تفاعلت الأزمة التي كانت بدأت بين بعض السينمائيين العرب وإدارة مهرجان لوكارنو عندما دعم المهرجان موقفه بعدم الاستجابة لمطلب السينمائيين التونسيين بسحب المهرجان المشاركة المدعومة من قِبل صندوق الدعم الإسرائيلي، وبالتالي إيقاف التظاهرة التي تضم عددًا من الأفلام الإسرائيلية الجديدة.
يوم أمس، تمت إقامة مؤتمر صحافي حول الموضوع دافعت فيه إدارة المهرجان عن موقفها الذي تسبب في قيام معظم السينمائيين التونسيين بسحب أفلامهم، وقيام عدد آخر من المشاركين العرب بالاحتذاء بهذه الخطوة. ما قالته إدارة المهرجان جاء شبيهًا بما جاء في مواقفها المعلنة سابقًا ومفاده أن المهرجان لا يقصد دعم سينما ضد أخرى، بل يحث على التوازن، لذلك فتح الأبواب هذا العام لمشاركات عربية واسعة من المغرب العربي في الوقت الذي حرص فيه على «استقبال جديد السينما الإسرائيلية». كما كررت الإدارة القول بأنها «دائمًا ما وقفت لجانب حرية التعبير».
وأضافت أن الاستجابة لضغوط خارجية، كالتي مورست أخيرا، ليس واردًا لدى إدارة المهرجان، وأنها ترفض مثل هذا الضغط حتى ولو جاء من أطراف دولية. والمعروف أن عددًا من السينمائيين العالميين ساند الحملة لمقاطعة مهرجان لوكارنو، ومن بينهم المخرج البريطاني كن لوتش، الذي كان السبب المباشر في رفض مهرجان أدنبره قبل سنوات قليلة، لدعم مادي من وزارة الخارجية الفرنسية عبر «صندوق الدعم الإسرائيلي للسينما» لعرض أفلام إسرائيلية فيه. الأمر الذي لم يقع هنا.
إلى جانب أسماء سينمائية أخرى، مثل جان - لوك غودار والفلسطينيين هاني أبو أسعد وإيليا سليمان والمنتجة التونسية درة أبوشوشة، أعلن كاتب السيناريو الأميركي وولتر برنستين، والموسيقار رتشارد هوروفيتز (وهما يهوديان) تأييدهما لإلغاء المظاهرة الإسرائيلية.
صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية ذكرت أن مدير المهرجان كارلو شاتريان (في منصبه منذ عام 2006) اعتبر أن دعم السينما الإسرائيلية أو سواها هو مسؤولية المهرجان الأولى، وأن المهرجان سبق أن دعم سينمات عربية في برامج موازية من قبل.
وتبعًا للصحيفة ذاتها، فإن المهرجان لم يكتفِ فقط بتلك التظاهرة وحدها، بل أضاف فيلمين إسرائيليين آخرين إلى العروض الرسمية من بعد أن ووجه بالمعارضة المذكورة.
لكن ما حث المنتقدون على موقفهم ما وجدوه إمعانًا من إدارة المهرجان في إقامة تظاهرة إسرائيلية في مرحلة «تقودها أكثر حكومة يمينية تطرّفًا في تاريخ إسرائيل».
الأفلام التونسية التي تم سحبها من المهرجان، بعدما «التزم المهرجان الصمت حيال اتصالاتنا لحثه على إعادة النظر في منهجه»، حسبما جاء في تصريح منشور، يتقدّمها «بحبك يا هادي» (يحمل اسمًا تونسي اللهجة: «إنحبّك هادي»)، الذي هو الإخراج الأول لمحمد بن عطية ومن إنتاج دورا بوشوشة ولينا شعبان. ومن المحتمل بذلك أن تكون محطة الفيلم المقبلة فينيسيا، ولو أن معظم برامج المهرجان الإيطالي الذي سيفتتح في الثاني من سبتمبر (أيلول) باتت محجوزة.
* امرأة وفتاة
لكن الشارع هنا لا يكاد يسمع شيئًا من هذا كله. ألوف المشاهدين يدخلون قاعات السينما الموزعة في الهواء الطلق أو في القاعات، الصغيرة منها والكبيرة، وكل ما يرغبون به هو التعرّف على أي سينما وعلى أي أفلام جديدة انتخبها المهرجان هذا العام. طبعًا سيقبل على الأفلام الإسرائيلية المعروضة ولو أنه من المبكر معرفة ما سيكون عليه حجم هذا الإقبال.
بين العروض فيلم إيراني بعنوان «فردوس» لسينا أتيان دينا يرصد متاعب امرأة يتطلب عملها منها أن تقطع مسافة طويلة بين مكان إقامتها ومكان عملها، علما بأنه من الممكن تحويلها إلى فرع قريب من منزلها. هانية، بطلة الفيلم، تفشل في حث المسؤولين على النظر في التماسها وتجد نفسها تصارع «شبح الأخلاقيات والمفاهيم والعنف الذي قد يكون مباشرًا أو غير مباشر، والذي يقع على عاتق المرأة» كما صرّحت المخرجة دينا هنا.
أيضًا من بين ما عرض يوم أمس فيلم ألماني بعنوان «الكابوس» لمخرج يكتفي باسم أكيز، ويدور حول فتاة في السابعة عشرة من عمرها، تواجه وحشًا غريب الشكل يبقيه الفيلم غامضًا، فهو قد يكون «حقيقيًا» وقد يكون مجرد «هوس» نفسي ما. الدقائق العشر الأولى التي يتم فيها تقديم هذا الوحش لا تحاول الإجابة. وباقي الفيلم يبدو كما لم يعد يكترث لأن يجيب.
يميل الفيلم للاستيحاء من أعمال ديفيد لينش ورومان بولانسكي لكن ما يحققه يبقى طموحات أكثر منه إنجازات. هناك فكرة تستحق النظر (فتاة تشهد تحولات نفسية وعاطفية في مثل سنّها، في الوقت الذي تواجه فيه معضلة أكبر منها ربما ناتجة عن شيطان في داخلها) لكنها ركيكة التنفيذ صنعًا. ينقل المخرج بعض أجواء فترة المراهقة مع كل الضجيج والعبث التي تمر بهما، لكن من بعد وضع تلك الأسس يضيع الرابط وسط معابر تقليدية لا تنطوي على جديد.

