صحتك بعد الصوم

توصيات بالحفاظ على فوائده البدنية والنفسية

أ. د. محمد جميل الحبال
أ. د. محمد جميل الحبال
TT

صحتك بعد الصوم

أ. د. محمد جميل الحبال
أ. د. محمد جميل الحبال

بعد رحيل شهر رمضان المبارك وحلول أول أيام عيد الفطر المبارك، لنا أن نتساءل: كيف لنا أن نحافظ على المكاسب والمنجزات المفيدة صحياً ونفسياً التي خرجنا بها من شهر الصيام، على المستويين الفردي والجماعي، وما النظام الصحي الأفضل بعد رمضان؟

- مكاسب ما بعد الصيام
استضفنا في ملحق «صحتك» الأستاذ الدكتور محمد جميل الحبال، استشاري الطب الباطني والباحث في التفسير الطبي للقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف بمدينة الموصل العراقية، للحديث حول الصحة بعد شهر الصوم وكيف نحافظ على المكتسبات الصحية والنفسية والاجتماعية التي جنيناها من الصيام.
يقول الدكتور الحبال: «لقد حققنا في شهر رمضان مكاسب صحية؛ عضوية ونفسية، كثيرة، إلى جانب المكسب الديني... وإلى جانب ذلك يجب علينا أن نذكر المكاسب والفوائد الصحية والنفسية والتي نتمنى أن نستمر في جني ثمارها طوال السنة»...
- من أهم تلك الفوائد والمكاسب الصحية:
> راحة الجهاز الهضمي وتوابعه: في أول أيام العيد قد ننسى أنفسنا ونكثر من تناول الطعام والشراب فنصاب بالتخمة؛ لأن الجهاز الهضمي قد تعود على وجبتين مقننتين خلال شهر رمضان، فإذا عدنا إلى ما كنا عليه قبل رمضان من الإسراف في الطعام، وإلقاء الطعام على الطعام في الجهاز الهضمي، فإننا حتماً سوف نفقد هذه الميزة ونلحق الضرر بالجهاز الهضمي وملحقاته من الكبد والعصارات المرارية والبنكرياس. علينا ألا نسرف في الطعام والشراب، وأن نجعل وجبة العشاء خفيفة تحتوي سلطات وفواكه.»
> السمنة وزيادة الوزن: تشير الدراسات إلى زيادة نسبة الإصابة بالسمنة وزيادة الوزن على مستوى العالم، خصوصاً في المملكة العربية السعودية؛ حيث ارتفعت النسبة إلى نحو 50 في المائة من السكان، وأن النساء يعانين من السمنة أكثر من الرجال. وقد ثبت أيضاً أن الصوم يقلل من هذه الظاهرة؛ خصوصاً إذا التزم الصائم بالحمية الغذائية والرياضية، فتكون مكسباً لتنزيل الوزن وكسر الدهون المتراكمة في الكبد، فيقي نفسه الإصابة بـ«مرض الشحوم الكبدية (fatty liver disease)» وهو من الأمراض الخطيرة في هذا العصر.
والسمنة من أهم الأسباب التي تؤدي إلى تشمع الكبد وتليّفه والإضرار به، أكثر من «مرض الكبد الكحولي (alcoholic liver disease)» فقد كان يعتقد سابقاً أن أمراض الكبد ومضاعفاتها تنتج من تعاطي الكحول بشكل أساسي، ولكن في الوقت الحاضر أضحت مشكلة الشحوم الكبدية هي المسبب الأكثر شيوعاً لتليف الكبد.
لقد صُنفت زيادة الوزن في هذا العصر من الأمراض المزمنة ولها مضاعفات خطيرة مثلها مثل أمراض القلب والكلى وارتفاع ضغط الدم والسكري والشحوم الكبدية وخشونة المفاصل وداء النقرس... وغيرها.
من الملاحظ أن النسبة الكبيرة من صائمي شهر رمضان يتمكنون سنوياً من تخفيف أوزانهم خلال شهر رمضان، أو في الأقل لا تحدث لديهم زيادة في أوزانهم، خصوصاً الذين يمارسون أعمالهم بصورة طبيعية بعيداً من النوم المفرط نهاراً، فالصيام يقوم بكسر الشحوم والسموم المتراكمة في أثناء العام السابق نتيجة تناول الوجبات الدسمة والإكثار من السكريات والدهون.
كما يُنصح بممارسة الصوم المتقطع طوال السنة، كالصيام تطوعاً يومين في الأسبوع، و3 أيام في الشهر، مع التقليل في الأكل، والاستمرار في الجهد البدني المعتاد، حتى تستفيد الأعضاء جميعها، خصوصاً القلب و(جهاز الدوران) فضلاً عن الجهاز الهضمي.
- صحة جسدية ونفسية
> جهاز القلب والدورة الدموية: كلما كانت هناك وجبات طعام متكررة ومتتابعة، حدثت المتاعب في جهاز القلب والدورة الدموية. الصيام، كما نقول، محطة استراحة للجهاز الهضمي، وبالتالي يستفيد القلب والدورة الدموية من تلك الاستراحة، فيستعيد نشاطه، وعلينا أن نحافظ على هذا المكسب وهذا الإنجاز الصحي.
> الصحة النفسية: الصوم يخفف من الضغوط النفسية ويخلق السعادة الداخلية والطمأنينة، والكيِّس من يستمر على ذلك بعد رمضان، إضافة إلى الترابط الاجتماعي، بما له من مردود معنوي وديني كبير، يساهم في زيادة روابط المحبة والوئام بين أفراد الأسرة والأصدقاء، ومن المفترض أن نستمر عليه بعد رمضان أيضاً.
> ترك العادات السيئة: لقد دخلنا (دورة تدريبية في تحسين السلوكيات) خلال شهر رمضان، ونجحنا فيها، وعلينا الآن أن نطبقها في باقي شهور السنة، ونترك جميع العادات السيئة التي كنا نمارسها، ومن ذلك، على سبيل المثال، وقف (التدخين) لأكثر من نحو 14 ساعة. والأفضل ألا نعود إلى التدخين مرة ثانية؛ لأن التدخين ثبت أنه مسرطن وقاتل بما يسبب من أمراض كثيرة.
> التغذية الصحية السليمة: لقد عشنا 30 يوماً نتناول خلالها وجبات بيتية صحية، كمّاً ونوعاً؛ كثيرة الخضراوات والفواكه والسلطات والمسلوقات، عكس الوجبات السريعة التي اعتدنا تناولها في الأيام العادية، وهي في معظمها ليست مفيدة؛ بل قد تكون متلوثة وضارة بالجسم. فالطبخ المنزلي آمن أولاً، ثم سليم ومفيد ثانياً. يجب أن نستمر على هذا النمط الغذائي الصحي بعد رمضان، ونعوّد أنفسنا وأفراد أسرتنا تناول الوجبات المنزلية المنتظمة التي تجمع الأسرة بكاملها. ونستمر في اتباع النظام الغذائي الصحي الذي كان متبعاً خلال شهر رمضان، والعودة تدريجيّاً إلى النظام الغذائي العادي؛ أي عدم المبالغة في الطعام من حيث الكمية والنوعية.
أما بالنسبة إلى السوائل؛ فننصح بشرب كثير من الماء، فالجسم يحتاج للمياه من أجل تأدية معظم وظائفه، والتخلص من السموم، والمحافظة على صحة البشرة، والمساعدة في منح الطاقة للعضلات، والتقليل من أعراض أمرض الحر، والتحكم في السعرات الحرارية، وتقليل الرغبة الشديدة في تناول الأطعمة غير الصحية.
> الوقاية من الأمراض المزمنة: الصوم يقي من كثير من الأمراض، فهو يرفع مناعة الجسم، كما يعالج أو يخفف من أعراض ومضاعفات الأمراض المزمنة، مثل أمراض القلب، والكلى، وارتفاع ضغط الدم، وداء السكري من النمط الثاني الذي يصيب البالغين، والسمنة، والشحوم الكبدية... وغيرها. المرضى المصابون بهذه الأمراض يستفيدون من الصوم، سواء أكان في شهر رمضان أم بعده، بممارسة عبادة الصيام المتقطع طوال السنة من بعد رمضان وقاية من الأمراض العضوية والنفسية. وقد ثبتت فوائد الصيام المتقطع في كثير من الدراسات في دول العالم الإسلامية والغربية».
- التأثير الإيجابي للصيام المتقطع
> يشير الأستاذ الدكتور محمد جميل الحبال إلى أن «الصيام المتقطع قد أصبح، خلال العقود الأخيرة، أحد اهتمامات العلماء والباحثين من مختلف دول العالم لمردوده الصحي الكبير». وقد حصل العالم الياباني يوشينوري أوسومي (Yoshinori Ohsumi) على جائزة نوبل في الطب لعام 2016 تقديراً لإسهامه في مجال التعرف على كيفية قيام الجسم البشري بتكسير وإعادة إنتاج مكوِّنات الخلايا، وهي النظرية التي تعرف بـ«التدمير الذاتي للخلايا». وملخصها، بلغة علمية مبسطة، أن فترات الصيام القصيرة للإنسان لها تأثير إيجابي على تجديد الخلايا والمساعدة على إبطاء عملية الشيخوخة، وأن ممارسة الجوع والعطش من 8 إلى 16 ساعة في يومين (الاثنين والخميس) من كل أسبوع أو في 3 أيام (الأيام البيض) من كل شهر، مع ممارسة الهدوء النفسي والروحاني، وليس الجوع والعطش فقط، مفيدة للجسم والعقل والخلايا والأنسجة. وتفسيرها طبياً أن الجسم في أثناء الصيام يشهد انخفاض مستويات الغلوكوز في الدم، وبالتالي يتباطأ إنتاج الإنسولين الذي يسلم الغلوكوز إلى أنسجة الجسم، وهذا يعني أن إمدادات المغذيات تتوقف، ويجب أن تدخل في وضع البقاء «حية»، وهذا يعني أن إنتاج الغلوكاجون يبدأ، وكذلك تحفيز الالتهام الذاتي الذي يقوم بالتهام الخلايا المريضة أو الخلايا الالتهابية أو الخلايا السرطانية أو حتى تلك التي تسبب الشيخوخة والخرف «ألزهايمر»، ويحولها إلى طاقة.
إن رد الفعل الدفاعي للجسم (المناعة) يعتمد على استخدام الخلايا منتهية العمر للحصول على إمدادات المغذيات من الداخل. وقد يؤدي الصيام لفترات طويلة إلى إبطاء معدل الأيض (التمثيل الغذائي)، رغم أنه يزداد فعلياً في حالة الصيام من 12 إلى 72 ساعة. وهذا مرتبط بإفراز هرمون «نورادرينالين» المسؤول عن الشعور بالجوع.
والقاعدة نفسها تنطبق على كتلة العضلات، حيث تجزم الأبحاث بأن الصيام قصير الأمد يؤدي إلى ارتفاع مستويات «هرمون النمو» الذي يستخلص الطاقة من الأنسجة الدهنية. والصيام المتقطع علاج لكثير من أمراض العصر المزمنة والوقاية منها، مثل الأمراض السرطانية والأمراض المعدية والالتهابية وكذلك من مرض ألزهايمر.
وأخيراً يؤكد الأستاذ الدكتور محمد الحبال على «ضرورة أن نلتزم جميعنا بالتعاليم والأساليب الصحية في جميع نواحي حياتنا، لكي نحافظ على الفوائد والمكاسب والمنجزات التي حققناها من صيام شهر رمضان المبارك الماضي».

* استشاري طب المجتمع


مقالات ذات صلة

تأثير التدخين على صحتك بعد الإفطار في رمضان

صحتك يُسبب التدخين مباشرةً بعد الإفطار مخاطر صحية جسيمة نتيجةً لزيادة حساسية الجسم (بكسباي)

تأثير التدخين على صحتك بعد الإفطار في رمضان

يُسبب التدخين مباشرةً بعد الإفطار مخاطر صحية جسيمة نتيجةً لزيادة حساسية الجسم بعد ساعات طويلة من الصيام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك قطع من الدجاج (أ.ب)

هل الدجاج حقاً أكثر صحة من اللحم البقري؟

لطالما ارتبطت اللحوم الحمراء بارتفاع سكر الدم وزيادة خطر الإصابة بالسكري، بينما يُنظر إلى الدجاج باعتباره الخيار الصحي الأفضل. غير أن دراسة جديدة تُشكك في ذلك.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك الباحثون يؤكدون وجود فوائد صحية كبيرة للصوم (مشيخة الأزهر)

صيام رمضان يُبطئ الشيخوخة البيولوجية

يمنح الصيام الإنسان مشاعر روحانية مميزة، وإلى جانب ذلك يُمكنه أن يُعزز صحة الجسم، ويبطئ علامات الشيخوخة البيولوجية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك شكل الأنف والأذنين يتغير مع التقدم في العمر (رويترز)

كيف يؤثر التقدم في السن على شكل الأنف والأذنين؟

كثيراً ما يُقال إن الأنف والأذنين لا يتوقفان عن النمو طوال الحياة ومع تقدمك بالعمر قد تلاحظ أن أنفك يبدو أكبر أو أن أذنك تبدو أطول مما كانت عليه في الصغر

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا الدبيبة خلال افتتاح مجمع «عيادات اقزير» بمصراتة 18 فبراير (مكتب الدبيبة)

تباينات ليبية بشأن «خطة» الدبيبة لإصلاح القطاع الصحي

تباينت ردود الفعل في ليبيا حيال إطلاق رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، استراتيجية «100 يوم» لأولويات إصلاح قطاع الصحة.

جاكلين زاهر (القاهرة)

تأثير التدخين على صحتك بعد الإفطار في رمضان

يُسبب التدخين مباشرةً بعد الإفطار مخاطر صحية جسيمة نتيجةً لزيادة حساسية الجسم (بكسباي)
يُسبب التدخين مباشرةً بعد الإفطار مخاطر صحية جسيمة نتيجةً لزيادة حساسية الجسم (بكسباي)
TT

تأثير التدخين على صحتك بعد الإفطار في رمضان

يُسبب التدخين مباشرةً بعد الإفطار مخاطر صحية جسيمة نتيجةً لزيادة حساسية الجسم (بكسباي)
يُسبب التدخين مباشرةً بعد الإفطار مخاطر صحية جسيمة نتيجةً لزيادة حساسية الجسم (بكسباي)

يُسبب التدخين مباشرةً بعد الإفطار مخاطر صحية جسيمة نتيجةً لزيادة حساسية الجسم بعد ساعات طويلة من الصيام.

خلال فترة الصيام، يقوم الجسم بعمليتين: أولاً، يزيد من إنتاج الجذور الحرة الضارة. ثانياً، يقلل من إنتاج مضادات الأكسدة الداخلية (مضادات الأكسدة التي ينتجها الجسم عند تناول الطعام).

ووفقاً للمعهد الوطني للصحة في بريطانيا، نحتاج عند الإفطار إلى تناول أطعمة غنية بمضادات الأكسدة الخارجية (مضادات الأكسدة التي لا ينتجها الجسم، بل توجد في الأطعمة) لموازنة تراكم الجذور الحرة في الجسم.

من أمثلة هذه الأطعمة الفواكه والخضراوات الغنية بفيتامينات أ، ج، وهـ، بالإضافة إلى اللحوم أو الأسماك مكملات بروتينية.

تحتوي السجائر على مواد فعالة تسهِم في مضاعفة كمية الجذور الحرة في الجسم، وبدلاً من تقليل كمية الجذور الحرة الموجودة في الجسم بتناول وجبات صحية، يُدخل المدخنون في الواقع المزيد من الجذور الحرة؛ ما يُلحق المزيد من الضرر بأجسامهم.

المخاطر الرئيسية للتدخين بعد الصيام

  • إجهاد حاد في القلب والأوعية الدموية: يُسبب التدخين على معدة فارغة ارتفاعاً مفاجئاً وشديداً في ضغط الدم ومعدل ضربات القلب، وهو أخطر بكثير من التدخين بعد تناول الطعام.
  • زيادة امتصاص السموم: بعد فترة من الصيام، يمتص الجسم النيكوتين والمواد الضارة بسرعة أكبر؛ ما يؤدي إلى زيادة التعرض للدخان وآثار أقوى، وغالباً ما تكون مُسببة للدوخة.
  • زيادة كبيرة في الجذور الحرة: بدلاً من تغذية الجسم لمكافحة الإجهاد التأكسدي، يُؤدي التدخين بعد الصيام إلى زيادة مفاجئة وكبيرة في الجذور الحرة.
  • تعطيل الفوائد الأيضية: يُسبب التدخين مقاومة حادة للأنسولين؛ ما يُعاكس بشكل مباشر فوائد الصيام على حساسية الأنسولين.
  • مخاطر التسمم المفاجئ: يُسبب الإفطار بعد صيام 12 - 16 ساعة مع تدخين 3 - 4 سجائر (وهو أمر شائع خلال شهر رمضان) تسمماً حاداً وفورياً، قد يؤدي إلى الدوخة والنعاس المفرط.
  • اضطرابات الجهاز الهضمي: يُمكن أن يُؤثر التدخين على إفراغ المعدة، وإذا احتوت السيجارة على إضافات سكرية، فقد يُحفز استجابة فورية غير مرغوب فيها للأنسولين.

يُنصح بشدة بتجنب التدخين لمدة 20 دقيقة على الأقل بعد الإفطار للحد من هذه الآثار الفورية والحادة.


هل الدجاج حقاً أكثر صحة من اللحم البقري؟

قطع من الدجاج (أ.ب)
قطع من الدجاج (أ.ب)
TT

هل الدجاج حقاً أكثر صحة من اللحم البقري؟

قطع من الدجاج (أ.ب)
قطع من الدجاج (أ.ب)

لطالما ارتبطت اللحوم الحمراء بارتفاع سكر الدم وزيادة خطر الإصابة بالسكري، بينما يُنظر إلى الدجاج باعتباره الخيار الصحي الأفضل. غير أن دراسة جديدة تُشكك في هذه الفرضية الشائعة.

وبحسب صحيفة «نيويورك بوست» الأميركية، فقد أجريت الدراسة بواسطة باحثين من كلية الصحة العامة بجامعة إنديانا - بلومنغتون ومعهد إلينوي للتكنولوجيا، وشملت 24 شخصاً يعانون من مرحلة ما قبل السكري، تناولوا لحم البقر غير المعالج يومياً لمدة شهر، وبعد ذلك تناولوا الدجاج لمدة شهر آخر.

وبعد كل شهر، فحص الباحثون مستويات السكر في الدم، واستجابة الإنسولين، وكفاءة عمل البنكرياس - العضو المسؤول عن تنظيم مستوى السكر في الدم.

كما فحصوا أيضاً وظيفة خلايا «بيتا» في البنكرياس، وهي مؤشر رئيسي لتطور مرض السكري.

وأظهرت نتائج الدراسة، التي نُشرت في مجلة «التطورات الحالية في التغذية»، أن مستويات السكر في الدم، وحساسية الإنسولين، والكوليسترول، ومؤشرات الالتهاب لم تتغير بشكل ملحوظ عند تناول المشاركين لحم البقر قليل الدسم مقارنةً بالدجاج.

وقال كيفن ماكي، الباحث الرئيسي من ولاية إلينوي: «لو كان تناول لحم البقر يُضعف وظائف خلايا بيتا، لكان ذلك مؤشراً على احتمال تسببه في زيادة خطر الإصابة بداء السكري. لكننا لم نجد دليلاً على ذلك في دراستنا».

لكنَّ الباحثين أقروا بوجود بعض القيود على الدراسة، من بينها أنها قصيرة الأجل، وشملت عدداً محدوداً من المشاركين، معظمهم من الرجال، كما اقتصرت على دراسة لحم البقر غير المُصنَّع، ولم تشمل اللحوم المصنَّعة مثل اللحم المقدد أو اللحوم الجاهزة، التي لا تزال مرتبطة بنتائج صحية سلبية.

وأشار خبراء مستقلون إلى أن الدراسات الرصدية طويلة الأمد ما زالت تربط بين الإفراط في تناول اللحوم الحمراء وزيادة خطر السكري من النوع الثاني، مؤكدين أن الاعتدال يظل عاملاً أساسياً.


صيام رمضان يُبطئ الشيخوخة البيولوجية

الباحثون يؤكدون وجود فوائد صحية كبيرة للصوم (مشيخة الأزهر)
الباحثون يؤكدون وجود فوائد صحية كبيرة للصوم (مشيخة الأزهر)
TT

صيام رمضان يُبطئ الشيخوخة البيولوجية

الباحثون يؤكدون وجود فوائد صحية كبيرة للصوم (مشيخة الأزهر)
الباحثون يؤكدون وجود فوائد صحية كبيرة للصوم (مشيخة الأزهر)

يمنح الصيام الإنسان مشاعر روحانية مميزة، وإلى جانب ذلك يمكنه أن يُعزز صحة الجسم ويبطئ علامات الشيخوخة البيولوجية. ويحدث ذلك لأن الجسم يحصل خلال فترة الصيام على استراحة طويلة من عملية الهضم، ما يمنحه الفرصة للتركيز على إصلاح وتجديد خلاياه، وفق ما نقلت صحيفة «خليج تايمز» الصادرة بالإنجليزية.

وتقول الدكتورة راحات غضنفر، استشارية طب الأسرة ومديرة قسم الطب الوقائي وطول العمر الصحي المديد في مدينة الشيخ شخبوط الطبية بأبوظبي: «عندما نصوم، يحصل الجسم أخيراً على فرصة للراحة من الهضم المستمر وتقلبات السكر في الدم. وبعد عدة ساعات دون طعام يتحول الجسم من استخدام السكر مصدراً للطاقة إلى حرق الدهون المخزنة، وهذا التحول ينشط عمليات الإصلاح داخل الخلايا».

وتصف راحات غضنفر هذه العملية بأنها بمثابة «تنظيف ربيعي» للخلايا؛ حيث يتم التخلص من الخلايا القديمة أو التالفة، وتهدأ الالتهابات، ويبدأ الجسم في التركيز على الإصلاح بدلاً من النمو المستمر، وهذا النمط مرتبط بالشيخوخة البيولوجية الأبطأ مع مرور الوقت.

وتشدد الدكتورة راحات غضنفر على أن مكافحة الشيخوخة لا تتعلق بالمظهر الخارجي، بل بالمؤشرات الداخلية للجسم، مثل التحكم في مستويات السكر والكولسترول، ومعدلات الالتهاب، وقوة العضلات، وصحة العظام، واللياقة القلبية، والتوازن الهرموني، وهذه المؤشرات تعكس سرعة أو بطء الشيخوخة الداخلية، ومن منظور طول العمر، تعني البقاء قوياً ونشطاً وبذهن حاد لأطول فترة ممكنة.

ويُشبه صيام رمضان ما يعرفه الأطباء باسم «الأكل المقيد بالوقت»؛ حيث يقتصر تناول الطعام على فترة زمنية محددة يومياً. وقد أظهرت دراسات أن هذا النمط يحسن التحكم في السكر، ويقلل الالتهابات دون الحاجة إلى تقليل السعرات بشكل مفرط.

وتقول الدكتورة راحات غضنفر: «الانتظام أهم من الشدة، وحتى الصيام القصير يومياً يفعّل آليات إصلاح لا تنشط بالكامل عند تناول كميات صغيرة من الطعام على مدار اليوم». كما توصي بأن الجمع بين وجبات متوازنة وفترات راحة منتظمة من الأكل هو الأسلوب الأمثل، وهو ما يُشجع عليه رمضان بشكل طبيعي.

وعن تأثير الصيام على الهرمونات والالتهابات، توضح الدكتورة راحات غضنفر أن الصيام يخفض مستويات الإنسولين، ما يقي من مرض السكري وزيادة الوزن والأمراض المرتبطة بالشيخوخة، ويزيد من هرمون النمو لدعم قوة العضلات وإصلاح الأنسجة. كما يُقلل الصيام الالتهابات المزمنة التي تُعد من أبرز أسباب الشيخوخة والأمراض طويلة الأمد.

خلال الصيام يتم تناول الطعام ضمن فترة محددة يومياً (جامعة كولومبيا البريطانية)

ويلاحظ الكثيرون خلال رمضان فوائد ملموسة، مثل هضم أسهل، وانتفاخ أقل، وصفاء ذهني أكبر، وهي مؤشرات على انخفاض الحمل الالتهابي في الجسم.

وتُشير الدكتورة راحات غضنفر إلى أن استدامة هذه الفوائد تعتمد على الاستمرار في بعض العادات بعد انتهاء الشهر، مثل تجنب الأكل المتأخر، والسماح بفترات راحة بين الوجبات، وتناول الطعام بوعي، والحفاظ على النوم الجيد.

كما توضح الدكتورة نورس أبو حميدة، طبيبة استشارية في قسم الطب الوقائي بمعهد التخصصات الطبية في كليفلاند كلينك أبوظبي، أن الصيام يحوّل الجسم من حالة «ممتلئ دائماً» إلى وضع أكثر كفاءة؛ حيث ينخفض الإنسولين ويزداد حرق الدهون، ما يؤثر إيجاباً على مسارات صيانة الخلايا والمرونة الأيضية، ويعزز مؤشرات الصحة الأيضية والقلبية مثل حساسية الإنسولين، والوزن ومستويات الدهون، وهو ما يرتبط بصحة أفضل مع التقدم في العمر.

ويخلص الأطباء إلى أن الصيام يُحسن مؤشرات الصحة العامة والنشاط والقدرة على التركيز أكثر من كونه وسيلة لإطالة العمر نفسه. وعندما يُمارس بحكمة ووعي، يصبح الصيام أداة صديقة للجسم تعزز الصحة وتبطئ الشيخوخة البيولوجية.