الأدب السعودي أمام متغيرات المرحلة

في مجاميع صدرت بعد الألف الثانية انفتح أفق لشعرية أكثر رحابة

الأدب السعودي أمام متغيرات المرحلة
TT

الأدب السعودي أمام متغيرات المرحلة

الأدب السعودي أمام متغيرات المرحلة

ينقل الناقد المصري عمار علي حسن في كتابه «النص والسلطة والمجتمع» عن نجيب محفوظ قوله إن انحسار عهد عبد الناصر جرد الكتّاب من مصدر كان يمد الكتابة بالحيوية، كما تمثلت في مخاتلة الرقيب بغية تناول موضوعات لم يكن من المسموح تناولها. يقول محفوظ: «إن المبدعين في السبعينات كانوا أحراراً في أن يقولوا ما يشاءون في أحاديثهم ومقالاتهم، وهو ما جنى على الجانب الإبداعي لديهم، حيث لم تكن أمامهم تحديات كتلك التي وجدت في الستينات، والتي قادت إلى إنجاز الأعمال الإبداعية، بما فيها من رموز وإسقاطات للتعبير عما يريدونه».
هذا الرأي صحيح إلى حد بعيد، أي ليس على إطلاقه، ولا أظن محفوظ قصد الإطلاق، ذلك أن في مصر، كما في كل البلاد العربية ودول أخرى كثيرة في العالم، ظل هامش الكتابة مقيداً بأطر تتسع أو تضيق، لكنها ظلت قائمة. صحة الرأي في نسبيته، أي أنه بالقياس إلى ما كان عليه الوضع يمكن القول إن هامشاً قد اتسع. ذلك الاتساع مهم في كل الحالات، حتى حين نسلّم بنسبيته. وهو مهم أيضاً للتعرف على الأثر الذي يتركه في طبيعة الكتابة الأدبية والإنتاج الثقافي بأنواعه المختلفة من الفكر إلى الفن إلى العلم.
ملاحظة نجيب محفوظ مطروحة اليوم على بيئات اجتماعية وثقافية تعيش عهداً غير مسبوق من الانفتاح الاجتماعي؛ حيث اتسع هامش المسموح به اتساعاً لم يكن من المحلوم به لدى معظم الراغبين فيه المنادين إليه. ولعل البيئة السعودية هي التي ستخطر ببال من يقرأ هذا الكلام. ذلك أن المملكة منذ سنوات قلائل كانت تعيش حالة اختناق اجتماعي وثقافي قد يسميه البعض ضوابط أو التزاماً، وهناك من سيسميه محافظة، ومن المؤكد أن هناك من يراه الطريق القويم الذي ضل عنه المجتمع. لكن هناك من سيراه الطريق المطلوب منذ أمد بعيد، أي الابتعاد عن طرق التشدد غير المبرر، والقسر الاجتماعي الذي لا تقره سماحة الدين واتساع مساحة الاختلاف وتعدد الآراء في كثير من المسائل.
الأدب السعودي منذ بدايته هو قصة التفاعل وسط بيئات اجتماعية وثقافية محافظة، ومساعي الكتّاب للوصول إلى منطقة من التوازن التي تسمح بإنتاج أعمال تحقق معادلة الجمال والقيمة الدلالية ضمن القيم والضوابط السائدة. ولكن تلك البيئات لم تكن متماثلة في درجة الانفتاح أو المحافظة. كانت دائماً بيئات مختلفة باختلاف مناطق المملكة التي جمعت أطراف الجزيرة العربية؛ من الحجاز المتاخم لمصر والسودان حتى الأحساء الخليجية، ومن الشمال القريب من الشام حتى عسير ونجران وجيزان في جنوب الجزيرة العربية، وصولاً إلى نجد التي ظلت معزولة نسبياً وسط الجزيرة إلى أن اتسعت صلاتها مع تطور الدولة وتعدد مشارب التأثير وقنوات الاتصال. تنوع جغرافي وسكاني وثقافي انعكس بالضرورة على المنتج الفكري والثقافي، وأفرز من ثم صوراً مختلفة من التفاعل البيئي على امتداد ما يقارب القرن من النشاط والإنتاج المتعدد والمتأثر ببيئات قريبة؛ مصر والشام والعراق واليمن، بل الهند وإيران، وغيرها.
ذلك التعدد أو التنوع في الإنتاج وما صاحبته من حريات وقيم متفاوتة هو الذي تأثر بصورة مباشرة بما مرت به المملكة في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، أو بالتحديد بعد حادثة الحرم المكي على يد جماعات حملت لواء التشدد والاعتراض على ما كانت المملكة تحققه على مستويات تنموية شملت الفنون والحياة الاجتماعية والاقتصادية. الأعمال الأدبية التي صدرت في تلك الفترة كانت مرايا لما كان يحدث بقدر ما كانت محاولات متواصلة لاختراق القيود الصماء التي أقامها جهاديون وبعض المنتمين لهيئة الأمر بالمعروف، أو من قدموا أنفسهم إلى المجتمع على أنهم حماة للفضيلة. في روايات لكتاب مثل تركي الحمد وبدرية البشر ويوسف المحيميد، وقصائد لشعراء مثل فوزية أبو خالد ومحمد الثبيتي وعبد الله الصيخان، ومقالات وروايات لكتاب مثل عبد الله بن بخيت، وقصص قصيرة لمحمد علي علوان وصالح الأشقر، وأعمال لغازي القصيبي، من بينها ردوده على خطاب التشدد الديني ومساجلاته معهم، في كل ذلك وغيره كثير قلق وغضب ومحاولات متصلة لاستعادة صوت الاعتدال والانفتاح النسبي، بغية اختراق القيود التي لم تفرضها الدولة بقدر ما أقامتها تلك الجماعات المتطرفة على اختلاف توجهاتها.
ذلك الخطاب المناهض للتشدد لم يكن بطبيعة الحال هو كل ما هنالك، فقد أنتج كثيراً مما ليس له صلة بالتشدد الديني، فما أنتجه من أساليب لمواجهة ذلك الخطاب وفي مسعى لمناهضته وتجاوزه، تحول إلى سمة لأعمال أدبية كثيرة حتى صار جزءاً أساسياً لفهم المشهد الثقافي والإبداعي السعودي. بمعنى أننا لكي نعرف الأعمال الأدبية من سرد وشعر علينا أن نتذكر أنها كتبت وفي خلفيتها رفض ضمني لما انتشر من تطرف ديني. والسؤال الآن: بانحسار ذلك التطرف، إلى أين سيتجه أولئك الذين تشكل خطابهم الإبداعي على مناهضة تلك التوجهات الجهادية والوعظية المتطرفة؟
لن تكون المشكلة بطبيعة الحال نضوب القدرات الإبداعية، وإنما ستكون نضوب مفردات التعبير الشعري واستراتيجيات السرد والبلاغة التي تشكلت ضمن تلك المواجهات. أي أن تلك المفردات والاستراتيجيات قد تصاب بما سمّته سلمى الخضراء الجيوسي «الإرهاق الجمالي»، أي افتقارها للقيمة الإبداعية. وفي تقديري أن من بين سمات الخطاب الذي تشكل من تلك المفردات والسمات سمة الغموض أو الرموز الشعرية المتخفية، لا لأسباب فنية فحسب وإنما أيضاً للالتفاف على خطاب التطرف. من أمثلة ذلك قول الشاعر عبد الله الصيخان مخاطباً الوطن:
وأنت البسيط
البسيط، فقل للعصافير
إن الفضاء مديح اتساع لعينيك كي لا تطير
فإن العصافير خائفة،
فكن وطني ممعناً في الهدوء
لكي تعتلي ذروتك.
أو في قول محمد الثبيتي:
«صب لنا وطناً في الكؤوس
يدير الرؤوس»،
أو قوله في موضع آخر:
فارتبت في الأوطان
«لا تحمي العليل من الردى»
وارتبت في الشطآن
«لا تروي الغليل من الصدى»
فذهبت في بحر الجنون عميقا.
إنه النداء لوطن أحس أولئك بأنه مختطف وغريب. ذلك الاختطاف هو الذي جعل محمد العلي -أحد رواد الحداثة الشعرية- يقول: «لا ماء في الماء»، أي لا وطن في الوطن. لكن وقع الاختطاف كان أشد ما يكون على المرأة. وقد وجدت الشاعرة فوزية أبو خالد اختصاراً مجازياً له في عنوان ديوانها «إلى متى يختطفونك ليلة العرس؟» كما في خطاب الاحتجاج الشعري الفائر في تضاعيف ذلك الديوان.
في مجاميع شعرية صدرت بعد الألف الثانية، استطاع الخطاب الشعري لدى فوزية أبو خالد نفسها ولدى غيرها مثل علي الدميني ومحمد الدميني وأشجان الهندي وأحمد الملا، وشعراء تلك الألفية مثل محمد إبراهيم يعقوب وعبد اللطيف بن يوسف وهيفاء الجبري وعبد الوهاب أبو زيد وغيرهم، أن يفتحوا أفقاً لشعرية أكثر رحابة في انفتاحها على الإنساني والعاطفي، مثلما حدث لدى روائيين مثل أميمة الخميس ومحمد حسن علوان وعبده خال وآخرين. لكن ذلك الانفتاح على المختلف من الهموم والانشغالات لم يشمل الجميع أو الأكثرية بعد. وحين يحدث ذلك فسيصل المنتج الأدبي إلى فضاءات مغايرة؛ لكنها لن تخلو من تحديات أخرى وهموم مرحلة مختلفة. ذلك أن خفوت حس التطرف وسطوته لا يعني الوصول إلى «يوتوبيا» موعودة، بل إن لهذه المرحلة مشكلاتها أو تحدياتها التي نرى كثيراً منها حولنا. وفي طليعتها التشظي الاجتماعي أو تراخي العلاقات الأسرية، وطغيان الفردية والعلاقات السائلة. كما أن منها تراجع الهوية الثقافية تحت ضغوط العولمة؛ سواء تمثل ذلك في طغيان الإنجليزية في التواصل اليومي، أو تبني عادات وأنماط سلوكية ومظهرية غربية. ولنتذكر هنا أن الحداثة الأدبية التي انتشرت في الثمانينات لم تنحصر في مواجهة التزمت الديني، وإنما تضمنت أيضاً مواجهة لبعض النتائج السلبية للحداثة نفسها، بطغيان المدن التي «بلا قلب»، بتعبير أحمد عبد المعطي حجازي. تلك المدن هي عنوان المرحلة اليوم بإيجابياتها وسلبياتها، وليس أكثر من الأدب وعياً بتلك المتغيرات وتفاعلاً معها. السؤال هو: أي لغة سيطورها الأدب لمواجهة تلك المتغيرات؟ وأي موقف سيتخذ؟
إن الأدب الجاد ليس ناتجاً للبهجة ولا لليأس، وإنما هو ناتج للتفاعل الشفاف والمعمق، أي المركّب، مع ما يحدث داخل الإنسان وخارجه، ولعل عبارة للشاعر الآيرلندي ييتس تختصر بعض ذلك، حين قال: «من خصومتنا مع الآخرين تنتج البلاغة، ومن خصومتنا مع أنفسنا ينتج الشعر».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

من الشاشة إلى الحامل الخشبي... جيل «زد» يبحث عن نفسه في الرسم

الرسم على الحامل الخشبي (مجلة إنهر ستوديو)
الرسم على الحامل الخشبي (مجلة إنهر ستوديو)
TT

من الشاشة إلى الحامل الخشبي... جيل «زد» يبحث عن نفسه في الرسم

الرسم على الحامل الخشبي (مجلة إنهر ستوديو)
الرسم على الحامل الخشبي (مجلة إنهر ستوديو)

في عصر الذكاء الاصطناعي، يضع شباب الحاضر حوامل الرسم في الحدائق ويعودون إلى الفرشاة والألوان بحثاً عن الهدوء والتجربة الإنسانية. ففي «هايد بارك» وسط لندن، يجلس رسامون شباب خلف صفوف من الحوامل الخشبية، محاولين نقل المشهد من حولهم إلى لوحاتهم. بعضهم يجلس على أغطية النزهات، بينما يحتمي آخرون من الشمس بقبعاتهم، بينما تتوزع حولهم الألوان والفرش.

يبدو المشهد للوهلة الأولى وكأنه عائد من القرن التاسع عشر، لكنه في الحقيقة جزء من ظاهرة متنامية بين أبناء جيل «زد» وجيل الألفية: العودة إلى الرسم في الهواء الطلق، أو ما يعرف بالفرنسية بـ«بلين إير» (Plein Air).

تقول باتريسروز ماكلين، مؤسسة مجموعة «أمبيانت آرت لندن»: «إنها لاحظت إقبالاً متزايداً من الشباب على جلسات الرسم التي تنظمها المجموعة في الحدائق والأماكن المفتوحة. ويختار المشاركون أحياناً إعادة رسم مشهد مقترح، أو ببساطة التقاط لحظة من حياتهم اليومية وتحويلها إلى لوحة».

من الشاشة إلى الحامل الخشبي (أكاديمية الفنون الافتراضية)

وتعود جذور هذه الممارسة إلى القرن التاسع عشر، عندما بدأ الفنانون بالخروج من الاستوديوهات ووضع حواملهم في الطبيعة لرسم المشاهد كما تراها العين مباشرة، مع تغير الضوء والطقس وحركة الناس. لكن المفارقة أن هذه العودة تحدث اليوم في عصر يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي إنتاج صورة متكاملة خلال ثوانٍ، وفقاً لمجلة «سميثسونيان».

وعلى منصات التواصل الاجتماعي، تنتشر مقاطع لفنانين شباب يوثقون مراحل رسم لوحاتهم في الهواء الطلق، ويقدمون نصائح حول استخدام أدوات بسيطة أو إعادة تدوير علب وأخشاب قديمة لتجهيز معدات الرسم.

ويصف الفنان الأميركي ريمينغتون روبنسون الرسم في الهواء الطلق بأنه أشبه بـ«تأمل قصير». فالفنان، في رأيه، يقضي ساعة أو ساعتين في مراقبة المشهد، محاولاً التقاط تفاصيله بالألوان، بدلاً من الاكتفاء بصورة جاهزة على شاشة. كما أن تغير الضوء، ومرور الأشخاص، وحتى الحشرات أو السيارات التي تظهر فجأة أمام الرسام، تصبح جزءاً من التجربة، وتفرض عليه الصبر والتكيف.

وترى مؤرخة الفن كلير ويلزدون أن هذه الظاهرة تذكّر بحركة «الفنون والحرف» التي ظهرت خلال الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، كرد فعل على السلع المنتجة بكميات ضخمة والتي اعتبرها أنصارها تفتقر إلى الروح الإنسانية. وتقول إن الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي قد يجد في الرسم اليدوي وسيلة للعودة إلى «إيقاعات الطبيعة» وإلى شيء يمكنه التحكم فيه وصنعه بيديه.

وتبدو هذه الرغبة في الابتعاد عن الشاشة واضحة أيضاً في مدارس الفنون، التي تشهد ارتفاعاً في أعداد المتقدمين، وفي انتشار مجموعات الرسم في الحدائق العامة.

ويقول عالم النفس ريتز بيراه إن الناس «يستهلكون كميات هائلة من المحتوى، لكنهم يعيشون عدداً أقل من التجارب» التي يشعرون خلالها بأنهم حاضرون بالكامل.

وهنا تكمن جاذبية الرسم على طريقة فناني القرن التاسع عشر. فاللوحة ليست مجرد نتيجة نهائية، وإنما رحلة تبدأ بالنظر والملاحظة، وتمر بالتجربة والخطأ، وتنتهي بعمل يحمل أثر صاحبه. وفي عالم تستطيع فيه الخوارزميات أن تنتج صورة بضغطة زر، يبدو أن بعض الشباب لا يبحثون عن طريقة أسرع لصناعة الفن، بل عن طريقة أبطأ للعودة إلى أنفسهم.

وربما لهذا السبب يعود جيل «زد» إلى الحوامل الخشبية والفرشاة والألوان؛ ليس هروباً من المستقبل، وإنما بحثاً عن شيء إنساني لا يزال من الصعب على الآلة أن تصنعه... التجربة نفسها.


محمد شيخ: عرض «بارني» في قريتي بالصومال لحظة استثنائية

صور الفيلم في وقت قصير بسبب مشكلات التمويل (مهرجان لوكارنو)
صور الفيلم في وقت قصير بسبب مشكلات التمويل (مهرجان لوكارنو)
TT

محمد شيخ: عرض «بارني» في قريتي بالصومال لحظة استثنائية

صور الفيلم في وقت قصير بسبب مشكلات التمويل (مهرجان لوكارنو)
صور الفيلم في وقت قصير بسبب مشكلات التمويل (مهرجان لوكارنو)

قال المخرج الصومالي محمد شيخ إن فكرة فيلمه الروائي الأول «بارني» (Barni) انطلقت من رغبته في تقديم حكاية عن الشباب الذين ينتقلون من القرية إلى المدينة، مشيراً إلى أنه أراد أن يمزج في تجربته الأولى بين عناصر سينمائية مختلفة تأثر بها خلال نشأته ومشاهدته الأفلام.

وأضاف محمد شيخ، في مقابلة عبر «زووم» مع «الشرق الأوسط» بعد عرض فيلمه مؤخراً ضمن فعاليات مهرجان «لوكارنو السينمائي»، أن نشأته على أفلام «بوليوود، خصوصاً أفلام شاروخان وسلمان خان، إلى جانب أفلام هوليوود، دفعته إلى جمع مجموعة من العناصر التي أحبّها في السينما داخل فيلم واحد، من الحركة البطيئة وقصة الحب إلى الرقص والموسيقى وغيرها».

وتدور أحداث «بارني» (Barni) في قرية صومالية تعيش فيها عائلات من الرعاة، قبل أن يتبدل هدوء المكان بعد اختفاء بارني، الطفلة البالغة 9 سنوات، عقب حفل زفاف احتفالي. ورغم الجهود التي يبذلها أهل القرية للعثور عليها، تظل الطفلة مفقودة، فتقرر شقيقتها الكبرى أمينة، البالغة 18 عاماً، الانطلاق مع صديقيها هيرسي، 19 عاماً، وجيدي، 17 عاماً، في رحلة إلى المدينة بحثاً عنها. ومع انتقالهم إلى البيئة الجديدة، يواجه الثلاثة صعوبات متزايدة في التأقلم والعثور على بارني.

اضطر المخرج لتصوير الفيلم خارج الصومال (مهرجان لوكارنو)

وقال شيخ إن نقص التمويل كان التحدي الأكبر أمام إنجاز الفيلم، لكونه كان يرغب في تصويره داخل الصومال، لكن المخاطر الأمنية دفعت فريق العمل إلى اختيار جيبوتي موقعاً للتصوير، مشيراً إلى أن وجود وكالة سينمائية في جيبوتي وترحيبها بمساعدة فريق الفيلم أسهما في اتخاذ القرار بالتصوير هناك.

وأشار شيخ إلى أن ضيق الوقت كان من أبرز الصعوبات التي واجهته أثناء تصوير الفيلم؛ لأن نقص التمويل انعكس أيضاً على المدة المتاحة لتنفيذ العمل، لافتاً إلى أن نقص الخبرة كان تحدياً آخر، إذ لم يكن على دراية قبل خوض التجربة بكل المعامل السينمائية الدولية والمراحل التي يمر بها صناع الأفلام، لكنه أكد أن التعامل مع هذه التحديات أصبح أكثر سهولة بمجرد بدء التصوير.

وأكد أن أكثر التجارب تأثيراً بالنسبة إليه جاءت بعد الانتهاء من الفيلم، عندما عرضه على الممثلين وعائلاتهم، ثم اصطحبه إلى قريته، لأن هؤلاء الأشخاص كانوا يشاهدون للمرة الأولى فيلماً يتحدث عنهم، من دون الحاجة إلى قراءة الترجمة، وهو ما جعل التجربة شديدة الخصوصية بالنسبة إليه، مشيراً إلى أن ذلك العرض شهد استخدام جهاز عرض لإسقاط الفيلم على حائط، مع مكبرات صوت، في حين تجمع الشباب لمشاهدته، في مشهد كان مؤثراً لأنه يُمثل الجمهور الذي صنع الفيلم من أجله.

مخرج الفيلم محمد شيخ (مهرجان لوكارنو)

وأضاف المخرج أن مشاركة «بارني» في مهرجانات حول العالم منحت الفيلم فرصة للوصول إلى جماهير مختلفة، كما أتاحت له التعرف إلى صناع سينما من بلدان متعددة، مشيراً إلى أن اختلاف ردود أفعال الجمهور من مهرجان إلى آخر كان من أكثر الجوانب التي أسعدته، إذ كان كل جمهور يتفاعل مع الفيلم من زاوية مختلفة. كما رأى في هذه الرحلة فرصة مهمة له بوصفه مخرجاً شابّاً للتعرف إلى عالم المهرجانات وآليات عمله.

وأوضح شيخ أن حضور فيلم صومالي في المهرجانات الدولية كان تجربة فريدة بالنسبة له، خصوصاً مع وجود أفراد من الجالية الصومالية في عدد من المدن التي زارها، لافتاً إلى أن إقامته في الولايات المتحدة جعلت السفر إلى المهرجانات أسهل.

وحصد مشروع فيلم «اقبلوا رجائي للدفن» (Accept My Plea for Burial) للمخرج الصومالي محمد شيخ 20 ألف فرنك سويسري، ضمن منحة «أبواب مفتوحة» (Open Doors Grant)، وهي إحدى الجوائز الرئيسية التي يقدمها برنامج «أبواب مفتوحة» في مهرجان «لوكارنو»، وجاء المشروع ضمن 6 أفلام روائية في مرحلة التطوير اختيرت للمشاركة في منصة الإنتاج المشترك، التي خصصت دورة 2026 لمشروعات من 42 دولة أفريقية.

شاهد الممثلون الفيلم وسط عائلاتهم (مهرجان لوكارنو)

وعن مشروعه السينمائي الجديد، قال شيخ إن المشروع حصل كذلك على تمويل من «صندوق الدوحة للأفلام للإنتاج»، موضحاً أنه بات الآن في مرحلة متقدمة من التطوير، ويعود مرة أخرى من خلاله إلى أجواء القرى الصومالية، ومن المقرر تصويره في الصومال أو إثيوبيا.

وأعرب عن أمله في بدء التصوير خلال الصيف المقبل، على أن يعقب ذلك إعداد نسخة أولية والدخول في معامل ما بعد الإنتاج، تمهيداً لإنهاء الفيلم، وبدء جولته في المهرجانات، متوقعاً أن تكون الانطلاقة الأولى في عام 2028.


الأوبرا تعود إلى لبنان من بوابة «مهرجان ومسابقة بيروت الدولية»

المايسترو فرناندو عفارة يقود الأوركسترا المرافِقة لمارينا فيوتي (الجهة المنظمة)
المايسترو فرناندو عفارة يقود الأوركسترا المرافِقة لمارينا فيوتي (الجهة المنظمة)
TT

الأوبرا تعود إلى لبنان من بوابة «مهرجان ومسابقة بيروت الدولية»

المايسترو فرناندو عفارة يقود الأوركسترا المرافِقة لمارينا فيوتي (الجهة المنظمة)
المايسترو فرناندو عفارة يقود الأوركسترا المرافِقة لمارينا فيوتي (الجهة المنظمة)

في خطوة فنّية تُعدّ الأولى من نوعها في لبنان، تنطلق في 8 سبتمبر (أيلول) المقبل الدورة الأولى من «مهرجان ومسابقة بيروت الدولية للأوبرا»، برعاية وزارتَي السياحة، والثقافة، وبالتعاون مع بلدية زوق مكايل، وجمعية «بيتي»، والسفارة السويسرية في لبنان. ويطمح القائمون على الحدث لإعادة لبنان إلى موقعه الريادي على الخريطة الثقافية العالمية، في حين يعود الريع إلى صندوق الصليب الأحمر اللبناني.

وتحيي المهرجان النجمة الأوبرالية العالمية مارينا فيوتي، بينما يتولى قيادة الأوركسترا المرافقة لها المايسترو فرناندو عفارة، مؤسِّس جمعية «Les Solistes de Beirut».

وتشير رئيسة جمعية «بيتي» المشاركة في التنظيم، الدكتورة جوزفين زغيب، إلى أنّ الهدف الأساسي من هذه الخطوة يتمثّل في تشجيع المواهب الناشئة على خوض تجربة غناء الأوبرا. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «شكّل لبنان مركزاً ريادياً لمختلف الفنون، وكان فنّ الأوبرا أحدها، لكن جمهوره لا يزال أقلّ من جمهور الفنون الأخرى. لذلك رغبنا في إحيائه من جديد، ودعم مواهبه من خلال هذا الحدث».

ومن المتوقَّع أن يشارك في المسابقة عدد من الناشئين من لبنان، والعالم. وبعد إخضاع المتقدّمين لامتحان أمام لجنة تحكيم عالمية، سيُختار المرشّحون للتنافس، على أن تُقام المسابقة في مارس (آذار) المقبل. وتوضح زغيب: «تضمّ لجنة التحكيم موسيقيين، وقادة أوركسترا عالميين، وهو ما يتيح للمشاركين فرصة الاحتكاك بأسماء بارزة، والاستفادة من خبراتهم».

وتشيد بالضيفة العالمية، مغنّية الميتزو سوبرانو مارينا فيوتي، التي تحيي حفل المهرجان، وتقول: «إنها فنانة من الطراز الرفيع، وقد سبق أن أحيت الاحتفالات الوطنية في فرنسا، وسويسرا. ونتوقّع أن يحضر الحفل، مساء 8 سبتمبر، نحو 2500 شخص. وقد اعتمدنا أسعاراً مقبولة ليتسنّى لمختلف الفئات الاجتماعية الحضور، لا سيما الطلاب»، مؤكدةً أنّ فيوتي لم تتردَّد في تلبية الدعوة رغم الحرب الدائرة في جنوب لبنان.

يستضيف المدرج الروماني في زوق مكايل فعاليات المهرجان (الجهة المنظمة)

من جهته، يرى المايسترو فرناندو عفارة أنّ مواهب لبنانية كثيرة تنتظر فرصة لإبراز قدراتها في مجال الأوبرا. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الفنّ منتشر في مختلف دول العالم، وهو من الفنون الراقية التي يعود تاريخها إلى أزمنة بعيدة. لذلك فكرنا في أن يكون للبنان مساحة خاصة به، لا سيما أن مهرجانات فنية مثل (البستان) و(بعلبك) تستقدم نجوماً في هذا المجال ضمن برامجها السنوية».

ويضيف: «من خلال المهرجان، والمسابقة، سيتاح للمشاركين التواصل مباشرة مع عالم الأوبرا من خلال لجنة تحكيم متخصّصة، ومن شأن ذلك أن يسهم في اكتشاف مواهب تتطوّر، وتتقدّم مستقبلاً لتصبح من نجوم هذا الفن».

ولا يقتصر المشروع، وفق عفارة، على تنظيم مهرجان، ومسابقة، بل يتطلَّع إلى أن يكون مدخلاً تربوياً لتعريف الجيل الجديد بهذا الفنّ. ويوضح: «يمكن أن تشكّل المبادرة نوعاً من التوعية التربوية لجيل شاب لا يعرف الأوبرا جيداً، فتضعه على الطريق الصحيح لاختبار الفنّ الأصيل بعيداً عن المستهلك، والتجاري».

ويكشف عن أنّ المنظمين يدرسون إقامة ورشات عمل وحلقات لتعريف طلاب الجامعات وتلامذة المدارس بالفنّ الأوبرالي، مضيفاً: «سنقيم صفوفاً تعليمية، وحفلات سنوية لتقريب الجيل الجديد من هذا الفنّ. نريد أن نكون بمنزلة منصة خاصة به، وداعمين أساسيين له».

وعمّا إذا كان يتوقّع نجاح هذه الخطوة في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، والفنّ السريع، يردّ عفارة: «نواجه تحدّيات كثيرة، كما في مجالات أخرى نعاني فيها صعوبات اقتصادية، وثقافية، وفنية. لكننا سنلجأ أيضاً إلى هذه الوسائل للترويج لمشروعنا، بما يُقرّب بين وجهات النظر».

ويضيف: «في الماضي، كنا نتعرَّف إلى الفنون من خلال الأسطوانات المدمجة، والشرائط المسجَّلة. أما اليوم، فأصبحت المسألة أسهل بفضل وسائل التواصل، وهي تلعب دوراً إيجابياً أكثر منه سلبياً».

ورغم أنّ الأوبرا عُرفت على مدى عقود بكونها فناً نخبوياً له جمهوره الخاص، يرى عفارة أنّ ملامحها تبدَّلت، وأصبحت أكثر قرباً من الجمهور بأسلوب حديث، ومعاصر. ويقول: «لقد تغيَّرت ملامحها، وعلينا بدورنا أن نخرجها من دائرة الفنّ النخبوي، وقد سبقنا الغرب إلى ذلك».

تُحيي مغنّية الميتزو سوبرانو مارينا فيوتي النسخة الأولى من المهرجان (الجهة المنظمة)

ويتابع: «صرنا نلاحظ تغيّراً، سواء على صعيد الديكورات، أو طول الأعمال والأغنيات الأوبرالية. كما لعبت التكنولوجيا دوراً، وأفرزت أساليب حديثة في الموسيقى الأوبرالية. ونحن نعوّل أيضاً على القصص الأوبرالية النابعة في غالبيتها من التجربة الإنسانية، وهو ما يسهم في تقريبها من الناس عموماً، كونها تنقل حالات مشبَّعة بالأحاسيس».

ويشير عفارة إلى أنّ المشروع حظي باهتمام وسائل إعلام أجنبية: «لفت إعلاننا إقامة المهرجان والمسابقة هذه الوسائل إليهما، من بينها قنوات تلفزيونية من بلجيكا، وفرنسا، وصحافة أوروبية، وهي مهتمّة بالمجيء إلى لبنان، وتغطية الحدث».

ويختم: «لدى الأجانب فضول دائم للتعرّف إلى الفنون في الشرق الأوسط، ولا سيما الفن الأوبرالي. ونأمل أن يُشكّل هذا المهرجان مساحة تواصل بين لبنان والعالم، ويفتح الباب أمام مواهب جديدة للوصول إلى الساحة الدولية».