدة وإعادة توزيع مناطق الانتشار على الحدود الشمالية والغربية.
وللتذكير، تقاسمت روسيا، حتى لحظة انضمام فنلندا إلى «ناتو»، حوالي 1215 كلم من الحدود البرية، مع 5 أعضاء في الحلف هم النرويج وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا.
- طريق السويد
طريق السويد إلى الحلف لم يكن سهلاً أيضاً، مع أن الموقف السويدي يظل أكثر توقعاً إلى حد ما، إذ قالت رئيسة الحكومة السويدية ماجدالينا أندرسون، العام الماضي، إن ستوكهولم «ستدرس، بسرعة وبشمولية، الوضع الأمني الجديد». ويشرح خبير الدفاع جاكوب ويستبرغ: «في السويد نعتقد أنه على مدار 200 سنة، منذ عهد نابليون، كان لدينا سلام؛ لأننا رفضنا دائماً التحالفات العسكرية»، ثم يستدرك مضيفاً أن هذا التصور الذاتي للحياد الفعال يتعرض، الآن، للتهديد، «وعلينا الآن أن ننظر إلى الوضع الأمني بطريقة مختلفة تماماً. كانت الحرب ضد أوكرانيا نقطة تحوّل».
للموافقة على الانضمام إلى «ناتو»، تعيَّن على الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الحاكم في السويد، تغيير موقفه الأولي بشأن هذه القضية. وإذا انضمت السويد - كما هو متوقع قريباً - إلى الحلف، فسيتغير الميزان الاستراتيجي كلياً في الشمال الأوروبي. ومع أنه ليست للسويد أي حدود مباشرة مع روسيا، سيغدو أسهل على «ناتو» إجراء عمليات واسعة في بحر البلطيق، وفي هذه الحالة ستكون جميع الدول، التي لها منفذ إلى بحر البلطيق، باستثناء روسيا، أعضاء في الحلف.
أيضاً، يعني انضمام السويد إلى «ناتو» انتقال أراضي جزيرة غوتلاند، الواقعة في هذا البحر، إلى سيطرة الحلف. ووفق الخبير ويستبرغ، «سيكون من الأصعب، بالنسبة لروسيا، العمل في بحر البلطيق، ما يعني تحوله إلى بحيرة أطلسية، فضلاً عن أن السويد تمتلك 5 غواصات حديثة جداً ستكمل أساطيل بولندا وألمانيا».
أيضاً، تمتلك القوات الجوية السويدية أكثر من 100 مقاتلة حديثة، وهذا، مع أنه، على مدى العقود الماضية، جرى تخفيض القوات البرية السويدية بشكل كبير، كما هي الحال في عدد من دول «ناتو». ويتوقع ويستبرغ مرور 10 سنوات قبل تغيير هذا الوضع.

ردود الفعل الروسية على التمدد الأطلسي

> كما هو متوقع، تعمل القيادة الروسية على التحرك بسرعة، لمواجهة تداعيات توسيع أسرة «ناتو». وقد بدأت موسكو، بالفعل، تحركات لتعزيز تجميع القوات البرية والدفاع الجوي بشكل جدي، وأيضاً نشر قوات بحرية كبيرة في خليج فنلندا، كما لوَّحت بنشر أسلحة نووية في منطقة حوض البلطيق.

فنلندا تنضم لـ«ناتو» والسويد على طريق الانضمام (رويترز)

غير أن التداعيات الأساسية، بالنسبة إلى موسكو، قد تظهر على محورين، وفقاً لخبراء:
- المحور الأول يتضح مع مدى جدية «ناتو» في نقل بناه التحتية العسكرية إلى مقربة من الحدود الروسية، وهذا الأمر بدأت موسكو التحضير له، من خلال قرارات توسيع نشر الأسلحة النووية لتشمل بيلاروسيا ومناطق في الشمال الروسي.
- المحور الثاني يكمن في تعزيز نزعة الانتقال من «الحياد» إلى «معسكر الأعداء»، ليشمل كل أوروبا، التي لم يتبق فيها إلا 3 دول تقف رسمياً على الحياد، هي سويسرا والنمسا وآيرلندا.
من الناحية الاستراتيجية، يقول خبراء في موسكو إنه بالنسبة إلى روسيا، لا يزال الدور الرئيس في إعداد القدرات العسكرية يلعبه الساحل في منطقة مورمانسك، حيث تحتفظ روسيا بقوات لضربة نووية انتقامية، في حين أن أهمية بحر البلطيق ثانوية، حتى لو كانت طرق النقل التي تربط بين بطرسبورغ وكالينينغراد تمر عبرها.
بسبب هذه الظروف، جزئياً، فضّلت الأوساط الرسمية والإعلامية الروسية تجنب التهويل من تداعيات انضمام فنلندا والسويد لاحقاً إلى «ناتو»، لدرجة أن نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف - الذي تحوَّل إلى أحد أبرز «الصقور» خلال الحرب الأوكرانية - تعمّد التقليل من أبعاد الخطوة، واكتفى بتكرار صياغة «الكرملين» أن «قرار فنلندا والسويد للانضمام إلى الناتو خطأ فادح، ستقدم روسيا إجابة متناسقة عليه».
إلا أن خبراء يشيرون إلى أن التداعيات البعيدة المدى ستكون أخطر على روسيا من مجرد مواجهة انتشار عسكري محدد على مقربة من الحدود. كذلك فإن التداعيات النفسية والسياسية مع حال التغيير الشامل في المزاج الأوروبي ستكون بدورها لها آثار أعمق وأبعد مدى.


مقالات ذات صلة

موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

العالم موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

موسكو: «الأطلسي» يكثّف تحركات قواته قرب حدود روسيا

أكد سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف أن حلف شمال الأطلسي (ناتو) نشر وحدات عسكرية إضافية في أوروبا الشرقية، وقام بتدريبات وتحديثات للبنية التحتية العسكرية قرب حدود روسيا، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الروسية «سبوتنيك»، اليوم الأربعاء. وأكد باتروشيف في مقابلة مع صحيفة «إزفستيا» الروسية، أن الغرب يشدد باستمرار الضغط السياسي والعسكري والاقتصادي على بلاده، وأن الناتو نشر حوالى 60 ألف جندي أميركي في المنطقة، وزاد حجم التدريب العملياتي والقتالي للقوات وكثافته.

العالم إسبانيا تستدعي سفير روسيا إثر «هجوم» على حكومتها عبر «تويتر»

إسبانيا تستدعي سفير روسيا إثر «هجوم» على حكومتها عبر «تويتر»

أعلنت وزارة الخارجية الإسبانية، الجمعة، أنها استدعت السفير الروسي في مدريد، بعد «هجمات» شنتها السفارة على الحكومة عبر موقع «تويتر». وقال متحدث باسم الوزارة، لوكالة «الصحافة الفرنسية»، إن الغرض من الاستدعاء الذي تم الخميس، هو «الاحتجاج على الهجمات ضد الحكومة على مواقع التواصل الاجتماعي».

«الشرق الأوسط» (مدريد)
العالم {الناتو} يؤكد تسليم أوكرانيا كل المركبات اللازمة لهجوم الربيع

{الناتو} يؤكد تسليم أوكرانيا كل المركبات اللازمة لهجوم الربيع

أعلن القائد العسكري الأعلى لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، أن جميع المركبات القتالية، التي وعد حلفاء أوكرانيا الغربيون بتسليمها في الوقت المناسب، تمهيداً لهجوم الربيع المضاد المتوقع الذي قد تشنه كييف، قد وصلت تقريباً. وقال الجنرال كريستوفر كافولي، وهو أيضاً القائد الأعلى للقوات الأميركية في أوروبا، إن «أكثر من 98 في المائة من المركبات القتالية موجودة بالفعل». وأضاف في شهادته أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب يوم الأربعاء: «أنا واثق جداً من أننا قدمنا العتاد الذي يحتاجون إليه، وسنواصل الإمدادات للحفاظ على عملياتهم أيضاً».

العالم الناتو يؤكد تسليم كل المركبات القتالية اللازمة لهجوم الربيع الأوكراني

الناتو يؤكد تسليم كل المركبات القتالية اللازمة لهجوم الربيع الأوكراني

أعلن القائد العسكري الأعلى لحلف شمال الأطلسي (الناتو) أن جميع المركبات القتالية، التي وعد حلفاء أوكرانيا الغربيون بتسليمها في الوقت المناسب، تمهيداً لهجوم الربيع المضاد المتوقع الذي قد تشنه كييف، قد وصلت تقريباً. وقال الجنرال كريستوفر كافولي، وهو أيضاً القائد الأعلى للقوات الأميركية في أوروبا، إن «أكثر من 98 في المائة من المركبات القتالية موجودة بالفعل». وأضاف في شهادته أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأميركي الأربعاء: «أنا واثق جداً من أننا قدمنا العتاد الذي يحتاجون إليه، وسنواصل الإمدادات للحفاظ على عملياتهم أيضاً».

العالم مقاتلات ألمانية وبريطانية تعترض طائرات روسية فوق البلطيق

مقاتلات ألمانية وبريطانية تعترض طائرات روسية فوق البلطيق

اعترضت مقاتلات ألمانية وبريطانية ثلاث طائرات استطلاع روسية في المجال الجوي الدولي فوق بحر البلطيق، حسبما ذكرت القوات الجوية الألمانية اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. ولم تكن الطائرات الثلاث؛ طائرتان مقاتلتان من طراز «إس يو – 27» وطائرة «إليوشين إل – 20»، ترسل إشارات جهاز الإرسال والاستقبال الخاصة بها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
TT

ليبيا عالقة بين نيران المسلحين... و«مبادرة أميركية» متعثرة

حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)
حفتر خلال استقباله بولس في بنغازي (وكالة الأنباء الليبية)

تزداد القناعة لدى قطاعات واسعة من الليبيين بأن بلادهم عالقة في دوامة بالغة التعقيد، بين فوضى أمنية تتفاوض فيها التشكيلات المسلحة بالنار، وتتجاذب النفوذ على ممرات التهريب وتجارة المخدّرات والهجرة غير النظامية، وبين «مبادرة أميركية» تستهدف إنهاء الانقسام في بلد أنهكته الصراعات منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011. في الساحل الغربي الليبي، بات مشهداً متكرراً أن تتراجع الحلول السياسية وتخفت أصوات الحوار أمام تمدد الفوضى الأمنية. وهذا المشهد وصفته المبعوثة الأممية هانا تيتيه، بلغة دبلوماسية هادئة، بأنه «هشّ»، في ظل تنافس جماعات مسلحة على النفوذ والموارد، وانخراط بعضها في أنشطة «غير مشروعة»، بما يضاعف تعقيدات المشهد ويبدد فرص الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة.

تبدو مدينة الزاوية، بشمال غربي ليبيا، مرآة تعكس جانباً من واقع البلاد؛ إذ باتت الاشتباكات بين التشكيلات النافذة فيها مشهداً مألوفاً اعتاده السكان، حتى «تحوّل ليلهم إلى نهار»، بحسب الناشط المدني عبد الرحمن شعيب، في وصفه لأحدث موجة من الاشتباكات التي اندلعت في الثالث من أغسطس (آب) الحالي داخل مناطق سكنية في الزاوية وصرمان، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى.

استهداف مرافق النفط

ولم يتوقف أثر هذا الانفلات عند حدود الأمن، بل امتد إلى ما يُعرف بـ«قوت الليبيين»، في إشارة إلى النفط، مصدر الدخل الرئيس للدولة؛ إذ كان استخدام «طائرات مسيّرة» في استهداف مصفاة الزاوية ومنشآت حيوية فيها، تطوراً نوعياً في المشهد الأمني، أثار مخاوف من أن تتحوّل الهجمات هذه إلى ورقة ضغط تهدد أحد أهم مصادر الإيرادات، وتفتح الباب أمام اضطراب أوسع في إنتاج النفط وتصديره.

وحقاً، لا يبدو أن ما شهدته الزاوية مرشح للبقاء معزولاً عن محيطها؛ حيث يحذّر باحثون من انتقال نمط الفوضى نفسه إلى مدن أخرى في غرب ليبيا، وصولاً إلى العاصمة طرابلس، في ظل استمرار غياب احتكار الدولة لأدوات القوة. وهذه أيضاً رؤية الباحث العسكري محمد الترهوني، الذي حذّر من أن هذا الواقع قد يتكرّر بصورة «أكثر قسوة»، ما دامت أدوات الإكراه والقوة لا تزال موزعة بين فصائل مسلحة خارج السيطرة الكاملة لمؤسسات الدولة.

تحت وطأة هذا المشهد، يستحضر ليبيون لقاءات متكرّرة جمعت رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة ومستشاره للأمن القومي إبراهيم الدبيبة بعدد من قادة التشكيلات المسلحة البارزين. وتحوّلت صور هذه اللقاءات، التي تداولتها صفحات ليبية على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى مادة للنقاش بشأن طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية في طرابلس والتشكيلات المسلحة النافذة.

إرث أمني «ثقيل»!

في معرض الدفاع عن الحكومة، يقول مؤيدو الدبيبة إنها «تسلمت إرثاً أمنياً مثقلاً بواقع ميليشياوي»، ما فرض عليها في بعض المراحل عقد تفاهمات مؤقتة مع القوى المسلحة لتجنب صدامات أوسع. لكن عضو «المجلس الأعلى للدولة» أبو القاسم قزيط يُحمّل «الوحدة الوطنية» جانباً من المسؤولية عن تنامي نفوذ هذه التشكيلات خلال السنوات الماضية، قائلاً إنها «دعمتها بالمال والسلاح، وعقدت معها تفاهمات مؤقتة أسهمت في تعاظم قوتها»، ومعتبراً أن الحكومة لم تمتلك «الإرادة السياسية الكافية» لتفكيك التشكيلات المنفلتة.

مع هذا، يميز قزيط بين التشكيلات المسلحة، فيرى أن «بعضها تحوّل إلى قوى عسكرية وأمنية شبه نظامية تتمتع بقدر من التراتبية والانضباط، ويمكن أن تشكل نواة يمكن البناء عليها في إطار أي ترتيبات أمنية مقبلة، بدلاً من التعامل معها جميعاً باعتبارها كتلة واحدة».

ومن قلب هذا التعقيد، يطرح خالد الترجمان، أمين سر «المجلس الانتقالي الليبي» السابق ورئيس «مجموعة العمل الوطني»، سؤالاً يتجاوز حدود المشهد الأمني الراهن، وهو: هل تمتلك الولايات المتحدة والدول المنخرطة في الملف الليبي جدية حقيقية لنزع سلاح التشكيلات المسلحة في غرب البلاد؟ أم أن أي مبادرة سياسية ستظل رهينة موازين القوة التي تفرضها هذه التشكيلات على الأرض؟

مع بقاء ليبيا رهينة لنفوذ المسلحين وانتظار حل يضع حداً لأوجاع الليبيين تظل الأنظار معلقة بحلول دولية طال انتظارها

وضع شرقي ليبيا

وفي شرق البلاد، حيث تفرض قوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير خليفة حفتر حالة من الاستقرار الأمني النسبي منذ سنوات، لم يكن المشهد بمنأى عن المفاجآت الأمنية. فقد أدى انفجار عبوة ناسفة إلى مقتل مدير الاستخبارات العسكرية اللواء فوزي المنصوري ببنغازي في 10 أغسطس (آب) الحالي، في حادثة أعادت إلى الواجهة تساؤلات بشأن احتمال وجود «خلايا نائمة» لمسلحين أو متطرّفين في شرق البلاد وجنوبها، قادرة على استغلال أي ثغرات أمنية لضرب شخصيات ومؤسسات عسكرية وأمنية.

وتكتسب هذه المخاوف أهمية أكبر في ظل تحذيرات سابقة من استمرار مخاطر الخلايا المسلحة والمتطرفة، وهو ما أشار إليه رئيس الأركان العامة بـ«الجيش الوطني» الفريق خالد حفتر، في وقت مبكّر، بما يعكس أن الهدوء الأمني الذي يميّز شرق ليبيا لا يعني بالضرورة انحسار التهديدات.

حلول دولية طال انتظارها

بالتالي، مع بقاء ليبيا رهينة لنفوذ المسلحين، وانتظار حل يضع حداً لأوجاع الليبيين، تظل الأنظار معلقة بحلول دولية طال انتظارها، بعدما عجزت المسارات الداخلية عن إنهاء الانقسام، وسط تحرّك الأطراف المتنازعة إقليمياً ودولياً. ومن بين هذه الحلول «مبادرة أميركية» يقودها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، وتستهدف التوصل إلى صيغة لتقاسم السلطة بين طرفي الصراع في البلاد.

بنود التفاوض بشأن هذه المبادرة لا تزال طي الكتمان، الأمر الذي دفع البعض إلى وصفها بـ«الصفقة» لا «المبادرة»، في ظل محدودية ما كُشف عنها حتى الآن، والذي لم يتجاوز مقترحاً بتولي صدام حفتر، نجل قائد «الجيش الوطني»، رئاسة المجلس الرئاسي، بالتزامن مع تشكيل حكومة موحدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة.

وللعلم، دأب بولس على إبراز ما يعدّها «نجاحات» حقّقها حراكه الدبلوماسي منذ صيف العام الماضي، وتوجّت في أبريل (نيسان) هذا العام سواءً في التوصل إلى اتفاق لتوحيد الميزانية للمرة الأولى منذ 13 سنة، أو في جمع قوتين عسكريتين من شرقي البلاد وغربها في مناورة مشتركة بمدينة سرت. غير أن المبادرة لا تزال تواجه رفضاً صارماً من أطراف في الغرب الليبي، ولا سيما في مدينة مصراتة، مسقط رأس الدبيبة، بما تتمتع به مصراتة من ثقل عسكري، إلى جانب مدن وقوى أخرى ترى أن الترتيبات المطروحة لا تحقّق توازناً مقبولاً بين أطراف المشهد السياسي، وتحذّر من مخاطر ما تصفه بـ«عسكرة الدولة».

عضو المجلس الأعلى للدولة قزيط جدد هذا الموقف، قائلاً إن المبادرة «ليست فقط متعثرة، وإنما تحمل في طياتها أسباب تعثرها»، ومشيراً إلى أن الغموض الذي يكتنف مسارها وتفاعلاتها يزيد من «التساؤلات والشكوك» حول فرص نجاحها ومآلاتها.

مبادرة وإشكاليات

تطرح المبادرة، من منظور قزيط، إشكالية أعمق، مفادها أن «الحل نفسه قد يتحول أحياناً إلى عائق أمام الحل»؛ إذ يرى أن المبادرة التي يفترض أن تفتح الطريق أمام التسوية قد تتحول إلى عقبة في طريقها إذا أفضت إلى إعادة إنتاج توازنات القوى ذاتها التي أسهمت في تكريس حالة الانسداد السياسي القائمة.

ومقابل المتحمسين لـ«المبادرة الأميركية» الذين يرون فيها «الحل الواقعي» لوقف صراع دامَ سنوات أنهك الليبيين واستنزف طاقاتهم، يستند معارضوها، ومن بينهم قزيط، إلى أن التفاهمات بين طرفي الصراع الرئيسين «لن تقود بالضرورة إلى تسوية مستقرة»، خصوصاً مع تجاهل مجلسي النواب و«الأعلى للدولة»، وما تبقى من قوى وفعاليات سياسية وقبلية وبلديات ومكوّنات من المجتمع المدني وتشكيلات مسلحة فاعلة.

ومع أن شرق ليبيا قد يكون متّفقاً إلى حد كبير على تمثيل «الجيش الوطني» بقيادة المشير حفتر لها في هذه الترتيبات، فإن قزيط يرى أن «المنطقة الغربية ترفض بشكل واسع» تمثيل حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة الدبيبة لها، لا سيما في ظل المعارضة التي واجهتها حكومته في غرب البلاد خلال السنوات الأخيرة.

أيضاً، لا تقتصر الأصوات الرافضة أو المتحفّظة أو المتشكّكة في المبادرة على الداخل الليبي؛ إذ تمتد المخاوف إلى دوائر غربية لا تخفي قلقها من مآلات تحرك بولس. وهذا ما عكسه «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، الذي وصف المفاوضات بأنها بمثابة «أوكسجين سياسي» للنخب الليبية، التي قد تتعامل معها بوصفها فرصة لتحقيق «مكاسب شخصية وعائلية».

وفي هذه الأثناء، يحتفظ بعض الليبيين بقدر من التفاؤل المشروط بإمكان نجاح المبادرة، بينهم الناشط السياسي المقرّب من القيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، عمر بوسعيدة، الذي يرى أن «هناك زخماً دولياً وإقليمياً محيطاً بمبادرة المبعوث الأميركي مسعد بولس، وأدوات ضغط ونفوذاً اقتصادياً وسياسياً غير مسبوق».

ومع ذلك، ينتهي بوسعيدة إلى التحذير من أن هذا الزخم لن يكون كافياً لتجاوز العقبات المحلية وتوحيد السلطة التنفيذية ما لم تتبلور الإرادة الدولية بصورة كاملة، وتتمكّن الإدارة الأميركية وحلفاؤها من تحويل التفاهمات السياسية إلى ترتيبات أمنية ومؤسسية مستدامة على الأرض. وبالتالي، إجراء الأطراف الليبية، الممثلة في «الجيش الوطني» وحكومة «الوحدة» مباحثات بين القاهرة وأنقرة وواشنطن وموسكو؛ سعياً للتوصل إلى تفاهمات تفضي إلى توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام السياسي والأمني.

15 سنة من الصراع على الشرعية السياسية في ليبيا

تسعى التحركات الدولية والأممية إلى إخراج ليبيا من دوامة المراحل الانتقالية وإنهاء حالة الانسداد السياسي، ويظل السؤال المحوري: هل تنجح البلاد في كسر الحلقة المفرغة التي تدور فيها منذ عام 2011؟ هذا التساؤل الذي أثاره «المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية» قبل نحو أربع سنوات، ظل بلا إجابة حاسمة، متقاطعاً مع المعضلة الحقيقية المتمثلة في تراجع الثقة وغياب الضمانات اللازمة لحل الأزمة في ظل صراع قائم على الشرعية السياسية. يتجلى هذا المشهد في المسارات التي أعقبت إسقاط نظام معمر القذافي، حين تعاقبت صيغ سياسية متعددة؛ حملت كل منها وعداً بالوصول إلى دولة مستقرة ومؤسسات دائمة، غير أن كل تسوية كانت تنتهي قبل تحقيق غايتها، مفسحة المجال أمام صيغة انتقالية أخرى أكثر تعقيداً وأقل قدرة على توحيد البلاد. بدأت الرحلة مع «المجلس الوطني الانتقالي» الذي أدار البلاد عقب سقوط النظام السابق، قبل أن يسلّم السلطة إلى «المؤتمر الوطني العام» المنتخب في أغسطس (آب) 2012. وبدا ذلك الانتقال كأنه تأسيس سياسي جديد، لكنه أخفق في بناء مؤسسات قادرة على احتواء الخلافات. ومع انتخابات مجلس النواب عام 2014، دخلت الأزمة مرحلة جديدة بتدوير التنافس السياسي إلى انقسام مؤسسي بين حكومتين واقتتال أهلي، ليرسم الانقسام خريطة القوة بين شرق البلاد وغربها، ويغدو توحيد المؤسّسات شرطاً متكرّراً في كل تسوية وسبباً رئيساً لتعثرها. بعدها، جاء «اتفاق الصخيرات» بالمغرب في ديسمبر (كانون الأول) 2015 محاولةً لإعادة هيكلة السلطة التنفيذية وتوحيد المؤسسات عبر حكومة «الوفاق الوطني». لكنه لم يُنهِ الانقسام، بل ظلت ترتيبات الحكم مرهونة بتوازنات القوى المسلحة والسياسية، ليبقى الاتفاق «معالجة انتقالية» لا تأسيساً لنظام مستقر. «حرب طرابلس» عام 2019 عكست حدود تلك التسويات، قبل أن يفتح اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) 2020 الطريق أمام مسار أممي جديد أسفر في فبراير (شباط) 2021 عن اختيار «سلطة تنفيذية مؤقتة»، تمثلت مهمتها الأساسية في إيصال البلاد إلى انتخابات وطنية بحلول نهاية ذلك العام. لقد كان مُفترضاً أن تشكّل انتخابات 24 ديسمبر (كانون الأول) 2021 نقطة الخروج من المراحل الانتقالية، لكنها تعثرت نتيجة الخلافات حول القاعدة الدستورية وشروط الترشح ونزاهة المؤسسات المنظمة. ومنذ ذلك الحين، دخلت البلاد في دوامة مفتوحة بلا أفق محدد. وفي عام 2022، أدى ظهور حكومة منافسة في الشرق إلى إعادة إنتاج الانقسام التنفيذي، فيما واصلت المؤسسات السيادية والعسكرية عملها عبر ترتيبات متوازية، لـتتحول الانتخابات من أداة لإنهاء الانقسام إلى محور صراع حول شرعية إدارة الدولة. اليوم، تسعى المبعوثة الأممية هانا تيتيه إلى تعديل المعادلة عبر مسار يجمع بين إصلاح الإطار الانتخابي، وتوحيد المؤسسات، ومعالجة الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية. وعلى خط موازٍ، تتحرك واشنطن بشكل مباشر عبر مبادرة للحل، معتمدة على توحيد الحكومة والمؤسسات لتهيئة البيئة الملائمة للانتخابات. ويرهن مراقبون نجاح هذه التحركات بقدرة الأطراف الليبية والدولية على معالجة جذور المعضلة وصولاً إلى إنهاء الصراع الفردي على الشرعية السياسية، وإجراء الانتخابات العامة وإعادة السيادة للدولة.


خافيير بيسيرا... «الديمقراطي الهادئ» أمام اختبار انتخابات حاكم كاليفورنيا

مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
TT

خافيير بيسيرا... «الديمقراطي الهادئ» أمام اختبار انتخابات حاكم كاليفورنيا

مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً
مراقبون يرون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً

لم يصل خافيير بيسيرا إلى صدارة السباق على حاكمية ولاية كاليفورنيا الأميركية بوصفه المرشح الأكثر شهرة أو صاحب البرنامج الأكثر صخباً. إذ انتزع المركز الأول في الانتخابات التمهيدية بنسبة 28 في المائة، مستفيداً من تفكّك مجموعة منافسيه وانسحاب أسماء كانت تتقدّمه، ثم وجد نفسه المرشح الديمقراطي في ولاية تميل بقوة إلى حزبه. إلا أن المفارقة أن الرجل الذي خدم نحو 35 سنة في مواقع تمتد من برلمان الولاية إلى الكونغرس ووزارة الصحة، لا يزال، في نظر كثيرين في ساكرامنتو، عاصمة كاليفورنيا، مجهولاً سياسياً: يعرفون سجلّه ولا يعرفون تماماً كيف سيحكم. هذه ليست مسألة أسلوب فقط. فحاكم كاليفورنيا المقبل سيرث رابع أكبر اقتصاد في العالم، لكنه سيرث أيضاً أزمة سكن وتأمين وطاقة وتشرّد، وقلقاً من الضرائب والقيود التنظيمية وهجرة السكان والأعمال. وبالتالي، سيُطلب من بيسيرا أن يحدّد ما إذا كان سيواصل نموذج الحاكم الديمقراطي الحالي غافين نيوسوم، أم يعيد توجيه الحزب الديمقراطي من المعارك الرمزية الكبرى إلى اختبار يومي أبسط وأقسى: هل تستطيع حكومة تقدمية جعل الحياة أقل كلفة من دون إضعاف القدرة التنافسية للولاية؟

وُلد خافيير بيسيرا في مدينة ساكرامنتو، العاصمة السياسية لولاية كاليفورنيا، عام 1958، وهو ثالث أربعة أبناء لعائلة عاملة محدودة الدخل.

كان والده مانويل قد وُلد أيضاً في ساكرامنتو، لكنه نشأ في مدينة تيخوانا المكسيكية الحدودية، في حين تربّت والدته ماريا تيريزا في مدينة غوادالاخارا، ثاني كبرى مدن المكسيك، قبل انتقالها إلى الولايات المتحدة.

ولقد عمل الأب عاملاً زراعياً في الحقول ثم في شق الطرق، وعملت الأم سكرتيرة. وبحسب السيرة الرسمية في مجلس النواب، عاش الأبناء في منزل صغير قرب حي لاند بارك، وكان خافيير أول فرد في العائلة يحصل على شهادة جامعية.

بداية الصعود والحياة الأسرية

تبدو قصة دخول خافيير جامعة ستانفورد الشهيرة أقرب إلى الحكايات الأميركية الكلاسيكية؛ إذ عثر على طلب التحاق فارغ كان صديق له يريد التخلّص منه، فملأه وقُبل.

وفي ستانفورد درس الاقتصاد وتخرّج عام 1980، ثم نال شهادة القانون من كلية الحقوق في الجامعة ذاتها، عام 1984. وهناك تعرّف إلى كارولينا رييس، التي أصبحت طبيبة وزوجته وأم بناتهما الثلاث. وبعد التخرّج انتقل إلى ولاية ماساتشوستس، في الجانب الآخر من أميركا، حيث كانت زوجته تدرس الطب في جامعة هارفارد، وعمل في مجال المساعدة القانونية، قبل أن يعود إلى كاليفورنيا مساعداً للسيناتور المحلي آرت توريس ثم نائباً للمدعي العام في الولاية.

هذه السيرة تمنح خافيير بيسيرا «لغة سياسية» تتجاوز الانتماء الإثني؛ فهو ابن عامل نقابي، وأول جامعي في أسرته، ومحام بدأ بخدمة محدودي الدخل. وكل هذه عناصر تفسر تركيزه الدائم على الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي والهجرة، لكنها توفر له أيضاً مَدخلاً إلى ناخبين بيض ومستقلّين لا تتحرك خياراتهم على أساس الهويّة بقدر ما تتأثر بالطبقة والاستقرار الاقتصادي.

صعود بلا ضجيج

بدأ بيسيرا طريقه الانتخابية عام 1990 بمفاجأة تشبه فوزه الأخير؛ إذ دخل سباقاً على مقعد في برلمان كاليفورنيا وهو قليل الشهرة، وخاض حملة طرق أبواب مكّنته من التواصل مع الطبقة الوسطى اللاتينية والأحياء الأفقر في شرق لوس أنجليس، ففاز في الانتخابات التمهيدية بنسبة 35 في المائة. وبعد ولاية واحدة فقط، انتقل عام 1993 إلى مجلس النواب الأميركي ممثلاً إحدى مناطق مدينة لوس أنجليس، وبقي فيه 24 سنة.

في العاصمة واشنطن، بنى بيسيرا نفوذه بالتدرّج: ترأس كتلة النواب من أصول لاتينية، وأصبح أول لاتيني ينضم إلى لجنة الوسائل والموارد النافذة، ثم ترأس الكتلة الديمقراطية في مجلس النواب بين 2013 و2017. وبعدها اشتغل على الهجرة والضرائب والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، وكان قريباً من نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب، لكنه حرص على ألا يُختصر في قضايا اللاتينيين، قائلاً مبكراً إن مَن لديه مشكلة ضريبية أو صحية يجب أن يراه ممثلاً له أيضاً.

في الحقيقة، لم تكن الطريق سلسلة انتصارات متصلة. ففي 2001 جرّب العودة إلى السياسة المحلية مرشحاً لرئاسة بلدية لوس أنجليس، لكنه خسر في معركة تمهيدية مزدحمة. وعندما عرض عليه الرئيس باراك أوباما منصب الممثل التجاري الأميركي عام 2008، فضّل البقاء في مجلس النواب. ويكشف القراران عن سمتين لازمتاه: طموح يتجاوز المقعد النيابي، وحذر يجعله يختار توقيت انتقاله وموقع القوة الذي يريد أن ينطلق منه.

تعيينه محامياً عاماً

عام 2017، عيّنه الحاكم جيري براون مدعياً عاماً خلفاً لكامالا هاريس، ثم فاز بالمنصب انتخابياً. وهناك، تحوّل من مشرّع هادئ إلى أحد أبرز خصوم إدارة دونالد ترمب الأولى، فرفع أكثر من مائة دعوى في ملفات الهجرة والبيئة والرعاية الصحية والحقوق الإنجابية.

وفي عام 2021، اختاره الرئيس جو بايدن وزيراً للصحة والخدمات الإنسانية. وأشرف حينذاك على مرحلة الجائحة (كوفيد - 19) وتنفيذ توسيع التغطية الصحية، وعلى أول مفاوضات لخفض أسعار أدوية ضمن «ميديكير» بموجب قانون خفض التضخم.

لكن تجربته مع السلطة الفيدرالية تركت ظلالاً أيضاً؛ إذ اتهمه مسؤولون سابقون بالبطء وقلة الحضور خلال أزمات، ولاحقته انتقادات بشأن سرعة تسليم القاصرين المهاجرين غير المصحوبين إلى كفلاء لم يخضع بعضهم لتدقيق كافٍ. وهذه الانتقادات يرفضها بيسيرا ويعدُّها هو وحلفاؤه مُجحفة، غير أنها تضع أمامه سؤالاً مشروعاً: هل أسلوبه التشاوري الدقيق ميزة في إدارة مؤسسة ضخمة، أم هو تردّد لا تحتمله الأزمات؟

فوز بين الشقوق

تقول «بوليتيكو» إن بيسيرا لم يكن الخيار الأول لمعظم مراكز القوى في الحزب الديمقراطي؛ إذ أحجم كل من كامالا هاريس وأليكس باديّا عن خوض السباق، وانسحب إريك سوالويل بعد انهيار حملته، في حين أنفق الملياردير توم ستاير مبالغ طائلة ليحتلّ المساحة التقدمية بوعود تشمل الرعاية الصحية ذات الدافع الواحد وفرض ضرائب على المليارديرات وتفكيك احتكارات المرافق. أما بيسيرا فظهر بمظهر «اليد الثابتة» الموثوقة والبديل الأقل مخاطرة.

وفق النتائج الرسمية، نال بيسيرا 28 في المائة مقابل 24.6 في المائة للجمهوري ستيف هيلتون. وهذه نتيجة تمنحه بطاقة العبور، لا تفويضاً كاسحاً. لكنه خرج منها بميزة نادرة: لم يصل محمولاً على قائمة طويلة من التعهّدات أو مُرتهناً بالكامل للنقابات ومجموعات المصالح التي تأخرت في تأييده. وهذا يفسّر جانباً من حذَر ساكرامنتو؛ فالجهات النافذة لا تعرف بعد مَن سيختار لفريقه... ولا أي الملفات سيقدّم.

في المقابل، تبدو الانتخابات العامة أقل غموضاً؛ إذ أظهر استطلاع معهد بيركلي للدراسات الحكومية يوم 13 أغسطس (آب) تقدّمه على هيلتون بـ55 في المائة مقابل 37 في المائة. غير أن ضمان الفوز تقريباً قد يتحوّل إلى مشكلة حكم. ذلك أنه سيكون عليه أن يصنع تفويضه بعد الانتخابات، لا أن يزعم أن المعركة التمهيدية منحته إياه.

برنامج ينتظر التفاصيل

يردّ بيسيرا على من يسأله عما سيفعل بعبارة «انظروا إلى سجلّي!». وفي رد له على «بوليتيكو»، قال إنه يستطيع إطلاق وعود كبيرة، لكنه لا يريد الفوز بتعهّدات مضخّمة قد لا يستطيع تنفيذها.

في نظر مؤيديه، هذا انضباط اكتسبه بيسيرا من إدارة ملفات حياة أو موت إبان جائحة «كوفيد - 19»، أما في نظر منتقديه، فإنها طريقة لطيفة لتأجيل الخيارات الصعبة.

مع هذا، أجندة بيسيرا ليست فارغة. فهو يقترح تجميد زيادات أقساط التأمين على المنازل، وتحديد مشاريع إسكان جاهزة للبناء، ووضع خطة شاملة تجعل قدرة الأسرة المتوسطة على شراء المنزل المتوسط هدفاً قابلاً للقياس.

ثم إنه يتعهّد بالحفاظ على التغطية الصحية لملايين قد يتضرّرون من التخفيضات الفيدرالية، واستعادة تغطية مهاجرين غير موثقين قلّصها الحاكم الحالي نيوسوم، والتحرّك من ثم تدريجياً نحو نظام صحي شامل.

أيضاً طرح منح الأسر المنخفضة الدخل ساعتين مجانيتين من الكهرباء في منتصف النهار للاستفادة من فائض الطاقة الشمسية، مع تقدير وفر قد يصل إلى ألف دولار سنوياً للأسرة المستفيدة. وسيواصل وقف تنفيذ أحكام الإعدام، لكنه يلمّح إلى اختلافات مع نيوسوم. فهو، مثلاً يعارض السماح للشاحنات الذاتية القيادة بالعمل بلا سائق، بعدما قاوم الحاكم الحالي قيود النقابات عليها، وأبدى تردّداً أولياً قبل أن يؤيد إمكان تحقيق هدف وقف بيع السيارات الجديدة العاملة بالبنزين في 2035.

ويؤيد بيسيرا أيضاً رسماً على الشركات التي تدفع أجوراً منخفضة تجعل موظفيها مؤهلين للمساعدات العامة، وقد يستخدم عائداته لتمويل التغطية الصحية. لكن هذا يحتاج إلى أكثرية الثلثين في المجلس التشريعي، وقد يصطدم بغرفة تجارة كاليفورنيا التي أيدته.

هذه التناقضات هي جوهر امتحان بيسيرا الاقتصادي. فوفق معهد السياسات العامة في كاليفورنيا، بلغ اقتصاد الولاية 4.3 تريليون دولار عام 2025، لكنه نما منذ 2020 بوتيرة أبطأ من نمو اقتصاد كل من ولايتي تكساس وفلوريدا. وتفيد وزارة المال في الولاية بأن صافي الهجرة الداخلية سجّل خسارة قدرها 216 ألف شخص للسنة 2024 - 2025.

ويرى مراقبون أن رواية الجمهوريين عن «انهيار كاليفورنيا» مبالغ فيها، لكن ارتفاع الكلفة والتعقيد التنظيمي والهجرة العكسية ليست أوهاماً. ولا يكفي لمواجهتها أن يعِد بيسيرا بجمع الأطراف حول الطاولة؛ عليه تحديد ما سيبسّطه، وما سيموّله، ومن سيدفع الثمن.

من الهوية إلى اختبار الحكم

في أي حال، إذا فاز بيسيرا فسيصبح أول لاتيني يُنتخب حاكماً لكاليفورنيا، وأول من يتولّى المنصب منذ روموالدو باتشيكو الذي شغله لعشرة أشهر عام 1875 بعد شغوره.

هنا للرمزية وزن واضح في ولاية يشكل فيها اللاتينيون 38 في المائة من البالغين، وقد خاطبهم بيسيرا بالإسبانية وعبر «تيك توك» تحت صورة «العم خافيير». لكنها ليست شيكاً انتخابياً مفتوحاً: اللاتينيون لا يمثلون سوى 29 في المائة من الناخبين المرجّح اقتراعهم، وقد حقّق الجمهوريون تقدماً بينهم في دورات أخيرة.

ولذا يحتاج بيسيرا إلى ائتلاف أوسع. وتظهر بيانات معهد السياسات العامة أن البيض يمثلون نصف الناخبين المرجح اقتراعهم، وأن 51 في المائة من المُستقلين يعدّون أنفسهم «معتدلين». وهنا قد يخدمه أسلوبه غير الاستعراضي وخلفيته العمالية، شرط أن يحوّل الاعتدال في النبرة إلى وضوح في النتائج. فالمستقل لا يطلب منه تقليد الجمهوريين، بل إثبات أن حماية المناخ والمهاجرين والعمال لا تعني تجاهل فاتورة الكهرباء أو عجز الأسرة عن شراء منزل.

بعض القراءات تلتقط، راهناً، تحولاً حقيقياً في مسار الحزب الديمقراطي؛ إذ ترى أن تركيزه على أسعار الدواء والإيجارات والخدمات المحلية ينقله من قوة ذات رؤية «كونية» إلى حزب أكثر انكفاءً على الشأن المحلي. غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة نزعة انعزالية؛ فقد أظهر استطلاع أُجري في مايو (أيار) 2026 أن الناخبين باتوا أقل استعداداً لمكافأة الخطاب المجرّد؛ إذ وضع 44 في المائة منهم كلفة المعيشة والاقتصاد في صدارة مشاكل الولاية، تليهما أزمة السكن. ثم إن وظيفة الحاكم تقوم أساساً على إدارة هذه التفاصيل، بينما تتجاوز عادةً، آثار سياسات كاليفورنيا في المناخ والتكنولوجيا والخصوصية والسيارات حدود الولاية.

آيديولوجياً، بيسيرا نفسه ليس تجسيداً صافياً لانتفاضة «تقدّمية» على «المؤسسة»؛ فهو ابن المؤسسة الديمقراطية، وإن كان تقدمياً في الصحة والهجرة والحقوق. ولذا قد لا يكون صعوده انكفاءً عن «الكونية»، بل محاولة لإعادة بنائها من أسفل؛ أي إقناع الناخب أولاً بأن الحكومة قادرة على خفض كلفة الدواء والسكن والطاقة، ثم تقديم نموذج كاليفورنيا إلى البلاد.

نجاحه في ذلك قد يمنح الديمقراطيين جواباً عن أزمة القيادة المقبلة؛ أما فشله فسيحوّل رمزية انتخاب أول حاكم لاتيني منذ قرن ونصف قرن إلى إنجاز تاريخي محدود الأثر.


من ريغان إلى نيوسوم: حكّام صنعوا كاليفورنيا الحديثة

ريغان (آ ب)
ريغان (آ ب)
TT

من ريغان إلى نيوسوم: حكّام صنعوا كاليفورنيا الحديثة

ريغان (آ ب)
ريغان (آ ب)

تعاقب على كاليفورنيا منذ عقد الستينات حكّام من الحزبين ترك كل منهم تعريفاً مختلفاً لدور الولاية وحدود السلطة التنفيذية. وتُظهر القائمة التاريخية الرسمية أن الهيمنة الديمقراطية الراهنة حديثة نسبياً، بعدما حكم الجمهوريون معظم الفترة الممتدة من 1983 إلى 1999، ثم عادوا مع أرنولد شوارتزنيغر. وهذا التاريخ يجعل الحاكمية أيضاً مختبراً لإنتاج زعامات وطنية، لا مجرد إدارة محلية لولاية كبيرة.

إدموند «بات» براون (ديمقراطي، 1959-1967): يُعد مهندس كاليفورنيا الحديثة؛ وسّع الجامعات والطرق ومشاريع المياه في مرحلة نمو سكاني هائل. لكن اضطرابات الستينات والقلق من الضرائب والجريمة مهّدت لهزيمته أمام رونالد ريغان.

رونالد ريغان (جمهوري، 1967-1975): وصل بخطاب محافظ ضد الاحتجاجات على خلفية «حرب فيتنام» والإنفاق الحكومي، وحوّل الحاكمية إلى منصة وطنية قادته لاحقاً إلى البيت الأبيض. إلا أن سجله التنفيذي كان أكثر براغماتية من شعاراته؛ وافق على زيادات ضريبية ووقّع قوانين اجتماعية وتنظيمية لا تنسجم كلها مع صورته المحافظة اللاحقة.

شوارتزنيغر (آ ب)

إدموند «جيري» براون (ديمقراطي، 1975-1983 و2011-2019): ابن الحاكم حكم ولايتين تفصل بينهما ثلاثة عقود. في الأولى مثّل جيلاً ديمقراطياً جديداً وواجه ثورة الضرائب التي جسّدها الاقتراح 13. وعندما عاد، قدّم نفسه حارساً مالياً، عالج عجزاً كبيراً وراكم احتياطيات، فيما دفع بقوة بسياسات المناخ والقطار السريع.

جورج ديوكمجيان (جمهوري، 1983-1991): جعل مكافحة الجريمة وتوسيع السجون محور حكمه، وتمسك بمقاومة الضرائب. جسّد مرحلة كان فيها الجمهوريون قادرين على الفوز بأكثرية مستقرة في الولاية.

بيت ويلسون (جمهوري، 1991-1999): واجه ركوداً قاسياً واضطر أولاً إلى زيادات ضريبية، ثم تبنى الاقتراح 187 الذي حرم المهاجرين غير الموثّقين خدمات عامة. عزز ذلك فوزه عام 1994، لكنه أسهم على المدى البعيد في نفور اللاتينيين من الحزب الجمهوري.

نيوسوم (غيتي)

غراي ديفيس (ديمقراطي، 1999-2003): أعاد الديمقراطيين إلى الحاكمية، لكن أزمة الكهرباء والعجز وصورته بوصفه سياسياً شديد الارتباط بالمانحين قادت إلى عزله من منصبه في اقتراع تاريخي.

أرنولد شوارتزنيغر (جمهوري، 2003-2011): فاز في الانتخابات التي أجريت بعد عزل ديفيس بقوة شهرته السينمائية، وبدأ محافظاً إصلاحياً ثم تحرك نحو الوسط. أبرز إرثه قانون خفض الانبعاثات لعام 2006 ومشروعات البنية التحتية، فيما ظلت أزمة الموازنة نقطة ضعفه الكبرى.

غافين نيوسوم (ديمقراطي، 2019-2027): حوّل الولاية إلى رأس حربة ديمقراطية في مواجهة ترمب، ووسّع سياسات المناخ والصحة والحقوق الإنجابية، ونجا من محاولة عزل عام 2021. لكنه يترك لخلفه أزمات السكن والتشرد والتأمين وكلفة المعيشة، ومعضلة الفصل بين قوة «نموذج كاليفورنيا» وطنياً وصعوبة تقديم خدمات مقنعة يومياً.