حكومة كويتية جديدة بين «حل» الأزمة أو البرلمان

النواف يشكل ثالث مجلس وزراء خلال 8 أشهر

الشيخ أحمد نواف الأحمد الصباح (كونا)
الشيخ أحمد نواف الأحمد الصباح (كونا)
TT

حكومة كويتية جديدة بين «حل» الأزمة أو البرلمان

الشيخ أحمد نواف الأحمد الصباح (كونا)
الشيخ أحمد نواف الأحمد الصباح (كونا)

صدر في الكويت أمس مرسوم بتشكيل الحكومة الـ43 في تاريخ البلاد، والثالثة التي يرأسها الشيخ أحمد نواف الأحمد الصباح. وجاء تشكيل الحكومة، وهي ثالث حكومة يشكلها النواف خلال 8 أشهر؛ بعد نحو شهر من تكليف رئيسها وسط أزمة سياسية حادة تعيشها البلاد، بلغت ذروتها في 19 مارس (آذار) الماضي، بإصدار المحكمة الدستورية حكماً ببطلان انتخابات مجلس الأمة 2022، وعودة المجلس السابق المنحلّ 2020، برئاسة مرزوق الغانم، لاستكمال مدته القانونية.
وعلى وقع تصريحات غاضبة من رئيس مجلس الأمة مرزوق الغانم، الذي شنّ الأسبوع الماضي هجوماً غير مسبوق على رئيس الحكومة، متهماً إياه بالتسبب في الأزمة الدستورية التي تشهدها البلاد، ووجود كتلة برلمانية تمثل أغلبية النواب ترفض عودة المجلس لتولي مهامه، وتدعو لانتخابات جديدة.
بين «حلّ الأزمة»، و«حلّ المجلس» تمضي الحكومة الجديدة لمواجهة تداعيات حكم المحكمة الدستورية، والتصعيد الخطابي لرئيس البرلمان مرزوق الغانم، وبرأي مراقبين فإن تشكيل الحكومة يأتي كمقدمة لعقد جلسات البرلمان، لكنه أيضاً يمثل تمهيداً لأي مسعى لحلّ مجلس الأمة وفقاً للسياقات الدستورية.
وبرأي محللين كويتيين فليس من مخرج سوى حلّ مجلس 2020، الذي أعادته المحكمة الدستورية. مع ترجيح أن يبادر رئيس الحكومة إلى طلب حلّ مجلس الأمة حتى من دون حضور الحكومة لقاعة المجلس وأدائها اليمين أمامه، خصوصاً أنها أدت اليمين أمام ولي العهد الممثل لأمير البلاد. ومن المتوقع أن يأتي طلب حلّ مجلس الأمة من دون حضور الحكومة إلى المجلس «لأن الجسور أحرقت مع رئيس المجلس بعد مؤتمره الصحافي الأخير».
ويرى الخبير القانوني الكويتي الدكتور محمد الفيلي، الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن هناك إجماعاً على أن الحكومة الجديدة هي حكومة «حلّ البرلمان»، إما قبل التعامل معه وإما بعد التعامل معه، خصوصاً إذا اعتبرت أنّ الفترة المقبلة هي مجرد تجهيز التشريعات اللازمة قبل الإقدام على حلّ المجلس، من قبيل تنظيم الانتخابات وفق البطاقة المدنية، وإضافة المناطق الجديدة. كما دعا رئيس مجلس الأمة مرزوق الغانم لإنشاء مفوضية عليا للانتخابات لتحصين المجلس المقبل قبل انتخابه.
ولا يُستبعد كذلك أن تترك الحكومة طلب سن التشريعات للمجلس المقبل، وتستعجل حل البرلمان والدعوة لانتخابات وفق القواعد، التي كانت مستخدمة في الانتخابات التي وفقها انتخب مجلس 2020.
وشهدت الحكومة الجديدة تغييرات شملت خروج 6 وزراء منها، كما أعيد تعيين الشيخ طلال الخالد الصباح كنائب أول لرئيس الوزراء ووزير للداخلية ووزير للدفاع بالوكالة. واحتفظ الشيخ سالم عبد الله الجابر الصباح بموقعه كوزير للخارجية.
- الهاجري وزيراً للمالية والملا يحتفظ بـ«النفط»
جرى تعيين مناف الهاجري وزيراً للمالية، مع بقاء بدر الملا وزيراً للنفط، ووزير المالية الجديد شخصية معروفة في مجتمع المال والأعمال، حيث شغل منصب الرئيس التنفيذي لشركة المركز المالي الكويتي لنحو 16 عاماً، قبل أن يستقيل منها في 2020، وهو أيضاً عضو مجلس إدارة مؤسسة البترول الكويتية.
وأبرز الوزراء الذين غادروا الحكومة الجديدة، وزير المالية عبد الوهاب الرشيد، ووزير التجارة والصناعة مازن الناهض، ووزير البلدية عبد العزيز المعجل، ووزير الإسكان وزير الدولة لشؤون مجلس الأمة عمار العجمي، ونائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء براك الشيتان، ووزير العدل وزير الأوقاف عبد العزيز الماجد.
وضمت التشكيلة الوزارية 14 وزيراً بينهم امرأتان، حيث جرى تعيين الشيخ طلال خالد الأحمد الصباح، نائباً أول لرئيس مجلس الوزراء ووزيراً للداخلية ووزيراً للدفاع بالوكالة. وتعيين خالد علي محمد الفاضل، نائباً لرئيس مجلس الوزراء ووزير دولة لشؤون مجلس الوزراء، وبدر حامد يوسف الملا، نائباً لرئيس مجلس الوزراء ووزيراً للنفط، ووزير دولة لشؤون مجلس الأمة. كما جرى تعيين فهد علي زايد الشعلة، وزير دولة لشؤون البلدية ووزير دولة لشؤون الاتصالات، وعبد الرحمن بداح المطيري، وزيراً للإعلام ووزير دولة لشؤون الشباب، وأحمد عبد الوهاب أحمد العوضي وزيراً للصحة.
وجرى تعيين أماني سليمان عبد الوهاب بوقماز وزيراً للأشغال العامة، وحمد عبد الوهاب حمد العدواني وزيراً للتربية ووزيراً للتعليم العالي، وسالم عبد الله الجابر الصباح وزيراً للخارجية، ومي جاسم محمد البغلي، وزيراً للشؤون الاجتماعية وشؤون المرأة والطفولة، وعامر محمد علي محمد وزيراً للعدل ووزيراً للأوقاف والشؤون الإسلامية، ومطلق نايف عمر أبورقبة العتيبي وزيراً للكهرباء والماء والطاقة المتجددة ووزير دولة لشؤون الإسكان، ومحمد عثمان محمد العيبان وزيراً للتجارة والصناعة، ومناف عبد العزيز إسحاق الهاجري وزيراً للمالية، ووزير دولة للشؤون الاقتصادية والاستثمار.
- أحمد النواف وثالث حكومة
في 23 يناير (كانون الثاني) الماضي، قدّم رئيس مجلس الوزراء الشيخ أحمد نواف الأحمد الصباح استقالة حكومته إلى ولي العهد الشيخ مشعل الأحمد الصباح، على أثر خلاف مع مجلس الأمة (البرلمان) بشأن الاتفاق على حزمة معونات مالية يرغب النواب في دفع الحكومة لإقرارها مقابل التنازل عن مطلب شراء القروض. وجاءت الاستقالة بعد إصرار الحكومة على موقفها بشأن إعادة تقارير اللجنة المالية إلى اللجان من دون تعهدات، إضافة إلى طلبها سحب استجوابين إلى وزير المالية عبد الوهاب الرشيد، ووزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء براك الشيتان. وفي 26 يناير الماضي صدر أمر أميري بقبول استقالة الشيخ أحمد النواف وأعضاء حكومته وتكليفها تصريف الأعمال.
وهذه ثالث حكومة يشكلها الشيخ أحمد نواف الأحمد الجابر الصباح في الكويت، وهو من مواليد عام 1956 (66 عاماً)، وهو الابن الأكبر لأمير البلاد الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح.
تلقى الشيخ أحمد النواف تعليمه في مدارس الكويت حتى الدراسة الجامعية، وحصل على بكالوريوس التجارة من جامعة الكويت، وهو عسكري كويتي يحمل رتبة فريق أول متقاعد بوزارة الداخلية الكويتية، وشغل منصب النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، وكان قبل ذلك يشغل منصب نائب رئيس الحرس الوطني. وسبق أن التحق بوزارة الدفاع، وتلقى دورات عسكرية كثيرة مكنته من الحصول على رتبة ملازم أول في وزارة الدفاع عام 1985، ليلتحق بعد عام بالإدارة العامة بقوة الشرطة برتبة نقيب.
وفي وزارة الداخلية تدرج في المراتب الأمنية، حيث شغل منصب وكيل وزارة مساعد لشؤون الجنسية والجوازات، ثم منصب وكيل وزارة مساعد لشؤون التعليم والتدريب بوزارة الداخلية.
وفي 2014 غادر وزارة الداخلية، ليُعَيَّن محافظاً لحولي بدرجة وزير. وفي عام 2020 عُيِّن نائباً لرئيس الحرس الوطني بدرجة وزير، حتى تعيينه في مارس الماضي وزيراً للداخلية.
وفي 24 يوليو (تموز) 2022 صدر أمر أميري بتعيينه رئيساً لمجلس الوزراء لأول مرة.


مقالات ذات صلة

السعدون يخوض السباق لـ«الأمة 2023» ووزير النفط يستقيل تمهيداً لدخوله

الخليج السعدون يخوض السباق لـ«الأمة 2023» ووزير النفط يستقيل تمهيداً لدخوله

السعدون يخوض السباق لـ«الأمة 2023» ووزير النفط يستقيل تمهيداً لدخوله

أعلنت وزارة الداخلية الكويتية، الخميس، فتح باب الترشح لانتخاب أعضاء «مجلس الأمة»، اعتباراً من اليوم الجمعة، وحتى نهاية الدوام الرسمي ليوم الرابع عشر من شهر مايو (أيار) الحالي. وأوضحت الوزارة أنه جرى اعتماد 5 مدارس لتكون لجاناً رئيسية في الدوائر الانتخابية الخمس، لإعلان النتائج النهائية للانتخابات. كان مجلس الوزراء قد قرر، في مستهل اجتماعه الاستثنائي، أول من أمس الأربعاء، الموافقة على مشروع مرسوم بدعوة الناخبين لانتخاب أعضاء «مجلس الأمة»، يوم الثلاثاء، الموافق 6 يونيو (حزيران) 2023 المقبل. ونقلت «وكالة الأنباء الكويتية» عن المدير العام للشؤون القانونية في وزارة الداخلية، العميد صلاح الشطي، قوله

ميرزا الخويلدي (الكويت)
الخليج الكويت: انتخابات «أمة 2023» في 6 يونيو

الكويت: انتخابات «أمة 2023» في 6 يونيو

حددت الحكومة الكويتية يوم 6 يونيو (حزيران) المقبل موعداً لإجراء الانتخابات البرلمانية، بعد حلّ مجلس الأمة حلاً دستورياً.

ميرزا الخويلدي (الكويت)
الخليج الكويت تحدد 6 يونيو موعداً للانتخابات التشريعية

الكويت تحدد 6 يونيو موعداً للانتخابات التشريعية

وافق مجلس الوزراء الكويتي، في اجتماعه الاستثنائي الذي عُقد، اليوم الأربعاء، في قصر بيان، على مشروع مرسوم بدعوة الناخبين لانتخاب أعضاء مجلس الأمة، يوم الثلاثاء 6 يونيو (حزيران) المقبل 2023، ورفعه إلى ولي العهد. وجرى حل مجلس الأمة «البرلمان» المنتخَب في 2020، الذي أعادته المحكمة الدستورية في مارس (آذار)، بمرسوم أميري، يوم الاثنين، والعودة للشعب؛ لاختيار ممثليه من جديد. وقالت «الوكالة الرسمية الكويتية»، اليوم، إن مجلس الوزراء قرَّر تعطيل العمل في جميع الوزارات والجهات الحكومية والمؤسسات العامة، يوم الاقتراع، واعتباره يوم راحة. كان ولي العهد الشيخ مشعل الأحمد، قد أعلن، في كلمة ألقاها نيابة عن الأم

«الشرق الأوسط» (الكويت)
الخليج حلّ «الأمة» الكويتي بمرسوم... وبدء السباق الانتخابي

حلّ «الأمة» الكويتي بمرسوم... وبدء السباق الانتخابي

صدر في الكويت، أمس (الاثنين)، مرسوم أميري بحل مجلس الأمة، بعد أن وافق مجلس الوزراء على مشروع المرسوم، ورفعه إلى ولي العهد الشيخ مشعل الأحمد الصباح في وقت سابق من يوم أمس. وصدر المرسوم باسم ولي العهد الشيخ مشعل الأحمد الذي يتولى بعض صلاحيات الأمير.

ميرزا الخويلدي (الكويت)
الخليج «الوزراء الكويتي» يرفع مرسوم حل مجلس الأمة إلى ولي العهد

«الوزراء الكويتي» يرفع مرسوم حل مجلس الأمة إلى ولي العهد

رفع مجلس الوزراء الكويتي مشروع مرسوم حل مجلس الأمة إلى ولي العهد، بعد موافقته عليه خلال اجتماعه الأسبوعي، اليوم (الاثنين)، برئاسة الشيخ أحمد نواف الأحمد الصباح، رئيس المجلس، وذلك بناءً على عرض الرئيس، واستناداً إلى نص المادة 107 من الدستور. كان ولي العهد، الشيخ مشعل الأحمد، قد أعلن الشهر الماضي، حل مجلس الأمة 2020 المعاد بحكم المحكمة الدستورية حلاً دستورياً استناداً للمادة 107، والدعوة لانتخابات عامة في الأشهر المقبلة.

«الشرق الأوسط» (الكويت)

وزير الدفاع السعودي ونظيره السويدي يبحثان التطورات

وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان (واس)
وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان (واس)
TT

وزير الدفاع السعودي ونظيره السويدي يبحثان التطورات

وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان (واس)
وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان (واس)

بحث الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي، مع نظيره السويدي بول جونسون، التطورات الراهنة في المنطقة والجهود المبذولة تجاهها؛ بما يحقق الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

واستعرض الوزيران خلال اتصالٍ هاتفي تلقاه الأمير خالد بن سلمان من جونسون، الخميس، العلاقات الثنائية بين البلدين في المجال الدفاعي.


الإمارات تؤسس لجنة وطنية لتوثيق «العدوان الإيراني» والجرائم الدولية

جانب من العاصمة الإماراتية أبوظبي (الشرق الأوسط)
جانب من العاصمة الإماراتية أبوظبي (الشرق الأوسط)
TT

الإمارات تؤسس لجنة وطنية لتوثيق «العدوان الإيراني» والجرائم الدولية

جانب من العاصمة الإماراتية أبوظبي (الشرق الأوسط)
جانب من العاصمة الإماراتية أبوظبي (الشرق الأوسط)

أعلنت الإمارات تأسيس اللجنة الوطنية لتوثيق أعمال العدوان والجرائم الدولية والأضرار المترتبة عليها، بموجب قرار أصدره الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس البلاد ونائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة، في خطوةٍ تستهدف بناء مسار مؤسسي وقانوني لتوثيق الانتهاكات والأضرار الناجمة عن «العدوان الإيراني» وفق معايير قانونية وفنية معتمَدة دولياً.

ونص القرار على تشكيل اللجنة برئاسة النائب العام في البلاد، لتتولى توثيق الهجمات والأعمال العسكرية وما ترتَّب عليها من أضرار استهدفت أراضي الإمارات ومواطنيها والمقيمين والزائرين؛ بهدف إعداد سِجل وطني متكامل يستند إلى أدلة وبيانات موثوقة.

يأتي القرار وفقاً للمعلومات الصادرة اليوم لتعزيز مسارات التوثيق القانوني ودعم إجراءات المساءلة على المستويين الوطني والدولي، من خلال جمع وتحليل الأدلة والوثائق والتقارير الفنية والطبية والهندسية والجنائية، مع ضمان سلامة سلسلة الحيازة القانونية للأدلة بما يعزز موثوقيتها وقابليتها للاستخدام القضائي.

وتضم اللجنة ممثلين عن عدد من الوزارات والجهات الاتحادية والمحلية، بما يعكس تكاملاً مؤسسياً بين الجهات القضائية والأمنية والفنية والاقتصادية؛ لضمان شمولية ودقة عمليات الرصد والتوثيق. كما أجاز القرار للجنة الاستعانة بخبرات وطنية ودولية متخصصة، مع الالتزام بأحكام الدستور والقوانين النافذة والمعايير الدولية الخاصة بتوثيق الجرائم الدولية.

وحدد القرار اختصاصات واسعة للجنة تشمل رصد وتوثيق جميع وقائع الهجمات والأعمال العسكرية المرتبطة بالاعتداءات، والتحقق من طبيعتها وتوقيتها وملابساتها الميدانية، إضافة إلى حصر الأضرار البشرية والمادية والاقتصادية وفق منهجيات فنية معتمَدة، وتوثيق الخسائر البشرية والإصابات، استناداً إلى سِجلات وبيانات رسمية.

كما تتولى اللجنة تعزيز التنسيق مع الجهات المحلية والتواصل مع المنظمات والهيئات الدولية المعنية عبر القنوات الرسمية؛ بهدف دعم موثوقية أعمال التوثيق وإحكامها وفق الأطر القانونية الدولية.

وفي الجانب الفني، نص القرار على إنشاء أمانة فنية تتولى تنفيذ أعمال اللجنة وإعداد قاعدة بيانات مركزية مؤمَّنة لحفظ وتصنيف الأدلة والمعلومات والتقارير المرتبطة بالهجمات، باستخدام أنظمة تقنية متقدمة تضمن حماية البيانات ومنع العبث بها، مع توثيق عمليات الاطلاع والتعديل وحفظ النسخ الاحتياطية للأدلة المادية والرقمية.

وأكد القرار أن أعمال اللجنة تأتي في إطار التزام الإمارات بترسيخ سيادة القانون وصون حقوق الإنسان، بما يدعم جهود الدولة في إعداد ملف توثيقي متكامل يستند إلى أدلة موثَّقة ومعايير معترَف بها دولياً، تمهيداً لدعم إجراءات المساءلة القانونية أمام الجهات المختصة.


«مراكز التوزيع الخيري»… منظومة سعودية تنظّم العمل الإنساني في المشاعر المقدسة

أحد مراكز «سقيا» تسلم حاجاً وجبة في مشعر مزدلفة (الشرق الأوسط)
أحد مراكز «سقيا» تسلم حاجاً وجبة في مشعر مزدلفة (الشرق الأوسط)
TT

«مراكز التوزيع الخيري»… منظومة سعودية تنظّم العمل الإنساني في المشاعر المقدسة

أحد مراكز «سقيا» تسلم حاجاً وجبة في مشعر مزدلفة (الشرق الأوسط)
أحد مراكز «سقيا» تسلم حاجاً وجبة في مشعر مزدلفة (الشرق الأوسط)

في قلب المشاعر المقدسة، حيث تتقاطع ملايين الخطوات وتتسارع إيقاعات الزمن خلال موسم الحج، تبرز مبادرة «مراكز التوزيع الخيري لضيوف الرحمن» بوصفها نموذجاً تنظيمياً يعيد صياغة العمل الخيري، وينقله من الجهود الفردية المتفرقة إلى منظومة تشغيلية متكاملة، تسعى إلى تحسين تجربة الحاج وتعزيز جودة الخدمات المقدمة له.

المشروع، الذي تشرف عليه جمعية «هدية الحاج والمعتمر» بالشراكة مع شركة «كدانة» ومؤسسة «سقاية الأهلية»، يأتي استجابة لحاجة ميدانية ملحّة، بعد سنوات من تقديم مبادرات خيرية متنوعة لتوزيع المياه والوجبات، لكنها ظلت، حسب القائمين عليه، متفرقة وتفتقر إلى إطار تنظيمي يقلل الهدر ويرفع كفاءة التوزيع.

وقال لـ«الشرق الأوسط»، رئيس قطاع البرامج والعمليات التشغيلية، المهندس عبد الرحمن العوفي، إن «أكبر التحديات التشغيلية في المواسم السابقة تمثلت في تقديم خدمات السقيا والإعاشة بشكل متفرق، مع ضغط الحشود وارتفاع درجات الحرارة وصعوبة ضبط الكميات في أوقات الذروة».

وأضاف أن النسخة الحالية «انتقلت من فكرة التوزيع التقليدي إلى منظومة تشغيلية منظمة عبر مراكز توزيع خيري داخل المشاعر المقدسة، تعمل وفق خطة تشغيل واضحة، وفرق ميدانية متخصصة، ومؤشرات متابعة تقيس زمن الانتظار، والالتزام بالخطة، وجودة الخدمة، ورضا المستفيدين»، مؤكداً أن الهدف «لم يعد فقط توزيع كميات أكبر، بل الوصول إلى الحاج في الوقت والمكان المناسبين وبجودة أفضل».

من العشوائية إلى التنظيم

قبل إطلاق هذه المنظومة، كانت عمليات السقيا والإعاشة تتم عبر جهود فردية أو مبادرات متفرقة، ما أدى إلى تفاوت في التغطية وارتفاع معدلات الهدر، خصوصاً في أوقات الذروة واشتداد درجات الحرارة. ومع تزايد أعداد الحجاج وتعقّد المشهد الميداني، برزت الحاجة إلى نموذج تشغيلي موحد يضمن العدالة في التوزيع وسهولة الوصول إلى الخدمات.

ومن هنا، تأسست فكرة «مراكز التوزيع الخيري» لتكون شبكة من المواقع المجهزة داخل المشاعر المقدسة، تعمل وفق معايير تشغيل احترافية، وتقدم خدمات تشمل توزيع المياه المبردة، والمشروبات، والوجبات الخفيفة، إضافة إلى المواد التوعوية والخدمات الإنسانية.

وأوضح العوفي أن «الهدر غالباً لا ينتج من قلة النية أو ضعف الجهد، بل من ضعف التنظيم»، مشيراً إلى أن المراكز الجديدة «تعرف مواقعها وكمياتها وطاقتها التشغيلية وأوقات الذروة واحتياجات الحجاج في نطاقها».

وأضاف أن هذا التنظيم «يساعد على توزيع المياه والمشروبات والوجبات الخفيفة، حسب الحاجة الفعلية، ويقلل من الفائض أو التلف أو التوزيع العشوائي»، مؤكداً أن المشروع «لا يُنظر إليه بوصفه عملية توزيع فقط، بل بوصفه منظومة لإدارة الموارد الخيرية بكفاءة داخل بيئة شديدة الحساسية مثل المشاعر المقدسة».

أرقام تعكس حجم الأثر

تعكس مؤشرات المشروع حجمه وتأثيره على أرض الواقع؛ إذ تشير البيانات إلى تشغيل 70 مركز توزيع في مشاعر عرفات ومزدلفة، يعمل فيها أكثر من 570 كادراً تشغيلياً، لتقديم خدمات يومية يستفيد منها نحو 210 آلاف حاج.

كما توزع المراكز أكثر من 6 ملايين عبوة مياه ومشروبات خلال الموسم، في وقت تعمل فيه هذه المراكز على مدار 24 ساعة، مع تحقيق نسبة رضا مستفيدين تصل إلى 95 في المائة، وهو مؤشر يعكس نجاح التجربة في تلبية احتياجات الحجاج.

خدمات إنسانية تتجاوز التوزيع

لا تقتصر خدمات المراكز على الإعاشة، بل تمتد لتشمل جوانب إنسانية وصحية، مثل توزيع الأدوات الصحية بالتعاون مع الجهات المختصة، وتقديم الإرشاد والتوعية، والمساهمة في التخفيف من الإجهاد الحراري الذي يواجه الحجاج.

كما توفر المراكز هدايا رمزية تعزز البعد المعنوي للتجربة، إلى جانب تنظيم عمليات التوزيع بشكل يقلل الازدحام ويضمن انسيابية الحركة داخل المشاعر.

وبشأن ما يتعلق بتأهيل العاملين والمتطوعين، قال العوفي إن «العمل في المشاعر المقدسة لا يشبه أي بيئة تشغيلية أخرى؛ فهناك كثافة بشرية عالية، ودرجات حرارة مرتفعة، وحجاج من ثقافات ولغات مختلفة».

وأوضح أن برامج التأهيل تشمل «التعريف بخطة العمل، وآلية التوزيع، والتعامل مع الحشود، والسلامة الشخصية، ومسارات الحركة، وآلية التصعيد عند الطوارئ، وأهمية التعامل الإنساني مع الحاج».

وأضاف أن الأدوار تُوزع بوضوح «بين المشرفين، وفرق التوزيع، والنظافة، والدعم اللوجستي، والطوارئ، حتى لا يكون العمل اجتهادياً بل منضبطاً وموجهاً».

نموذج تشغيلي يعزز الاستدامة

يعتمد المشروع على فرق ميدانية متخصصة تضم مديرين ومشرفين ومئات العاملين والمتطوعين، إضافة إلى فرق لوجستية وإعلامية، ما يعكس تحوله إلى منظومة تشغيل متكاملة، وليس مجرد مبادرة موسمية.

ويهدف هذا النموذج إلى تحقيق أثر مستدام، من خلال تقليل الهدر في الموارد، وتنظيم العمل الخيري، وتعزيز الشراكات بين القطاع الحكومي والقطاع غير الربحي والقطاع الخاص، بما يسهم في تطوير منظومة خدمة ضيوف الرحمن.

وأكد العوفي أن نجاح المبادرة «لا يُقاس فقط بعدد العبوات أو الوجبات الموزعة، رغم أهمية ذلك، بل بالأثر الحقيقي على تجربة الحاج».

وأوضح أن المؤشرات المعتمدة تشمل «رضا المستفيدين، وزمن الانتظار، وانتظام الخدمة، والالتزام بالخطة التشغيلية، وانخفاض الأعطال، وكفاءة استخدام الموارد، وجودة التعامل مع الحجاج».

وأضاف: «السؤال الأهم بالنسبة لنا ليس: كم وزعنا؟ بل: هل وصلت الخدمة للحاج بسهولة، وفي الوقت المناسب، وبطريقة تحفظ كرامته وتحسن تجربته؟».

أثر يتجاوز الموسم

حسب القائمين على المشروع، فإن أثر هذه المنظومة لا يقتصر على تحسين تجربة الحاج فحسب، بل يمتد إلى تعزيز الصورة الحضارية للمملكة في إدارة الحشود، ودعم استدامة المبادرات الخيرية، وتحفيز مشاركة المجتمع في خدمة الحجاج.

وفي ظل التحولات التي تشهدها منظومة الحج، تبدو هذه التجربة نموذجاً عملياً لكيفية تحويل العمل الخيري إلى منظومة مؤسسية قادرة على مواكبة الأعداد المتزايدة، وتحقيق التوازن بين الكفاءة التشغيلية والبعد الإنساني.