جدل مصري ـ إثيوبي حول قرب إتمام «سد النهضة»

خبير شكك في اكتماله بنسبة 90 %... وأديس أبابا تتهم القاهرة بـ«الإلهاء»

صورة لتدفق مياه النيل عبر «سد النهضة» (وزارة الخارجية الإثيوبية)
صورة لتدفق مياه النيل عبر «سد النهضة» (وزارة الخارجية الإثيوبية)
TT

جدل مصري ـ إثيوبي حول قرب إتمام «سد النهضة»

صورة لتدفق مياه النيل عبر «سد النهضة» (وزارة الخارجية الإثيوبية)
صورة لتدفق مياه النيل عبر «سد النهضة» (وزارة الخارجية الإثيوبية)

أثار إعلان إثيوبيا الانتهاء بنسبة 90 % من إجمالي عملية بناء «سد النهضة» على نهر النيل، جدلاً واسعاً بين القاهرة وأديس أبابا. ففي حين شكّك خبير مياه مصري في حقيقة اكتماله بهذه النسبة، اتهم مسؤول إثيوبي القاهرة بـ«محاولة الإلهاء لإحداث ربكة بشأن تقنيته ‏وتشغيله».
وتبني إثيوبيا «سد النهضة» على الرافد الرئيسي لنهر النيل، منذ عام 2011. ووفق الهيئة الحكومية المسؤولة عن المشروع، فقد اكتمل 90 % من عمليات البناء. وقال «مكتب التنسيق الوطني لبناء السد»، بمناسبة الذكرى الـ12 لوضع حجر الأساس، إن «90 % من أعمال البناء في السد أُنجزت».
وأشاد المكتب بمساهمات الإثيوبيين في المشروع من حيث التمويل والخبرة والعمالة، كما شكروا الدبلوماسيين الذين دافعوا عن المشروع دولياً.
لكن خبير المياه المصري الدكتور المصري عباس شراقي اعتبر الإعلان الإثيوبي «مُبالَغاً فيه»، قائلاً، في منشور له عبر صفحته بموقع فيسبوك، إن «نسبة البناء في سد النهضة حوالى 78 % (85 % خرسانة، 70 % كهرباء).
وأوضح شراقي، وهو أحد الخبراء البارزين والمعنيين بقضية السد، أن أديس أبابا كانت قد أعلنت، عام 2021، أن نسبة الانتهاء من بناء السد بلغت 80 %، في حين كانت في عام 2019، 70 %، ولهذا من المتوقع أن تنتهي إثيوبيا من البناء بشكل كامل عام 2025، مشيراً إلى أن المتبقي من الخرسانة حوالى 1.6 مليون متر مكعب من إجمالي السد، طبقاً للشركة المنفذة «We Build»؛ أي بنسبة 85 %.
وتابع قائلاً: «أما الكهرباء فهي متأخرة، حيث إنه لم يجرِ تركيب سوى توربينين اثنين فقط من إجمالي 13 توربيناً، والعمل في تركيب التوربينات يحتاج إلى وقت كبير وأعمال فنية دقيقة».
واستغرق تركيب التوربينين حوالي سنتين، ولم يعملا معاً حيث تعثّر الانتهاء من الثاني في افتتاح الأول يوم 20 فبراير 2022، في حين أن الثاني جرى تدشينه بعد 6 أشهر من التوربين الأول.
ونشر شراقي صورة من الأقمار الصناعية قال إنها تشير إلى استمرار فتح بوابة التصريف الشرقية مع تشغيل محدود لتوربين واحد أو اثنين، مع استمرار انحسار البحيرة وبُعدها عن سد السرج.
وأنهت إثيوبيا، في يوليو 2021، المرحلة الثانية من ملء الخزان، وفي أغسطس 2022 أنهت المرحلة الثالثة، في حين من المنتظر أن تنهي أديس أبابا المرحلة الرابعة من الملء بحلول الصيف. وبدأت إثيوبيا بالفعل توليد الكهرباء من سد النهضة في فبراير (شباط) 2022.
وتخشى مصر من تأثر حصتها في مياه النيل جراء السد، وتطالب القاهرة، ومعها الخرطوم، باتفاق قانوني مُلزم ينظّم عمليتي ملء وتشغيل السد، بينما تدفع أديس أبابا بإنشاء السد «الكهرومائي»؛ بداعي حقّها في التنمية عبر استغلال مواردها المائية.
وفي تصريحات، لـ«الشرق الأوسط»، اعتبر أستاذ القانون الدولي محمد مهران أن إعلان الحكومية الإثيوبية اكتمال نسبة 90 % من عمليات بناء السد، قبل الوصول لاتفاق قانوني مع الأطراف المشتركة في الحوض الدولي، يشكل خرقاً إثيوبياً جديداً للقانون الدولي، مشيراً إلى تعمد أديس أبابا انتهاك الاتفاقيات والمعاهدات الدولية عبر تصرفات أحادية تهدد حياة الشعبين المصري والسوداني.
ولفت إلى أن استكمال عمليات بناء السد، دون تنسيق مع دولتي المصب، سيؤدي لأخطار اقتصادية واجتماعية وبيئية، ولا سيما أن الدولة المصرية تعتمد اعتماداً كلياً على نهر النيل مصدراً للمياه.
في المقابل اعتبر مدير اتصالات الطاقة الكهربائية الإثيوبية موغس ميكونين التصريحات المصرية عن سد النهضة وفكرة الأمن المائي «إلهاء لإحداث ربكة بشأن تقنيته ‏وتشغيله». وقال ميكونين، في تصريحات لشبكة «فانا» الإثيوبية، إن «المستوى العالي من الأمن المائي يحقق أقصى استفادة من المياه للبشر والنظم البيئية، ويحدّ من مخاطر الآثار المدمرة المرتبطة بالمياه».
وقبل أسابيع حذَّر وزير الخارجية المصري سامح شكري، في تصريحات مُتَلفزة، من أن «خيارات مصر بشأن أزمة سد النهضة الإثيوبي مفتوحة، وإن لها الحق في الدفاع ‏عن مقدَّرات ومصالح شعبها». في حين ردّت وزارة الخارجية الإثيوبية، في بيان، بأن «مثل هذا التهديد يشكل خرقاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة، والقانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي»، وطالبت مصر بـ«أن تكفّ عن تصريحاتها القاسية وغير القانونية».
وانتقد ميكونين الحديث المصري عن أن ملء السد وتشغيله ستكون له تداعيات اقتصادية وبيئية واجتماعية كبيرة، لافتاً إلى أن السد «سيضاعف توليد الكهرباء في إثيوبيا، ويُحتمل أن يحفز النمو الاقتصادي للبلاد، من خلال الزيادات في إنتاج القطاعات المعتمدة على الكهرباء، وكذلك القطاعات الأخرى».
وأضاف أن «تصدير الطاقة يخلق تكاملاً اقتصادياً سلمياً، من خلال تقاسم الموارد المتبادلة، ومن ثم تأمين الاستثمار الأجنبي المباشر لدول المنطقة».
وشدّد على أن الغرض من سد النهضة هو «انتشال الملايين من الفقر وتوفير الكهرباء لأكثر من 60 مليون إثيوبي، وتوفير الكهرباء بأسعار معقولة للقطاعات الخدمية والصناعية والزراعية والاقتصادية».
وتنظر مصر للسد الإثيوبي باعتباره «خطراً وجودياً» يهدد حياة الملايين من مواطنيها. ووفق وزير الموارد المائية المصري هاني سويلم، فإن «الممارسات الأحادية غير التعاونية في تشغيل هذا السد، المُبالَغ في حجمه، يمكن أن يكون لها تأثير كارثي».
وقال سويلم، أمام الجلسة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2023، نهاية الأسبوع الماضي، إنه «في حالة استمرار تلك الممارسات على التوازي مع فترة جفاف مطوّل، قد ينجم عن ذلك خروج أكثر من مليون ومائة ألف شخص من سوق العمل، وفقدان ما يقرب من 15 % من الرقعة الزراعية في مصر، ومضاعفة فاتورة واردات مصر الغذائية».


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


مصر تُحذر من تقسيم «الضفة» وعزل القدس الشرقية

السفير الهولندي لدى فلسطين ميشال رينتينار خلال زيارة بلدة قصرة جنوب نابلس بالضفة الغربية الثلاثاء الماضي (إ.ب.أ)
السفير الهولندي لدى فلسطين ميشال رينتينار خلال زيارة بلدة قصرة جنوب نابلس بالضفة الغربية الثلاثاء الماضي (إ.ب.أ)
TT

مصر تُحذر من تقسيم «الضفة» وعزل القدس الشرقية

السفير الهولندي لدى فلسطين ميشال رينتينار خلال زيارة بلدة قصرة جنوب نابلس بالضفة الغربية الثلاثاء الماضي (إ.ب.أ)
السفير الهولندي لدى فلسطين ميشال رينتينار خلال زيارة بلدة قصرة جنوب نابلس بالضفة الغربية الثلاثاء الماضي (إ.ب.أ)

حذَّرت مصر من تقسيم الضفة الغربية وعزل القدس الشرقية. وأدانت بأشدِّ العبارات إقدام إسرائيل على تنفيذ المشروع الاستيطاني الإسرائيلي «إي 1» في الضفة الغربية المحتلة.

وقالت إنه «يهدف إلى تقسيم الضفة الغربية، وتطويق وعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني، بما يقوِّض التواصل الجغرافي للأراضي الفلسطينية ويهدِّد فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة».

وأعربت مصر في بيان لوزارة الخارجية، الخميس، عن رفضها الكامل لمحاولات تكريس سياسة الأمر الواقع من خلال التَّوسُّع الاستيطاني غير الشرعي وتغيير الوضع القانوني والديموغرافي للأراضي الفلسطينية المحتلة، بما يقوِّض فرص تنفيذ «حل الدولتين».

وطالبت المجتمع الدولي بالاضطلاع بمسؤولياته واتخاذ خطوات جادة لوقف هذه الانتهاكات، مؤكدة «تمسكها بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط 4 يونيو (حزيران) 1967، وعاصمتها القدس الشرقية».

في غضون ذلك، أكد الأمين العام لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، أنَّ «إسرائيل تواصل التَّصرُّف بوصفها دولةً مارقةً، تضرب عرض الحائط بالقانون الدولي وقواعده وأعرافه، وتنتهك بصورة متكرِّرة سيادة الدول وسلامة أراضيها، في ظلِّ غياب الردع والمحاسبة الدوليَّين».

وقال الأمين العام في إفادة، الخميس، إنَّ ما تشهده المنطقة خلال الأيام الأخيرة يقدِّم دليلاً جديداً على خطورة هذا النهج؛ من المضي في تنفيذ المشروع الاستيطاني «إي 1» في الضفة الغربية المحتلة وطرح عطاء لبناء وحدات استيطانية جديدة؛ بهدف فرض وقائع جغرافية وديموغرافية جديدة وتقسيم الضفة وعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني، إلى الاعتداء الإسرائيلي الأخير على الأراضي السورية، وصولاً إلى استمرار الغارات والقصف الإسرائيليَّين على الأراضي اللبنانية.

وشدَّد على أنَّ هذه الانتهاكات لا يمكن النظر إليها بوصفها أحداثاً منفصلة، أو تبريرها تحت أي ذرائع أمنية مختلقة، وإنما هي تعكس نهجاً متصلاً يقوم على استخدام القوة وفرض الأمر الواقع وانتهاك سيادة الدول وسلامة أراضيها.

وذكّر فهمي بأنَّ قرار مجلس الأمن رقم «2334» لعام 2016 أكد بطلان جميع الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير تكوين الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 وطابعها ووضعها، بما فيها القدس الشرقية. كما طالب مجلس الأمن بموقف واضح وحازم نحو وقف جميع الأنشطة الاستيطانية التي صار واضحاً ما تستهدفه من وأد أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة متواصلة الأطراف.

وحذَّر الأمين العام للجامعة من أنَّ استمرار صمت المجتمع الدولي وغياب المساءلة الفاعلة يشجِّع إسرائيل على مواصلة العمل خارج إطار القانون، مؤكداً أنَّ هذا النهج لا يهدِّد دول المنطقة وحدها، وإنما يقوِّض مصداقية منظومة القانون الدولي برمتها، ويكرِّس منطق القوة بديلاً عن الشرعية الدولية.

ودعا مجلس الأمن والمجتمع الدولي إلى تَحمُّل مسؤولياتهما واتخاذ خطوات عملية لوقف هذه الانتهاكات ووضع حدٍّ لسياسة الإفلات من المحاسبة، مؤكداً أن «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وإنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان، ليست مواقف سياسية انتقائية، وإنما مبادئ أساسية لا يستقيم النظام الدولي من دون احترامها».


نزوح 200 ألف سوداني منذ انطلاق معارك النيل الأزرق

برهم صالح ممثل الأمم المتحدة يرحب باللاجئين السودانيين في مخيم أورا للاجئين بإثيوبيا يوم 20 يونيو (أ.ف.ب)
برهم صالح ممثل الأمم المتحدة يرحب باللاجئين السودانيين في مخيم أورا للاجئين بإثيوبيا يوم 20 يونيو (أ.ف.ب)
TT

نزوح 200 ألف سوداني منذ انطلاق معارك النيل الأزرق

برهم صالح ممثل الأمم المتحدة يرحب باللاجئين السودانيين في مخيم أورا للاجئين بإثيوبيا يوم 20 يونيو (أ.ف.ب)
برهم صالح ممثل الأمم المتحدة يرحب باللاجئين السودانيين في مخيم أورا للاجئين بإثيوبيا يوم 20 يونيو (أ.ف.ب)

أكد مسؤول حكومي سوداني نزوح أكثر من 200 ألف شخص من مدينتي الكرمك وقيسان ومناطق أخرى في إقليم النيل الأزرق، جنوب شرقي السودان، جراء المعارك بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، وسط تحذيرات من تفاقم الأوضاع الإنسانية والصحية للنازحين، في ظل الأمطار الغزيرة ونقص الغذاء ومواد الإيواء وصعوبة وصول المساعدات.

وكانت قوات تحالف «تأسيس» بقيادة «الدعم السريع» قد أعلنت، الأسبوع الماضي، فرض سيطرتها على مدينتي الكرمك وقيسان الاستراتيجيتين الواقعتين قرب الحدود مع إثيوبيا، في تطور أدى إلى موجة نزوح واسعة باتجاه مناطق أكثر أمناً؛ خصوصاً مدينتي الدمازين العاصمة والرصيرص كبرى مدن الولاية.

وقال مفوض العودة الطوعية للنازحين واللاجئين في إقليم النيل الأزرق، هاشم أورطة، لـ«الشرق الأوسط»، إن عدد الأشخاص الذين نزحوا من الكرمك وقيسان وبلدات أخرى، متأثرة بالقتال تجاوز 200 ألف شخص منذ انطلاق المعارك، مؤكداً أنهم يعيشون «أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة».

وتعد مفوضية العودة الطوعية للنازحين واللاجئين في إقليم النيل الأزرق جهة حكومية محلية معنية بمتابعة أوضاع النازحين واللاجئين وتنسيق عمليات عودتهم وإعادة إدماجهم. وتعود جذور الجهاز الحكومي المختص بالعودة الطوعية في السودان إلى عام 2003، عندما أُنشئت وحدة للنزوح والعودة الطوعية تابعة لمفوضية العون الإنساني.

رئيس أركان الجيش السوداني الفريق ياسر العطا لدى لقائه حاكم إقليم النيل الأزرق في وقت سابق هذا العام (فيسبوك)

وأضاف أورطة أن نساء حوامل وكباراً في السن، من الرجال والنساء، لقوا حتفهم أثناء محاولتهم الفرار من مناطق القتال، في رحلات نزوح شاقة استمرت عدة أيام، اضطر خلالها كثيرون إلى السير لمسافات طويلة وسط الأمطار ووعورة الطرق.

وبحسب أورطة، استقبلت مخيمات ومراكز إيواء النازحين في محيط الدمازين، عاصمة الإقليم، خلال الأيام الأخيرة، عشرات الآلاف من المدنيين، غالبيتهم من النساء والأطفال، بينما تتزايد حاجتهم إلى الغذاء ومياه الشرب والرعاية الصحية ومواد الإيواء.

ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من الرقم الإجمالي الذي أورده المسؤول المحلي. ومفوضية العودة الطوعية ليست تابعة للأمم المتحدة، لكنها تتعاون مع وكالاتها والمنظمات الدولية، بما فيها مفوضية شؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة، في ملفات النزوح والعودة والمساعدات الإنسانية.

مخاوف من الأوبئة

وحذر المسؤول الحكومي المحلي من مخاطر صحية متزايدة داخل تجمعات النازحين؛ خصوصاً مع موسم الأمطار، معرباً عن قلقه من انتشار الملاريا وحمى الضنك وغيرهما من الأمراض المرتبطة بالخريف، في ظل اكتظاظ مراكز الإيواء وضعف الخدمات الصحية. وقال إن السلطات المحلية تبذل جهوداً لتوفير الغذاء والمياه ومواد الإيواء، إلا أن الإمكانات المتاحة لا تتناسب مع حجم الاحتياجات والأعداد المتزايدة التي تصل يومياً. وأضاف: «الحاجة كبيرة مقارنة بالأعداد التي تتدفق على المخيمات»، داعياً المنظمات المحلية والإقليمية والدولية إلى التدخل العاجل وتوفير المساعدات الإنسانية للمتضررين.

ويزيد استمرار القتال من صعوبة الاستجابة الإنسانية، إذ يحول انعدام الأمن في عدد من المناطق دون وصول المنظمات والإمدادات إلى السكان والنازحين، في وقت تواجه فيه السلطات المحلية ضغوطاً متزايدة لتوفير الاحتياجات الأساسية للأعداد الكبيرة من الفارين.

رحلة نزوح وسط الأمطار

ووصف شهود عيان أوضاعاً قاسية واجهها المدنيون خلال رحلتهم من مناطق القتال باتجاه الدمازين والرصيرص، مشيرين إلى أن هطول الأمطار الغزيرة أدى إلى تدهور الطرق الترابية وصعوبة عبورها، وأجبر بعض الأسر على قطع مسافات طويلة في ظروف شديدة الصعوبة.

وتكتسب الأزمة بُعداً إضافياً بسبب طبيعة إقليم النيل الأزرق الجغرافية؛ حيث تتسبب الأمطار الموسمية في ارتفاع مناسيب الأنهار والخيران وانقطاع عدد من الطرق، ما يجعل حركة المدنيين ونقل المساعدات أكثر صعوبة.

نساء وأطفال أجبروا على الفرار من منازلهم في مدينة قيسان بالنيل الأزرق (الشرق الأوسط)

وكانت «شبكة أطباء السودان» قد قالت، في وقت سابق، إن الهجمات على قيسان أدت إلى فرار أكثر من 5 آلاف شخص إلى الدمازين، محذرة من أن الأوضاع الإنسانية والصحية للنازحين تتدهور نتيجة النقص الحاد في الغذاء ومواد الإيواء. وأضافت الشبكة أن عشرات الآلاف من المدنيين يواجهون موجات جديدة من النزوح في أنحاء الإقليم مع تصاعد الأعمال العدائية، مطالبة بالسماح بوصول المساعدات الإنسانية من دون عوائق، بما يشمل الغذاء ومياه الشرب والأدوية والمستلزمات الطبية ومواد الإيواء، وضمان حصول النازحين على الرعاية الصحية الأساسية.

وفي أحدث تقدير أممي، قالت المنظمة الدولية للهجرة إن نحو 5400 شخص نزحوا جراء القتال في قيسان والكرمك والمناطق المحيطة بهما خلال الأسبوع الماضي فقط.

مطالبة أممية بوصول آمن للمساعدات

من جانبه، دعا مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» أطراف النزاع إلى حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية إليهم بسرعة وأمان ومن دون عوائق. وحذر المكتب من أن القدرة على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة محدودة بسبب نقص الموارد وتمويل العمليات الإنسانية في السودان، في وقت تؤدي فيه موجات النزوح الجديدة إلى زيادة الضغط على المجتمعات المضيفة والخدمات الأساسية في المناطق التي يصل إليها الفارون.

وتفتح التطورات الأخيرة في النيل الأزرق بؤرة جديدة للنزوح الجماعي في السودان، بالتزامن مع موجات نزوح أخرى تشهدها مناطق كردفان ودارفور. كما يثير امتداد القتال إلى مناطق قريبة من الحدود الإثيوبية مخاوف من تحول جزء من حركة النزوح الداخلي إلى تدفقات عبر الحدود إذا استمرت المواجهات واتسع نطاقها.

وفي ظل غياب مؤشرات على توقف قريب للقتال، يحذر مسؤولون محليون وناشطون في المجال الصحي من أن الأولوية العاجلة تتمثل في تأمين الغذاء والمياه النظيفة والمأوى والرعاية الصحية للنازحين، قبل أن تؤدي الأمطار والاكتظاظ وضعف الخدمات إلى أزمة صحية أوسع في مراكز الإيواء.


الانقسام وفوضى الميليشيات يعمقان خسائر الدينار الليبي

محافظ مصرف ليبيا المركزي في لقاء مع مبعوث الرئيس الفرنسي بطرابلس الأربعاء (مصرف ليبيا المركزي)
محافظ مصرف ليبيا المركزي في لقاء مع مبعوث الرئيس الفرنسي بطرابلس الأربعاء (مصرف ليبيا المركزي)
TT

الانقسام وفوضى الميليشيات يعمقان خسائر الدينار الليبي

محافظ مصرف ليبيا المركزي في لقاء مع مبعوث الرئيس الفرنسي بطرابلس الأربعاء (مصرف ليبيا المركزي)
محافظ مصرف ليبيا المركزي في لقاء مع مبعوث الرئيس الفرنسي بطرابلس الأربعاء (مصرف ليبيا المركزي)

يواصل الدينار الليبي نزيفاً في قيمته أمام الدولار بـ«السوق الموازية»، في ظل تداخل الأزمات السياسية والأمنية وتداعيات الانقسام المؤسسي، بما يزيد الضغوط على اقتصاد البلاد ويهدد بتفاقم الأعباء المعيشية على المواطنين، وسط مخاوف متفاقمة من أن يدفع الليبيون تكلفة جديدة للصراع على السلطة والموارد.

وتجاوز الدولار مستوى 9 دنانير في السوق الموازية، ليواصل التذبذب فوق هذا المستوى على وقع تصاعد التوترات الأمنية، بما في ذلك استهداف مرافق نفطية، واشتباكات بين فصائل مسلحة في الزاوية (غرب البلاد)، إلى جانب الضغوط لرفع الإنفاق على المرتبات، وفق خبراء اقتصاديين.

واجهة البنك المركزي بطرابلس (رويترز)

ويتفق وزير الاقتصاد الليبي السابق، سلامة الغويل، مع هذه الرؤية في تشخيص الأزمة، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الانقسام السياسي بين شرق البلاد وغربها وصراعات الساسة، وفوضى الميليشيات والإنفاق الموازي بين الحكومتين، كلها عوامل تتضافر لتعمق خسائر الدينار الليبي». معتقداً أن هذا الوضع المتردي في التواصل مع طرفي الانقسام الليبي، «يدفع ثمنه المواطن الليبي، الذي بات يعيش تدهوراً غير مسبوق في أحواله المعيشية».

وتوالت تحليلات المراقبين عبر صفحات التواصل الليبية حول تقدير أسباب ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية، واتساع الفجوة مع السعر الرسمي إلى 2.76 دينار؛ حيث بلغ سعر الدولار في السوق الموازية إلى 9.11 دينار، حسب وسطاء ومتداولين، مقابل 6.35 دينار وفق السعر الرسمي لمصرف ليبيا المركزي.

ويلقي أستاذ اقتصاد بجامعة بنغازي، علي الشريف، باللائمة على الانقسام الاقتصادي في تدهور سعر الدينار بوصفه سبباً رئيسياً، فيما ذهب الخبير الاقتصادي عبد الحميد الفضيل إلى عدّ أن جانباً من السياسة النقدية «أصبح مرتهناً لضغوط وتعليمات سياسية وأمنية، بما يحد من قدرة المصرف على إدارة أدواته، بعيداً عن التجاذبات».

غير أن العضو السابق بمجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي، محمد أبو سنينة، لم يجد خياراً سوى «الواقعية الاقتصادية في التعامل مع هذا الواقع المعقد، بوصفه الأنسب في الحالة الليبية الراهنة»، مشيراً إلى أن «هدف الاقتصاديين يجب أن يكون هو التخفيف من حدة الأزمة، وتلافي احتمالات الانهيار، إلى حين انتهاء الانقسام السياسي، وتوحيد المؤسسات السيادية».

مواطن ليبي يعد عملات ورقية من فئة الدينار الليبي في مصرف الجمهورية الحكومي (الصفحة الرسمية للمصرف)

ولا تقف خسائر تراجع الدينار عند سعر الصرف، بل تمتد إلى القوة الشرائية للمواطنين، وفي هذا السياق يقول المستشار المتقاعد بالمحكمة العليا الليبية، جمعة أبو زيد، إن «الأجور الحالية تبدو أعلى من الناحية الاسمية مقارنة بما قبل 2011، لكنها فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها الفعلية، بفعل ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة العملة». ويضرب مثالاً على ذلك بسعر اللحوم، قائلاً إن كيلوغرام اللحم الذي كان يُباع بنحو 10 دنانير قبل 2011 أصبح يتجاوز 110 دنانير، في صورة تعكس اتساع الفجوة بين نمو الأجور، وتكاليف المعيشة.

ووسط النقاش المتصاعد بشأن الأزمات الاقتصادية، تلقى محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، مساندة أممية بعد استقالته التي قدمها إلى مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» في 10 أغسطس (آب) الحالي. وفي هذا السياق حثت المبعوثة الأممية هانا تيتيه، الثلاثاء، المؤسسات الليبية على دعم المحافظ والمصرف، خلال إحاطتها أمس مجلس الأمن.

وجاء الموقف الأممي بعد لقاءات أجراها عيسى مع تيتيه والسفير البريطاني لدى ليبيا مارتن رينولدز، ولاحقاً مع المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي بول سولير، لكنها أثارت انتقادات من نائب رئيس مجلس النواب فوزي النويري، الذي شدّد على أن التواصل مع المسؤولين الأجانب لا يمنحهم صلاحية التدخل في قرارات المؤسسات السيادية.

تيتيه خلال إحاطة أمام مجلس الأمن عبر تقنية «الفيديو كونفرنس» الثلاثاء (البعثة الأممية)

في المقابل، دعت تيتيه إلى بذل جهود أكبر للسيطرة على الإنفاق العام، وضمان التزام الأطراف بالمعايير المحددة في إطار برنامج التنمية الموحد، بما يعزز قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية، ويحد من الضغوط التي تواجه المالية العامة، وسوق النقد الأجنبي.

وكان عيسى قد أعلن استقالته من منصبه من دون كشف أسبابها، مكتفياً بالإشارة في رسالته إلى مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» إلى «حساسية» تلك الأسباب. وفي المقابل رجح مصدر في المصرف المركزي، تحفظ عن ذكر اسمه، عدول عيسى عن الاستقالة بتسريع تنفيذ اتفاق الإنفاق الموحد، وتفعيل بنوده.

ويهدف اتفاق الإنفاق الموحد، الذي جرى التوصل إليه برعاية أميركية في أبريل (نيسان) الماضي، إلى وضع إطار موحد لإدارة الإنفاق وتوزيع الموارد، بما يحد من ازدواجية الإنفاق التي عمقت الانقسام المالي. ويشمل الاتفاق الرواتب والتسيير والتنمية، والدعم ومخصصات المؤسسة الوطنية للنفط.

يأتي ذلك في ظل انقسام سياسي ومؤسسي مستمر منذ أكثر من عقد بين سلطات متنافسة في شرق ليبيا وغربها، وما ترتب عليه من ازدواجية في إدارة الموارد والإنفاق العام، بينما تزداد الضغوط الاقتصادية على المواطنين، وتتراجع القوة الشرائية للعملة المحلية.