الأدب السعودي أمام متغيرات المرحلة

في مجاميع صدرت بعد الألف الثانية انفتح أفق لشعرية أكثر رحابة

الأدب السعودي أمام متغيرات المرحلة
TT

الأدب السعودي أمام متغيرات المرحلة

الأدب السعودي أمام متغيرات المرحلة

ينقل الناقد المصري عمار علي حسن في كتابه «النص والسلطة والمجتمع» عن نجيب محفوظ قوله إن انحسار عهد عبد الناصر جرد الكتّاب من مصدر كان يمد الكتابة بالحيوية، كما تمثلت في مخاتلة الرقيب بغية تناول موضوعات لم يكن من المسموح تناولها. يقول محفوظ: «إن المبدعين في السبعينات كانوا أحراراً في أن يقولوا ما يشاءون في أحاديثهم ومقالاتهم، وهو ما جنى على الجانب الإبداعي لديهم، حيث لم تكن أمامهم تحديات كتلك التي وجدت في الستينات، والتي قادت إلى إنجاز الأعمال الإبداعية، بما فيها من رموز وإسقاطات للتعبير عما يريدونه».
هذا الرأي صحيح إلى حد بعيد، أي ليس على إطلاقه، ولا أظن محفوظ قصد الإطلاق، ذلك أن في مصر، كما في كل البلاد العربية ودول أخرى كثيرة في العالم، ظل هامش الكتابة مقيداً بأطر تتسع أو تضيق، لكنها ظلت قائمة. صحة الرأي في نسبيته، أي أنه بالقياس إلى ما كان عليه الوضع يمكن القول إن هامشاً قد اتسع. ذلك الاتساع مهم في كل الحالات، حتى حين نسلّم بنسبيته. وهو مهم أيضاً للتعرف على الأثر الذي يتركه في طبيعة الكتابة الأدبية والإنتاج الثقافي بأنواعه المختلفة من الفكر إلى الفن إلى العلم.
ملاحظة نجيب محفوظ مطروحة اليوم على بيئات اجتماعية وثقافية تعيش عهداً غير مسبوق من الانفتاح الاجتماعي؛ حيث اتسع هامش المسموح به اتساعاً لم يكن من المحلوم به لدى معظم الراغبين فيه المنادين إليه. ولعل البيئة السعودية هي التي ستخطر ببال من يقرأ هذا الكلام. ذلك أن المملكة منذ سنوات قلائل كانت تعيش حالة اختناق اجتماعي وثقافي قد يسميه البعض ضوابط أو التزاماً، وهناك من سيسميه محافظة، ومن المؤكد أن هناك من يراه الطريق القويم الذي ضل عنه المجتمع. لكن هناك من سيراه الطريق المطلوب منذ أمد بعيد، أي الابتعاد عن طرق التشدد غير المبرر، والقسر الاجتماعي الذي لا تقره سماحة الدين واتساع مساحة الاختلاف وتعدد الآراء في كثير من المسائل.
الأدب السعودي منذ بدايته هو قصة التفاعل وسط بيئات اجتماعية وثقافية محافظة، ومساعي الكتّاب للوصول إلى منطقة من التوازن التي تسمح بإنتاج أعمال تحقق معادلة الجمال والقيمة الدلالية ضمن القيم والضوابط السائدة. ولكن تلك البيئات لم تكن متماثلة في درجة الانفتاح أو المحافظة. كانت دائماً بيئات مختلفة باختلاف مناطق المملكة التي جمعت أطراف الجزيرة العربية؛ من الحجاز المتاخم لمصر والسودان حتى الأحساء الخليجية، ومن الشمال القريب من الشام حتى عسير ونجران وجيزان في جنوب الجزيرة العربية، وصولاً إلى نجد التي ظلت معزولة نسبياً وسط الجزيرة إلى أن اتسعت صلاتها مع تطور الدولة وتعدد مشارب التأثير وقنوات الاتصال. تنوع جغرافي وسكاني وثقافي انعكس بالضرورة على المنتج الفكري والثقافي، وأفرز من ثم صوراً مختلفة من التفاعل البيئي على امتداد ما يقارب القرن من النشاط والإنتاج المتعدد والمتأثر ببيئات قريبة؛ مصر والشام والعراق واليمن، بل الهند وإيران، وغيرها.
ذلك التعدد أو التنوع في الإنتاج وما صاحبته من حريات وقيم متفاوتة هو الذي تأثر بصورة مباشرة بما مرت به المملكة في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، أو بالتحديد بعد حادثة الحرم المكي على يد جماعات حملت لواء التشدد والاعتراض على ما كانت المملكة تحققه على مستويات تنموية شملت الفنون والحياة الاجتماعية والاقتصادية. الأعمال الأدبية التي صدرت في تلك الفترة كانت مرايا لما كان يحدث بقدر ما كانت محاولات متواصلة لاختراق القيود الصماء التي أقامها جهاديون وبعض المنتمين لهيئة الأمر بالمعروف، أو من قدموا أنفسهم إلى المجتمع على أنهم حماة للفضيلة. في روايات لكتاب مثل تركي الحمد وبدرية البشر ويوسف المحيميد، وقصائد لشعراء مثل فوزية أبو خالد ومحمد الثبيتي وعبد الله الصيخان، ومقالات وروايات لكتاب مثل عبد الله بن بخيت، وقصص قصيرة لمحمد علي علوان وصالح الأشقر، وأعمال لغازي القصيبي، من بينها ردوده على خطاب التشدد الديني ومساجلاته معهم، في كل ذلك وغيره كثير قلق وغضب ومحاولات متصلة لاستعادة صوت الاعتدال والانفتاح النسبي، بغية اختراق القيود التي لم تفرضها الدولة بقدر ما أقامتها تلك الجماعات المتطرفة على اختلاف توجهاتها.
ذلك الخطاب المناهض للتشدد لم يكن بطبيعة الحال هو كل ما هنالك، فقد أنتج كثيراً مما ليس له صلة بالتشدد الديني، فما أنتجه من أساليب لمواجهة ذلك الخطاب وفي مسعى لمناهضته وتجاوزه، تحول إلى سمة لأعمال أدبية كثيرة حتى صار جزءاً أساسياً لفهم المشهد الثقافي والإبداعي السعودي. بمعنى أننا لكي نعرف الأعمال الأدبية من سرد وشعر علينا أن نتذكر أنها كتبت وفي خلفيتها رفض ضمني لما انتشر من تطرف ديني. والسؤال الآن: بانحسار ذلك التطرف، إلى أين سيتجه أولئك الذين تشكل خطابهم الإبداعي على مناهضة تلك التوجهات الجهادية والوعظية المتطرفة؟
لن تكون المشكلة بطبيعة الحال نضوب القدرات الإبداعية، وإنما ستكون نضوب مفردات التعبير الشعري واستراتيجيات السرد والبلاغة التي تشكلت ضمن تلك المواجهات. أي أن تلك المفردات والاستراتيجيات قد تصاب بما سمّته سلمى الخضراء الجيوسي «الإرهاق الجمالي»، أي افتقارها للقيمة الإبداعية. وفي تقديري أن من بين سمات الخطاب الذي تشكل من تلك المفردات والسمات سمة الغموض أو الرموز الشعرية المتخفية، لا لأسباب فنية فحسب وإنما أيضاً للالتفاف على خطاب التطرف. من أمثلة ذلك قول الشاعر عبد الله الصيخان مخاطباً الوطن:
وأنت البسيط
البسيط، فقل للعصافير
إن الفضاء مديح اتساع لعينيك كي لا تطير
فإن العصافير خائفة،
فكن وطني ممعناً في الهدوء
لكي تعتلي ذروتك.
أو في قول محمد الثبيتي:
«صب لنا وطناً في الكؤوس
يدير الرؤوس»،
أو قوله في موضع آخر:
فارتبت في الأوطان
«لا تحمي العليل من الردى»
وارتبت في الشطآن
«لا تروي الغليل من الصدى»
فذهبت في بحر الجنون عميقا.
إنه النداء لوطن أحس أولئك بأنه مختطف وغريب. ذلك الاختطاف هو الذي جعل محمد العلي -أحد رواد الحداثة الشعرية- يقول: «لا ماء في الماء»، أي لا وطن في الوطن. لكن وقع الاختطاف كان أشد ما يكون على المرأة. وقد وجدت الشاعرة فوزية أبو خالد اختصاراً مجازياً له في عنوان ديوانها «إلى متى يختطفونك ليلة العرس؟» كما في خطاب الاحتجاج الشعري الفائر في تضاعيف ذلك الديوان.
في مجاميع شعرية صدرت بعد الألف الثانية، استطاع الخطاب الشعري لدى فوزية أبو خالد نفسها ولدى غيرها مثل علي الدميني ومحمد الدميني وأشجان الهندي وأحمد الملا، وشعراء تلك الألفية مثل محمد إبراهيم يعقوب وعبد اللطيف بن يوسف وهيفاء الجبري وعبد الوهاب أبو زيد وغيرهم، أن يفتحوا أفقاً لشعرية أكثر رحابة في انفتاحها على الإنساني والعاطفي، مثلما حدث لدى روائيين مثل أميمة الخميس ومحمد حسن علوان وعبده خال وآخرين. لكن ذلك الانفتاح على المختلف من الهموم والانشغالات لم يشمل الجميع أو الأكثرية بعد. وحين يحدث ذلك فسيصل المنتج الأدبي إلى فضاءات مغايرة؛ لكنها لن تخلو من تحديات أخرى وهموم مرحلة مختلفة. ذلك أن خفوت حس التطرف وسطوته لا يعني الوصول إلى «يوتوبيا» موعودة، بل إن لهذه المرحلة مشكلاتها أو تحدياتها التي نرى كثيراً منها حولنا. وفي طليعتها التشظي الاجتماعي أو تراخي العلاقات الأسرية، وطغيان الفردية والعلاقات السائلة. كما أن منها تراجع الهوية الثقافية تحت ضغوط العولمة؛ سواء تمثل ذلك في طغيان الإنجليزية في التواصل اليومي، أو تبني عادات وأنماط سلوكية ومظهرية غربية. ولنتذكر هنا أن الحداثة الأدبية التي انتشرت في الثمانينات لم تنحصر في مواجهة التزمت الديني، وإنما تضمنت أيضاً مواجهة لبعض النتائج السلبية للحداثة نفسها، بطغيان المدن التي «بلا قلب»، بتعبير أحمد عبد المعطي حجازي. تلك المدن هي عنوان المرحلة اليوم بإيجابياتها وسلبياتها، وليس أكثر من الأدب وعياً بتلك المتغيرات وتفاعلاً معها. السؤال هو: أي لغة سيطورها الأدب لمواجهة تلك المتغيرات؟ وأي موقف سيتخذ؟
إن الأدب الجاد ليس ناتجاً للبهجة ولا لليأس، وإنما هو ناتج للتفاعل الشفاف والمعمق، أي المركّب، مع ما يحدث داخل الإنسان وخارجه، ولعل عبارة للشاعر الآيرلندي ييتس تختصر بعض ذلك، حين قال: «من خصومتنا مع الآخرين تنتج البلاغة، ومن خصومتنا مع أنفسنا ينتج الشعر».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

السعودية تستعيد أمجاد قرون مضت في احتفالات «يوم التأسيس»

أمانة الرياض تزين طرق وميادين العاصمة بأكثر من 5 آلاف إنارة جمالية احتفاءً بيوم التأسيس (واس‬)⁩
أمانة الرياض تزين طرق وميادين العاصمة بأكثر من 5 آلاف إنارة جمالية احتفاءً بيوم التأسيس (واس‬)⁩
TT

السعودية تستعيد أمجاد قرون مضت في احتفالات «يوم التأسيس»

أمانة الرياض تزين طرق وميادين العاصمة بأكثر من 5 آلاف إنارة جمالية احتفاءً بيوم التأسيس (واس‬)⁩
أمانة الرياض تزين طرق وميادين العاصمة بأكثر من 5 آلاف إنارة جمالية احتفاءً بيوم التأسيس (واس‬)⁩

في وقت تزدان فيه شوارع المدن السعودية باللون الأخضر والأزياء التراثية، انطلقت، الأحد، في جميع مناطق المملكة سلسلة من الفعاليات الثقافية والترفيهية الكبرى احتفاءً بذكرى يوم التأسيس، وتحولت العاصمة الرياض وكل المدن السعودية إلى وجهة سياحية وثقافية، استقطبت آلاف المواطنين والمقيمين والسياح الذين وفدوا لمشاهدة آثار وأثر ملحمة البناء التي صاغت تاريخ الجزيرة العربية.

‏مدينة جدة تعتمد برنامجاً احتفائياً بمناسبة ⁧‫يوم التأسيس (واس)

وتتزامن ذكرى يوم التأسيس هذا العام مع ليالي شهر رمضان المبارك، واتخذت الفعاليات طابعاً إثرائياً وطنياً، واحتفالات ليلية في أجواء رمضانية، واحتفت المدن السعودية بذكرى «يوم التأسيس»، وجسَّدت مختلف المدن والمناطق معاني الاعتزاز بالجذور الراسخة والعمق التاريخي للدولة وارتباط مواطنيها الوثيق بقادتها منذ تأسيس الدولة السعودية الأولى قبل 3 قرون.

جلسات علمية عن تاريخ الدولة السعودية (هيئة تطوير الدرعية)

الدرعية... قلب التاريخ النابض

وتصدّرت الدرعية التاريخية مشهد الاحتفالات؛ حيث احتضن حي الطريف، المدرج على قائمة التراث العالمي لـ«اليونيسكو»، فعاليات نوعية نظمتها هيئة تطوير بوابة الدرعية.

وشملت فعاليات يوم التأسيس في حي الطريف التاريخي مجموعة من الأنشطة التي قربت الزوار من التاريخ عبر تجارب استثنائية في أرض التاريخ.

وفي مجلس الطريف، تم تقديم قصص الدرعية للأطفال من خلال ورش عمل مخصصة للصغار، فيما روى نواف الهويمل للجمهور قصصاً غنية بالتاريخ وسرداً متميزاً.

المناطق السعودية تزينت ابتهاجاً بمناسبة يوم التأسيس‬ (واس‬)

وفي جلسات مسيان، قدّم الدكتور فيصل العامر جلسات أكاديمية غنية تناول فيها إرث الدرعية ومسيرة امتداد الدولة السعودية، إضافة إلى عروض الخيل العربي وجولات يوم التأسيس، وهي جولات إرشادية متخصصة عبر مسار تاريخي تبرز أدوار القيادة والشراكة المجتمعية والعطاء في مرحلة التأسيس.

العاصمة... تلاحم الحداثة والتراث

وفي قلب الرياض، شهدت منطقة قصر الحكم وساحة العدل فعاليات وطنية برعاية الهيئة الملكية لمدينة الرياض، تضمنت معرض «مخيال هل العوجا» الذي استعرض مراحل تأسيس الدولة عبر تقنيات بصرية معاصرة.

‏أمير حائل يرعى احتفاء تعليم المنطقة بذكرى يوم التأسيس (واس‬)⁩

وزينت أمانة منطقة الرياض الشوارع والطرق الرئيسية احتفاءً بيوم التأسيس، بأكثر من 5 آلاف إنارة جمالية شملت المحاور الحيوية والميادين والساحات العامة في مدينة الرياض، بما يُعزز حضور المناسبة في مختلف الأحياء ويمنح المدينة طابعاً بصرياً متناسقاً يعكس الاعتزاز بتاريخ الدولة، ويواكب مكانة يوم التأسيس في الوجدان.

وتعكس أعمال تزيين الشوارع عمق الانتماء وصدق الاعتزاز بتاريخ الدولة؛ حيث امتزج الضوء بالهوية في شوارع العاصمة، وتحوَّلت الطرق والميادين إلى لوحات وطنية تنبض بالفخر، وتجسد مرور 299 عاماً من البناء والعطاء، في صورة تُعبر عن مكانة يوم التأسيس في قلوب أبناء الوطن وتترجم معاني الوفاء للقيادة والمسيرة المباركة.

المناطق السعودية تزينت ابتهاجاً بمناسبة يوم التأسيس‬ (واس‬)

وواصلت أمانة منطقة الرياض تنفيذ فعالياتها بمناسبة يوم التأسيس في الحدائق والساحات، بما يُعزز حضور المناسبة في الفضاءات العامة، ويرسخ قيم الاعتزاز بالجذور التاريخية ويدعم التفاعل المجتمعي في مختلف أحياء العاصمة.

فعاليات إثرائية في قلب الدرعية مهد الدولة السعودية (هيئة تطوير الدرعية)

ولم تقتصر الاحتفالات على العاصمة؛ إذ انطلقت مظاهر الاحتفال في 13 منطقة سعودية، تزامناً مع هذه المناسبة الوطنية التي يحتفل بها السعوديون للمرة الخامسة منذ أصدر الملك سلمان أمراً ملكياً يقضي بعَدِّ 22 فبراير (شباط) من كل عام يوماً للتأسيس.

وفي مدينة جدة، بدأ برنامج متكامل للاحتفاء بيوم التأسيس يمتد لعدة أيام، ويشمل تزيين الطرق الرئيسية والميادين والبوابات والحدائق في مختلف أنحاء المدينة، كما تحتضن حديقة الأمير ماجد فعاليات ميدانية في 22 فبراير، تتضمن أركاناً للصقور والخيول والحرف اليدوية، إلى جانب أنشطة للأطفال والرسم والحناء، وعكست احتفالات مدينة جدة العمق التاريخي ليوم التأسيس وتعزيز مظاهر الفخر بالهوية الوطنية.

وفي منطقة تبوك، نظم الاحتفاء بيوم التأسيس من خلال 23 فعالية وطنية وثقافية وتراثية في مدن ومحافظات المنطقة، بمشاركة جهات حكومية وخاصة، أبرزت العمق التاريخي للمناسبة، وعززت قيم الانتماء والاعتزاز بالهوية الوطنية.


مسجد القبلتين... لحظة مفصلية في التاريخ الإسلامي

منذ تلك اللحظة التاريخية اكتسب المسجد اسمه التاريخي الخالد (واس)
منذ تلك اللحظة التاريخية اكتسب المسجد اسمه التاريخي الخالد (واس)
TT

مسجد القبلتين... لحظة مفصلية في التاريخ الإسلامي

منذ تلك اللحظة التاريخية اكتسب المسجد اسمه التاريخي الخالد (واس)
منذ تلك اللحظة التاريخية اكتسب المسجد اسمه التاريخي الخالد (واس)

على ربوة من الحرة الغربية في المدينة المنورة، يقف «مسجد القبلتين» شاهداً حياً على لحظة مفصلية في التاريخ الإسلامي؛ حيث لم يكن مجرد بناء من اللبن والسعف وجذوع النخيل عند تشييده في العام الثاني للهجرة، بل كان مسرحاً لحدث غيّر وجهة الصلاة في العالم أجمع.

تعود ذاكرة اللحظة المفصلية إلى يوم الـ15 من شعبان في العام الثاني للهجرة (واس)

قصة التحول: من القدس إلى مكة

تعود ذاكرة المكان إلى الـ15 من شعبان في العام الثاني للهجرة، حينما كان النبي محمد، يزور أم بشر من بني سلمة، وأثناء أدائه لصلاة الظهر، نزل الوحي الإلهي بآية كريمة، ليتحول النبي والمصلون خلفه في منتصف الصلاة من استقبال بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة. وبتلك الركعات التي انقسمت بين قبلتين، اكتسب المسجد اسمه التاريخي الخالد، وبات مزاراً لا تغيب عنه شمس الزوار.

يحكي الدكتور عبد الرحمن الوقيصي، الباحث في التاريخ، حكاية المسجد وتاريخيته، وقال حينما خلت البقاع حول مسجد النبي، أراد بنو سلمة أن ينتقلوا من ديارهم، التي هي اليوم منطقة مسـجد القبلتين وما حولها، إلى قرب المسـجد النبوي، فنهاهم النبي، وقال لهم حديثه المشهور: (يا بني سلِمةَ دِيارَكم تُكتَبْ لكم آثارُكم) قالها ثلاثاً.

ويضيف الوقيصي: «من هنا يظهر إعطاء النبي هذا المسجد، وما حوله أهمية خاصة، حتى لا تُهجر هذه المنطقة، وحتى يُكتب لهم أجر الصلاة في مسجدهم، الذي كان يعرف أصلاً باسم مسجد بني سلم في ذلك الوقت، وحتى يُكتب لهم أيضاً أجر القدوم إلى النبي والعودة إلى ديارهم في كل مرة يقدمون عليه».

عند تشييده في العام الثاني للهجرة كان المسجد مسرحاً لحدث غيّر وجهة الصلاة في العالم أجمع (واس)

رحلة الإعمار والازدهار

لم ينقطع اهتمام المسلمين بهذا المعلم عبر العصور؛ فقد جدده عمر بن عبد العزيز عام 87هـ، ثم شاهين الجمالي عام 893هـ، وصولاً إلى العصر العثماني في عهد سليمان القانوني.

إلا أن النقلة النوعية الكبرى بدأت في العهد السعودي، انطلاقاً من أمر الملك عبد العزيز، بتجديد عمارته وتوسعته وبناء مئذنة له لتصل مساحته إلى 425 متراً مربعاً.

واستمرت عجلة التطوير في عهد الملك فهد بن عبد العزيز، الذي أمر بإعادة بناء المسجد وتوسعته وفق أحدث التقنيات الهندسية مع الحفاظ على الهوية الإسلامية، وصولاً إلى التحسينات المستمرة في عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز لخدمة ضيوف الرحمن.

أضيف إلى تاريخية المسجد مركز حضاري يستقبل الملايين سنوياً (واس)

رؤية حضارية لـ 8 ملايين زائر

واليوم، يشهد المسجد تحولاً جديداً تحت إشراف هيئة تطوير المدينة المنورة من خلال «مركز القبلتين الحضاري»، وهو مشروع تطويري شامل يهدف لتعزيز تجربة الزوار وربط التاريخ بالحاضر.

وتشمل أبرز ملامح التطوير الحديث، زيادة الطاقة الاستيعابية حيث قفزت القدرة الاستيعابية للمسجد والساحات الخارجية لتستوعب أكثر من 20 ألف مصلٍ في وقت واحد، إضافة إلى التجهيزات اللوجيستية، وتزويد الموقع بـ50 مظلة ذكية مزودة بمراوح رذاذ، بالإضافة إلى مواقف ضخمة تتسع لـ300 حافلة.

وسجل المركز أرقاماً قياسية، حيث استقبل أكثر من 8 ملايين زائر خلال عام 2025، ما يجعله إحدى أكثر الوجهات الدينية والسياحية جذباً في المنطقة. ويقع المركز على بُعد نحو 5 كم شمال غربي المسجد النبوي، ويفتح أبوابه على مدار الساعة، ليقدم نموذجاً فريداً يجمع بين الروحانية التاريخية والخدمات العصرية، مؤكداً مكانة المدينة المنورة وجهة عالمية للحضارة الإسلامية.


أعمال درامية رمضانية تحاكي مآسي «حقبة الأسد» في سوريا

الفنان السوري جمال سليمان (أرشيفية - حساب سليمان على فيسبوك)
الفنان السوري جمال سليمان (أرشيفية - حساب سليمان على فيسبوك)
TT

أعمال درامية رمضانية تحاكي مآسي «حقبة الأسد» في سوريا

الفنان السوري جمال سليمان (أرشيفية - حساب سليمان على فيسبوك)
الفنان السوري جمال سليمان (أرشيفية - حساب سليمان على فيسبوك)

في باحة سجن، يجثو رجال على الأرض مطأطئي الرؤوس وأرجلهم مقيّدة بسلاسل، بينما يصرخ بهم آمر السجن: «أنا هنا من يُحيي ويميت»، في مشهد تمثيلي يختصر عنف السجون في حقبة الحكم السابق في سوريا، التي تشكل محور مسلسلات عدة بدأت تُعرض في موسم شهر رمضان.

وتستحوذ السجون تحديداً وما شهدته أقبيتها وزنازينها من جرائم تعذيب وإخفاء قسري وإعدامات على اهتمام صناع الدراما، بعدما كانت معالجتها من المحرمات قبل إطاحة الرئيس المخلوع بشار الأسد الذي حكمت عائلته البلاد لعقود بقبضة من حديد.

في بلدة زوق مكايل شمال شرقي بيروت، تحوّل معمل صابون مهجور إلى نسخة عن سجن صيدنايا، تُصوّر فيه الحلقات الأخيرة من مسلسل «الخروج إلى البئر» الذي يستعيد عصياناً شهيراً شهده السجن عام 2008، وأسفر عن مقتل العشرات.

ويقول مخرج المسلسل الأردني محمّد لطفي لوكالة الصحافة الفرنسية: «سجن صيدنايا بالنسبة إلى السوريين هو المكان المظلم» المليء بالقصص.

ويضيف: «نركّز في العمل على جزئية في مرحلة تاريخية معينة هي عصيان 2008، عندما انتفض السجناء على الجنود وسيطروا على السجن وحصلت مفاوضات بينهم وبين جهاز المخابرات السورية».

يرصد المسلسل، وفق كاتبه سامر رضوان، واقع علاقة التيارات الإسلاموية مع النظام السابق حينها، وما ترتب عليها من انعكاسات اجتماعية.

صور لمفقودين يُعتقد أنهم كانوا في سجن «صيدنايا» معلّقة بساحة المرجة وسط دمشق (أرشيفية - رويترز)

في أحد مشاهد الحلقة الأولى، يتعرض المعتقلون فور وصولهم إلى سجن صيدنايا لـ«ترحيب» على طريقة السجانين: إهانات وشتائم وضرب وحشي، قبل أن يخاطبهم آمر السجن بالقول: «هذا (المكان) لا يسمى سجناً، اسمه مطهر»، مضيفاً: «إما أن تطهّروا أرواحكم وعقولكم من الأفكار الخبيثة، وإما سأدعكم تشتهون نار جهنم ولا ترونها».

يُعدّ سجن صيدنايا من أكبر السجون في سوريا، وكان مخصصاً للمعتقلين السياسيين وسجناء الحق العام، وهو يشكل وصمة عار في تاريخ حكم عائلة الأسد وجرحاً مفتوحاً لعشرات آلاف العائلات السورية. وقد وصفته منظمات حقوقية بأنه «مسلخ بشري».

تقدّر رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا عدد من دخلوه منذ انطلاق احتجاجات عام 2011 بنحو ثلاثين ألفاً، عدا عمن دخلوه قبل ذلك، لم يخرج منهم على قيد الحياة سوى ستّة آلاف فقط، بعد سقوط الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024.

خوف الممثلين

في المشهد الأول من المسلسل، يظهر الممثل السوري جمال سليمان، بدور السجين سلطان، في حوار قاسٍ مع أفراد أسرته، قبل أن يقفز بطلب منهم إلى بئر عميقة، في مشهد يعكس الصراعات والضغوط التي تحاصر عائلات المعتقلين في سوريا، لذنب وحيد: أنها عائلة معتقل، قد تجهل مصيره لسنوات وتتخبط بين فروع الأمن بحثاً عن أثر له.

صورة ضخمة لبشار الأسد ملقاة على الأرض بعد هروبه على أرضية القصر الرئاسي في دمشق 8 ديسمبر 2024 (أرشيفية - أ.ب)

في منشور على «فيسبوك» قبل بدء عرض المسلسل على شاشات قناة «العربي 2» وتطبيق «العربي بلس» والقناة الثانية في شبكة «تلفزيون سوريا»، ذكر الكاتب سامر رضوان أنه أنهى كتابة المسلسل «قبل سقوط نظام الأسد بأربعة أشهر».

لكن تحديّات عدة حالت، وفق ما أبلغ مخرج المسلسل وكالة الصحافة الفرنسية نهاية العام الماضي، دون بدء التصوير قبل إطاحة الأسد، على رأسها خوف الممثلين حينها من رد فعل السلطات.

القيصر

أما بعد فرار الأسد من سوريا، فباتت القضايا المرتبطة بحكمه وعائلته محور اهتمام صناع الدراما. ويعرض مسلسل آخر بعنوان «القيصر: لا زمان ولا مكان»، شهادات وتجارب من داخل المعتقلات خلال سنوات الحرب. ومنذ عرض حلقته الأولى، أثار جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي.

فعرض مسلسلات توثق تجارب المعتقلين يثير انتقادات عائلات لا تزال تنتظر معرفة مصير أبنائها، وتحمل على السلطة الجديدة عدم جعلها الملف من أولوياتها.

في بيان صدر الأربعاء، أكدت رابطة عائلات قيصر، نسبة إلى ملفات قيصر التي ضمّت أكثر من خمسين ألف صورة لمعتقلين قضوا في السجون السورية إبان قمع الاحتجاجات، رفضها «القاطع لتحويل مأساتنا إلى مادة درامية تُعرض على الشاشات». وقالت: «أنين أبنائنا ليس مادة للتداول الفني»، مطالبة بتحقيق العدالة في المحاكم.

«المحافظة 15»

من سجن صيدنايا تحديداً، تبدأ قصة المسلسل «المحافظة 15» مع خروج لبناني وسوري منه بعد إطاحة الأسد.

من خلال قصة لبناني أمضى أكثر من 20 عاماً في الاعتقال وظنت عائلته أنه تُوفي، يستعيد المسلسل، وفق ما يشرح منتجه اللبناني مروان حداد لوكالة الصحافة الفرنسية، هيمنة الحُكم السوري السابق على حياة اللبنانيين.

ويسلّط الضوء من خلال لجوء عائلة المعتقل السوري إلى لبنان، على ظاهرة اللجوء إلى البلد الصغير الغارق في أزماته وفي تاريخ من العلاقة المتوترة مع سوريا. وتشرح كاتبة السيناريو اللبنانية كارين رزق الله: «عشنا لسنوات نردد أننا لا نريد أن يصبح لبنان المحافظة 15، وحاربنا كلٌّ على طريقته وفي مجاله».

ومنذ دخول الجيش السوري إلى لبنان عام 1976 حتى خروجه عام 2005، تحكّمت دمشق بكل مفاصل الحياة السياسية واتُّهمت باغتيال سياسيين وصحافيين ورجال دين لبنانيين معارضين لحافظ الأسد ومن بعده ابنه بشار، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

ولا تزال عائلات لبنانية تنتظر معرفة مصير أبنائها من المخطوفين في سوريا. وتشرح رزق الله: «يعرف بعضهم في قرارة أنفسهم أن أبناءهم رحلوا، لكنهم في حاجة إلى خاتمة لهذه القضية، وإلى معرفة هل توفي هذا الشخص؟ في أي تاريخ وفي أي مكان».