ابن سينا.. هاجمه الغزالي بعنف ثم كفره الفقهاء اللاحقون

اضمحل تأثيره في العالم العربي بعد الدخول في عصر الانحطاط

ابن سينا
ابن سينا
TT

ابن سينا.. هاجمه الغزالي بعنف ثم كفره الفقهاء اللاحقون

ابن سينا
ابن سينا

هو الشيخ الرئيس علي بن سينا أحد كبار فلاسفة العرب والإسلام. إنه من النوابغ الذين لا يجود بهم الزمان إلا قليلا. ومعلوم أنه ولد عام 980 م بالقرب من بخارى، أي في أوزبكستان الحالية. ولكن المنطقة آنذاك كانت تابعة للعالم الإيراني لغويا وثقافيا وحضاريا. والدليل على ذلك أن اللغة الأم لابن سينا كانت الإيرانية لا العربية. فيما بعد نبغ في العربية ودبج معظم مؤلفاته. وعندما ولد كان الفكر في المشرق الإسلامي في حالة غليان فكري. فعالم الكلام الكبير الأشعري مات عام 935 ولكن المناقشات الكبرى التي دشنها لم تمت بموته.
وأما الفيلسوف الكبير الفارابي الملقب بالمعلم الثاني على أثر أرسطو فقد مات عام 950 أي قبل ميلاد ابن سينا بثلاثين سنة فقط. وأما المعري فقد ولد في نفس الفترة عام 973 عبقريان في نفس اللحظة! بعدئذ تعلم ابن سينا العربية لغة الإسلام والقرآن وبرع فيها إلى حد الإتقان الكامل. بل ووضع فيها معظم مؤلفاته كما ذكرنا آنفا وإن كان قد كتب بالفارسية أيضا.
ثم انهمك في دراسة مؤلفات المعلم الثاني. وبالتالي فإن الفارابي مهد له الطريق. ومعلوم أن ابن سينا حاول قراءة كتب الميتافيزيقيا لأرسطو مرارا وتكرارا دون أن يستطيع فهمها أو الولوج إليها. ولولا أنه وقع على شرح الفارابي صدفة لظل عاجزا عن الفهم. ولهذا السبب فإن قراءة كتب الفارابي كانت بمثابة الصدمة المعرفية أو الاكتشاف الكبير بالنسبة له. وهو يعترف بفضله الكبير عليه. وقد أصبح ابن سينا لاحقا المعلم الثالث بعد أرسطو والفارابي.
كان ابن سينا متفتح المواهب والعبقرية منذ صغره. بل وإن عبقريته كانت صارخة متفجرة لا تناقش ولا ترد. وقد درس العلوم الطبيعية والطب وهو في الرابعة عشرة فقط. وعندما أصبح في السادسة عشرة كانت شهرته كطبيب قد طبقت الآفاق! وبما أنه استطاع أن يشفي أحد الأمراء السامانيين من مرض خطير، فإن هذا الأخير أعطاه مفاتيح مكتبته في القصر الملكي لكي يطلع على ما تحتويه من مؤلفات وذخائر. وهذا كل ما كان يطلبه لأنه كان نهما لا يشبع من المعرفة ومطالعة الكتب. وكما قال الأثر: منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب مال.
ويقال بأنه أصبح ملمًا بكل العلوم المعروفة في عصره وهو في الثامنة عشرة فقط. لقد ختم العلم قبل هيغل. واستطاع تأليف أول كتاب فلسفي له وهو في الحادية والعشرين. ثم اضطر إلى الدخول في إدارة الدولة كموظف بعد وفاة والده الذي كان يصرف عليه حتى ذلك الوقت. وقد قسم ابن سينا وقته إلى قسمين: في الليل كان يطالع الكتب ويحضر نفسه للأيام القادمة والمؤلفات الكبرى، وفي النهار كان يشتغل في قصر الأمير كمستشار أو كموظف إداري مرموق. هذا وقد أصبح ابن سينا وزيرا عدة مرات، وأصبح نفوذه كبيرا إلى درجة أنه أثار الغيرة والحسد من حوله كما حصل للمتنبي سابقا في بلاط سيف الدولة. ولذلك قال نيتشه عبارته الشهيرة: «ينبغي أن نحمي الأقوياء من الضعفاء، أي العباقرة من التافهين».
هذا وقد تعرض ابن سينا للملاحقات من قبل أعدائه بل ودخل السجن أكثر من مرة. وبالتالي فيمكن أن نقول دون تردد: نعم لقد دفع ابن سينا ثمن عبقريته غاليا. فقد عاش حياة التخفي والسرية ضمن ظروف مادية صعبة. وهذا ما حصل للمتنبي والمعري وجان جاك روسو وفيكتور هيغو ومعظم عباقرة الغرب والشرق. هذه هي ضريبة العبقرية والمجد.
ولم يكن يكسب عيشه إلا من استشاراته الطبية ومعالجاته لهذه الشخصية الهامة أو تلك. وأحيانا كثيرة كان يعالج الفقراء مجانا. وهنا تكمن إنسانيته وعظمته. وكانت حياته متنقلة، متقلبة، حيث كان يسافر من مكان إلى آخر هربا من الأعداء أو ترجيا للقاء الأصدقاء. كان دائما على سفر. وفي عام 1023 التجأ إلى بلاط أمير أصفهان، حيث لقي بعض الطمأنينة وعاش حياة هادئة نسبيا طيلة أربعة عشر عاما. وفي عام 1037 مات ابن سينا بشكل مباغت من مرض في الأمعاء عندما كان يرافق أميره في حملة عسكرية ضد همدان. فهل سموه يا ترى؟ هل دسوا له السم في الطعام أو في الشراب كما حصل لديكارت لاحقا؟ سؤال لا يمكن تحاشيه ولا البرهنة عليه في الوقت ذاته. من النادر أن يعيش العباقرة أو يموتوا بشكل طبيعي.. ولكن مما يؤخذ عليه أنه كان مغرما بالنساء وعاشقا لا يشق له غبار.
أما كتاب «القانون في الطب» فيحتوي على كل المعلومات المتوافرة في عهده عن علم الطب. ولكنه أغناها بواسطة ملاحظاته الشخصية وتجربته الطويلة في ممارسة التطبيب وشفاء الناس. ولابن سينا كتابات أخرى عن مواضيع متفرقة. وفلسفته تقع على مفترق الطرق بين الفكر الشرقي والفكر الغربي. فهو كمسلم كان يؤمن بالعقائد الأساسية للإسلام والقرآن ولكن دون حشو أو تقعر وتزمت.
وهو كفيلسوف كان مطلعا بشكل وثيق على الفكر اليوناني ومعجبا به. وقد حاول التوفيق بينه وبين العقيدة الإسلامية. وبالتالي فهو مسلم ليبرالي أو تنويري قبل الأوان. وقد كان تأثيره كبيرا على المشرق الإسلامي سواء أكان عربيا أم إيرانيا.
فكل الفلسفة الإشراقية التي ازدهرت في إيران مثلا هي من صنعه أو تابعة له. ولكن الغزالي هاجمه بعنف في كتابه «تهافت الفلاسفة» واتهمه بالخروج على بعض العقائد الإسلامية. ثم كفره الفقهاء اللاحقون على أثر الغزالي كما كفروا معظم عباقرة العرب والإسلام. ولا يزال سيف التكفير مسلطا على رؤوس المثقفين العرب حتى اللحظة. وبالتالي فقصة التكفير قديمة جدا وليست حديثة العهد. من هنا صعوبة مواجهتها. ألم يكفر يوسف القرضاوي، الأب الروحي للإخوان المسلمين، الناقد الشهير رجاء النقاش؟ ألا يحاول حاليا بكل قواه عرقلة نهضة مصر وإعادتها إلى الوراء؟ هكذا نلاحظ أن العصور الانحطاطية حاقدة على العصور الذهبية للحضارة العربية الإسلامية. ولهذا السبب فإن تأثير ابن سينا اضمحل في العالم العربي بعد الدخول في عصر الانحطاط.
على العكس من ذلك فإن تأثيره في الغرب اللاتيني المسيحي كان كبيرا في وقت من الأوقات. وهذه هي الكارثة: نحن نحتقر عظماءنا وعباقرتنا وهم يمجدونهم ويستفيدون منهم ويبنون عليهم. لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ إذا عرف السبب بطل العجب.. بل وسبق ابن سينا تأثير ابن رشد إلى إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وبقية أنحاء أوروبا. ولكن نفوذ ابن رشد تغلّب عليه لاحقا.
والواقع أنهم ابتدأوا يترجمون مؤلفات ابن سينا إلى اللغة اللاتينية منذ القرن الحادي عشر الميلادي. ثم استمرت عملية ترجمته لفترة طويلة لاحقا. وكان ذلك في مدينة طليطلة، حيث تأسست مدرسة كبيرة للترجمة من العربية إلى اللاتينية. وفيها نقلوا مؤلفات علماء العرب وفلاسفتهم إلى اللغة اللاتينية. ومعلوم أن اللغة العربية كانت لغة العلم والفكر في كل أنحاء أوروبا المسيحية في ذلك الزمان. من كان يعرف العربية آنذاك كان كمن يعرف الإنجليزية اليوم. كانت لغة العولمة الحضارية إذا جاز التعبير. نعم لقد ترجموا كتب الكندي، الفيلسوف العربي الأول، وكتب الفارابي، وكتب ابن سينا، وكتب الغزالي الذي ظنوه فيلسوفا أو مؤيدا للفلسفة. لماذا؟ لأنهم اطلعوا على «مقاصد الفلاسفة» لا على «تهافت الفلاسفة»، ففاتهم أنه عدو لدود للفلسفة.
ومعلوم أنه استعرض في الكتاب الأول نظريات الفلاسفة بشكل موضوعي دقيق إلى درجة أن القارئ يتوهم أنه من أتباعها! وهو في الواقع ما استعرضها إلا لكي يهشمها لاحقا في الكتاب الثاني ويدشن بذلك عصر الانحطاط الكبير. فلم تقم للفلسفة قائمة في أرض الإسلام بعدئذ. وبالتالي فمسؤولية الغزالي جسيمة بهذا الصدد. ثم تلاه الفقهاء اللاحقون. وكانت النتيجة كارثة. كانت النتيجة كل هذا الوباء الداعشي الذي نشهده اليوم.
ثم ابتدأ المسيحيون الأوروبيون بعدئذ يترجمون كتب ابن رشد بعد ابن سينا وليس قبله. ومعلوم أن ترجمتهم لابن سينا تركزت على كتاب «الشفاء» بكل أجزائه عن المنطق، والفيزيقا، والميتافيزيقا، إلخ. وعلى هذا النحو تشكل تيار فكري تابع لابن سينا في جامعات الغرب المسيحي.
ومعلوم أن ابن سينا كان أقرب فكريا إلى أفلاطون ومثاليته الروحانية من أرسطو. وبالتالي فكان من السهل أن يقيموا مصالحة بين فكره وبين فكر كبار متصوفة المسيحية وعلمائها. ولكن تأثير ابن رشد غطّى عليه فيما بعد لأن الفلسفة الرشدية كانت تبدو أكثر عقلانية وواقعية - أو أقل شطحات خيالية - من فلسفة ابن سينا. أقول ذلك بتسرع شديد وربما بإجحاف.
ولكن ينبغي الاعتراف بأن ابن رشد كان من جماعة أرسطو لا من جماعة أفلاطون. ولذا أصبح تلامذة ابن رشد في جامعات السوربون، وأكسفورد، وبولونيا بإيطاليا وبدوا أكثر عددا بكثير من تلامذة ابن سينا. ولكن يبقى صحيحا القول بأن الأسماء الكبرى للفلسفة الإسلامية التي نقلت إلى أوروبا كانت هي: الكندي، والفارابي، وابن سينا، وابن باجة، وابن الطفيل، وابن رشد. هؤلاء هم الذين نقلت مؤلفاتهم أو قسم كبير منها إلى اللغة اللاتينية. وبناء عليها أسست أوروبا نهضتها المقبلة وسبقت العرب بسنوات ضوئية.. وبالتالي فنحن إذ نأخذ عنهم وعن فلاسفتهم الآن يمكن أن نصرخ قائلين: هذي بضاعتنا ردت إلينا!



رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ


«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً
TT

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة.

في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً.

تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي.

بيع الأفكار

تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية.

وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها.

من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري».

وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر.

حضور مُتخيّل

في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة».

ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون».

وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع.

تدريب على المشي

تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها.

في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص.

ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل.

هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر.