نتنياهو يشرب من كأس رابين

الاحتجاجات لم تفارق إسرائيل... وتتخذ اليوم شكلاً ومضموناً غير مسبوقَين

اسرائيليون يحتجون في القدس على قيام رئيس الوزراء بإقالة وزير الدفاع  (رويترز)
اسرائيليون يحتجون في القدس على قيام رئيس الوزراء بإقالة وزير الدفاع (رويترز)
TT

نتنياهو يشرب من كأس رابين

اسرائيليون يحتجون في القدس على قيام رئيس الوزراء بإقالة وزير الدفاع  (رويترز)
اسرائيليون يحتجون في القدس على قيام رئيس الوزراء بإقالة وزير الدفاع (رويترز)

إذا كان هناك من درس يتعلمه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، من موجة الاحتجاج الهائلة ضده والتي تهدد مصيره السياسي والإنساني، فهو «درس نتنياهو» نفسه، الذي يتم تدريسه في الجامعات وفي كليات الأمن القومي وداخل الجيش وأجهزة المخابرات، ولكن بالمقلوب.
ففي يوم من الأيام، قبل 28 عاماً، كان نتنياهو رئيساً للمعارضة اليمينية في إسرائيل. وقد قاد في حينه مظاهرات ضخمة صاخبة ضد الحكومة، برئاسة إسحق رابين. وكان الخطاب السياسي الذي أملاه نتنياهو يومها، سابقة في العنف الشديد، فقد شبّه الموالون له رابين، بالنازي، ورفعوا صوراً مركّبة له تظهره يرتدي بزة الجيش الألماني النازي، وصورة أخرى بالكوفية الفلسطينية التي اشتهر بها الرئيس ياسر عرفات، وشعارات ضخمة مثل «رابين خائن»، و«رابين قاتل»، و«بالروح والدم سنطرد رابين». ووقف نتنياهو يومها على منصة ومن ورائه ارتفع شعار يقول «الموت لكبير القتلة». وكانت هذه واحدة من عشرات المظاهرات التي أقامها اليمين ضد رابين، بمشاركة عشرات ألوف المتظاهرين، وانتهت باغتيال رابين.
نتنياهو يضع نفسه اليوم في موقع التقوقع في زاوية دفاع عن النفس في مواجهة المظاهرات الجماهيرية. ومع أن المظاهرات ضده غير مسبوقة بحجمها ومضمونها، فإن رؤساء الأجهزة الأمنية يحذرونه من أنها قد تتخضب بالدماء، أيضاً. فقد سبق وأن سفكت دماء في مظاهرات أقل شأناً من مظاهرات اليوم.
ففي إسرائيل خرج الجمهور بعشرات الألوف لمرات، في الماضي. كانت البدايات في سنوات الخمسينات، عندما خرج المواطنون العرب (فلسطينيو 48) ومعهم ألوف اليهود اليساريين احتجاجاً على مجزرة كفر قاسم سنة 1956. وفي حينه انتهت هذه المظاهرات عندما خرج رئيس الحكومة الأول، ديفيد بن غوريون بتشكيل لجنة تحقيق.
وفي سنة 1959، انطلقت موجة احتجاج «وادي الصليب» في حيفا، وفيها تظاهر اليهود المغاربة ضد الحكومة، مطالبين بوقف التمييز ضدهم وبتوفير مساكن. كان رئيس الحكومة المؤقت يومها ليفي أشكول، وصف المتظاهرين على أنهم «همجيون يأتون بتقاليد عربية في المظاهرات، مثل قصف الحجارة». وقال: إن العرب أرسلوا اليهود الفقراء «الذين يغزو رؤوسهم القمل لكي ينشروا الأمراض بيننا». وقد قمعت الشرطة، يومها، هذه المظاهرات بالقوة والعنف وقتل خلالها أحد المتظاهرين، ولم تتوقف إلا عندما شُكّلت لجنة لمعالجة مطالبهم قررت توفير مساكن جديدة لهم.
وفي سنة 1973، خرج عشرات ألوف المتظاهرين اليهود ضد الحكومة بسبب إخفاقاتها في حرب أكتوبر (تشرين الأول). وردت رئيسة الحكومة غولدا مئير بتشكيل لجنة تحقيق. غير أنها اضطرت إلى الاستقالة لاحقاً، ليتولى مكانها إسحق رابين. وبعد الكشف عن نتائج التحقيق خسر حزب العمل الحكم في انتخابات 1977، وفاز اليمين لأول مرة في الانتخابات العامة.
وفي سنة 1976، خرج العرب مرة أخرى في مظاهرات جماهيرية واسعة بمشاركة عشرات الألوف ضد حكومة اسحق رابين الأولى، وذلك فيما عُرف بـ«يوم الأرض»، الذي احتجوا فيه على مصادرة أراضيهم وقتل خلال القمع ستة شبان فلسطينيين.
وفي سنة 1982، شهدت إسرائيل موجة احتجاج دامت سنوات عدة ، ضد حكومة مناحم بيغن ثم حكومة إسحق شامير؛ بسبب التورط في حرب لبنان ومجازر صبرا وشاتيلا، شارك فيها 200 ألف متظاهر، وانتهت أيضاً بتشكيل لجنة تحقيق، أجبرت وزير الدفاع، أرئيل شارون على الاستقالة من منصب وزير الدفاع، وأصيب رئيس الوزراء، مناحم بيغن، باكتئاب مرضي وفرض على نفسه العزلة حتى آخر يوم في حياته.
وبعد اغتيال رابين وتولي نتنياهو الحكم لأول مرة سنة 1996، بدأت في إسرائيل موجات احتجاج للمواطنين من أصل إثيوبي، بعد كشف أحد الصحافيين عن أن المؤسسات الطبية التي تحصل على «وجبات» تبرع بالدم من الإثيوبيين، تقذف بها إلى سلال القمامة. فخرج الإثيوبيون في مظاهرات صاخبة. ومن حينها يخرجون في مظاهرات كبيرة بين حين وآخر، وتتباين مواقف الحكومات في التجاوب مع مطالبهم.
في الفترة بين عامي 2004 – 2005، خرج اليمين المتطرف بموجات احتجاج شديدة وعنيفة ضد خطة حكومة آرئييل شارون للانفصال عن قطاع غزة، والتي شملت إخلاء 8 آلاف مستوطن وهدم 21 مستوطنة في القطاع وأربع مستوطنات في شمالي الضفة الغربية. وقد بلغ عدد المتظاهرين 130 ألفاً، مشوا من غزة إلى القدس (980 كيلومتراً) وفي تل أبيب بلغ عددهم 250 ألفاً. وكانت هناك مظاهرات عنيفة أيضاً. وفي مرحلة معينة، أعلن 2500 من مستوطني غزة مستوطنتهم دولة مستقلة وطالبت الأمم المتحدة بالاعتراف بها.
وفي أعقاب حرب لبنان الثانية، انفجرت موجة احتجاج ضد حكومة إيهود أولمرت، طالبت بإقالة وزير الدفاع عمير بيرتس ورئيس أركان الجيش دان حالوتس. ويبدو أن خطة الانقلاب التي كان يقودها نتنياهو، ولدت هناك. ففي حينه، قررت مجموعة من قوى اليمين المتطرف في إسرائيل ومعها مجموعة من اليمين الأنجليكاني في الحزب الجمهوري الأميركي، وضع خطة تمنع الحكومة الإسرائيلية القادمة من الانسحاب من مناطق في الضفة الغربية. ورأوا أن الحل هو أن تبنى هذه الخطة على نظام حكم جديد، يميني محافظ بصرامة. وتم تمويل هذه الحملة بمليارات الدولارات، وتضمنت تنشئة قادة سياسيين جدد من الشباب المتحمس. ووزير المالية اليوم، بتسلئيل سموترتش ووزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، هما من بين تلاميذ هذه المدرسة.
لكن فترة حكم نتنياهو شهدت أكثر عدد من المظاهرات ضده، ليس فقط بسبب كونه صاحب أطول فترة حكم بين رؤساء حكومات إسرائيل، بل لأن سياسته الالتوائية أنشأت من حوله معارضة واسعة من الخصوم، مثلما أنشأت مجموعة كبيرة من المؤيدين الذين يبجلونه. وكانت أول موجة احتجاج ضده بين عامي 2011 – 2012؛ للمطالبة بحل أزمة السكن وارتفاع غلاء المعيشة. وفي حينه، بدا الجمهور الإسرائيلي متأثراً بما سُمي بالربيع العربي، فخرجوا يهتفون «الشعب يطالب بإسقاط النظام».
آنذاك، شكّل نتنياهو لجنة مختصين من جهة، وشنّ حرباً على قطاع غزة من جهة ثانية، فأجهض المظاهرات. وفي سنة 2014 شهدت البلاد مظاهرات لليهود الإثيوبيين وحركات التضامن الاجتماعي بعد قيام الشرطة بقتل متظاهر إثيوبي.
وفي سنة 2016 خرج اليهود المتدينون بمظاهرات شارك فيها 600 ألف؛ احتجاجاً على قانون يلزم شبابهم بالخدمة العسكرية. فتراجع نتنياهو عن القانون. وفي سنة 2018 تظاهر ربع مليون إنسان دفاعاً عن حقوق المثليين وتراجع نتنياهو هنا أيضاً ووضع قانوناً يضمن لهم المساواة. وفي السنة نفسها خرجت النساء بمظاهرة ضمت 30 ألف متظاهر، ضد جرائم قتل النساء. وسن نتنياهو قانوناً يرضيهن بضمان ميزانية لمكافحة الظاهرة وسن بنداً لمساواة النساء في إسرائيل.
هذا يعني أن نتنياهو يعرف كيف يتراجع أمام الضغط الجماهيري، لكن، أمام الضغط الهائل وغير المسبوق اليوم، لا يحسن التراجع؛ لأن معه شركاء عقائديين جاءوا بخطة انقلاب جذري. وهو يقف في مواجهة الجمهور من جهة والحلفاء من جهة، ويتذكر رابين والكأس المر التي أسقاها له يومها، وما زال خيال سلفه يلاحقه حتى اليوم.


مقالات ذات صلة

غانتس يؤيد صفقة مع نتنياهو تمنع حبسه وتضمن تخليه عن الحكم

شؤون إقليمية غانتس يؤيد صفقة مع نتنياهو تمنع حبسه وتضمن تخليه عن الحكم

غانتس يؤيد صفقة مع نتنياهو تمنع حبسه وتضمن تخليه عن الحكم

في اليوم الذي استأنف فيه المتظاهرون احتجاجهم على خطة الحكومة الإسرائيلية لتغيير منظومة الحكم والقضاء، بـ«يوم تشويش الحياة الرتيبة في الدولة»، فاجأ رئيس حزب «المعسكر الرسمي» وأقوى المرشحين لرئاسة الحكومة، بيني غانتس، الإسرائيليين، بإعلانه أنه يؤيد إبرام صفقة ادعاء تنهي محاكمة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بتهم الفساد، من دون الدخول إلى السجن بشرط أن يتخلى عن الحكم. وقال غانتس في تصريحات صحافية خلال المظاهرات، إن نتنياهو يعيش في ضائقة بسبب هذه المحاكمة، ويستخدم كل ما لديه من قوة وحلفاء وأدوات حكم لكي يحارب القضاء ويهدم منظومة الحكم. فإذا نجا من المحاكمة وتم تحييده، سوف تسقط هذه الخطة.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي هدوء في غزة بعد ليلة من القصف المتبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية

هدوء في غزة بعد ليلة من القصف المتبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية

سادَ هدوء حذِر قطاع غزة، صباح اليوم الأربعاء، بعد ليلة من القصف المتبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، على أثر وفاة المعتقل خضر عدنان، أمس، مُضرباً عن الطعام في السجون الإسرائيلية، وفقاً لوكالة «الأنباء الألمانية». وكانت وسائل إعلام فلسطينية قد أفادت، فجر اليوم، بأنه جرى التوصل لاتفاق على وقف إطلاق النار بين فصائل فلسطينية والجانب الإسرائيلي، وأنه دخل حيز التنفيذ. وقالت وكالة «معاً» للأنباء إن وقف إطلاق النار في قطاع غزة «مشروط بالتزام الاحتلال الإسرائيلي بعدم قصف أي مواقع أو أهداف في القطاع».

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية بعد 75 عاماً على قيامها... إسرائيل بين النجاح الاقتصادي والفروقات الاجتماعية الصارخة

بعد 75 عاماً على قيامها... إسرائيل بين النجاح الاقتصادي والفروقات الاجتماعية الصارخة

بعد مرور 75 عاماً على قيامها، أصبح اقتصاد إسرائيل واحداً من أكثر الاقتصادات ازدهاراً في العالم، وحقّقت شركاتها في مجالات مختلفة من بينها التكنولوجيا المتقدمة والزراعة وغيرها، نجاحاً هائلاً، ولكنها أيضاً توجد فيها فروقات اجتماعية صارخة. وتحتلّ إسرائيل التي توصف دائماً بأنها «دولة الشركات الناشئة» المركز الرابع عشر في تصنيف 2022 للبلدان وفقاً لنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، متقدمةً على الاقتصادات الأوروبية الأربعة الأولى (ألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا)، وفقاً لأرقام صادرة عن صندوق النقد الدولي. ولكن يقول جيل دارمون، رئيس منظمة «لاتيت» الإسرائيلية غير الربحية التي تسعى لمكافحة ا

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية مكارثي يتعهد دعوة نتنياهو إلى واشنطن في حال استمر تجاهل بايدن له

مكارثي يتعهد دعوة نتنياهو إلى واشنطن في حال استمر تجاهل بايدن له

أعلن رئيس مجلس النواب الأميركي، كيفين مكارثي، في تل أبيب، امتعاضه من تجاهل الرئيس الأميركي، جو بايدن، رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو وامتناعه عن دعوته للقيام بالزيارة التقليدية إلى واشنطن. وهدد قائلاً «إذا لم يدع نتنياهو إلى البيت الأبيض قريباً، فإنني سأدعوه إلى الكونغرس». وقال مكارثي، الذي يمثل الحزب الجمهوري، ويعدّ اليوم أحد أقوى الشخصيات في السياسة الأميركية «لا أعرف التوقيت الدقيق للزيارة، ولكن إذا حدث ذلك فسوف أدعوه للحضور ومقابلتي في مجلس النواب باحترام كبير. فأنا أرى في نتنياهو صديقاً عزيزاً.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية المواجهة في إسرائيل: شارع ضد شارع

المواجهة في إسرائيل: شارع ضد شارع

بدأت المواجهة المفتوحة في إسرائيل، بسبب خطة «التعديلات» القضائية لحكومة بنيامين نتنياهو، تأخذ طابع «شارع ضد شارع» بعد مظاهرة كبيرة نظمها اليمين، الخميس الماضي، دعماً لهذه الخطة، ما دفع المعارضة إلى إظهار عزمها الرد باحتجاجات واسعة النطاق مع برنامج عمل مستقبلي. وجاء في بيان لمعارضي التعديلات القضائية: «ابتداءً من يوم الأحد، مع انتهاء عطلة الكنيست، صوت واحد فقط يفصل إسرائيل عن أن تصبحَ ديكتاتورية قومية متطرفة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

طهران تحذّر واشنطن من الهجوم وسط حراك دبلوماسي

حاملة الطائرات جيرالد فورد تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت أمس (رويترز)
حاملة الطائرات جيرالد فورد تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت أمس (رويترز)
TT

طهران تحذّر واشنطن من الهجوم وسط حراك دبلوماسي

حاملة الطائرات جيرالد فورد تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت أمس (رويترز)
حاملة الطائرات جيرالد فورد تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت أمس (رويترز)

حذرت إيران الولايات المتحدة من أن أي هجوم، حتى لو وُصف بأنه «محدود»، سيُعد عملاً عدوانياً كاملاً، وسيُواجَه برد «حاسم وشديد»، وذلك عشية الجولة الثالثة من المفاوضات غير المباشرة في جنيف.

وقال نائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي، إن تداعيات أي عدوان «لن تقتصر على بلد واحد»، داعياً إلى منع التصعيد، في حين نفت طهران مجدداً وجود «اتفاق مؤقت»، وأكدت تمسكها برفع العقوبات كشرط لأي تفاهم.

ويسود الترقب بشأن احتمال رد إيراني من خلال القنوات الدبلوماسية، مع تقارير عن زيارة مرتقبة لعلي لاريجاني إلى مسقط لنقل موقف طهران عبر الوساطة العُمانية، في مسار موازٍ للمفاوضات التي يقودها وزير الخارجية عباس عراقجي.

في المقابل، يدرس الرئيس الأميركي دونالد ترمب «ضربة محددة الأهداف» لإجبار إيران على تقديم تنازلات ملموسة، مع إبقاء خيار تصعيد أوسع قائماً إذا رفضت الامتثال. وتحدثت تقارير أميركية عن تفضيله «صفعة تحذيرية» تستهدف مواقع نووية أو صاروخية لتفادي حرب مفتوحة. وتؤكد دوائر في البيت الأبيض أن أي تحرك عسكري سيُحتسب بعناية في ضوء التكلفة السياسية والاقتصادية داخلياً، لا سيما مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.

وعززت واشنطن حشدها العسكري في المنطقة، مع وصول حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد فورد» إلى كريت اليونانية.

وفي تل أبيب، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن إسرائيل تواجه «أياماً معقدة»، محذراً من رد «لا يمكن تخيله» إذا تعرضت لهجوم.


ماذا يريد ترمب من إيران؟

حاملة الطائرات «جيرالد فورد» تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت الاثنين (إ.ب.أ)
حاملة الطائرات «جيرالد فورد» تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت الاثنين (إ.ب.أ)
TT

ماذا يريد ترمب من إيران؟

حاملة الطائرات «جيرالد فورد» تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت الاثنين (إ.ب.أ)
حاملة الطائرات «جيرالد فورد» تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت الاثنين (إ.ب.أ)

لا توفر تهديدات الرئيس دونالد ترمب بمهاجمة إيران تفاصيل كثيرة بشأن الهدف الأميركي الاستراتيجي في حال نشوب نزاع، سواء كان قصير الأمد أو ممتداً.

وقد أرسل ترمب سفناً حربية وعشرات الطائرات المقاتلة إلى الشرق الأوسط، ولديه عدة خيارات يمكن أن تزعزع استقرار المنطقة. فهل سيأمر بضربات جراحية تستهدف «الحرس الثوري» الإيراني، العمود الفقري للنظام الحاكم، أو سيحاول القضاء على برنامج الصواريخ الإيراني، أو قد يسعى إلى فرض تغيير النظام في طهران؟ وقد هددت إيران برد انتقامي شديد إذا تعرضت لهجوم.

و​قال مسؤول أميركي كبير الاثنين إن ستيف ‌ويتكوف ‌مبعوث ​البيت ‌الأبيض، ⁠وجاريد ​كوشنر صهر الرئيس ⁠الأميركي، سيلتقيان بوفد إيراني ⁠الخميس ‌في ‌جنيف.

ووصلت حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جيرالد فورد»، الأكبر في الأسطول البحري الأميركي، إلى جزيرة كريت اليونانية في البحر الأبيض المتوسط.

حاملة الطائرات «جيرالد فورد» تصل إلى خليج سودا في جزيرة كريت الاثنين (رويترز)

وبحسب مصادر عسكرية، ترسو الحاملة في خليج سودا للتزود بالإمدادات من القاعدة العسكرية الأميركية هناك. ويمكن لحاملة الطائرات الوصول إلى منطقة الشرق الأوسط خلال يوم واحد.

وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية برصد طائرات نقل وتزويد بالوقود عسكرية أميركية في مطار بن غوريون الدولي قرب تل أبيب.

ما هي الخيارات؟

قال ترمب الخميس إنه سيقرر خلال عشرة إلى خمسة عشر يوماً ما إذا كان سيأمر بشن ضربات على إيران في حال عدم التوصل إلى اتفاق نووي. وأفاد موقع «أكسيوس» الإخباري بأن الرئيس عُرضت عليه مجموعة من الخيارات العسكرية، من بينها هجوم مباشر على المرشد علي خامنئي.

وأكد ترمب مراراً أنه يفضل المسار الدبلوماسي المؤدي إلى اتفاق يعالج ليس فقط البرنامج النووي الإيراني، بل أيضاً قدراتها الصاروخية الباليستية ودعمها لجماعات مسلحة مثل «حزب الله» و«حماس». غير أن إيران رفضت تقديم مثل هذه التنازلات.

وعقدت الولايات المتحدة وإيران جولتين من المحادثات غير المباشرة في سلطنة عُمان وسويسرا، من دون تقريب وجهات النظر، على أن تُستأنف المحادثات الخميس في سويسرا.

وقال مبعوث ترمب، ستيف ويتكوف، إن الرئيس «مندهش»؛ لأن إيران لم «تستسلم» رغم الحشد العسكري الأميركي الكبير.

ورأى أليكس فاتانكا، المحلل في «معهد الشرق الأوسط» في واشنطن، أن إدارة ترمب «ترجح على الأرجح نزاعاً محدوداً يعيد تشكيل ميزان القوى من دون الوقوع في مستنقع». وأضاف أن إيران تتوقع «حملة عسكرية قصيرة وعالية التأثير تشل بنيتها الصاروخية، وتقوض قدرتها الردعية، وتعيد ضبط ميزان القوى بعد حرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل في يونيو (حزيران) 2025»، حسبما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ما هو المبرر؟

أصرّ ترمب على أن القوات الأميركية دمّرت البرنامج النووي الإيراني في هجمات استهدفت منشآت تخصيب اليورانيوم.

وتغيرت المعادلة مع اندلاع حركة الاحتجاج في يناير (كانون الثاني) داخل إيران، والتي قمعتها قوات الأمن بخسائر بشرية كبيرة. وهدد ترمب مراراً بالتدخل لـ«مساعدة» الشعب الإيراني، لكنه لم يُقدم على ذلك.

صورة ملتقطة بواسطة القمر الاصطناعي «بلانت لبس» تظهر مقاتلات في قاعدة موفق السلطي الجوية بالأردن (أ.ب)

ويفاخر ترمب بأنه جلب السلام إلى الشرق الأوسط، مستشهداً بوقف إطلاق النار الذي توسط فيه في غزة بين «حماس» وإسرائيل، رغم تعرضه لانتهاكات متكررة. كما يرى أن تغيير النظام في إيران سيعزز ما يسميه مساراً نحو السلام في المنطقة. لكن الديمقراطيين المعارضين يخشون أن يقود ترمب الولايات المتحدة إلى فوضى عنيفة، ويطالبونه بالتشاور مع الكونغرس؛ الجهة الوحيدة المخولة إعلان الحرب.

القوة النارية الأميركية في المنطقة

يمتلك الجيش الأميركي حالياً ثلاث عشرة سفينة حربية متمركزة في الشرق الأوسط: حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» التي وصلت أواخر الشهر الماضي، وتسع مدمرات وثلاث فرقاطات.

وهناك مزيد من السفن في الطريق. وقد جرى تصوير أكبر سفينة حربية في العالم؛ حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد فورد»، وهي تعبر مضيق جبل طارق لدخول البحر الأبيض المتوسط يوم الجمعة.

وبالإضافة إلى الطائرات المنتشرة على متن حاملات الطائرات، أرسلت الولايات المتحدة عشرات الطائرات الحربية إلى المنطقة، في حين ينتشر عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين في أنحاء الشرق الأوسط، ما يجعلهم أهدافاً محتملة لأي هجوم إيراني.

إلى أي غاية؟

قال ريتشارد هاس، الرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية، إنه من غير الواضح ما تأثير أي نزاع، مهما كانت مدته أو حجمه، على الحكومة الإيرانية. وكتب أن النزاع «قد يعززها بقدر ما قد يضعفها، ومن المستحيل معرفة ما الذي سيخلف هذا النظام إذا سقط».

وقال وزير الخارجية ماركو روبيو خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ أواخر الشهر الماضي، إنه لا أحد يعرف حقاً ما الذي سيحدث إذا سقط المرشد الأعلى، «باستثناء الأمل أن يكون هناك داخل النظام من يمكن العمل معه نحو انتقال مماثل».

صورة ملتقطة بواسطة القمر الاصطناعي «بلانت لبس» تظهر مقاتلات في قاعدة موفق السلطي الجوية بالأردن (أ.ب)

وحذرت دول المنطقة التي تربطها علاقات وثيقة بإيران، ترمب من التدخل، خشية أن تصبح هدفاً لهجمات انتقامية، ولقلقها من أي زعزعة للاستقرار في المنطقة.

وقالت مونا يعقوبيان، من «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، إن إيران أكثر تعقيداً بكثير من فنزويلا التي هاجمتها الولايات المتحدة في الثالث من يناير أثناء اعتقال زعيمها نيكولاس مادورو، مضيفة أن لإيران مراكز قوى أكثر تشتتاً، وأن «ضربة لقطع الرأس» قد تؤدي إلى «إطلاق فوضى حقيقية داخل إيران».


قناة «من و تو» الفارسية توقف البث من لندن إثر تهديدات إيرانية

ضباط شرطة في بريطانيا (رويترز)
ضباط شرطة في بريطانيا (رويترز)
TT

قناة «من و تو» الفارسية توقف البث من لندن إثر تهديدات إيرانية

ضباط شرطة في بريطانيا (رويترز)
ضباط شرطة في بريطانيا (رويترز)

قالت قناة «من و تو» التلفزيونية الناطقة بالفارسية، ومقرها في لندن، الاثنين، إنها أُجبرت على وقف بثها المباشر بعدما أبلغت شرطة مكافحة الإرهاب في المملكة المتحدة مالك المبنى الواقع فيه مقرها بوجود تهديد محتمل من طهران.

وقالت القناة التي أُطلقت في عام 2010، وتُعد وسيلة إعلامية معارضة وتحظى بشعبية في أوساط الجالية الإيرانية في المهجر، إن الوقف المؤقت للبث جاء في توقيت تواجه فيه إيران واحدة من «أكثر اللحظات حساسية» في تاريخها.

في الشهرين الماضيين، شهدت إيران احتجاجات شعبية حاشدة مناهضة للحكومة، في واحد من أكبر التحديات التي واجهت القيادة منذ سنوات.

ضابطا شرطة في بريطانيا (رويترز)

وجاء في بيان للقناة: «في توقيت... تتسارع فيه التطورات الداخلية والإقليمية بوتيرة غير مسبوقة، اشتدت تهديدات الجمهورية الإسلامية لحرية التعبير، والرامية إلى قمع التغطية الإعلامية المستقلة». وتابعت: «لقد أبلغَنا مالك المبنى بنيته إنهاء عقد الإيجار بعد تلقيه إخطاراً من شرطة مكافحة الإرهاب في المملكة المتحدة بشأن تهديد محتمل ضدنا من جانب نظام الجمهورية الإسلامية في إيران».

ومُنع الموظفون من دخول المبنى، ما أدى إلى وقف مؤقت للبث بانتظار إيجاد بدائل. وأضافت القناة: «إن أولويتنا هي استئناف البث المباشر من موقع آمن ومستقر في أسرع وقت ممكن».

Your Premium trial has ended