هل لدينا أدب ما بعد الاستعمار ليكون لدينا نقد له؟

تعقيب على مقالة «النقد ما بعد الاستعمار لِم لم يتطور في العالم العربي؟» لسعد البازعي

إميل حبيبي - غسان كنفاني - رامي أبو شهاب
إميل حبيبي - غسان كنفاني - رامي أبو شهاب
TT

هل لدينا أدب ما بعد الاستعمار ليكون لدينا نقد له؟

إميل حبيبي - غسان كنفاني - رامي أبو شهاب
إميل حبيبي - غسان كنفاني - رامي أبو شهاب

وأنا أقرأ مقالة الناقد السعودي المعروف سعد البازعي، الموسومة «النقد ما بعد الاستعمار لِم لم يتطور في العالم العربي»، المنشورة في جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 4/10، وقد حاول فيها أن يفسر سبب أو أسباب عدم تطور هذا النوع من النقد عندنا في العالم العربي، مقارنة مع أجزاء أخرى من العالم الثالث التي عاشت التجربة الاستعمارية، شأن الهند ومناطق واسعة من آسيا أو أفريقيا، أو حتى أميركا اللاتينية، كنت أستعيد ثلاثة مشاهد؛ الأول، في شتاء 2002 ببغداد، وكنت، وقتها، أتأمل مشهد القبور في المقبرة الملكية البريطانية بالعاصمة العراقية، في حين كان رفيقي يتحدث بحماس عن مشهد بغداد المتخيلة بعد استعمارها الجديد، وقد ملأه التفاؤل فصار يسهب في رسم الصور الزاهية لبلاده، بعد أن تتخلص من حاكمها المستبدّ. والثاني، في صيف 2004، وكنت، وقتها، أتأمل مشهد القاهرة الخديوية. الثالث، في بغداد نفسها، وأنا أتأملها من نافذة صغيرة تطل عليها من برجها العالي. في لحظتي الأولى، كنت أسأل نفسي: ماذا ترك البريطانيون ببغداد غير رفات جنودهم؟ فيما بعد، صرت أبحث عن بقايا وآثار التجربة الاستعمارية في العاصمة العراقية، فلا أجد غير مقبرة يقتلها الإهمال! في الثانية، كنت أهيم على وجهي في شوارع القاهرة؛ بحثاً عن صراخات الجنود البريطانيين السكارى، كما تخيلتها عندما قرأت ثلاثية نجيب محفوظ قبل عقدين سابقين. تلك اللحظة الفريدة كنت أستعيدها بتلذذ، وأنا أقاوم مشهد الصحراء القاحلة في طريقي إلى الإسكندرية؛ ذات التجارب العالمية المختلفة عن أية مدينة عربية أو شرق أوسطية، ثمّ وأنا أقرأ ما كتبه إدوارد سعيد عن سيمفونية أوبرا عايدة في «الثقافة والإمبريالية»، وأسأل نفسي: لماذا لم ينتج ملحِّن مصري أوبرا مماثلة لأوبرا فيردي! بعد حين سأفكر بمشهد الدبابات الأميركية وهي تغادر العراق، فلا تخلِّف وراءها سوى الغبار ومدن مدمَّرة!
عنف استعماري أم احتلال عسكري؟
حقاً؛ هل لدينا أدب ما بعد الاستعمار، كما نظَّر له سعيد، والهنديان غاياتري تشاكرافورتي سبيفاك وهومي بابا، ومَن جاء بعدهم، ولا سيّما مؤلفي الكتاب الشهير الرد بالكتابة، ليكون لدينا، من ثمّ، نقد ما بعد الاستعمار؟ بل قد نتوسع بالسؤال أكثر فنسأل: هل عاش العرب التجربة الاستعمارية نفسها التي عاشتها الهند مثلاً، أم أن الظاهرة الاستعمارية عندنا اقتصر وجودها على كونها محض احتلال عسكري لم يتطور، قط، ليكون استعماراً؟ لماذا هذا السؤال؟ لأنه لا بد للأدب، بكل أجناسه وصنوفه، من واقع يصدر عنه، مهما جنح نحو الفانتازيا والتجريب. لا يشغل الدكتور البازعي نفسه بهذا النوع من الأسئلة؛ فهو ينطلق من حقيقة وجود التجربة الاستعمارية عندنا، وهذا صحيح ولا شك. لكن هل دول وشعوب العالم العربي هي نتاج العنف الاستعماري، كما هي حال المجتمعات التي أنتجت آداب ما بعد الاستعمار؟ هل العراق أو سوريا أو السعودية أو مصر أو غيرها هي نتاج الاستعمار الذي يتحدث عنه فرانس فانون في كتابه المؤسس «معذبو الأرض»، وقد كان شاهداً عليه؟
قد نجزم بأن العالم الحديث هو أحد تجليات التجربة الاستعمارية، والبازعي يذهب إلى جوهر القضية عندما يصف النقد ما بعد الاستعماري بأنه «من الطفرات النقدية الأبرز في الخمسين عاماً الماضية». وهذا الحكم ذو سياق صحيح يستمد مشروعيته من أبرز الفتوحات المعرفية المتحققة على يد مُنظّري هذا الحقل المعرفي الأهم. وربما نكتفي للتدليل على صحة هذه الفكرة بالتذكير بالمحاولة الأهم في العقود الأخيرة، الخاصة بتفسير ظهور الرواية بوصفها ملحمة العصر البرجوازي، وقد صارت لدى إدوارد سعيد مأثرة الاستعمار الكبرى. نتحدث، هنا، عن الربط المعرفي بين ظهور الاستعمار وتوسعه على مستوى العالم كله باستكشاف أراضي ما وراء البحار، وبين ظهور الرواية بشكلها السردي الأول، ثمة طرائق وصياغات وشخصيات، بل سردية كاملة نهضت بالرواية وشكّلتها عبر أيديولوجيا عمدت لفرض الصمت على السكان المحليين. وهذه محاولة ثالثة، ربما، لتفسير ظهور الرواية؛ الفن السردي الأكثر تأثيراً في العصر الاستعماري الحديث، بعد محاولة لوكاتش وميخائيل باختين.
يمكننا أن نستفيض أكثر في إيراد وقائع أخرى تؤكد أهمية هذا النقد، مثلما يمكننا أن نمضي بعيداً في ملاحقة الأصول المنهجية لهذا النقد، كما فعله الدكتور البازعي نفسه، وفي كل الأحوال لن نعثر على «نص» أدبي عربي أصدره كاتب عربي، بلغته الأصلية، أو بلغات المستعمِر مما جرى اعتماده بصفته أصلاً معتمَداً في الدراسات الرئيسة لدى سعيد أو غيره. والسبب أن الكاتب العربي لا يمكنه اختراع نصوصه من العدم؛ فباستثناء الجزائر وفلسطين، اللتين تعرضتا للعنف الاستعماري المباشر والطويل، فإنه يصعب، إن لم نقُل يستحيل، التحدُّث عن أثر مباشر للاستعمار في البلاد العربية الأخرى. حتى الجزائر وفلسطين فإنهما لم تستسلما لقسوة الاستعمار كما فعلت الهند والمناطق الأخرى التي ظهر فيها هذا الأدب؛ إذ في النهاية، ظلت الجزائر وفلسطين بلدين عربين، وثقافتهما إسلامية، ولم تنجح فرنسا وإسرائيل بمحو الثقافة واللغة العربية فيهما، فلا معنى، هنا، بل لا أساس، لمقاومة «ترد» على احتلال عسكري عابر.
هنا السؤال: هل لدينا أدب ما بعد الاستعمار ليكون لدينا نقد له؟
لنعدْ لبداية القصة؛ فكي يكون هناك نقد ما بعد الاستعمار، لا بد أن يكون هناك أدب ما بعد الاستعمار. هذا هو الدرس الأول لكل آداب العالم؛ قديمها قبل جديدها؛ إذ لم نسمع أو نقرأ عن «نقد» أو «نظرية أدب» تظهر قبل أن يكون هناك أدب وطني، فهل ظهر لدينا أدب عربي ما بعد استعمار تمثَّل فيه الخصائص التعبيرية والمكانية التي ظهرت في الآداب المماثلة؟
في كتابهم المشترك المعروف بعنوانه الشهير «الرد بالكتابة»، حاول المؤلفون الثلاثة أشكروفت وغريفيث وهلين تيفن أن يستقصوا الخصائص المشتركة الجامعة بين آداب «عالمية» مختلفة يمكن أن تصنَّف تحت صيغة «آداب المستعمرات القديمة»، وهي عندهم: التقويض، «وقد تعني تطوير إمكانيات الرد بالكتابة من قِبل كُتّاب الشعوب المستعمَرة، على المركز الإمبراطوري الاستعماري»، واللغة الاستعمارية المعتمدة في التعليم، والمكان والإزاحة عنه. ربما تكون هذه المسائل هي الأبرز والأكثر تمثيلاً لهذا النوع من الأدب، ولا سيّما في الرواية، فهل لدينا اتجاه رئيس في الأدب العربي تَمثَّل هذه الخصائص؟
يمكننا أن نتحدث عن نصوص أدبية؛ روائية وشعرية، فلسطينية، شأن رواية «عائد إلى حيفا» لغسان كنفاني، وروايات إميل حبيبي، ولا سيّما «المتشائل.. الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس»، وهناك شعر كثير لمحمود درويش يمكن أن يُدرَس ويصنَّف ضمن هذا الأدب. ويمكننا، أيضاً، أن نجد نصوصاً لا بأس بعددها ضمن الأدبين الجزائري والمغربي. والمؤكد أن الأدب السوداني هو المنتَج الرائد، وربما الأفضل، في إنتاج هذا النوع من النصوص. نتحدث عن الريادة الناضجة، حقاً، لرواية الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال»؛ إذ من النادر أن نقرأ رواية عربية تمكَّنت من تمثَّل الخصائص الثلاث الرئيسة السابقة في هذا الأدب. وقد أقول إن الرواية السودانية مَنجم لا ينضب، وغير مكتشَف، لرواية ما بعد الاستعمار؛ خلافاً لمعطيات نقدية شائعة تعطي هذه المكانة للرواية العراقية، ولا سيّما بعد الاحتلال الأميركي للبلاد، فنقاد عراقيون وعرب متعدّدون صاروا يعتقدون أن الجنود المحتلين قد جلبوا معهم، في جيوبهم، ربما، هذا النوع من الروايات للعراق. والآن؛ أين هذا النوع من الأدب في تاريخ الرواية المصرية، في «رواية» نجيب محفوظ مثلاً، وهي الأهم والأكثر تمثيلاً للرواية العربية؟
هل ما زلنا في بداية القصة؟ لا أظن، لكننا قد وصلنا إلى السؤال الأهم، هنا؛ وهو: هل حقاً أن النقد العربي لم يتعاظم فيه نقد ما بعد الاستعمار؟ ابتداءً، أنا لا أعرف ما المقصود بالتعاظم؛ هل ينطوي السؤال مثلاً على البحث عن مساهمة فاعلة تتضمن إضافة معرفية حقيقية ينهض به النقد العربي فيما يخص نقد ما بعد الاستعمار؟ لا أدري إذا كان الدكتور البازعي يقصد هذا النوع من التعاظم: بمعنى الإضافة، وهو يعرف أن العرب لم يقدِّموا أية إضافة في أي من اتجاهات النقد العالمي، طيلة القرن العشرين، وأن ما نقله عن الكاتب المصري شكري عياد هو الأصح فيما يخص وضع النقد العربي، وليس هو مجرد تشخيص لحالات النقاد العرب. رغم ذلك فإن هناك تعاظماً عربياً من حيث الاهتمام بهذا النوع من النقد. يكفي أن نُحيل البازعي إلى كتاب «الرسيس والمخاتلة خطاب ما بعد الكولونيالية في النقد العربي المعاصر» للدكتور رامي أبو شهاب، وقد حصل على جائزة عربية معروفة، كما أنه يمثل مرحلة سابقة؛ إذ إنه صدر عام 2013، وهذا يعني أن هناك دراساتٍ كثيرة صدرت بعده؛ ليقف على حجم وتوسع هذا النوع من النقد في البلاد العربية، فالكتاب يلاحق ويدرس عشرات الكتب والدراسات التي اختصت بخطاب ما بعد الاستعمار. ويا لَلمفارقة؛ عشرات الكتب تختص بدراسة أضعف النصوص العربية، خلا ما ذُكر هنا!. ولن نتحدَّث أو نذكِّر بآلاف الرسائل والأطاريح الأكاديمية في مختلف الجامعات العربية، من جامعات المملكة العربية السعودية، صعوداً للعراق، وليس انتهاءً بالجامعات المصرية والسورية أو جامعات المغرب العربي؛ هذه الجامعات، ربما لم تعد تدرس غير أدب ونقد ما بعد الاستعمار وتجلياته في الأدب العربي.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

فهد القحطاني: تدربت شهرين لـ«سطّام» في «كحيلان»

القحطاني في مشهد من المسلسل (شاهد)
القحطاني في مشهد من المسلسل (شاهد)
TT

فهد القحطاني: تدربت شهرين لـ«سطّام» في «كحيلان»

القحطاني في مشهد من المسلسل (شاهد)
القحطاني في مشهد من المسلسل (شاهد)

تحدَّث الممثل السعودي فهد القحطاني لـ«الشرق الأوسط» عن دوره «سطام» في مسلسل «كحيلان» التلفزيوني الملحمي الذي يعرض حالياً. وقال إنه منذ اللحظة الأولى التي قرأ فيها نصّ «كحيلان»، شعر بانجذاب واضح نحو الشخصية، وتعامل مع الدور على أنه تحدٍّ مهنيّ وشخصيّ في آن.

ومن أبرز محطات التحضير للدور تجربة تعلُّم ركوب الخيل. ويوضح القحطاني أنّ لديه خلفية عائلية قريبة من عالم الفروسية، لكن الدخول في التجربة بصفته ممثلاً فرض مساراً تدريبياً جاداً، فبدأ التدريب قبل التصوير واستمر خلاله إلى نحو الشهرين.

في مقابل تجربة الخيل، جاءت المبارزة بالسيوف لتشكّل التحدّي الأكبر، وهنا دخل القحطاني في عالم التكنيك والحركات المحسوبة، ويوضح أنّ الطاقم الفني أدّى دوراً محورياً في إدارة هذه المَشاهد لضمان سلامة الجميع.

وفي نهاية حديثه، بدا فهد القحطاني واقفاً على عتبة مرحلة جديدة؛ إذ منح مسلسل «كحيلان» تجربته دفعة واضحة، وتركت شخصية «سطّام» أثراً عميقاً في مساره عبر الأصداء الإيجابية التي حصدها من الحلقات العشر الأولى للمسلسل.


«عفريتة هانم» ترسل تلويحة الوداع عن عمر 96 عاماً

الفنانة والراقصة كيتي (صورة أرشيفية)
الفنانة والراقصة كيتي (صورة أرشيفية)
TT

«عفريتة هانم» ترسل تلويحة الوداع عن عمر 96 عاماً

الفنانة والراقصة كيتي (صورة أرشيفية)
الفنانة والراقصة كيتي (صورة أرشيفية)

بعد غيابها عن الأضواء لأكثر من 60 عاماً، رحلت الفنانة المصرية من أصول يونانية، كيتي، في العاصمة اليونانية أثينا، الجمعة، عن عمر ناهز الـ96 عاماً، وذلك بعد صراع طويل مع المرض، وفق وسائل إعلام محلية، وتصدَّر اسم كيتي، «الترند»، على موقع «غوغل» الجمعة، في مصر، عقب تداول خبر الوفاة بكثافة على مواقع «سوشيالية».

بدأت كيتي، العمل بالسينما المصرية في منتصف الأربعينات، وذاع صيتها خلال خمسينات وستينات القرن الماضي، حيث شاركت بالتمثيل والرقص والاستعراضات في كثير من أفلام السينما المصرية التي دُوِّنت في أرشيفها وما زالت تلقى رواجاً حتى الآن، وفق آراء نقدية وجماهيرية.

وعلى الرغم من شهرتها فإن كيتي اختفت عن الأضواء، وسافرت إلى اليونان، وسط شائعات عدة طالت اسمها حينها، وتنوَّعت بين المرض، والاتهام بالجاسوسية، والموت.

الكاتب المصري محمد الشماع، أكد خبر وفاة الفنانة والراقصة الاستعراضية، عبر حسابه على موقع «فيسبوك»، وكتب: «بعد نشر تحقيق عن (كيتي) بالاشتراك مع الصديق عبد المجيد عبد العزيز منذ سنوات، والاتصالات لم تنقطع بيننا وبينها سواء بشكل مباشر، أو عبر وسطاء».

وأضاف الشماع: «عرفنا الكثير الذي يستحق أن يُنشَر ويعرفه الناس، ليس فقط لأنها مجرد ممثلة وراقصة ظهرت في السينما المصرية لسنوات، لكن لأنها جزء من تاريخ بشر عاشوا في مصر وخرجوا وهم يحملون حباً خاصاً لها».

الفنانة كيتي في مرحلتَي الشباب والشيخوخة (حساب الكاتب محمد الشماع على «فيسبوك»)

ويستكمل الشماع: «توفيت كيتي بهدوء، بعد معرفة دامت لسنوات، وكان حظنا سيئاً لأننا عرفناها في سنوات عمرها الأخيرة، على الرغم من حفاظها على صحتها وعقلها وذكرياتها»، ونوه الشماع إلى أنه علم بخبر الوفاة، من الطبيب والكاتب اليوناني مانوليس تاسولاس، وهو أحد أصدقاء كيتي المقربين منها في سنواتها الأخيرة.

وعن رأيه في أعمال كيتي، ومشوارها في التمثيل إلى جانب الرقص والاستعراضات التي اشتهرت بها في السينما المصرية، وما الذي ميَّزها بين فنانات جيلها، أكد الكاتب والناقد الفني المصري طارق الشناوي أن «حياة كيتي كانت غامضة جداً، حتى إن الناس كانوا يسألون: هل ما زالت على قيد الحياة؟».

وأضاف الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «ما أفاد كيتي، أنها تميَّزت بطابع خاص وطريقة غربية نوعاً ما، وكانت تتمتع بملامح جميلة وجذابة، في ظل وجود راقصات شرقيات في حجم تحية كاريوكا، وسامية جمال، ونعيمة عاكف، وزينات علوي، وغيرهن، في ذلك الوقت».

ونوه الشناوي إلى أن «الفترة التي كانت تشهد على خلاف بين فريد الأطرش وسامية جمال كانت تتم الاستعانة بها، وهذا الأمر أفادها كثيراً»، مضيفاً: «كيتي راقصة خفيفة الظل، وكانت تتمتع بحضور قوي، لكنها لم تكن ممثلة بالمعنى الحرفي للكلمة».

اشتهرت كيتي، التي وُلدت في ثلاثينات القرن الماضي في مدينة الإسكندرية المصرية الساحلية، بخفة الدم والحركة، والرقص وتقديم الاستعراضات في الأفلام التي شاركت بها، وكان أشهر أدوارها مع الفنان الكوميدي الراحل إسماعيل ياسين، حيث قدَّمت معه مجموعة من الأفلام السينمائية المصرية الشهيرة من بينها «في الهوا سوا»، و«اديني عقلك»، و«ابن ذوات»، و«عفريتة هانم»، و«بنت البلد»، و«الظلم حرام»، و«إسماعيل ياسين في متحف الشمع»، و«أبو عيون جريئة»، بينما كان آخر فيلم جمعهما معاً «العقل والمال»، في منتصف الستينات، بجانب مشاركتها في أفلام سينمائية أخرى، حيث يضم أرشيفها أكثر من 70 فيلماً.


البيانات الضخمة... كنز من المعلومات يقودنا لفهم العالم وترويضه

البيانات الضخمة تساعد في معرفة تفضيلات السائحين (المتحف المصري)
البيانات الضخمة تساعد في معرفة تفضيلات السائحين (المتحف المصري)
TT

البيانات الضخمة... كنز من المعلومات يقودنا لفهم العالم وترويضه

البيانات الضخمة تساعد في معرفة تفضيلات السائحين (المتحف المصري)
البيانات الضخمة تساعد في معرفة تفضيلات السائحين (المتحف المصري)

من خلال هذه البيانات الضخمة يمكن قياس معدل إنفاق السائحين في الفنادق والمطاعم والأماكن المختلفة، يمكن أيضاً التنبؤ بما يريدونه وما لا يريدونه، ويمكن متابعة وتيرة ومناطق الجرائم المتكررة والحد منها فيما يعرف بالشرطة التنبؤية بأميركا، ويمكن أيضاً التحكم في طريقة استهلاك الطاقة في بلد من البلاد كما يحدث في الإمارات. وكذلك الاستعانة بهذه البيانات الضخمة في تحليل العديد من الأمور والظواهر الاجتماعية، خصوصاً في ظل غياب البيانات التقليدية. فما هي طبيعة هذه البيانات الضخمة، وما مصادرها، وما استخداماتها بشكل عام؟

يجيب على هذا السؤال كتاب «البيانات الضخمة BIG DATA: مصادرها واستخداماتها في التنمية» للدكتورة حنان جرجس، الصادر مؤخراً عن «دار العربي للنشر والتوزيع» في القاهرة.

يعرف الكتاب في البداية أهمية علم البيانات ودوره في حصر العديد من الأمور مثل التعداد السكاني وتعداد المدارس والمنشآت وغيرها، والفارق بين البيانات التقليدية، التي يتم جمعها بشكل مباشر من الشارع أو عبر استطلاعات رأي مقصودة، والبيانات الضخمة التي يتم تعريفها مبدئياً بأنها «البيانات ذات الكميات الكبيرة التي يتم إنشاؤها/ جمعها من التفاعلات اليومية للأفراد مع المنتجات أو الخدمات الرقمية، أو من أفعال وتفضيلات الأفراد القابلة للتبع عبر وسائط متنوعة، وهي بيانات تنشأ بصورة يومية طبيعة وليست لأغراض دراسة معينة.

هذه البيانات الضخمة إذن هي كل ما يدور على الشبكة العنكبوتية من تعاملات بوسائل التواصل الاجتماعي أو التطبيقات المختلفة، أو حتى كروت الفيزا أو البطاقة الشخصية أو أي بيانات يمكن التعامل بها رقمياً، ومن ثم تصبح جزءاً من الكم الهائل من البيانات التي يمكن استخدامها لأغراض متنوعة، خصوصاً في مجال التنمية في أكثر من مجال كما أوضحنا في البداية. نحن إذن أمام كنز من المعلومات التي تساعد في فهمنا للعالم وترويضه أيضاً وتحسين صورته عبر التنمية المستدامة.

البيانات الضخمة تُستخدم في العديد من المجالات (الشرق الأوسط)

تتمتع هذه البيانات الضخمة بخصائص بعينها حتى تصبح قابلة للتعمل عليها وتحليلها، كبيرة الحجم، سريعة التواتر، عالية التنوع، لها قيمة كبيرة، على قدر كبير من الصدق. هذه الخصائص هي التي تحكم إمكانية استخدام تلك البيانات أم لا ومدى ملاءمتها للتعبير عن شأن معين أو قياس أمر ما.

وإذا كانت البيانات التقليدية مثل التعداد السكاني أو التعداد الاقتصادي أو الإحصاءات الحيوية مثل المواليد والوفيات، أو قاعدة بيانات الرقم القومي أو المسوح بأنواعها أو استطلاعات الرأي العام يمكنها أن تفيدنا في وضع خطط وسياسات بعينها تخدم الجمهور وتحقق أهداف الدولة، إلا أن البيانات الضخمة لها دور آخر أكثر دقة من سابقه، فهي يمكن أن تحدد اتجاهات عامة وشاملة في التعامل مع أحد القطاعات مثل السياحة أو الصحة أو التعليم أو الصناعة والطاقة، وتسهم في تنمية هذه القطاعات بطريقة مدروسة وعلمية، إذا توافرت شروط البيانات الضخمة ومصدرها وأمكن تحليلها وفق أحدث الطرق التكنولوجية المتاحة والتي سهلت كثيراً هذا الأمر.

يشير الكتاب ليس فقط إلى القيمة الكبيرة التي تمثلها البيانات الضخمة ولكن أيضاً لما تنبئ به من مستقبل مزدهر بناء على قراءة الواقع والاتجاهات العامة للجمهور في مجال بعينه وتغذية مفردات هذا الاتجاه ليكون مصدر جذب وتعظيم مخرجاته بكل السبل الممكنة بناء على البيانات التي تم الحصول عليها.

وتكمن هذه البيانات في كل ما يرتبط بالمفردات الرقمية من وسائل التواصل الاجتماعي للكروت الممغنطة إلى كل وثيقة أو تفاعل أو تعامل بصيغة رقمية في المجال العام أو الخاص، لتصبح هذه التفاعلات بشكل أو بآخر جزءاً من سلسلة متصلة متواصلة من إنتاج البيانات الضخمة التي يمكن الاستفادة منها بطريقة علمية في التنمية والاستدامة.

الكتاب الذي قدمه الدكتور ماجد عثمان وزير الاتصالات المصري سابقاً، وأشار في مقدمته إلى أهميته باعتباره فريداً في مجاله، فلم يسبق أن تناول أحد معالجة البيانات الضخمة بطريقة علمية تفيد خطط التنمية المحلية، يضم عدة فصول ما بين البيانات التقليدية والضخمة ومصادرها واستخداماتها، وربما استفادت الكاتبة من عملها محلياً ودولياً في مراكز لقياس الرأي العام، كما أنها شريك مؤسس لمركز بصيرة لاستطلاعات الرأي وقياس الرأي العام في مصر، وهي من الخبراء البارزين في مجالات الإحصاء والديموغرافيا والتنمية والبحوث الكمية.

ويعد هذا الكتاب بمنزلة خريطة طريق يمكن الاستفادة منه لمعرفة طريقة جمع البيانات الضخمة وتحليلها وتوجيهها بطريقة علمية وعملية للاستفادة منها في وضع سياسات وخطط تنموية في مجالات شتى.