العالم يتنفس هواءً ملوثاً

تشديد دولي على المعايير... ومراجعات عربية

منظر للمنطقة التجارية المركزية في بكين خلال عاصفة ترابية في 10 مارس الماضي (أ.ب)
منظر للمنطقة التجارية المركزية في بكين خلال عاصفة ترابية في 10 مارس الماضي (أ.ب)
TT

العالم يتنفس هواءً ملوثاً

منظر للمنطقة التجارية المركزية في بكين خلال عاصفة ترابية في 10 مارس الماضي (أ.ب)
منظر للمنطقة التجارية المركزية في بكين خلال عاصفة ترابية في 10 مارس الماضي (أ.ب)

لا يزال تلوث الهواء أحد أكبر المخاطر على الصحة العامة؛ ففي كل سنة يتسبب تدني نوعية الهواء بنحو 7 ملايين وفاة حول العالم، وخسائر اقتصادية إجمالية تعادل أكثر من 8 تريليونات دولار. ويؤدي التعرض لتلوث الهواء إلى حدوث العديد من الحالات المرضية وتفاقمها، كالربو والسرطان وأمراض الرئة والقلب والوفاة المبكرة.
وفي أكثر من مكان، يسعى صانعو السياسات إلى التشدُّد أكثر فأكثر في معايير جودة الهواء، من أجل تخفيف الأعباء الصحية والإقلال من الوفيات. ومع ذلك، لا تزال مجمل المدن حول العالم تعاني من ارتفاع مؤشرات التلوث على نحو كبير يتجاوز المسموح به بعدة أضعاف.
- تشدد دولي في المعايير
ينشأ تلوث الهواء عن ارتفاع تراكيز الجسيمات العالقة وبعض أنواع الغازات ذات الأثر السلبي. ويمكن أن ينتج التلوث عن الأنشطة البشرية، كدخان المصانع والسيارات، أو عن المصادر الطبيعية، كالعواصف الرملية وانبعاثات البراكين. وتشمل الملوثات الرئيسية الجسيمات الدقيقة العالقة في الهواء، التي يبلغ قطرها 2.5 ميكرون أو أقل، والأوزون الأرضي، وثاني أكسيد الكبريت، وثاني أكسيد النيتروجين.
علاوة على ذلك، تساهم مجموعة من المركبات في تكوين الجسيمات العالقة والأوزون في الغلاف الجوي، من بينها المركبات العضوية المتطايرة والأمونيا والميثان والكربون الأسود وأكاسيد النيتروجين. كما يوجد العديد من ملوثات الهواء السامة للإنسان والنظم البيئية، مثل البنزن والمعادن الثقيلة والهيدروكربونات العطرية.
وتعد جودة الهواء مشكلة عابرة للحدود، حيث تؤدي تيارات الغلاف الجوي إلى نقل الملوثات بعيداً عن مصادرها. وخلال ذلك، يمكن للتفاعلات الكيميائية والعمليات الفيزيائية أن تعيد تكوين خليط ملوثات الهواء وتشكل مزيج تلوث جديد يؤثر على نوعية الهواء المحلية والإقليمية والدولية.
وتمتد تعقيدات تلوث الهواء من آثاره الصحية على الإنسان إلى مخاطره على المناخ العالمي والموارد البيئية. وتظهر هذه التأثيرات في الأحداث الجوية غير المتوقَّعة، وتعطيل هطول الأمطار والأنماط البيولوجية، وانخفاض إنتاج الطاقة والمحاصيل؛ فعلى سبيل المثال، يتسبب المطر الحمضي، الذي يتشكل عندما يتفاعل ثاني أكسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكبريت مع هطول الأمطار، في تحمض وزيادة المغذيات في النظم البيئية وتدهور البيئة العمرانية. كما أن الغطاء النباتي حساس للأوزون الذي يؤثر على صحته وقدرته في مواجهة الأمراض.

ضباب ناجم عن دخان المركبات والمولدات الخاصة يغطي أفق بيروت في أكتوبر 2019 (غيتي)

وفي سعيها لخفض المخاطر الصحية لتلوث الهواء والحد من مشكلاته، أصدرت «منظمة الصحة العالمية» تعديلاً على إرشادات جودة الهواء في سبتمبر (أيلول) 2021، في خطوة تُعتبر أول تحديث لهذه المعايير منذ 15 عاماً. وتتوقع المنظمة الدولية أنه يمكن تجنُّب نحو 80 في المائة من الوفيات المرتبطة بالجسيمات العالقة، إذا نجح العالم في تلبية الإرشادات الجديدة.
وتشمل هذه التعديلات، على سبيل المثال، خفض الحد الأعلى للانبعاث السنوي الموصى به فيما يخص الجسيمات العالقة من 10 إلى 5 ميكروغرامات في المتر المكعب، وتعيين الحد الأقصى لتركيز الأوزون الأرضي خلال موسم الذروة (6 أشهر تلي أعلى متوسط لتركيز الأوزون) بمقدار 60 ميكروغراماً في المتر المكعب، وخفض تركيز ثاني أكسيد النيتروجين الموصى به من 40 إلى 10 ميكروغرامات في المتر المكعب سنوياً.
ولا تُعتبر إرشادات جودة الهواء الصادرة عن «منظمة الصحة العالمية» معياراً أو وثيقة ملزمة قانوناً. ومع ذلك، تشير كثير من الهيئات التشريعية حول العالم إلى المبادئ التوجيهية لـ«منظمة الصحة العالمية»، عند وضع السياسة القانونية لمكافحة الملوثات المحمولة جواً. ولذلك فإن التعديل الجديد الذي تبنته المنظمة يدخل تلقائياً في التشريع الوطني للعديد من البلدان.
وحتى في الدول التي تتبنى معاييرها الخاصة بجودة الهواء، تمثل التعديلات الجديدة حافزاً للتحرك من أجل مواكبة التوجه العالمي. وعلى سبيل المثال، أعلنت «وكالة حماية البيئة الأميركية»، في فبراير (شباط) 2023، عن مقترح لتعزيز المعايير الوطنية لجودة الهواء المحيط، من خلال خفض معيار الحد الأعلى لتركيز الجسيمات العالقة من 12 إلى ما بين 9 و10 ميكروغرامات في المتر المكعب سنوياً.
وفيما لا يزال المعيار المقترح يمثل ضعف معيار «منظمة الصحة العالمية»، فإن تأثيره سيكون كبيراً على الولايات المتحدة، لا سيما في النصف الشرقي من البلاد، حيث تُعتبر جودة الهواء حرجة، وفق المعايير الوطنية الحالية. ويُعد تعزيز معايير الهواء في الولايات المتحدة حافزاً تنظيمياً جديداً للتخلي عن استخدام الفحم في محطات الطاقة، ولتحسين أداء المحطات التي تعمل على الغاز. وتكون السلطات، في الولايات التي تعاني من تلوث الهواء، مطالَبة بوضع خطة امتثال للمعايير الوطنية.
وفي «الاتحاد الأوروبي»، تم الإعلان في أكتوبر (تشرين الأول) 2022 عن مقترح لقواعد جديدة تهدف إلى تحسين جودة الهواء حتى سنة 2030، وذلك في إطار «الصفقة الخضراء»، من أجل أوروبا خالية من التلوث بحلول 2050. وتلحظ القواعد المقترحة لسنة 2030 خفض معيار الحد الأعلى لتركيز الجسيمات العالقة من 25 إلى 10 ميكروغرامات في المتر المكعب سنوياً، وخفض معيار تركيز ثاني أكسيد النيتروجين من 40 إلى 20 ميكروغراماً في المتر المكعب سنوياً.
ولا تزال القواعد الأوروبية المقترحة لسنة 2030 تمثل أيضاً ضعف توصيات «منظمة الصحة العالمية». ووفقاً لآخر بيانات المنظمة لمؤشرات تلوث الهواء في المدن (2019)، فإن 22 في المائة فقط من المدن الأوروبية تستوفي الحد الأعلى المقترح لتركيز الجسيمات العالقة، بينما تحقق 84 منها الهدف المقترح لتركيز ثاني أكسيد النيتروجين.
وتشير دراسة صدرت في دورية «نيتشر»، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، إلى أن الجسيمات العالقة على صلة بنحو 90.4 في المائة من جميع وفيات تلوث الهواء في أوروبا بين عامي 1990 و2019. ويتوقع «الاتحاد الأوروبي» أن تخفض القواعد الجديدة أعداد الوفيات المبكرة بسبب تلوث الهواء بنسبة 55 في المائة على الأقل بحلول 2030، بما يعني إنقاذ حياة أكثر من 150 ألف شخص سنوياً.
وفي الصين، دعا فريق مكلف من قبل «البرنامج الوطني لأبحاث التلوث» إلى مراجعة المعايير الوطنية لتلوث الهواء وتحسين الحماية القانونية لصحة الإنسان. وتعتمد الصين حالياً هدفاً مؤقتاً لتركيز الجسيمات العالقة يبلغ 35 ميكروغراماً في المتر المكعب سنوياً، وهو بعيد جداً عن توصيات «منظمة الصحة العالمية».
وتشير تقديرات أميركية إلى أن تلوث الهواء في الصين تسبب بنحو 1.4 مليون وفاة مبكرة في عام 2019 وحده.
وفي دول «مجلس التعاون الخليجي»، تعمل لجنة منبثقة عن «الخطة الاستراتيجية 2020 - 2024» للوزراء المسؤولين عن شؤون البيئة على تحديث اللائحة التنفيذية الاسترشادية لجودة الهواء المحيط في دول المجلس، بالتعاون مع «برنامج الأمم المتحدة للبيئة» (يونيب). وتتبنى اللائحة التنفيذية الحالية لجودة الهواء في السعودية تركيز 15 ميكروغراماً في المتر المكعب سنوياً للجسيمات العالقة، وهي تستثني مساهمة المصادر الطبيعية، كالغبار الجوي، عند احتساب التجاوزات.
- تلوث الهواء في البلدان العربية يزداد
إذا جرى القياس وفق معايير «منظمة الصحة العالمية» لعام 2021، على قاعدة بيانات جودة الهواء في المدن حول العالم (بيانات 2019)، ستكون النتيجة أن جميع سكان العالم تقريباً يتنفسون هواءً ملوثاً. وتُظهر دراسة، نشرتها دورية «ذا لانسيت بلانيتاري هيلث» في مارس (آذار) 2023، أن 0.18 في المائة من مساحة اليابسة، وواحداً من بين مائة ألف إنسان يتعرضون لمستويات من تركيز الجسيمات العالقة تحقق معايير منظمة الصحة العالمية.
وتشير الدراسة إلى انخفاض المستويات اليومية لتلوث الهواء في أوروبا وأميركا الشمالية خلال الأعوام بين 2000 إلى 2019، في حين زادت مستويات التلوث اليومي في جنوب آسيا وأستراليا ونيوزيلندا وأميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي. وتُبين الدراسة أن تلوث الهواء بالجسيمات العالقة في أكثر من 255 يوماً خلال عام 2019 على مستوى العالم كان يشهد مستويات أعلى مما هو آمن.
وكان تقرير «الصحة والبيئة في الدول العربية»، الذي أصدره «المنتدى العربي للبيئة والتنمية» (أفِد) في 2020، حذر من أن الانبعاثات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا زادت بمقدار 5 أضعاف خلال العقود الثلاثة الماضية، بسبب زيادة الطلب على المياه والطاقة والنقل. وفي السعودية والبحرين والكويت والإمارات ارتفعت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بمعدل 6 في المائة سنوياً بين سنتي 2005 و2014، جنباً إلى جنب مع ارتفاع إجمالي الناتج المحلي وزيادة استهلاك الطاقة.
وتؤدي هيمنة سيارات الركاب الخاصة على وسائط النقل في البلدان الخليجية إلى مضاعفة مشاكل الازدحام المروري وزيادة الانبعاثات، علماً بأن المركبات على الطرق العامة في معظم بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مسؤولة عن 59 في المائة من انبعاثات أكاسيد النيتروجين في المنطقة، وهي أيضاً تنتج 90 في المائة من ثاني أكسيد الكربون و75 في المائة من المركبات العضوية المتطايرة غير الميثانية.
ويعكس التقرير العالمي لجودة الهواء 2022، الذي تصدره شركة سويسرية تهتم بتكنولوجيا جودة الهواء، ارتفاع مؤشر التلوث بالجسيمات العالقة في الدول العربية العشر التي شملها التقرير، وهي السعودية ومصر والسودان والجزائر والعراق وسوريا والإمارات والكويت وقطر والبحرين.
وتراوحت هذه التراكيز، مقاسة بالميكروغرام في المتر المكعب سنوياً، بين 80.1 في العراق، الذي حل في المرتبة الثانية عالمياً في تلوث الهواء عام 2022 بعد تشاد، و20 و17.1 في سوريا والجزائر على التوالي. وكان تركيز الجسيمات العالقة في البحرين 66.6 (المركز الرابع عالمياً)، وفي الكويت 55.8 (المركز السابع عالمياً)، في حين حققت باقي البلدان تراكيز تراوحت بين 41.5 و46.5.
ويرتبط تراجع جودة الهواء في العراق وباقي الدول الخليجية خلال عام 2022 إلى حدٍ كبير بالأحوال الجوية والجفاف الذي زاد من نسبة الغبار المعلق في الهواء. وفي المقابل، يرتبط الانخفاض النسبي لتلوث الهواء في سوريا بحالة الحرب التي حدت بشكل كبير من الأنشطة البشرية.
إن تحسين نوعية الهواء في العالم العربي يتطلب مراجعة دقيقة للإطار التشريعي من أجل تعزيز متطلبات الصحة العامة وتحقيق أداء أفضل لمصادر التلوث. كما ينبغي الحزم في إجراءات معاقبة الملوثين عبر تطبيق القوانين بطريقة فاعلة، ووضع قوائم أولويات لتقييم المخاطر الصحية على أساس رصد الهواء، واعتماد خطوات إجرائية توازن بين تراكيز الملوثات والاستجابة للمخاطر الصحية.


مقالات ذات صلة

«إلنينيو» تدفع نحو حرارة قياسية في منطقة رئيسية بالمحيط الهادئ

أوروبا مزارع يشرب الماء أثناء استراحة عمل لحصاد محصول ذرة تضرر جراء نقص الأمطار في تيكولوكا بمقاطعة سان فيسنتي - السلفادور (أ.ف.ب)

«إلنينيو» تدفع نحو حرارة قياسية في منطقة رئيسية بالمحيط الهادئ

أدت ظاهرة «إلنينيو» المناخية إلى ارتفاع درجات الحرارة في منطقة رئيسية من المحيط الهادئ إلى مستويات غير مسبوقة هذا الشهر.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد أشخاص يحملون مظلات خلال وقوفهم أمام كاتدرائية القديس ستيفان خلال موجة حارة استثنائية في فيينا بالنمسا (رويترز)

الاتحاد الأوروبي يتطلع لاتفاق خلال «كوب 31» لتسريع خفض الغازات الدفيئة

يعتزم الاتحاد الأوروبي استغلال مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ المقرر عقده الشهر المقبل، للضغط من أجل التوصل إلى اتفاق لخفض الانبعاثات الكربونية.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
علوم ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)

«النينيو» تهدّد صحة الملايين... والعلماء يحدّدون 5 خطوات للمواجهة

حدّد علماء مناخ 5 إجراءات رئيسية يمكن للدول اتخاذها لتعزيز استعدادها لظاهرة «النينيو» والحدّ من تداعياتها الصحية... ما هي؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك التهاب الحلق يُعد أحد الأعراض المميزة لـ«كوفيد-19» (بيسكاباي)

لماذا تنتشر التهابات الحلق في الخريف؟ وكيف تميّزها عن كورونا؟

تنتشر التهابات الحلق في الخريف بسبب تقلبات الطقس وزيادة انتشار الفيروسات مع قضاء وقت أطول بالأماكن المغلقة وتتشابه في الأعراض مع فيروس كورونا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
علوم «إل نينيو» هي ظاهرة ارتفاع درجة حرارة المياه السطحية في شرق المحيط الهادي

دراسة أميركية: ظاهرة «إل نينيو» قد تودي بحياة نصف مليون شخص

دعوة لتعزيز الحوكمة الاستباقية، والجاهزية، وتدابير التكيّف الموجهة

«الشرق الأوسط» (لندن)

البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
TT

البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)

يُسوَّق البلاستيك على أنه مادة رخيصة الثمن، وهو كذلك بالفعل عند البيع؛ غير أن السعر المدوّن على زجاجة المياه أو وعاء الوجبة الجاهزة لا يعكس سوى جزء ضئيل جداً من التكلفة الحقيقية التي تتكبدها الدول بسببه. إذ تظهر الفاتورة الحقيقية لاحقاً، متمثلةً في الأعباء التي تقع على عاتق الميزانية العامة والمناطق الساحلية والمنظومة الصحية. فالبلاستيك يكلّف العالم تريليونات الدولارات سنوياً، ومع تزايد النهم العالمي لاستخدامه، ستتفاقم هذه التكلفة أيضاً.

ويكشف تقرير جديد صادر عن منظمة «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» تحت عنوان «الثمن الخفي للبلاستيك»، أن التلوث البلاستيكي يكلّف مصر والمغرب وتونس مجتمعين ما بين 1.7 و5.5 مليار دولار أميركي سنوياً نتيجة الأضرار التي يلحقها بالنظم البيئية البحرية في البحر الأبيض المتوسط، محذّراً من أن استمرار التقاعس عن مواجهة الأزمة قد يرفع من مقدار هذه الفاتورة لتصل إلى ما بين 30 و98 مليار دولار بحلول عام 2040.

وبيّن التقرير أن التلوث بالبلاستيك في كل من مصر والمغرب وتونس أصبح أحد أبرز الضغوط البيئية والاقتصادية في الوقت الحالي، إذ تتجاوز تداعياته الشواطئ المليئة بالنفايات لتطول ميزانيات الدول، وسبل العيش في المناطق الساحلية، والصحة العامة. وتشترك هذه الدول الثلاث في بحر يستقبل ما يقدر بـ229 ألف طن من البلاستيك سنوياً، ويحتوي بالفعل على أكثر من مليون طن في قاعه. كما أنها تقع في منطقة تولد أكثر من 155 مليون طن من النفايات سنوياً - ثلثاها لا تتم إدارته بشكل سليم - ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الحجم تقريباً بحلول عام 2050.

وبما أنّ خفض هذه التكلفة يتطلب تحركاً على المستويين الدولي والوطني، طرح التقرير مجموعة من الإجراءات العملية على المستوى الوطني في كل من الدول الثلاث.

قالت فرح الحطّاب، المسؤولة الأولى عن حملات البلاستيك في «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»: «إن التلوّث البلاستيكي لم يعد مجرد مشكلة مرتبطة بإدارة النفايات، بل أصبحت له تكلفة تمتد إلى الاقتصاد والصحة والبيئة. وتتحمل الحكومات والبلديات والمجتمعات الساحلية والمواطنون جزءاً من هذه التكلفة، فيما تزداد الأعباء كلما استمر إنتاج البلاستيك واستخدامه وتسربه إلى البيئة».

التلوث البيئي يحاصر كثيراً من الدول (رويترز)

وأضافت، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تشمل الفاتورة تكلفة جمع النفايات ومعالجتها وتنظيف الشواطئ، إضافة إلى الخسائر التي تتكبدها قطاعات تعتمد على البيئة البحرية، مثل السياحة والصيد».

وتابعت: «لا تقتصر المخاطر على النفايات البلاستيكية نفسها. فبعض المواد الكيميائية المستخدمة في صناعة البلاستيك أو التي قد تتسرب منه ترتبط، وفق دراسات علمية، باضطرابات هرمونية وتأثيرات على الجهاز التناسلي والمناعي والتنفسّي. كما يمكن أن يدخل الميكروبلاستيك إلى الجسم عبر الغذاء والماء والهواء، ولا تزال آثاره الصحية على المدى الطويل قيد الدراسة. وهذا يعني أن التكلفة قد تمتد أيضاً إلى تكاليف الرعاية الصحية».

واستطردت أن البحر والكائنات البحرية يدفع ثمناً كبيراً أيضاً. فقد يؤدي ابتلاع البلاستيك أو التشابك به إلى إصابة الكائنات البحرية أو نفوقها، بينما يمكن للميكروبلاستيك أن يؤثر في التغذية والنمو والتكاثر لدى بعض الكائنات، وأن ينتقل عبر السلاسل الغذائية.

ووفق التقرير، تتفاوت التكلفة بين البلدان: ففي مصر، تتراوح بين 740 مليون دولار و3.1 مليار دولار سنوياً، بينما تُقدّر في المغرب بنحو 1.2 مليار دولار، وفي تونس بنحو 400 مليون دولار. وهذه التقديرات تركز على الأضرار الاقتصادية التي تلحق بالنظم البيئية البحرية، ولا تشمل كامل التكاليف المرتبطة بالتلوّث البلاستيكي.

ويكشف التقرير أيضاً عن تفاوت مهم في واقع البلدان الثلاثة. ففي مصر، يأتي ارتفاع التكلفة في سياق مستويات مرتفعة من التلوّث البلاستيكي في البحر المتوسط، فيما تُظهر حالة المغرب أن السياسات العامة يمكن أن تحدّ من بعض أشكال استخدام البلاستيك، كما حدث مع الأكياس البلاستيكية. أما في تونس، فيشير التقرير إلى أن خفض استخدام البلاستيك يمكن أن يحقق فوائد اقتصادية وبيئية.

وتأتي أهمية التقرير في توقيت حاسم لمسار المعاهدة العالمية للبلاستيك. فقد صدر قبيل اجتماع رؤساء الوفود الذي عُقد في بانكوك بين 27 و30 سبتمبر (أيلول)، بمشاركة ممثلين عن مصر والمغرب وتونس، وقبل الجولة الرسمية المقبلة من المفاوضات في مارس (آذار) 2027. وبالتالي، يقدّم التقرير دليلاً على أن تكلفة أزمة البلاستيك ليست بيئية وصحية فقط، بل اقتصادية أيضاً، وأن استمرار الاتجاه الحالي سيجعل تكلفة عدم التحرّك أعلى.

الشواطئ المصرية مليئة بالألعاب البلاستيكية (EPA)

قال الدكتور محمد عطية، أول باحث مصري ينضم للوكالة الأميركية لحماية البيئة، ويشغل حالياً منصب مستشار الخدمات البيئية والهندسية بشركة أيكوم: «إن البلاستيك رخيص الثمن عند الشراء، لكن تكلفته الحقيقية تظهر في المراحل التالية للشراء، في عمليات جمع وإدارة المخلفات، وعمليات التنظيف المطلوبة للتخلص منه، والتأثير على البيئة والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها»، موضحاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الأرقام الواردة بالتقرير تمثل تقديراً اقتصادياً لجزء من الضرر، وتحديداً ذلك الجزء المرتبط بتسرب البلاستيك إلى البيئة البحرية، وهو بالطبع لا يمثل التكلفة كاملة».

ووفق تقرير «غرينبيس» لا تشمل هذه الأرقام التكاليف المباشرة التي تتكبدها قطاعات السياحة، ومصايد الأسماك، والشحن البحري، أو التكاليف المتعلقة بصحة الإنسان؛ إذ لا يتضمن الرقم حالات دخول المستشفيات، أو أيام الصيد الضائعة، أو فواتير البلديات غير المسددة، كما أن جميع الافتراضات المستخدمة في إعداده وُضعت بحيث تُبقي التقديرات عند حدّها الأدنى، لا الأعلى. والجدير بالذكر أن القطاعات المستبعدة ليست ضئيلة؛ وتُضاف أي خسائر تلحق بهذه القطاعات بسبب التلوث بالبلاستيك إلى الأرقام المذكورة في التقرير.

وعلّق عطية بأن الحل هو مزيج من تقليل الاستخدامات غير الضرورية، مع زيادة معدلات إعادة الاستخدام، وتصميم منتجات أسهل في التدوير، وتحسين منظومة الجمع والاسترداد. محذراً من أن أي بديل مقترح لا بد أن يجري تقييمه على دورة حياته كاملة، فليس كل بديل «أخضر» يكون بالضرورة أفضل في كل الاستخدامات.

وأوصى عطية بتحليل لدورة حياة البلاستيك بشكل كامل، بما يضمن الاطلاع على كافة التفاصيل، وليس التركيز على المنتج النهائي فقط، مثل أنواع الكيماويات الداخلة في التصنيع ومعرفة حجم التأثير البيئي للمنتج.

ويعلق عطية على النتائج التقرير بقوله إن حجم التسرب هو أكبر نقطة ضغط في مصر، حيث يصل جزء كبير من المنتجات البلاستيكية إلى البحر المتوسط عبر نهر النيل، موصياً بتحسين عمليات جمع المخلفات البلاستيكية.

وأضاف أنه على الرغم من أن لدى المغرب بنية تحتية جيدة وخطط قائمة بالفعل، لكن التقرير يوضح وجود فجوة بين التخطيط والتنفيذ الفعلي على الأرض، مع وجود ضغوط مالية كبيرة على البلديات. وفي تونس هناك قطاع للجمع والتدوير، ولكن جزءاً كبيراً من قدرة التدوير غير مستغل، مع وجود مشكلة واضحة في نموذج التمويل، وليس مجرد نقص التكنولوجيا.

وأوضح أن التقرير يبرز بشكل واضح أن مشكلة مخلفات البلاستيك في هذه الدول الثلاث ليست في الاستخدام فقط، لكنها أيضاً في نظم الإدارة والتمويل.

من جانبها، شدّدت الحطّاب على أن المطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، على الصعيد الدولي، هو معاهدة عالمية قوية تغيّر هذه المعادلة، من خلال الحد من البلاستيك غير الضروري من المصدر، وإلزام المنتجين بتحمّل مسؤولية ما يطرحونه في الأسواق، وتوفير آليات مالية قوية، بما يضمن ألّا تُترك دول منطقتنا وحدها في مواجهة تدفق متزايد من النفايات.


دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
TT

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 في المائة من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030.

وتأتي نتائج هذه الدراسة قُبيل عقد قمة في أرمينيا حول التقدم المحرز في أهداف حماية التنوع البيولوجي، لتُضاف إلى تقييم مماثل أجرته الأمم المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحددت 200 دولة هدف «30 في 30»، أي حماية 30 في المائة من الأراضي بحلول عام 2030، في اتفاق أُبرم عام 2022، وأطلق بشكل غير رسمي «اتفاق باريس للطبيعة».

لكنّ تقريراً أعدته منظمتا «حملة من أجل الطبيعة» (Campaign for Nature)، و«معاً من أجل المحيط» (Together for the Ocean) أظهر أن الإجراءات لم تكن على قدر الالتزامات.

وقال مدير منظمة «حملة من أجل الطبيعة» براين أودونيل للصحافيين: «أظهرت الحكومات بالفعل أن تحقيق تقدّم سريع أمر ممكن، لكن العالم بعيد عن المسار الذي يضمن بلوغ نسبة 30 في المائة».

وأضاف التقرير أن وفاء الحكومات بجميع تعهداتها يمكن أن يرفع نسبة الأراضي والمياه المصنفة كمناطق محمية إلى 27 في المائة بحلول عام 2030.

غير أن نسبة المساحات البحرية المحمية قد لا تتجاوز 12 في المائة بحلول نهاية العقد.

وكانت اتفاقية التنوع البيولوجي، وهي المعاهدة الأممية المشرفة على الأهداف العالمية الخاصة بالطبيعة، حذرت أيضا الشهر الماضي من أن الدول لا تسير على الطريق الصحيح لتحقيق هذه الأهداف.

منظر جوي لغابات في الغابون (رويترز)

ويُعد نقص التمويل من أكبر العقبات أمام تحقيق الهدف.

وفيما تقدّر الحاجة بما بين 100 مليار دولار و180 ملياراً سنويا حتى عام 2030، لا يتجاوز الإنفاق السنوي حالياً 24 مليار دولار.

وقال التقرير إن «الفجوة تبدو أكثر وضوحاً فيما يتعلق بالمحيطات، إذ تقتضي الحاجة إنفاق نحو 16 مليار دولار سنوياً، بينما لا يتجاوز الإنفاق الفعلي حالياً ملياراً و800 مليون دولار».

ويتعيّن توجيه جزء كبير من هذا التمويل إلى البلدان النامية التي تضم بعضاً من أغنى النظم البيئية في العالم، لكنها تفتقر إلى الوسائل الكافية لحمايتها.

وقال أودونيل إن على الحكومات تخصيص موارد أكبر من موازناتها، كما يمكنها سن تشريعات تُلزم الصناعات الملوثة، مثل شركات الوقود الأحفوري والتعدين، بالمساهمة في تمويل جهود الحفظ.

وأضاف: «هذه الشركات لن تقوم بذلك طوعاً».

ورأى أن هدف «30 في 30»، ما زال ممكن التحقيق، لكن ذلك يتطلب جهوداً كبيرة على قدر «التحديات الكبيرة».

وستكون قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان، التي تنطلق في 19 أكتوبر (تشرين الأول)، أول مناسبة تناقش فيها الدول فجوة التقدم المحرز وسبل إعادة أهداف الاتفاق إلى مسارها الصحيح.


ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
TT

ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)
بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

قال باحثون في مختبر تأثيرات المناخ، التابع لجامعة شيكاغو، اليوم الأربعاء، إن الحرارة المفرطة الناجمة عن ظاهرة النينيو «الخارقة»، هذا العام، قد تؤدي إلى ما يصل إلى 451 ألف حالة وفاة إضافية حول العالم، خلال ستة أشهر حتى فبراير (شباط) 2027.

وذكر المختبر، في تقرير، أنه من المرجح ارتفاع عدد الأيام شديدة الحرارة بنسبة 44 في المائة، مقارنة بالسنوات العادية، وقال إن الدول التي مِن المرجح أن تعاني أكبر عدد من الوفيات الإضافية المرتبطة بالحرارة، في الفترة من سبتمبر (أيلول) 2026 إلى فبراير 2027 هي نيجيريا بواقع 31400 وفاة، تليها إندونيسيا بنحو 19300وفاة، ثم السودان بواقع 17600 وفاة.

تؤدي «النينيو» إلى تغيرات عالمية في الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار (أ.ف.ب)

ومن المرجح أن تتسبب موجة الحر في منطقة الساحل الأفريقي، التي تضم النيجر وتشاد بالإضافة إلى نيجيريا والسودان، في 66800 وفاة إضافية، خلال فترة الأشهر الستة.

ويتوقع الباحثون أن تشهد الفلبين وفيتنام وتايلاند وكمبوديا مجتمعةً 19400 وفاة إضافية.

وقد يرتفع عدد الوفيات الزائدة أكثر من ذلك إذا امتدت ظاهرة «النينيو» إلى عام 2027، حيث ستكون المناطق الرئيسية في نصف الكرة الشمالي، ومِن بينها الهند وباكستان، معرَّضة جداً للخطر خلال شهور الصيف.

ووصف المختبر ظاهرة النينيو، هذا العام، بأنها «رسالة من المستقبل» تُبلّغنا بدرجات الحرارة التي ستصبح طبيعية في غضون بضعة عقود فقط.

وأشار المختبر إلى أن جهود الاستجابة للطوارئ يجب أن تُوجَّه إلى المناطق ذات الأولوية القصوى؛ للحد من الوفيات المرتبطة بالحرارة خلال الشهور المقبلة.

وقال مايكل جرينستون، الخبير الاقتصادي بجامعة شيكاغو والمؤسس المشارك للمختبر: «يتيح هذا التقرير لصانعي القرار تحديد الأماكن التي يمكن اتخاذ إجراءات طارئة، الآن، فيها لإنقاذ عشرات الآلاف من الأرواح في الشهور المقبلة».