العالم يتنفس هواءً ملوثاً

تشديد دولي على المعايير... ومراجعات عربية

منظر للمنطقة التجارية المركزية في بكين خلال عاصفة ترابية في 10 مارس الماضي (أ.ب)
منظر للمنطقة التجارية المركزية في بكين خلال عاصفة ترابية في 10 مارس الماضي (أ.ب)
TT

العالم يتنفس هواءً ملوثاً

منظر للمنطقة التجارية المركزية في بكين خلال عاصفة ترابية في 10 مارس الماضي (أ.ب)
منظر للمنطقة التجارية المركزية في بكين خلال عاصفة ترابية في 10 مارس الماضي (أ.ب)

لا يزال تلوث الهواء أحد أكبر المخاطر على الصحة العامة؛ ففي كل سنة يتسبب تدني نوعية الهواء بنحو 7 ملايين وفاة حول العالم، وخسائر اقتصادية إجمالية تعادل أكثر من 8 تريليونات دولار. ويؤدي التعرض لتلوث الهواء إلى حدوث العديد من الحالات المرضية وتفاقمها، كالربو والسرطان وأمراض الرئة والقلب والوفاة المبكرة.
وفي أكثر من مكان، يسعى صانعو السياسات إلى التشدُّد أكثر فأكثر في معايير جودة الهواء، من أجل تخفيف الأعباء الصحية والإقلال من الوفيات. ومع ذلك، لا تزال مجمل المدن حول العالم تعاني من ارتفاع مؤشرات التلوث على نحو كبير يتجاوز المسموح به بعدة أضعاف.
- تشدد دولي في المعايير
ينشأ تلوث الهواء عن ارتفاع تراكيز الجسيمات العالقة وبعض أنواع الغازات ذات الأثر السلبي. ويمكن أن ينتج التلوث عن الأنشطة البشرية، كدخان المصانع والسيارات، أو عن المصادر الطبيعية، كالعواصف الرملية وانبعاثات البراكين. وتشمل الملوثات الرئيسية الجسيمات الدقيقة العالقة في الهواء، التي يبلغ قطرها 2.5 ميكرون أو أقل، والأوزون الأرضي، وثاني أكسيد الكبريت، وثاني أكسيد النيتروجين.
علاوة على ذلك، تساهم مجموعة من المركبات في تكوين الجسيمات العالقة والأوزون في الغلاف الجوي، من بينها المركبات العضوية المتطايرة والأمونيا والميثان والكربون الأسود وأكاسيد النيتروجين. كما يوجد العديد من ملوثات الهواء السامة للإنسان والنظم البيئية، مثل البنزن والمعادن الثقيلة والهيدروكربونات العطرية.
وتعد جودة الهواء مشكلة عابرة للحدود، حيث تؤدي تيارات الغلاف الجوي إلى نقل الملوثات بعيداً عن مصادرها. وخلال ذلك، يمكن للتفاعلات الكيميائية والعمليات الفيزيائية أن تعيد تكوين خليط ملوثات الهواء وتشكل مزيج تلوث جديد يؤثر على نوعية الهواء المحلية والإقليمية والدولية.
وتمتد تعقيدات تلوث الهواء من آثاره الصحية على الإنسان إلى مخاطره على المناخ العالمي والموارد البيئية. وتظهر هذه التأثيرات في الأحداث الجوية غير المتوقَّعة، وتعطيل هطول الأمطار والأنماط البيولوجية، وانخفاض إنتاج الطاقة والمحاصيل؛ فعلى سبيل المثال، يتسبب المطر الحمضي، الذي يتشكل عندما يتفاعل ثاني أكسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكبريت مع هطول الأمطار، في تحمض وزيادة المغذيات في النظم البيئية وتدهور البيئة العمرانية. كما أن الغطاء النباتي حساس للأوزون الذي يؤثر على صحته وقدرته في مواجهة الأمراض.

ضباب ناجم عن دخان المركبات والمولدات الخاصة يغطي أفق بيروت في أكتوبر 2019 (غيتي)

وفي سعيها لخفض المخاطر الصحية لتلوث الهواء والحد من مشكلاته، أصدرت «منظمة الصحة العالمية» تعديلاً على إرشادات جودة الهواء في سبتمبر (أيلول) 2021، في خطوة تُعتبر أول تحديث لهذه المعايير منذ 15 عاماً. وتتوقع المنظمة الدولية أنه يمكن تجنُّب نحو 80 في المائة من الوفيات المرتبطة بالجسيمات العالقة، إذا نجح العالم في تلبية الإرشادات الجديدة.
وتشمل هذه التعديلات، على سبيل المثال، خفض الحد الأعلى للانبعاث السنوي الموصى به فيما يخص الجسيمات العالقة من 10 إلى 5 ميكروغرامات في المتر المكعب، وتعيين الحد الأقصى لتركيز الأوزون الأرضي خلال موسم الذروة (6 أشهر تلي أعلى متوسط لتركيز الأوزون) بمقدار 60 ميكروغراماً في المتر المكعب، وخفض تركيز ثاني أكسيد النيتروجين الموصى به من 40 إلى 10 ميكروغرامات في المتر المكعب سنوياً.
ولا تُعتبر إرشادات جودة الهواء الصادرة عن «منظمة الصحة العالمية» معياراً أو وثيقة ملزمة قانوناً. ومع ذلك، تشير كثير من الهيئات التشريعية حول العالم إلى المبادئ التوجيهية لـ«منظمة الصحة العالمية»، عند وضع السياسة القانونية لمكافحة الملوثات المحمولة جواً. ولذلك فإن التعديل الجديد الذي تبنته المنظمة يدخل تلقائياً في التشريع الوطني للعديد من البلدان.
وحتى في الدول التي تتبنى معاييرها الخاصة بجودة الهواء، تمثل التعديلات الجديدة حافزاً للتحرك من أجل مواكبة التوجه العالمي. وعلى سبيل المثال، أعلنت «وكالة حماية البيئة الأميركية»، في فبراير (شباط) 2023، عن مقترح لتعزيز المعايير الوطنية لجودة الهواء المحيط، من خلال خفض معيار الحد الأعلى لتركيز الجسيمات العالقة من 12 إلى ما بين 9 و10 ميكروغرامات في المتر المكعب سنوياً.
وفيما لا يزال المعيار المقترح يمثل ضعف معيار «منظمة الصحة العالمية»، فإن تأثيره سيكون كبيراً على الولايات المتحدة، لا سيما في النصف الشرقي من البلاد، حيث تُعتبر جودة الهواء حرجة، وفق المعايير الوطنية الحالية. ويُعد تعزيز معايير الهواء في الولايات المتحدة حافزاً تنظيمياً جديداً للتخلي عن استخدام الفحم في محطات الطاقة، ولتحسين أداء المحطات التي تعمل على الغاز. وتكون السلطات، في الولايات التي تعاني من تلوث الهواء، مطالَبة بوضع خطة امتثال للمعايير الوطنية.
وفي «الاتحاد الأوروبي»، تم الإعلان في أكتوبر (تشرين الأول) 2022 عن مقترح لقواعد جديدة تهدف إلى تحسين جودة الهواء حتى سنة 2030، وذلك في إطار «الصفقة الخضراء»، من أجل أوروبا خالية من التلوث بحلول 2050. وتلحظ القواعد المقترحة لسنة 2030 خفض معيار الحد الأعلى لتركيز الجسيمات العالقة من 25 إلى 10 ميكروغرامات في المتر المكعب سنوياً، وخفض معيار تركيز ثاني أكسيد النيتروجين من 40 إلى 20 ميكروغراماً في المتر المكعب سنوياً.
ولا تزال القواعد الأوروبية المقترحة لسنة 2030 تمثل أيضاً ضعف توصيات «منظمة الصحة العالمية». ووفقاً لآخر بيانات المنظمة لمؤشرات تلوث الهواء في المدن (2019)، فإن 22 في المائة فقط من المدن الأوروبية تستوفي الحد الأعلى المقترح لتركيز الجسيمات العالقة، بينما تحقق 84 منها الهدف المقترح لتركيز ثاني أكسيد النيتروجين.
وتشير دراسة صدرت في دورية «نيتشر»، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، إلى أن الجسيمات العالقة على صلة بنحو 90.4 في المائة من جميع وفيات تلوث الهواء في أوروبا بين عامي 1990 و2019. ويتوقع «الاتحاد الأوروبي» أن تخفض القواعد الجديدة أعداد الوفيات المبكرة بسبب تلوث الهواء بنسبة 55 في المائة على الأقل بحلول 2030، بما يعني إنقاذ حياة أكثر من 150 ألف شخص سنوياً.
وفي الصين، دعا فريق مكلف من قبل «البرنامج الوطني لأبحاث التلوث» إلى مراجعة المعايير الوطنية لتلوث الهواء وتحسين الحماية القانونية لصحة الإنسان. وتعتمد الصين حالياً هدفاً مؤقتاً لتركيز الجسيمات العالقة يبلغ 35 ميكروغراماً في المتر المكعب سنوياً، وهو بعيد جداً عن توصيات «منظمة الصحة العالمية».
وتشير تقديرات أميركية إلى أن تلوث الهواء في الصين تسبب بنحو 1.4 مليون وفاة مبكرة في عام 2019 وحده.
وفي دول «مجلس التعاون الخليجي»، تعمل لجنة منبثقة عن «الخطة الاستراتيجية 2020 - 2024» للوزراء المسؤولين عن شؤون البيئة على تحديث اللائحة التنفيذية الاسترشادية لجودة الهواء المحيط في دول المجلس، بالتعاون مع «برنامج الأمم المتحدة للبيئة» (يونيب). وتتبنى اللائحة التنفيذية الحالية لجودة الهواء في السعودية تركيز 15 ميكروغراماً في المتر المكعب سنوياً للجسيمات العالقة، وهي تستثني مساهمة المصادر الطبيعية، كالغبار الجوي، عند احتساب التجاوزات.
- تلوث الهواء في البلدان العربية يزداد
إذا جرى القياس وفق معايير «منظمة الصحة العالمية» لعام 2021، على قاعدة بيانات جودة الهواء في المدن حول العالم (بيانات 2019)، ستكون النتيجة أن جميع سكان العالم تقريباً يتنفسون هواءً ملوثاً. وتُظهر دراسة، نشرتها دورية «ذا لانسيت بلانيتاري هيلث» في مارس (آذار) 2023، أن 0.18 في المائة من مساحة اليابسة، وواحداً من بين مائة ألف إنسان يتعرضون لمستويات من تركيز الجسيمات العالقة تحقق معايير منظمة الصحة العالمية.
وتشير الدراسة إلى انخفاض المستويات اليومية لتلوث الهواء في أوروبا وأميركا الشمالية خلال الأعوام بين 2000 إلى 2019، في حين زادت مستويات التلوث اليومي في جنوب آسيا وأستراليا ونيوزيلندا وأميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي. وتُبين الدراسة أن تلوث الهواء بالجسيمات العالقة في أكثر من 255 يوماً خلال عام 2019 على مستوى العالم كان يشهد مستويات أعلى مما هو آمن.
وكان تقرير «الصحة والبيئة في الدول العربية»، الذي أصدره «المنتدى العربي للبيئة والتنمية» (أفِد) في 2020، حذر من أن الانبعاثات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا زادت بمقدار 5 أضعاف خلال العقود الثلاثة الماضية، بسبب زيادة الطلب على المياه والطاقة والنقل. وفي السعودية والبحرين والكويت والإمارات ارتفعت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بمعدل 6 في المائة سنوياً بين سنتي 2005 و2014، جنباً إلى جنب مع ارتفاع إجمالي الناتج المحلي وزيادة استهلاك الطاقة.
وتؤدي هيمنة سيارات الركاب الخاصة على وسائط النقل في البلدان الخليجية إلى مضاعفة مشاكل الازدحام المروري وزيادة الانبعاثات، علماً بأن المركبات على الطرق العامة في معظم بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مسؤولة عن 59 في المائة من انبعاثات أكاسيد النيتروجين في المنطقة، وهي أيضاً تنتج 90 في المائة من ثاني أكسيد الكربون و75 في المائة من المركبات العضوية المتطايرة غير الميثانية.
ويعكس التقرير العالمي لجودة الهواء 2022، الذي تصدره شركة سويسرية تهتم بتكنولوجيا جودة الهواء، ارتفاع مؤشر التلوث بالجسيمات العالقة في الدول العربية العشر التي شملها التقرير، وهي السعودية ومصر والسودان والجزائر والعراق وسوريا والإمارات والكويت وقطر والبحرين.
وتراوحت هذه التراكيز، مقاسة بالميكروغرام في المتر المكعب سنوياً، بين 80.1 في العراق، الذي حل في المرتبة الثانية عالمياً في تلوث الهواء عام 2022 بعد تشاد، و20 و17.1 في سوريا والجزائر على التوالي. وكان تركيز الجسيمات العالقة في البحرين 66.6 (المركز الرابع عالمياً)، وفي الكويت 55.8 (المركز السابع عالمياً)، في حين حققت باقي البلدان تراكيز تراوحت بين 41.5 و46.5.
ويرتبط تراجع جودة الهواء في العراق وباقي الدول الخليجية خلال عام 2022 إلى حدٍ كبير بالأحوال الجوية والجفاف الذي زاد من نسبة الغبار المعلق في الهواء. وفي المقابل، يرتبط الانخفاض النسبي لتلوث الهواء في سوريا بحالة الحرب التي حدت بشكل كبير من الأنشطة البشرية.
إن تحسين نوعية الهواء في العالم العربي يتطلب مراجعة دقيقة للإطار التشريعي من أجل تعزيز متطلبات الصحة العامة وتحقيق أداء أفضل لمصادر التلوث. كما ينبغي الحزم في إجراءات معاقبة الملوثين عبر تطبيق القوانين بطريقة فاعلة، ووضع قوائم أولويات لتقييم المخاطر الصحية على أساس رصد الهواء، واعتماد خطوات إجرائية توازن بين تراكيز الملوثات والاستجابة للمخاطر الصحية.


مقالات ذات صلة

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

بيئة سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق أطفال يمرون بجوار مبنى منهار في ماندالاي بعد 5 أيام من وقوع زلزال كبير ضرب وسط ميانمار (أ.ف.ب)

الوضع لا يزال «مقلقاً»... تراجع خسائر الكوارث في 2025 وسط استمرار المخاوف

انخفضت خسائر الكوارث الطبيعية في جميع أنحاء العالم بشكل حاد إلى 224 مليار دولار في عام 2025، وفق ما أعلنت شركة إعادة التأمين «ميونيخ ري».

«الشرق الأوسط» (برلين)
العالم طفل فلسطيني يصرخ بانتظار الحصول على الطعام من مطبخ خيري وسط أزمة الجوع في مدينة غزة (رويترز)

برنامج الأغذية العالمي: 318 مليون شخص في العالم يواجهون مستويات جوع خطيرة

قال برنامج الأغذية العالمي إن 318 مليون شخص في أنحاء العالم يواجهون مستويات جوع خطيرة أو أسوأ، محذراً من تفاقم انعدام الأمن الغذائي نتيجة النزاعات وتغير المناخ.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوقع قراراً تنفيذياً في البيت الأبيض (رويترز)

الأمم المتحدة: انسحاب أميركا من المنظمات الدولية «خطأ فادح»

عدّت الأمم المتحدة قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن انسحاب الولايات المتحدة من عشرات المنظمات الدولية بما فيها معاهدة باريس لتغير المناخ «خطأً فادحاً».

علي بردى (واشنطن)
علوم مشروعات هندسية لحجب الشمس... احتمالات غير آمنة

جدال علمي حول مشروعات حجب الشمس

رش الهباء الجوي العاكس في طبقة الستراتوسفير قد يغير الدورة الجوية الطبيعية ===


2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
TT

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم، متوقعاً أن يبقى 2026 عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

وأشار مرصد «كوبرنيكوس» في تقريره السنوي إلى أن درجات الحرارة العالمية لا تزال منذ ثلاث سنوات عند مستويات لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، إذ تجاوز معدل درجات الحرارة خلال هذه الفترة مستويات ما قبل الثورة الصناعية (1850-1900) بمقدار 1,5 درجة مئوية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي سياق منفصل، قال علماء من معهد «بيركلي إيرث» في الولايات المتحدة إن «الارتفاع الحاد المسجل بين عامي 2023 و2025 كان استثنائياً، ويشير إلى تسارع وتيرة الاحترار المناخي».

وأقرّ العديد من علماء المناخ والقادة السياسيين، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، علناً منذ العام الماضي بأن الاحترار سيتواصل بمعدل 1,5 درجة مئوية، وهو الحد الذي طمحت اتفاقية باريس الموقعة عام 2015 إلى عدم تجاوزه.

ومع بلوغ هذه العتبة منذ ثلاث سنوات، يرجّح برنامج «كوبرنيكوس» أن يتم الإعلان رسمياً عن تجاوز الحد المستدام بحلول نهاية هذا العقد، أي قبل أكثر من عقد من الموعد المتوقع أساساً.

ويثير هذا التسارع قلقاً متزايداً نظراً لأن الولايات المتحدة، ثاني أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، تتخلى عن التعاون المناخي العالمي في عهد رئيسها دونالد ترمب.

صورة أرشيفية من طوكيو عاصمة اليابان لأشخاص يحملون الشماسي للوقاية من حرارة الشمس (أ.ف.ب)

منحى مشابه في 2026

في الوقت نفسه، تفقد الجهود المبذولة للجم انبعاثات غازات الدفيئة زخمها في الدول الغنية. ففي فرنسا وألمانيا، تراجعت جهود خفض الانبعاثات مجدداً في عام 2025، وفي الولايات المتحدة، تسبب التوسع الكبير في محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم في زيادة البصمة الكربونية للبلاد مرة أخرى، ما بدّد سنوات من التقدم.

وقال رئيس وحدة «كوبرنيكوس»، ماورو فاكيني، في مؤتمر صحافي: «الحاجة إلى العمل المناخي باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى».

ولا توجد أي مؤشرات على أن عام 2026 سيخالف الاتجاه المسجل في السنوات الأخيرة.

وتوقعت نائبة مدير قسم تغير المناخ في «كوبرنيكوس»، سامانثا بورغيس، أن يكون عام 2026 من بين أحرّ خمسة أعوام مسجلة على الإطلاق، وقد يكون مماثلاً لعام 2025.

ويتوقع علماء المناخ في «بيركلي إيرث» أيضاً أن يكون 2026 «على الأرجح مشابهاً لعام 2025، مع ترجيح أن يكون رابع أحرّ عام منذ عام 1850».

وفي حال حدوث ظاهرة «إل نينيو» وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة، «قد يجعل ذلك 2026 عاماً قياسياً»، وفق ما أوضح مدير قسم تغير المناخ في المرصد، كارلو بونتيمبو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن «سواء كان ذلك في عام 2026 أو 2027 أو 2028، فالأمر لا يهم حقاً. المسار واضح جداً»، حسب بونتيمو.

سكان يراقبون حريقاً كبيراً يقترب من كونغوستا بإسبانيا (رويترز - أرشيفية)

معدلات قياسية في آسيا وأنتركتيكا

عام 2025، فاق معدل درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات بـ1,47 درجة مئوية مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بعد أن سجل معدل حرارة قياسياً تخطى تلك المستويات بـ1,60 درجة مئوية عام 2024.

ويخفي هذا المتوسط العالمي درجات حرارة قياسية في مناطق معينة، لا سيما في آسيا الوسطى والقارة القطبية الجنوبية ومنطقة الساحل، وفق تحليلات أجرتها «وكالة الصحافة الفرنسية» باستخدام بيانات يومية من الخدمة الأوروبية.

وبذلك، شهد 770 مليون شخص موجات حر قياسية في بلدانهم، حسب حسابات معهد «بيركلي إيرث».

والأربعاء، أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، بأنّ اثنتين من مجموعات البيانات الثماني التي حلّلتها أظهرتا أنّ عام 2025 كان ثاني أكثر السنوات حراً، ولكن المجموعات الأخرى صنّفته في المرتبة الثالثة.

وقدّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية متوسط الاحترار للفترة 2023-2025 عند 1,48 درجة مئوية، مع هامش خطأ يبلغ زائد أو ناقص 0,13 درجة.

وقالت الأمينة العامة للمنظمة، سيليست سولو، في بيان، إنّه على الرغم من ظاهرة التبريد المناخي «لا نينيا»، فإنّ عام 2025 «يبقى أكثر الأعوام حراً على الإطلاق على مستوى العالم بسبب تراكم الغازات الدفيئة في غلافنا الجوي».

في الوقت نفسه، لم تُسجل أي درجات حرارة منخفضة قياسية في عام 2025، وفق المعهد الأميركي.

شهد عام 2025 العديد من الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات حرّ وأعاصير وعواصف عاتية في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، إلى حرائق غابات مدمرة في إسبانيا وكندا وكاليفورنيا، تفاقمت حدتها أو تواترها بفعل الاحترار العالمي.

وتلعب التقلبات الطبيعية دوراً في الاحترار؛ فعلى سبيل المثال، كانت ظاهرة التبريد المعروفة باسم «لا نينيا» ضعيفة نسبياً في العام الماضي.

لكن كبير العلماء في مركز «بيركلي إيرث»، روبرت رود، يُبدي قلقه إزاء عوامل أخرى غير متوقعة تُفاقم الاحترار، حتى وإن كان ذلك بمقدار أجزاء من عشرة أو من مائة من الدرجة على المستوى العالمي.

وعلى وجه الخصوص، كان للقواعد الدولية التي خفضت محتوى الكبريت في زيت وقود السفن منذ عام 2020 أثر غير مقصود، تمثل في المساهمة في الاحترار من خلال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. ففي السابق، كانت هذه الجسيمات العالقة تتسبب في نشوء سحب صافية تعكس ضوء الشمس، ما يُساهم في تبريد الأرض.


المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
TT

المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)

أفاد فريق من العلماء من مختلف أنحاء العالم، الجمعة، بأن المحيطات امتصت كمية قياسية من الحرارة عام 2025، مما زاد من احتمال ارتفاع مستوى البحار وحدوث عواصف عنيفة وموت الشعاب المرجانية.

وقد ارتفعت الحرارة المتراكمة في المحيطات، العام الفائت، بنحو 23 زيتا غول، أي ما يعادل استهلاك الطاقة الأولية العالمية لأربعة عقود تقريباً.

وذكر الباحثون أن هذه النتيجة التي نُشرت في مجلة «أدفانسيس إن أتموسفيريك ساينسز» Advances in Atmospheric Sciences، تُعدّ أعلى قراءة سنوية منذ بدء تسجيل البيانات الحديثة في أوائل خمسينات القرن الماضي.

ولإجراء هذه الحسابات، استخدم أكثر من 50 عالماً من 31 مؤسسة بحثية مصادر متعددة، من بينها مجموعة كبيرة من الروبوتات العائمة التي ترصد تغيرات المحيطات حتى عمق 2000 متر، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

مؤشر أدق

وقالت المشاركة في إعداد الدراسة، كارينا فون شوكمان، إن النظر إلى أعماق المحيطات بدلاً من تقلبات سطحها، يقدّم مؤشراً أدق إلى كيفية استجابة المحيطات للضغط المستمر الناتج من انبعاثات البشر.

تُعدّ المحيطات عاملاً أساسياً في تنظيم مناخ الأرض؛ إذ تمتص 90 في المائة من الحرارة الزائدة في الغلاف الجوي الناتجة عن انبعاثات غازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون.

تحمل هذه الطاقة الإضافية تأثيراً كبيراً، فارتفاع درجة حرارة المحيطات يزيد من رطوبة الغلاف الجوي، مما يُوفّر عوامل للأعاصير المدارية والأمطار الغزيرة.

ويسهم احترار المحيطات بشكل مباشر في ارتفاع مستوى البحار؛ إذ تتمدد المياه عند ارتفاع درجة الحرارة، مما يجعل الظروف صعبة جداً للشعاب المرجانية الاستوائية التي تموت خلال موجات الحر البحرية الطويلة.

وقالت شوكمان: «إذا تواصل تراكم الحرارة في الأرض، فستستمر حرارة المحيطات في الارتفاع، وسيرتفع مستوى البحار، وستُسجَّل أرقام قياسية جديدة».

وتيرة أسرع

وترتفع درجة حرارة المحيطات في بعض المناطق بوتيرة أسرع من غيرها.

وكانت المحيطات الاستوائية، وجنوب المحيط الأطلسي، والبحر الأبيض المتوسط، وشمال المحيط الهندي، والمحيط الجنوبي من بين المسطحات المائية التي امتصت كميات قياسية من الحرارة سنة 2025.

وقد سُجّل ذلك رغم انخفاض متوسط درجات حرارة سطح البحر بشكل طفيف سنة 2025، غير أنه ظل ثالث أعلى رقم مسجّل على الإطلاق.

ويُعزى هذا الانخفاض إلى التحوّل من ظاهرة «إل نينيو» القوية التي أدت إلى ارتفاع درجة الحرارة في 2023 - 2024، إلى ظروف شبيهة بظاهرة «لا نينا» التي عادة ما ترتبط بتبريد مؤقت لسطح المحيطات.

وعلى المدى البعيد، يتسارع معدل ارتفاع درجة حرارة المحيطات نتيجة الزيادة المستمرة في تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، والتي تُعزى أساساً إلى حرق الوقود الأحفوري.


دبة قطبية بكندا تتبنى شبلاً في واقعة نادرة

دب قطبي (أرشيفية- رويترز)
دب قطبي (أرشيفية- رويترز)
TT

دبة قطبية بكندا تتبنى شبلاً في واقعة نادرة

دب قطبي (أرشيفية- رويترز)
دب قطبي (أرشيفية- رويترز)

رصد باحثون في كندا مؤخراً حالة نادرة جداً لدبة قطبية تبنَّت شبلاً لم تلده في شمال البلاد.

وقال الباحث في هيئة البيئة الكندية إيفان ريتشاردسون الذي يجري دراسات بشأن هذا المفترس الأكبر في القطب الشمالي منذ 25 عاماً، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لم تُسجَّل سوى 13 حالة (من هذا النوع) خلال 45 عاماً».

وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، تمكن ريتشاردسون وفريقه من الإمساك بدبة مع شبلين لها، يبلغ سن أحدهما 10 أشهر، والآخر 11 شهراً، بالقرب من تشرشل التي تُلقَّب بـ«عاصمة الدببة القطبية في العالم»، والواقعة في شمال مانيتوبا بوسط كندا.

وأضاف: «عندما اقتربنا، لاحظنا أن أحد الشبلين يحمل علامة تعريف، بينما الآخر لا يحملها»؛ مشيراً إلى أن الأم نفسها شوهدت قبل بضعة أشهر مع شبل واحد فقط.

دب قطبي (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي هذه المنطقة الشمالية، يضع الباحثون علامات تعريف على الدببة القطبية ليتسنى لهم تتبعها ودراستها طوال حياتها.

وأكدت عمليات التتبع عبر أطواق مزودة بنظام تحديد المواقع العالمية (جي بي إس) والملاحظات التي أجرتها منظمة «بولار بيرز إنترناشيونال»، وهي مجموعة بحثية معنية بالدببة القطبية، أن الأنثى المعنية احتفظت بالشبلين معها لأسابيع.

وقال إيفان ريتشاردسون: «إنها قصة رائعة. هذه الدببة القطبية تتمتع بحسِّ أمومة مذهل؛ إذ إنها مهيَّئة بطبيعتها لرعاية صغارها».

وقد انخفض عدد الدببة القطبية في غرب خليج هدسون بنسبة 30 في المائة خلال بضعة عقود فقط، من نحو 1200 دب في ثمانينات القرن الماضي إلى 800 دب اليوم. ويعود ذلك جزئياً إلى تسارع ذوبان الجليد الذي يشكل عنصراً ضرورياً لبقائها.

مع ذلك، لا يوجد دليل يربط بين هذا التبني وتغير المناخ، وفق ريتشاردسون.

ويجري حالياً فحص جيني لتحديد الأم البيولوجية للشبل المتبنَّى. وقال العالِم إنَّ ثمة «احتمالاً كبيراً أن نكتشف هويتها».

على مدى 45 عاماً، رُصد أكثر من 4600 دب قطبي في هذه المنطقة من كندا، ما يجعلها، حسب ريتشاردسون: «أفضل مجموعة دببة قطبية دُرست في العالم».