رقعة الفقر تتسع في لبنان... وحلويات رمضان للمحظوظين فقط

المعاناة تطال الطبقة المتوسطة بعد الانهيار القياسي لقيمة الليرة

بائع في بيروت يحضر الحلوى التي صارت من نصيب المحظوظين مع انهيار القدرة الشرائية للبنانيين (رويترز)
بائع في بيروت يحضر الحلوى التي صارت من نصيب المحظوظين مع انهيار القدرة الشرائية للبنانيين (رويترز)
TT

رقعة الفقر تتسع في لبنان... وحلويات رمضان للمحظوظين فقط

بائع في بيروت يحضر الحلوى التي صارت من نصيب المحظوظين مع انهيار القدرة الشرائية للبنانيين (رويترز)
بائع في بيروت يحضر الحلوى التي صارت من نصيب المحظوظين مع انهيار القدرة الشرائية للبنانيين (رويترز)

ارتفع عدد طالبي المساعدات من 5 آلاف عائلة إلى 20 ألفاً في الفترة الأخيرة، في جمعية خيرية في مدينة طرابلس (شمال لبنان) التي تزدحم مداخلها ويحاول موظفوها جاهدين تلبية الحاجات المستجدة.
وتشرح مديرة الجمعية، سعاد شحيطة، لـ«الشرق الأوسط»، أن «الحاجة تتفاقم في طرابلس بسرعة كبيرة، وبات علينا رفع تقديماتنا بنسبة 80 في المائة عما كان عليه الحال قبل مدة قصيرة. صارت تقصدنا طبقات اجتماعية مختلفة من معلمين وموظفين، وسائقي تاكسي، هؤلاء جميعهم لم يكونوا بحاجة لمعونات قبل أن تهوي الليرة بقوة في الشهور الأخيرة».
الفقر تتسع رقعته في طرابلس، والمساعدات تشحّ، في مدينة كانت أصلاً قبل الأزمة الأفقر في لبنان. حتى الزينة التقليدية في رمضان لم تعد ملحوظة، ومظاهر الشهر تتقشف وتخبو. مدينة الحلويات صار شراء الحلو فيها لكثيرين ترفاً صعب المنال، والأماكن التي كانت مقصد الساهرين في الشهر الكريم من مختلف مناطق الشمال خفتت وبهت وهجها. الازدحام في الأسواق القديمة، وتحديداً سوق العطارين للخضار، لا يعكس حقيقة المشتريات التي انخفضت هي الأخرى.
في مكاتب جمعية أخرى يتوافد طالبو العون طوال النهار. معلمة مدرسة تبكي لأن راتبها لا يكفيها. رجل متجهم القسمات يريد ثمن جرة غاز. الطلبات صغيرة، القسمات الحزينة في العيون الغائرة هي نفسها، هناك من يشكو العتمة، ويريد مبلغاً بسيطاً لاشتراك الكهرباء، امرأة تطلب ثمن حفاضات، وأخرى علبة حليب. تقول مها الأتاسي الجسر، رئيسة الجمعية: «هذا البؤس الشديد مستجدّ علينا، بعد أن ارتفعت الأسعار بشكل جنوني. المشكلة لم تعد تخص الفقراء وحدهم، بل امتدت لتطول أولاد العائلات الذين لم يعتادوا الوقوف أمام الجمعيات للحصول على مساعدات. بتنا نرى فئات جديدة من الناس غير قادرة على طهي الطعام في منزلها، بسبب ارتفاع كلفة جرة الغاز. هذه أيضاً مشكلة كبرى، لهذا نوزع وجبات جاهزة للصائمين لحوالي 80 عائلة و20 فرداً في اليوم». الحاجة تتوسع، لكن الجمعية التي كانت تطبخ لـ500 عائلة في الأعوام السابقة قلصت مساعداتها في مختلف المجالات، ومثلها جمعيات أخرى. «هناك مشكلة بسبب وضع البنوك، والتشديد على التحويلات إلى لبنان، وكذلك الأزمات الاقتصادية في دول كثيرة لنا فيها أصدقاء وأقرباء يسهمون في التمويل».
المعاناة في طرابلس يصعب وصفها. فبعد أن تجاوز سعر الدولار الواحد 100 ألف ليرة، في قفزة جنونية، مع دخول شهر رمضان، يقول أبو رياض الذي يعمل في سوبر ماركت: «مستحيل أن نستمر. حتى البطاطا لا نستطيع شراءها، وقد بلغ سعر الكيلو 50 ألفاً، ومدخولي 250 ألف ليرة في اليوم لا تكفي ثمناً للخبز وبعض الخضراوات». عائلته المكونة من 5 أفراد بينهم رضيع تضطر أحياناً لأكل الخبز الحاف.
المساعدات فوضوية، وكل جهة تعمل كيفما اتفق. ديانا (25 سنة) موظفة في مؤسسة، وليست ممن يعرفون السبيل لطلب المعونة، تعيش مع والدها المتقاعد ووالدتها. «قبل الأزمة لم يكن عملي ملحاً. كنا 4 في المنزل، قبل زواج أختي. معاش والدي كان يكفينا وعندنا سيارتان، وسيدة تساعد أمي. الآن تغير كل شيء، انقلبت أحوالنا، بعنا سيارة واستغنينا عن المساعدة، وألغينا أموراً أساسية من حياتنا». تضيف ديانا: «بالكاد نستطيع شراء اللحم أو الدجاج مرة كل 3 أشهر. نكتفي من الخضراوات بالبندورة والخيار، ونستغني عن الخس والملفوف، حتى البصل والثوم لا نستطيع شراءهما في غالب الأحيان». اللحوم باتت للمحظيين بسبب سعرها الذي وصل إلى مليون و200 ألف ليرة للكيلو (حوالي 10 دولارات) «لو اشتريناه سيكون ذلك على حساب أشياء كثيرة. ومن الفواكه، نشتري البرتقال وليس الموز الذي ارتفع سعره».
لا يزال البعض يصرف مما ادخره وقت الوفرة «لكن القليل الذي في حوزتنا ينفد». تقول ديانا: «آخر ما احتفظنا به كان محبسي زواج والديّ، أردنا تركهما لفك ضيق في حالة مرض، لكننا اضطررنا لبيعهما، ولم يعد معنا شيء». هي نفس حالة فاطمة الحسن التي تعمل موظفة في مستشفى واضطرت لبيع كل ما في حوزتها من ذهب، واستدانت فوقها، لتسد أقساط منزلها الذي اشترته بالدولار قبل الأزمة، فيما راتبها بالليرة. فاطمة وزوجها لا يتجاوز مدخولهما 10 ملايين ليرة، أي أقل من 100 دولار في الشهر، ويعيلان 5 أطفال. «حاولت الحصول على معونة من وزارة الشؤون الاجتماعية ولم أفلح، اتصلت بجهات كثيرة، قالوا إنهم لا يسجلون أسماء جديدة. ليس عندي أقرباء في الخارج لمساعدتي. ولولا بعض أقاربي هنا يتذكروننا بين الحين والآخر، لكان الأمر كارثة حقيقية».
فاطمة اشتركت بالحد الأدنى الممكن للحصول على القليل من الكهرباء، تماماً كما أم رامي التي تعمل في مطعم وتكتفي في منزلها بأمبير واحد يكفيها لمصباح وتلفزيون تدفع مقابله 25 دولاراً في الشهر. «عدم وجود كهرباء يلزمني بشراء الأكل بشكل يومي، والطبخ بشكل يومي، لأنني لا أستطيع أن أحتفظ بالطعام لليوم التالي من دون برّاد»، تقول أم رامي، هذا يعني تكاليف أغلى ومعاناة أكبر. أم رامي تطبخ بشكل مشترك مع عائلة ابنها كي تتقاسم العائلتان التكاليف وتتمكنان من التوفير.
تلفت مها الأتاسي الجسر إلى أن تشتت المساعدات، وعدم التنسيق بين الجمعيات، وغياب أي «داتا» موحدة تظهر أسماء المستفيدين من معونات الدولة أو جمعيات أو مؤسسات، يجعل البعض يستفيد من أكثر من جهة، بينما يبقى كثر متروكين لبؤسهم، ولا أفق لحل. تعلق ديانا، وهي تؤكد: «نحن لا نستطيع أن نعتاد هذه الحياة، ولن نتأقلم. لا أحد يمكنه أن يحتمل، إنما نصبر وننتظر أن تتغير الأوضاع».


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

رسائل واشنطن تربك بغداد وتكشف تصدعاً داخل «الإطار التنسيقي»

رسائل واشنطن تربك بغداد وتكشف تصدعاً داخل «الإطار التنسيقي»
TT

رسائل واشنطن تربك بغداد وتكشف تصدعاً داخل «الإطار التنسيقي»

رسائل واشنطن تربك بغداد وتكشف تصدعاً داخل «الإطار التنسيقي»

بين المهلة التي حملتها آخر الرسائل الأميركية إلى بغداد، وانتهت أمس الخميس، وبين تصاعد التهديدات الأميركية لإيران، تجد بغداد نفسها أمام اختبار يضع العملية السياسية، بعد عقدين على إسقاط النظام السابق، في مواجهة مباشرة مع واشنطن.

فللمرة الأولى منذ إجراء أول انتخابات برلمانية عام 2005 وتشكيل أول حكومة منتخبة عام 2006، تواجه الطبقة السياسية مأزقاً حاداً مصدره القوة العظمى التي تولت إسقاط النظام العراقي السابق، وجاءت بمعظم قيادات النظام السياسي الحالي، ومن بينهم زعيم «دولة القانون» رئيس الوزراء الأسبق، والباحث عن ولاية ثالثة، نوري المالكي، من المنافي التي كانت الولايات المتحدة أحد أبرزها.

وتعد واشنطن الراعي الأبرز للنظام السياسي الذي تشكل بعد 2003، وهي التي وقعت، خلال ولاية الرئيس جورج بوش الابن والمالكي، «اتفاقية الإطار الاستراتيجي» عام 2008، التي دخلت حيز التنفيذ في 2009، وتشمل مجالات متعددة. ولا يزال المالكي يقدم الاتفاقية باعتبارها أحد أهم إنجازاته في إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة.

وتصاعد التوتر في الآونة الأخيرة على خلفية اتهامات أميركية للمالكي بالانحياز إلى إيران، قبل أن يرفض الرئيس دونالد ترمب توليه رئاسة الحكومة مجدداً عبر تغريدة نشرها على منصة «تروث سوشيال»، في رسالة سياسية مباشرة أغلقت عملياً الباب أمام عودته إلى السلطة.

وفي هذا السياق، يقول الباحث في الشأن السياسي الدكتور عباس عبود، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن ما جرى «تطور غير مسبوق في سياق العلاقة بين واشنطن وبغداد بعد عام 2003»، مذكّراً بأن البلدين دخلا منذ ذلك الوقت «عهداً جديداً»، وأن الولايات المتحدة «أسهمت في إسقاط النظام السابق وجاءت بهذا النظام، وتتحمل أخلاقياً مسؤولية الحفاظ عليه».

غير أن عبود يلفت إلى أن العراق اليوم «أمام أميركا مختلفة عن تلك التي كانت عند إسقاط نظام صدام حسين، حين كانت مهووسة بتصدير القيم»، مشيراً إلى أنها تتحرك الآن «برؤية واستراتيجيات مختلفة أثّرت كثيراً في علاقتها بالعراق».

ويرى عبود أن علاقة ترمب بالعراق «تبدو مختلفة عن علاقة من سبقوه في الرئاسة»، معتبراً أن «الساسة العراقيين فشلوا في إقامة علاقة مميزة معه، رغم أنه يملك علاقات شخصية مع عدد من قادة المنطقة، باستثناء العراق»، بما في ذلك أن تواصله مع رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني «يتم عبر مبعوثه السابق إلى العراق مارك سافايا».

وفي موازاة الرسائل الأميركية التي نُقلت عبر السفارة العراقية في واشنطن، وجولات القائم بالأعمال الأميركي في بغداد جوشو هاريس على القيادات السياسية، بدأت القوى العراقية تتقاذف مسؤولية تأخير حسم الاستحقاقات الدستورية. فالحزبان الكرديان لم يتمكنا من الاتفاق على مرشح لمنصب رئيس الجمهورية، فيما أخفق «الإطار التنسيقي» الشيعي، رغم ترشيحه المالكي بأغلبية واضحة، في استكمال مسار تشكيل الحكومة؛ تارة بسبب استمرار الخلاف الكردي - الكردي، وتارة أخرى تحت وطأة الضغوط الأميركية.

ومع تجاوز السقوف الزمنية الدستورية، طلبت رئاسة البرلمان من المحكمة الاتحادية تفسيراً بشأن المدة التي يمكن أن يستمر فيها البرلمان من دون رقابة أو تشريع، في ظل عدم تشكيل الحكومة رغم وجود مرشح محتمل في حال انتخاب رئيس الجمهورية. وحتى الآن، لم تعلن المحكمة الاتحادية موقفاً واضحاً.

ويعتبر عبود أن هذه التطورات تكشف «غياب الحضور العراقي في واشنطن»، فضلاً عن «إخفاق الإطار التنسيقي في أن يكون قوة مؤثرة في صناعة القرار الأميركي، في وقت يعاني فيه من الانقسام والصراع بين مكوناته». ويشير إلى أن المسألة «أكبر من بقاء المالكي على لائحة الترشيح أو استقالته»، مؤكداً أن الأزمة تعكس خللاً أعمق في إدارة العلاقة مع واشنطن.

وخلص عبود إلى أن «الموضوع لم يعد يتعلق بشخص أو بمنصب، بل بطبيعة العلاقة التي قامت بعد 2003 وكيف تدار اليوم»، مضيفاً أن الطبقة السياسية «لم تستوعب بعد أن قواعد اللعبة تغيّرت، وأن إدارة العلاقة مع واشنطن لم تعد تحتمل الانقسام والارتباك كما في السابق».


عشرات آلاف الطلبات للعمل في شرطة غزة الجديدة

مشارك في اجتماع «مجلس السلام» لغزة يلتقط صورة للشعار خلال أول اجتماعاته في واشنطن الخميس (إ.ب.أ)
مشارك في اجتماع «مجلس السلام» لغزة يلتقط صورة للشعار خلال أول اجتماعاته في واشنطن الخميس (إ.ب.أ)
TT

عشرات آلاف الطلبات للعمل في شرطة غزة الجديدة

مشارك في اجتماع «مجلس السلام» لغزة يلتقط صورة للشعار خلال أول اجتماعاته في واشنطن الخميس (إ.ب.أ)
مشارك في اجتماع «مجلس السلام» لغزة يلتقط صورة للشعار خلال أول اجتماعاته في واشنطن الخميس (إ.ب.أ)

ما إن أعلنت «اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة»، مساء الخميس، عن بدء استقبال طلبات توظيف غزيين في قوة الشرطة الانتقالية التي ستعمل على تأسيسها في الفترة المقبلة، حتى تدفقت الطلبات عبر الموقع الإلكتروني للجنة، وسط ضغط كبير تعرّض له الموقع بسبب كثرة الزوّار.

وبينما قال رئيس اللجنة التنفيذية لـ«مجلس السلام»، نيكولاي ميلادينوف، إن 2000 شخص تقدموا بطلبات للعمل في القوة الشرطية، تشير تقديرات أولية حتى ساعات ما بعد منتصف ليل الخميس - الجمعة، إلى أن العدد بلغ أكثر من 40 ألف طلب قدم عبر الموقع الإلكتروني لـ«اللجنة الوطنية لإدارة القطاع»، وهو رقم مرشح للزيادة بشكل أكبر مع مرور الساعات، واستمرار استقبال الطلبات.

ويعدّ هذا الرقم كبيراً جداً، نظراً لأن اللجنة الوطنية حددت، بالتنسيق مع اللجنة التنفيذية لـ«مجلس السلام»، ألا يزيد عدد مَن سيتم توظيفهم على 7 آلاف حالة في أقصى الحالات، مع الحاجة حالياً لنحو 5 آلاف فقط.

الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف (يسار) خلال الاجتماع الأول للمجلس في واشنطن الخميس (رويترز)

البحث عن مستقبل آمن

وتنم هذه الأرقام المسجلة عن واقع الشباب الفلسطيني، خصوصاً في قطاع غزة، في ظل ظروف اقتصادية وحياتية صعبة يواجهها أولئك الشبان مع انعدام أي فرصة عمل جديدة، وفي ظل مستقبل مجهول يلاحقهم بعد حرب إسرائيلية استمرت عامين، ووقف إطلاق نار ما زال هشاً للغاية، وسط تهديدات بالعودة للحرب في حال لم يتم نزع سلاح الفصائل الفلسطينية.

وقال الشاب تامر النحال (27 عاماً) من سكان مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، إنه قدّم طلباً عبر موقع اللجنة الوطنية للانتساب للشرطة الجديدة، معرباً عن أمله في أن يُقبل طلبه، في ظل زحمة الأعداد المأهولة التي تقدمت بطلبات انتساب، مشيراً إلى أن أعداداً كبيرة من الشبان الذين يعرفهم سارعوا للتسجيل.

وقال النحال: «لقد ضاع مستقبلنا، ونريد مستقبلاً جديداً لحياتنا... لا نستطيع بناء أي أفق لمستقبلنا؛ فلا نقدر على استكمال تعليمنا الأكاديمي، ولا الزواج، ولا حتى الحصول على وظيفة». مشيراً إلى أنه خريج قسم المحاسبة في جامعة الأزهر، وكان يأمل في الحصول على عمل يُعينه على الزواج وتكوين أسرة.

فيما قال الشاب سامي المطوق (19 عاماً) من سكان جباليا البلد، شمال قطاع غزة، إن الظروف الصعبة التي تعيشها عائلته أجبرته على تسجيل طلب الانتساب للقوة الشرطية، مشيراً إلى أن غالبية أصدقائه سجلوا أيضاً من أجل البحث عن عمل يعينهم على ظروف الحياة الصعبة، وأملاً في إحداث تغيير واقع حياتهم ومستقبلهم، وكذلك الوضع العام في قطاع غزة بعد سنوات صعبة مر بها السكان، خصوصاً خلال عامي الحرب.

ضابط من شرطة «حماس» يُنظّم حركة المرور في مدينة غزة 28 يناير 2026 (رويترز)

خلافات بشأن «الأمن»

وجاءت خطوة اللجنة الوطنية لإدارة غزة للإعلان عن بدء استقبال طلبات التوظيف، في وقت تسعى فيه حركة «حماس» لإبقاء عناصر قواتها الأمنية ضمن القوات التي ستعمل تحت مسؤولية اللجنة، فيما سيجري استبعاد المسؤولين وقادة الأجهزة الأمنية، في حين تصر إسرائيل على أنها لن تسمح لأي من تلك العناصر بالبقاء بأي شكل كان ضمن أي جهة ستحكم قطاع غزة.

ويواجه ملف الأمن والداخلية في قطاع غزة تعقيدات كبيرة، في ظل الإجراءات التي تتخذها «حماس» داخل القطاع، ومنها تعيين مزيد من المسؤولين في مناصب عليا لدى قواتها، إلى جانب تعزيز قبضتها على الحكم في القطاع.

وعلمت «الشرق الأوسط» مؤخراً أن سامي نسمان، المُكلف بملف الداخلية والأمن في اللجنة، وهو ضابط سابق في جهاز المخابرات التابع للسلطة الفلسطينية، قد رشّح بالتشاور مع مسؤولين من اللجنة وخارجها، شخصيات لتولي ملفات أمنية، وأنه فعلياً وصل من داخل القطاع 3 ضباط كبار سابقين في السلطة إلى القاهرة، لتنظيم عملية توليهم أجهزة أمنية في المرحلة المقبلة.

مخاوف «حماس»

ويبدو أن «حماس» تخشى أن تكون مهمة القوات الجديدة نزع سلاحها، خصوصاً بعد أن قال ميلادينوف في كلمته أمام «مجلس السلام»، إنه لا خيار سوى نزع السلاح في غزة. فيما كانت اللجنة الوطنية قد قالت إن مهمة القوة الشرطية الانتقالية ستكون ضبط الأمن وفرض النظام وتحقيق الاستقرار.

مسرح اجتماع «مجلس السلام» لغزة في واشنطن الخميس (إ.ب.أ)

وفي أعقاب انتهاء اجتماع «مجلس السلام»، قالت «حماس» في بيان لها، إن أي مسار سياسي أو ترتيبات تناقش بشأن قطاع غزة ومستقبل الشعب الفلسطيني يجب أن تنطلق من وقف كامل للعدوان، ورفع الحصار، وضمان الحقوق الوطنية المشروعة للفلسطينيين، وفي مقدمتها حقه في الحرية وتقرير المصير. داعيةً المجلس لاتخاذ خطوات عملية لإلزام إسرائيل بذلك، والشروع الفوري في إعادة إعمار القطاع، داعيةً الوسطاء لتحمل مسؤولياتهم لضمان تنفيذ ما جرى الاتفاق عليه، والعمل على تثبيت وقف إطلاق النار بشكل دائم.

تطورات ميدانية

ميدانياً، تواصلت الخروقات الإسرائيلية في قطاع غزة، وأعلن عن مقتل فلسطيني فجر الجمعة، متأثراً بجروحه التي أصيب بها مساء الخميس إثر استهدافه من طائرة مسيرة في بلدة بيت لاهيا شمالي القطاع. فيما أعلن عن انتشال جثة آخر كانت قتلته قوات الاحتلال قبل أيام في منطقة نتساريم.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، قبيل ظهر الجمعة، أنه قتل فلسطينياً شكّل تهديداً لقواته عند الخط الأصفر جنوبي قطاع غزة. فيما لم تؤكد أي مصادر فلسطينية وصول أي جثامين لضحايا جدد.

وأصيب طفل برصاص القوات الإسرائيلية المتمركزة شرق بلدة جباليا البلد شمال قطاع غزة.


زعيم دروز إسرائيل: أبناء الطائفة في سوريا «محاصرون»

الشيخ موفق طريف الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل خلال مقابلة بقرية جولس يوم 15 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
الشيخ موفق طريف الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل خلال مقابلة بقرية جولس يوم 15 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

زعيم دروز إسرائيل: أبناء الطائفة في سوريا «محاصرون»

الشيخ موفق طريف الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل خلال مقابلة بقرية جولس يوم 15 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
الشيخ موفق طريف الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل خلال مقابلة بقرية جولس يوم 15 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

بعد سبعة أشهر على اشتباكات دامية بين الأقلية الدرزية في سوريا وقوات مدعومة من الحكومة، قال الزعيم الروحي لدروز إسرائيل، موفّق طريف، إن أبناء الطائفة داخل الأراضي السورية ما زالوا عرضة للخطر.

وقال الشيخ طريف في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» هذا الأسبوع: «ما زالوا محاصَرين بالكامل. لا يُسمح لهم بإدخال أي مساعدات إنسانية، بما في ذلك المساعدات التي نحاول نحن إيصالها».

وتحدّث رجل الدين من بلدة جولس الدرزية في شمال إسرائيل، حيث أنشأت الطائفة «غرفة طوارئ» لتنسيق جهود الإغاثة لدروز سوريا.

عُلَّقت على جدران الغرفة أعلام إسرائيل وعلم الطائفة الذي يتألف من خمسة ألوان أفقية (أخضر، أحمر، أصفر، أزرق، أبيض)، إلى جانب ملصقات بالعبرية والعربية تدعو إلى وقف قتل الدروز السوريين.

ينتشر أتباع هذه الطائفة في مناطق من سوريا وإسرائيل ولبنان ومرتفعات الجولان التي تحتلها الدولة العبرية.

وبدأت الاشتباكات في السويداء ذات الغالبية الدرزية في 13 يوليو (تموز) بين مسلحين دروز ومقاتلين بدو، قبل أن تتدخّل قوات حكومية ثم مسلّحين من العشائر إلى جانب البدو، وأسفرت عن مقتل أكثر من ألفي شخص، قبل إبرام اتفاق لوقف إطلاق النار.

وخلال أعمال العنف تلك، قصفت إسرائيل سوريا، مؤكدة أنها تتحرك للدفاع عن هذه الأقلية.

وقدّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن نحو 187 ألف شخص نزحوا بسبب أعمال العنف.

الزعيم الدرزي الشيخ موفق طريف يحضر اجتماعاً للجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست الإسرائيلي بالقدس يوم 24 نوفمبر 2025 (رويترز)

«لماذا لا يُسمح لهم بالعودة؟»

قال الشيخ طريف إن «أكثر من 120 ألف شخص ما زالوا نازحين عن منازلهم».

وأضاف: «تم الاستيلاء على 38 قرية، ولا يُسمح للسكان بالعودة إليها. وهناك أكثر من 300 أسير، بينهم أطفال ونساء».

ولم تتمكن «وكالة الصحافة الفرنسية» من التحقق من هذه المعطيات.

ورغم التوصل إلى وقف لإطلاق النار في يوليو (تموز)، ما زال الوصول إلى محافظة السويداء صعباً.

ويتهم سكان الحكومة بفرض حصار على المحافظة، وهو ما تنفيه دمشق، فيما دخلت عدة قوافل مساعدات منذ ذلك الحين.

وقال طريف: «لماذا لا يُسمح لهم بالعودة إلى قراهم؟ نحن في عز الشتاء، وهذه منطقة جبلية شديدة البرودة».

ومع اتفاق الحكومة السورية وقوات يقودها الأكراد الشهر الماضي على دمج المقاتلين والمؤسسات المدنية الكردية ضمن هياكل الدولة، تُعد السويداء آخر منطقة رئيسية خارج سيطرة دمشق.

وأشار طريف إلى أن الطائفة لا تحتاج إلى قوات أمن حكومية في المنطقة، قائلاً إن «لدى الدروز قوات قادرة على الدفاع عنهم والحفاظ على النظام».

ولا تقيم إسرائيل وسوريا علاقات دبلوماسية بينهما، ولا تزالان في حالة حرب رسمياً منذ عقود. إلا أنهما أجرتا جولات عدة من المحادثات المباشرة برعاية أميركية خلال الأشهر الأخيرة.

وبعد مفاوضات في يناير (كانون الثاني)، وتحت ضغط أميركي، اتفق الجانبان على إنشاء آلية لتبادل المعلومات الاستخباراتية في إطار التقدم نحو اتفاق أمني.

ومن بين القضايا قيد البحث احتمال عمل دروز سوريين في إسرائيل. وأكد الشيخ طريف أنه «سمع بذلك»، مضيفاً أنه يتمنى أن يتمكن أي سوري من العمل بوصفه عاملاً يومياً «لأن الوضع الاقتصادي في سوريا صعب جداً».

كما دعا إلى تمكين الدروز في أنحاء الشرق الأوسط من زيارة مواقعهم الدينية في الدول المجاورة، «تماماً كما يزور إخواننا المسيحيون والمسلمون أماكنهم المقدسة» في دول قد لا تربطهم بها علاقات دبلوماسية.

وقال: «يستحق الدروز أيضاً الوصول إلى مواقعنا المقدسة في سوريا ولبنان والصلاة فيها، وأن يزوروا أماكننا المقدسة في إسرائيل».