نتنياهو يشرب من كأس رابين

الاحتجاجات لم تفارق إسرائيل... وتتخذ اليوم شكلاً ومضموناً غير مسبوقَين

اسرائيليون يحتجون في القدس على قيام رئيس الوزراء بإقالة وزير الدفاع  (رويترز)
اسرائيليون يحتجون في القدس على قيام رئيس الوزراء بإقالة وزير الدفاع (رويترز)
TT

نتنياهو يشرب من كأس رابين

اسرائيليون يحتجون في القدس على قيام رئيس الوزراء بإقالة وزير الدفاع  (رويترز)
اسرائيليون يحتجون في القدس على قيام رئيس الوزراء بإقالة وزير الدفاع (رويترز)

إذا كان هناك من درس يتعلمه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، من موجة الاحتجاج الهائلة ضده والتي تهدد مصيره السياسي والإنساني، فهو «درس نتنياهو» نفسه، الذي يتم تدريسه في الجامعات وفي كليات الأمن القومي وداخل الجيش وأجهزة المخابرات، ولكن بالمقلوب.
ففي يوم من الأيام، قبل 28 عاماً، كان نتنياهو رئيساً للمعارضة اليمينية في إسرائيل. وقد قاد في حينه مظاهرات ضخمة صاخبة ضد الحكومة، برئاسة إسحق رابين. وكان الخطاب السياسي الذي أملاه نتنياهو يومها، سابقة في العنف الشديد، فقد شبّه الموالون له رابين، بالنازي، ورفعوا صوراً مركّبة له تظهره يرتدي بزة الجيش الألماني النازي، وصورة أخرى بالكوفية الفلسطينية التي اشتهر بها الرئيس ياسر عرفات، وشعارات ضخمة مثل «رابين خائن»، و«رابين قاتل»، و«بالروح والدم سنطرد رابين». ووقف نتنياهو يومها على منصة ومن ورائه ارتفع شعار يقول «الموت لكبير القتلة». وكانت هذه واحدة من عشرات المظاهرات التي أقامها اليمين ضد رابين، بمشاركة عشرات ألوف المتظاهرين، وانتهت باغتيال رابين.
نتنياهو يضع نفسه اليوم في موقع التقوقع في زاوية دفاع عن النفس في مواجهة المظاهرات الجماهيرية. ومع أن المظاهرات ضده غير مسبوقة بحجمها ومضمونها، فإن رؤساء الأجهزة الأمنية يحذرونه من أنها قد تتخضب بالدماء، أيضاً. فقد سبق وأن سفكت دماء في مظاهرات أقل شأناً من مظاهرات اليوم.
ففي إسرائيل خرج الجمهور بعشرات الألوف لمرات، في الماضي. كانت البدايات في سنوات الخمسينات، عندما خرج المواطنون العرب (فلسطينيو 48) ومعهم ألوف اليهود اليساريين احتجاجاً على مجزرة كفر قاسم سنة 1956. وفي حينه انتهت هذه المظاهرات عندما خرج رئيس الحكومة الأول، ديفيد بن غوريون بتشكيل لجنة تحقيق.
وفي سنة 1959، انطلقت موجة احتجاج «وادي الصليب» في حيفا، وفيها تظاهر اليهود المغاربة ضد الحكومة، مطالبين بوقف التمييز ضدهم وبتوفير مساكن. كان رئيس الحكومة المؤقت يومها ليفي أشكول، وصف المتظاهرين على أنهم «همجيون يأتون بتقاليد عربية في المظاهرات، مثل قصف الحجارة». وقال: إن العرب أرسلوا اليهود الفقراء «الذين يغزو رؤوسهم القمل لكي ينشروا الأمراض بيننا». وقد قمعت الشرطة، يومها، هذه المظاهرات بالقوة والعنف وقتل خلالها أحد المتظاهرين، ولم تتوقف إلا عندما شُكّلت لجنة لمعالجة مطالبهم قررت توفير مساكن جديدة لهم.
وفي سنة 1973، خرج عشرات ألوف المتظاهرين اليهود ضد الحكومة بسبب إخفاقاتها في حرب أكتوبر (تشرين الأول). وردت رئيسة الحكومة غولدا مئير بتشكيل لجنة تحقيق. غير أنها اضطرت إلى الاستقالة لاحقاً، ليتولى مكانها إسحق رابين. وبعد الكشف عن نتائج التحقيق خسر حزب العمل الحكم في انتخابات 1977، وفاز اليمين لأول مرة في الانتخابات العامة.
وفي سنة 1976، خرج العرب مرة أخرى في مظاهرات جماهيرية واسعة بمشاركة عشرات الألوف ضد حكومة اسحق رابين الأولى، وذلك فيما عُرف بـ«يوم الأرض»، الذي احتجوا فيه على مصادرة أراضيهم وقتل خلال القمع ستة شبان فلسطينيين.
وفي سنة 1982، شهدت إسرائيل موجة احتجاج دامت سنوات عدة ، ضد حكومة مناحم بيغن ثم حكومة إسحق شامير؛ بسبب التورط في حرب لبنان ومجازر صبرا وشاتيلا، شارك فيها 200 ألف متظاهر، وانتهت أيضاً بتشكيل لجنة تحقيق، أجبرت وزير الدفاع، أرئيل شارون على الاستقالة من منصب وزير الدفاع، وأصيب رئيس الوزراء، مناحم بيغن، باكتئاب مرضي وفرض على نفسه العزلة حتى آخر يوم في حياته.
وبعد اغتيال رابين وتولي نتنياهو الحكم لأول مرة سنة 1996، بدأت في إسرائيل موجات احتجاج للمواطنين من أصل إثيوبي، بعد كشف أحد الصحافيين عن أن المؤسسات الطبية التي تحصل على «وجبات» تبرع بالدم من الإثيوبيين، تقذف بها إلى سلال القمامة. فخرج الإثيوبيون في مظاهرات صاخبة. ومن حينها يخرجون في مظاهرات كبيرة بين حين وآخر، وتتباين مواقف الحكومات في التجاوب مع مطالبهم.
في الفترة بين عامي 2004 – 2005، خرج اليمين المتطرف بموجات احتجاج شديدة وعنيفة ضد خطة حكومة آرئييل شارون للانفصال عن قطاع غزة، والتي شملت إخلاء 8 آلاف مستوطن وهدم 21 مستوطنة في القطاع وأربع مستوطنات في شمالي الضفة الغربية. وقد بلغ عدد المتظاهرين 130 ألفاً، مشوا من غزة إلى القدس (980 كيلومتراً) وفي تل أبيب بلغ عددهم 250 ألفاً. وكانت هناك مظاهرات عنيفة أيضاً. وفي مرحلة معينة، أعلن 2500 من مستوطني غزة مستوطنتهم دولة مستقلة وطالبت الأمم المتحدة بالاعتراف بها.
وفي أعقاب حرب لبنان الثانية، انفجرت موجة احتجاج ضد حكومة إيهود أولمرت، طالبت بإقالة وزير الدفاع عمير بيرتس ورئيس أركان الجيش دان حالوتس. ويبدو أن خطة الانقلاب التي كان يقودها نتنياهو، ولدت هناك. ففي حينه، قررت مجموعة من قوى اليمين المتطرف في إسرائيل ومعها مجموعة من اليمين الأنجليكاني في الحزب الجمهوري الأميركي، وضع خطة تمنع الحكومة الإسرائيلية القادمة من الانسحاب من مناطق في الضفة الغربية. ورأوا أن الحل هو أن تبنى هذه الخطة على نظام حكم جديد، يميني محافظ بصرامة. وتم تمويل هذه الحملة بمليارات الدولارات، وتضمنت تنشئة قادة سياسيين جدد من الشباب المتحمس. ووزير المالية اليوم، بتسلئيل سموترتش ووزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، هما من بين تلاميذ هذه المدرسة.
لكن فترة حكم نتنياهو شهدت أكثر عدد من المظاهرات ضده، ليس فقط بسبب كونه صاحب أطول فترة حكم بين رؤساء حكومات إسرائيل، بل لأن سياسته الالتوائية أنشأت من حوله معارضة واسعة من الخصوم، مثلما أنشأت مجموعة كبيرة من المؤيدين الذين يبجلونه. وكانت أول موجة احتجاج ضده بين عامي 2011 – 2012؛ للمطالبة بحل أزمة السكن وارتفاع غلاء المعيشة. وفي حينه، بدا الجمهور الإسرائيلي متأثراً بما سُمي بالربيع العربي، فخرجوا يهتفون «الشعب يطالب بإسقاط النظام».
آنذاك، شكّل نتنياهو لجنة مختصين من جهة، وشنّ حرباً على قطاع غزة من جهة ثانية، فأجهض المظاهرات. وفي سنة 2014 شهدت البلاد مظاهرات لليهود الإثيوبيين وحركات التضامن الاجتماعي بعد قيام الشرطة بقتل متظاهر إثيوبي.
وفي سنة 2016 خرج اليهود المتدينون بمظاهرات شارك فيها 600 ألف؛ احتجاجاً على قانون يلزم شبابهم بالخدمة العسكرية. فتراجع نتنياهو عن القانون. وفي سنة 2018 تظاهر ربع مليون إنسان دفاعاً عن حقوق المثليين وتراجع نتنياهو هنا أيضاً ووضع قانوناً يضمن لهم المساواة. وفي السنة نفسها خرجت النساء بمظاهرة ضمت 30 ألف متظاهر، ضد جرائم قتل النساء. وسن نتنياهو قانوناً يرضيهن بضمان ميزانية لمكافحة الظاهرة وسن بنداً لمساواة النساء في إسرائيل.
هذا يعني أن نتنياهو يعرف كيف يتراجع أمام الضغط الجماهيري، لكن، أمام الضغط الهائل وغير المسبوق اليوم، لا يحسن التراجع؛ لأن معه شركاء عقائديين جاءوا بخطة انقلاب جذري. وهو يقف في مواجهة الجمهور من جهة والحلفاء من جهة، ويتذكر رابين والكأس المر التي أسقاها له يومها، وما زال خيال سلفه يلاحقه حتى اليوم.


مقالات ذات صلة

غانتس يؤيد صفقة مع نتنياهو تمنع حبسه وتضمن تخليه عن الحكم

شؤون إقليمية غانتس يؤيد صفقة مع نتنياهو تمنع حبسه وتضمن تخليه عن الحكم

غانتس يؤيد صفقة مع نتنياهو تمنع حبسه وتضمن تخليه عن الحكم

في اليوم الذي استأنف فيه المتظاهرون احتجاجهم على خطة الحكومة الإسرائيلية لتغيير منظومة الحكم والقضاء، بـ«يوم تشويش الحياة الرتيبة في الدولة»، فاجأ رئيس حزب «المعسكر الرسمي» وأقوى المرشحين لرئاسة الحكومة، بيني غانتس، الإسرائيليين، بإعلانه أنه يؤيد إبرام صفقة ادعاء تنهي محاكمة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بتهم الفساد، من دون الدخول إلى السجن بشرط أن يتخلى عن الحكم. وقال غانتس في تصريحات صحافية خلال المظاهرات، إن نتنياهو يعيش في ضائقة بسبب هذه المحاكمة، ويستخدم كل ما لديه من قوة وحلفاء وأدوات حكم لكي يحارب القضاء ويهدم منظومة الحكم. فإذا نجا من المحاكمة وتم تحييده، سوف تسقط هذه الخطة.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي هدوء في غزة بعد ليلة من القصف المتبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية

هدوء في غزة بعد ليلة من القصف المتبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية

سادَ هدوء حذِر قطاع غزة، صباح اليوم الأربعاء، بعد ليلة من القصف المتبادل بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، على أثر وفاة المعتقل خضر عدنان، أمس، مُضرباً عن الطعام في السجون الإسرائيلية، وفقاً لوكالة «الأنباء الألمانية». وكانت وسائل إعلام فلسطينية قد أفادت، فجر اليوم، بأنه جرى التوصل لاتفاق على وقف إطلاق النار بين فصائل فلسطينية والجانب الإسرائيلي، وأنه دخل حيز التنفيذ. وقالت وكالة «معاً» للأنباء إن وقف إطلاق النار في قطاع غزة «مشروط بالتزام الاحتلال الإسرائيلي بعدم قصف أي مواقع أو أهداف في القطاع».

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية بعد 75 عاماً على قيامها... إسرائيل بين النجاح الاقتصادي والفروقات الاجتماعية الصارخة

بعد 75 عاماً على قيامها... إسرائيل بين النجاح الاقتصادي والفروقات الاجتماعية الصارخة

بعد مرور 75 عاماً على قيامها، أصبح اقتصاد إسرائيل واحداً من أكثر الاقتصادات ازدهاراً في العالم، وحقّقت شركاتها في مجالات مختلفة من بينها التكنولوجيا المتقدمة والزراعة وغيرها، نجاحاً هائلاً، ولكنها أيضاً توجد فيها فروقات اجتماعية صارخة. وتحتلّ إسرائيل التي توصف دائماً بأنها «دولة الشركات الناشئة» المركز الرابع عشر في تصنيف 2022 للبلدان وفقاً لنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، متقدمةً على الاقتصادات الأوروبية الأربعة الأولى (ألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا)، وفقاً لأرقام صادرة عن صندوق النقد الدولي. ولكن يقول جيل دارمون، رئيس منظمة «لاتيت» الإسرائيلية غير الربحية التي تسعى لمكافحة ا

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية مكارثي يتعهد دعوة نتنياهو إلى واشنطن في حال استمر تجاهل بايدن له

مكارثي يتعهد دعوة نتنياهو إلى واشنطن في حال استمر تجاهل بايدن له

أعلن رئيس مجلس النواب الأميركي، كيفين مكارثي، في تل أبيب، امتعاضه من تجاهل الرئيس الأميركي، جو بايدن، رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو وامتناعه عن دعوته للقيام بالزيارة التقليدية إلى واشنطن. وهدد قائلاً «إذا لم يدع نتنياهو إلى البيت الأبيض قريباً، فإنني سأدعوه إلى الكونغرس». وقال مكارثي، الذي يمثل الحزب الجمهوري، ويعدّ اليوم أحد أقوى الشخصيات في السياسة الأميركية «لا أعرف التوقيت الدقيق للزيارة، ولكن إذا حدث ذلك فسوف أدعوه للحضور ومقابلتي في مجلس النواب باحترام كبير. فأنا أرى في نتنياهو صديقاً عزيزاً.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية المواجهة في إسرائيل: شارع ضد شارع

المواجهة في إسرائيل: شارع ضد شارع

بدأت المواجهة المفتوحة في إسرائيل، بسبب خطة «التعديلات» القضائية لحكومة بنيامين نتنياهو، تأخذ طابع «شارع ضد شارع» بعد مظاهرة كبيرة نظمها اليمين، الخميس الماضي، دعماً لهذه الخطة، ما دفع المعارضة إلى إظهار عزمها الرد باحتجاجات واسعة النطاق مع برنامج عمل مستقبلي. وجاء في بيان لمعارضي التعديلات القضائية: «ابتداءً من يوم الأحد، مع انتهاء عطلة الكنيست، صوت واحد فقط يفصل إسرائيل عن أن تصبحَ ديكتاتورية قومية متطرفة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

حديث إيراني عن تبادل السفراء مع مصر لا يجد تأكيداً في القاهرة

القاهرة رعت في السابق اتفاقاً بين إيران والوكالة الدولية قبل أن يتم إلغاؤه من جانب طهران (الخارجية المصرية)
القاهرة رعت في السابق اتفاقاً بين إيران والوكالة الدولية قبل أن يتم إلغاؤه من جانب طهران (الخارجية المصرية)
TT

حديث إيراني عن تبادل السفراء مع مصر لا يجد تأكيداً في القاهرة

القاهرة رعت في السابق اتفاقاً بين إيران والوكالة الدولية قبل أن يتم إلغاؤه من جانب طهران (الخارجية المصرية)
القاهرة رعت في السابق اتفاقاً بين إيران والوكالة الدولية قبل أن يتم إلغاؤه من جانب طهران (الخارجية المصرية)

لم يحظَ إعلان مسؤول إيراني اتخاذ قرار بتبادل السفراء بين القاهرة وطهران بتأكيدات رسمية من مصر، في وقت استبعد فيه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» عودة التمثيل الدبلوماسي الكامل بين البلدين على المدى القريب والمتوسط، خصوصاً مع استمرار الحديث عن احتمال توجيه الولايات المتحدة ضربة عسكرية لإيران.

وقال رئيس مكتب رعاية المصالح الإيرانية في مصر، السفير مجتبي فردوسي بور، في تصريحات صحافية، الخميس، إن «قرار تبادل السفراء بين القاهرة وطهران قد تم اتخاذه بالفعل، وبانتظار الإعلان الرسمي»، مدللاً على ذلك باختياره ممثلاً لمكتب رعاية مصالح بلاده في مصر، وهو بدرجة سفير، وسبق أن شغل منصب سفير طهران لدى الأردن.

وأضاف فردوسي بور أن «الإرادة السياسية لدى قيادتي البلدين موجودة» بهذا الصدد، مشيراً إلى أهمية «الاتفاق على ساعة الصفر، ولا سيما أن البلدين ليستا في عجلة من أمرهما بهذا الشأن»، مشدداً على أن «العلاقات بين طهران والقاهرة دخلت مرحلة متقدمة».

حاولت «الشرق الأوسط» الحصول على تأكيد مصري بشأن تصريحات المسؤول الإيراني، لكنها لم تتلق رداً.

كان البلدان قد قطعا العلاقات الدبلوماسية بينهما عام 1979، قبل أن تُستأنف بعد ذلك بـ11 عاماً، لكن على مستوى القائم بالأعمال. وشهدت السنوات الأخيرة لقاءات بين وزراء مصريين وإيرانيين في مناسبات عدة، لبحث إمكانية تطوير العلاقات بين البلدَيْن، وكذا لقاءات متعددة واتصالات على مستوى الرئاسة والخارجية.

واستبعد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير رخا أحمد حسن، إمكانية تبادل السفراء بين البلدين في الوقت الحالي، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الظروف الحالية، في ظل احتمال توجيه ضربة عسكرية جديدة لإيران، لا توحي بإمكانية تبادل السفراء حالياً»، وإن أشار إلى أن «العلاقات بين البلدين تطورت بشكل جيد، قد يدفع مستقبلاً لتمثيل دبلوماسي كامل».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الإيراني عباس عراقجي خلال لقاء سابق (الخارجية المصرية)

وكان وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، قال في تصريحات متلفزة خلال زيارته لمصر منتصف العام الماضي إن «العلاقات السياسية قائمة بالفعل بين البلدين. ما تبقى الآن هو مسألة تبادل السفراء»، معرباً عن اعتقاده أن هذا الأمر «سيتم في الوقت المناسب». وقال: «لسنا في عجلة من أمرنا، ولا نرغب في أن يُمارس أي ضغط على أي من الطرفين في هذا الشأن، لكنني أؤمن بأن الخطوة ستُتخذ في الوقت المناسب».

وقال خبير الشؤون الإيرانية ورئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية، محمد محسن أبو النور، لـ«الشرق الأوسط»، إن «مصر تلعب دوراً في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، ما يحول دون إمكانية اتخاذ قرار بتبادل السفراء الآن»، مشيراً إلى «استبعاد عودة التمثيل الدبلوماسي الكامل بين البلدين في المدى القريب والبعيد لاستمرار بعض الشواغل المصرية تجاه علاقتها مع إيران».

وفي نهاية يونيو (حزيران) الماضي، أشار وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في تصريحات متلفزة، إلى «تدشين بلاده آلية للمشاورات مع إيران على مستوى دون وزاري، مع مناقشات حول الانفتاح في المجالات التجارية والاقتصادية والسياحية». ولفت إلى وجود «شواغل بشأن السياسات الإيرانية في المنطقة وسياسة حسن الجوار»، لكنه عاد وأكد أن «العلاقات بين البلدين تسير بوتيرة جيدة»، معرباً عن «تفاؤله بتحقيق انفراجة دبلوماسية شاملة».

وقالت الأكاديمية وخبيرة شؤون الشرق الأوسط والدراسات الإيرانية الدكتورة هدى رؤوف لـ«الشرق الأوسط»، إن «الجانب الإيراني عادة ما تصدر عنه تصريحات بشأن العلاقات مع مصر ودرجة تطورها، لكن القاهرة تتعامل مع الأمر بقدر من الحذر والتأني»، مشيرة إلى أنه «من غير المتوقع عودة التمثيل الدبلوماسي الكامل بين البلدين في ظل وضع إقليمي متصاعد».

ولفتت إلى الدور الذي تلعبه مصر لتخفيف التصعيد عبر اتصالات مع الولايات المتحدة، والأطراف الإقليمية، ومحاولة التوسط بين إيران ووكالة الطاقة النووية.

وشهدت الفترة الماضية مساعي مصرية عدة لخفض التصعيد بالمنطقة عبر اتصالات دبلوماسية مع الأطراف المعنية، خصوصاً مع تصاعد حدة التوتر «الإيراني - الأميركي» أخيراً.

وفي 9 سبتمبر (أيلول) الماضي، وقّع وزير الخارجية الإيراني مع مدير عام «الوكالة الذرية»، رافائيل غروسي، اتفاقاً بالقاهرة، يقضي بـ«استئناف التعاون بين الجانبين، بما يشمل إعادة إطلاق عمليات التفتيش على المنشآت النووية الإيرانية». لكن عراقجي أعلن في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي انتهاء «اتفاق القاهرة» رسمياً.

وكان السيسي أكد، خلال استقباله وزير الخارجية الإيراني في سبتمبر الماضي، «أهمية مواصلة استكشاف آفاق التعاون المشترك بما يخدم المصالح المتبادلة ويعزز الاستقرار الإقليمي». بحسب إفادة للمتحدث الرئاسي المصري.


الجيش الإسرائيلي «متأهب» لمواجهة إيران

مظليون إسرائيليون خلال تدريب عسكري (إ.ب.أ)
مظليون إسرائيليون خلال تدريب عسكري (إ.ب.أ)
TT

الجيش الإسرائيلي «متأهب» لمواجهة إيران

مظليون إسرائيليون خلال تدريب عسكري (إ.ب.أ)
مظليون إسرائيليون خلال تدريب عسكري (إ.ب.أ)

أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، الجمعة، أن قواته «متأهبة» لمواجهة إيران، ولكن لا تغيير في التعليمات بالنسبة إلى السكان.

وقال الجنرال إيفي ديفرين، في تصريح مصور: «نتابع من كثب التطورات الإقليمية، ونرصد بانتباه النقاش العلني حول إيران. جيش الدفاع متأهب»، و«عيوننا مفتوحة في كل الاتجاهات، والإصبع على الزناد أكثر من أي وقت في مواجهة أي تغيير في الواقع العملاني»، لكنه أكد أنه «ليس هناك أي تغيير في التعليمات».


تركيا: توقيف صحافي بتهمة «إهانة إردوغان» يثير انتقادات المعارضة وأوروبا

صحافيون يضعون كمامات على أفواههم خلال مظاهرة أمام مجمع محاكم تساغليان في إسطنبول احتجاجاً على اعتقالات زملائهم والمطالبة بحرية الصحافة (أ.ف.ب)
صحافيون يضعون كمامات على أفواههم خلال مظاهرة أمام مجمع محاكم تساغليان في إسطنبول احتجاجاً على اعتقالات زملائهم والمطالبة بحرية الصحافة (أ.ف.ب)
TT

تركيا: توقيف صحافي بتهمة «إهانة إردوغان» يثير انتقادات المعارضة وأوروبا

صحافيون يضعون كمامات على أفواههم خلال مظاهرة أمام مجمع محاكم تساغليان في إسطنبول احتجاجاً على اعتقالات زملائهم والمطالبة بحرية الصحافة (أ.ف.ب)
صحافيون يضعون كمامات على أفواههم خلال مظاهرة أمام مجمع محاكم تساغليان في إسطنبول احتجاجاً على اعتقالات زملائهم والمطالبة بحرية الصحافة (أ.ف.ب)

قررت محكمة في إسطنبول توقيف صحافي تركي يعمل لصالح شبكة «دويتشه فيله» الألمانية منذ فترة طويلة، وسط انتقادات من المعارضة ومسؤولين أوروبيين.

وأُحيل الصحافي «علي جان أولوداغ» إلى محكمة «الصلح والجزاء» في إسطنبول، الجمعة، عقب القبض عليه في أنقرة، مساء الخميس، بتهمتيْ «إهانة الرئيس (رجب طيب إردوغان) علناً» و«نشر معلومات مُضلِّلة»، عبر وسائل التواصل الاجتماعي منذ نحو عام ونصف العام.

وألقي القبض على أولوداغ من منزله في أنقرة، واقتيد إلى مديرية أمن إسطنبول، ثم جرى التحقيق معه في مكتب المدّعي العام، الذي أحاله إلى محكمة «الصلح والجزاء» بطلب توقيفه، والتي وافقت على الطلب.

الصحافي التركي الموقوف على جان أولوداغ (من حسابه في «إكس»)

وقالت «جمعية أبحاث الإعلام والقانون» إن أولوداغ بعث رسالة عبر محاميه، أكين أطالاي، قال فيها: «قولوا لأصدقائي ارفعوا رؤوسكم، على جان أولوداغ لم يُسكَت ولن يُسكَت».

اتهامات وانتقادات واسعة

وذكرت «دويتشه فيله»، التي يعمل أولوداغ لصالح نسختها التركية، أن الاتهامين اللذين وُجها إلى أولوداغ جاءا على خلفية رسالة نُشرت عبر «إكس» قبل نحو عام ونصف العام انتقد فيها إجراءات اتخذتها الحكومة التركية قد تكون أدت إلى إطلاق سراح إرهابيين محتمَلين من تنظيم «داعش» وتتهم الحكومة بالفساد. وأضافت أن نحو 30 شرطياً ذهبوا إلى منزل الصحافي أولوداغ، واقتادوه أمام عائلته، وجرى تفتيش منزله ومصادرة أجهزة الكمبيوتر الخاصة به.

وانتقد زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري»، أوزغور أوزيل، عبر حسابه في «إكس»، اعتقال أولوداغ بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تندرج ضمن نطاق عمله الصحافي، وعَدَّ ذلك «حلقة جديدة في سلسلة من التجاوزات القانونية، وأن اقتياده من منزله، أمام أطفاله الصغار، دون السماح له حتى بتغيير ملابسه، هو «عملٌ استبدادي».

وعبَّر متحدث ​باسم الحكومة الألمانية، الجمعة، عن قلق بلاده البالغ إزاء احتجاز أولوداغ، قائلاً إن شبكة «‌دويتشه ​فيله»، ⁠المدعومة من الدولة، يجب أن تكون قادرة على العمل ⁠بحُرية وتقديم تقارير ‌بشكل ‌مستقل ​في تركيا، ويجب ‌أن يتمكن الصحافيون، تحديداً، من أداء عملهم ‌بحرية ودون خوف من القمع.

وانتقد مقرر البرلمان الأوروبي لشؤون تركيا، ناتشو سانشيز أمور، اعتقال الصحافي أولوداغ، قائلاً، عبر حسابه في «إكس»، إنه جرى القبض عليه في منزله من قِبل 30 شرطياً، بسبب تصريحٍ أدلى به قبل أكثر من عام.

وأضاف: «يُتهم أولوداغ بإهانة الرئيس ونشر معلومات مضللة... هذه هي حقيقة المعايير الديمقراطية في تركيا... أمرٌ مُؤسف». وعدَّ ممثل منظمة «مراسلون بلا حدود» في تركيا، إيرول أوندر أوغلو، توقيف أولوداغ «جزءاً من عملية مضايقة قضائية تستهدف الصحافيين الجادين». وندَّد، في بيان، بـ«ممارسات تعسفية متواصلة تستهدف، اليوم، صحافياً ربما أزعج السلطات بتحقيقاته».

ضغوط على الصحافة

ووفق تقرير مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2025، الصادر عن المنظمة، تراجعت تركيا إلى المرتبة 159 من بين 180 دولة شملها التقرير، بينما كانت في المرتبة 158 عام 2024.

ورصد تقرير حديث صادر عن «برنامج الاستجابة السريعة لحرية الإعلام» 137 انتهاكاً لحرية الصحافة في تركيا عام 2025، لتحتل بذلك المرتبة الثالثة بين دول الاتحاد الأوروبي والدول المرشحة لعضويته من حيث الانتهاكات.

تعاملت الشرطة التركية بعنف مع الصحافيين وقامت باعتقال عدد منهم خلال الاحتجاجات على اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو في مارس 2025 (أ.ف.ب)

ووفق التقرير، طالت الانتهاكات 259 صحافياً ووسيلة إعلام، ووصفت بأنها جزء من «نمط ممنهج للقمع الإعلامي» شمل الإجراءات القانونية، والعنف الجسدي، والقيود التنظيمية، والتحكم الرقمي، وأن نحو 50 في المائة من الانتهاكات تمثلت في الاعتقال أو الاحتجاز أو سجن الصحافيين بتُهم تتعلق بـ«المعلومات المضللة، والإرهاب، والإهانة أو الأمن القومي»، وأن ما لا يقل عن 22 صحافياً جرت إدانتهم بسبب تقاريرهم، بينما تعرَّض عدد من الصحافيين البارزين للاعتقال أو المحاكمة نتيجة التعليقات والتحليلات السياسية.

ولفت «تقرير تركيا 2025»، الصادر عن المفوضية الأوروبية، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إلى اعتقالات وتوجيه اتهامات إلى مسؤولين منتخَبين وشخصيات معارِضة ونشطاء سياسيين وممثلين للمجتمع المدني وقطاع الأعمال والصحافيين، داعياً لاتخاذ خطوات لاستعادة بيئة آمنة وتعددية يمكن فيها لوسائل الإعلام العمل بشكل مستقل دون خوف من الانتقام أو الفصل.

توقيف ناشطين أوروبيين

بالتوازي، أوقفت السلطات التركية 6 ناشطين من المحامين والصحافيين الأوروبيين قالوا إنهم جاءوا من إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وبلجيكا وروسيا للتحقيق في ظروف اعتقال السجناء السياسيين، تمهيداً لترحيلهم.

وقال رئيس فرع إسطنبول في «جمعية الحقوقيين التقدميين، نعيم أمين أوغلو، إنه جرى توقيف الناشطين، الخميس، بعد لقاء مع «مكتب حقوق الشعوب» للمحاماة، الذي تتهمه السلطات التركية بالارتباط بـ«حزب جبهة التحرير الثورية الشعبية»، المصنف منظمة إرهابية.

عناصر من الشرطة التركية في إسطنبول (د.ب.أ)

وأضاف، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أن الشرطة أبلغتهم، على الفور، بأنهم «موقوفون لطردهم»، وجرى نقلهم إلى مديرية الهجرة، ثم إلى مطار إسطنبول لترحيلهم.

وذكر مكتب «حقوق الشعوب» للمحاماة أن «هؤلاء الناشطين قدموا إلى تركيا في إطار مهمة مراقبة للتحقيق بشأن نظام السجون المعروف باسم (سجون الآبار)، وظروف الحبس الانفرادي لبعض السجناء السياسيين».

Your Premium trial has ended