البحث عن الخبز الصحي... محاولات طبية وعلمية متواصلة

إضافات صحية تعزز هرمونات الشبع

البحث عن الخبز الصحي... محاولات طبية وعلمية متواصلة
TT

البحث عن الخبز الصحي... محاولات طبية وعلمية متواصلة

البحث عن الخبز الصحي... محاولات طبية وعلمية متواصلة

الخبز من دون شك أقدم أنواع الأطعمة المعمولة من دقيق القمح، بتاريخ طويل يتجاوز 8 آلاف عام. والبشر؛ إضافة إلى تطوير إنتاجهم أنواعاً كثيرة من الخبز، طوروا أنواعاً وأشكالاً وهيئات أكثر من الأطعمة المعمولة من دقيق القمح، مثل أنواع «باستا المعكرونة» وأنواع معجنات الحلويات المختلفة باختلاف مناطق العالم... وغيرها. ولذا؛ وبلغة الأرقام، يظل الخبز اليوم، مع بقية أنواع الأطعمة المعمولة من دقيق القمح، من المنتجات الغذائية الأعلى تناولاً في العالم.
ونتيجة لهذا الارتفاع العالمي في التناول بين الناس في الأعمار كافة، فإن دقيق القمح، والأطعمة المعمولة منه، هي بالفعل الأعلى «إمكانية» في تقديم «فوائد صحية» متى ما توفرت فيها ظروف ذلك، والأعلى «إمكانية» في التسبب في «تداعيات صحية سلبية» متى ما توفرت أيضاً فيها ظروف ذلك.
ولذا؛ لا تتوقف ماكينات البحث العلمي العالمية عن البحث في أفضل الطرق لتحسين الجوانب الصحية المتعلقة بتأثيرات تناول الخبز في العموم، وبقية أنواع الأطعمة المعمولة من دقيق القمح. واتخذت تلك البحوث الإكلينيكية مسارات متعددة، بهدف الحيلولة دون أن يكون تناول الخبز سبباً في السمنة أو أي أمراض مزمنة أخرى.

- إضافات صحية
وفي سياق أحد تلك المسارات، وهو مسار الإضافات الصحية إلى دقيق القمح، قدمت مجموعة باحثين بريطانيين دراسة علمية جديدة حول إحدى الطرق المقترحة لتحسين تأثيرات تناول الخبز في تعزيز إنتاج الأمعاء هرمونات الشبع، وهي إضافة «دقيق الحمص (Chickpea)» إلى دقيق القمح في إعداد «عجين الخبز (Dough)».
ونشرت الدراسة تحت عنوان: «زيادة إفراز هرمونات الأمعاء المعززة للشبع لدى البشر الأصحاء بعد تناول الخبز الأبيض المخصب بدقيق الحمص» ضمن عدد مارس (آذار) الحالي من «المجلة الأميركية للتغذية الإكلينيكية (Am J Clin Nutr)».
وفي مسار آخر، وهو مسار تطوير عمليات العجن والتخمير، قدم باحثون من فرنسا وبلجيكا والسويد دراستهم عن تأثيرات التخمير لعجين دقيق القمح عند إعداد الخبز. وكانت دراستهم؛ المنشورة ضمن العدد الأخير من مجلة «التقدم في التغذية (Advances In Nutrition)»، (لسان حال الجمعية الأميركية للتغذية American Society for Nutrition)، تحت عنوان: «الفوائد الغذائية للعجين المتخمر (Sourdoughs): مراجعة منهجية».
وللتوضيح؛ فإنه وبخلاف «عجين الخبز الشائع (Yeast Bread)» الذي يجري تصنيعه باستخدام خميرة الخباز العادية (Baker›s Yeast) المكونة من أنواع معينة من الفطريات، والشائع منها خميرة البيرة (Saccharomyces Cerevisiae)، فإن «العجين المتخمر» يجري تصنيعه باستخدام مزيج مكون من خميرة الخباز العادية مع إضافة أنواع من البكتيريا العصوية اللبنية (Lactobacilli). ولذا؛ فإن الخبز المصنوع من «العجين المتخمر (Sourdough Bread)» له طعم حامضي نسبياً. كما أن خبز العجينة المتخمرة أطول عمراً في التخزين المنزلي، مقارنة بأنواع أخرى من الخبز. وسبب ذلك تكون حمض اللبنيك فيه، بفعل إضافة البكتيريا اللبنية وحدوث عملية التخمير اللاهوائي.

- دقيق الحمص
وبالعودة إلى الدراسة البريطانية؛ أفاد باحثون من «كلية علوم الحياة والطب» في «كينغس كوليدج لندن»، ومن قسم «ابتكار الغذاء والصحة» في «معهد كوادرام للعلوم البيولوجية» في المملكة المتحدة، بما ملخصه: «يرتبط تناول البقول بآثار مفيدة على إدارة وزن الجسم وصحة القلب. وهدفت هذه الدراسة إلى تحديد تأثير إضافة دقيق الحمص (المُعد بطريقة لا تفتت بها خلايا بقول الحمص) إلى دقيق القمح، على هرمونات الأمعاء بعد الأكل. وبعد تناول 3 أنواع من هذا الخبز الأبيض المُخصب بدقيق الحمص بنسب متفاوتة؛ أي إما بنسبة صفر في المائة، أو 30 في المائة، أو 60 في المائة، جرى جمع عينات الدم بعد الأكل (Postprandial) من المشمولين في الدراسة للمقارنة بين نسبة الغلوكوز، ومستوى إفراز الإنسولين، واستجابات الشبع في الدماغ».
وأفاد الباحثون في النتائج بأن ارتفاع تركيز الحمص في نوع الخبز أثر بشكل كبير في ارتفاع إفراز هرمونات خفض الشهية (Anorexigenic Hormones)، خصوصاً الببتيد الشبيه بالغلوكاجون (GLP - 1) والببتيد واي واي (PYY). علاوة على ذلك، أثر نوع الخبز بشكل كبير في انخفاض نسبة سكر الغلوكوز والإنسولين في الدم.
وقال الباحثون في استنتاجاتهم: «الاستخدام الجديد لخلايا الحمص السليمة، لتحل محل الدقيق المكرر في الخبز الأبيض، يحفز الاستجابة لهرمون القناة الهضمية الذي يسبب فقدان الشهية، ولديه القدرة على تحسين الاستراتيجيات الغذائية للوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية وعلاجها».

- العجين المتخمر
وضمن عدد يناير (كانون الثاني) - فبراير (شباط) الأخير من «مجلة التقدم في التغذية (Advances in Nutrition)»، قدمت مجموعة باحثين من فرنسا وبلجيكا والسويد دراستهم العلمية بعنوان: «الفوائد الغذائية للعجين المتخمر: مراجعة منهجية». وقالوا: «يرتفع استخدام العجين المُخمر بشكل متزايد بين الناس نتيجة فوائده الغذائية». وكان الهدف من هذه الدراسة هو المراجعة المنهجية للأدلة الاكلينيكية المتعلقة بتأثير تناول خبز العجين المخمر على الصحة.
وأفاد الباحثون بأن أنواع خبز العجين المُخمر تختلف عن أنواع خبز الخميرة (Yeast Bread) الشائع التناول، وذلك من جوانب التركيب الميكروبي للعجين المخمر، ومعايير التخمير، ونوعية الحبوب المستخدمة. وتحديداً؛ ففي الخبز المُخمر تُستخدم توليفة من اتحادات بكتيريا اللاكتيك (Lactic Bacteria) وخمائر الفطريات (Yeasts)، بخلاف خبز الخميرة العادي الذي تُستخدم في تخميره الفطريات فقط.
وفي نتائجهم، قال الباحثون: «في الدراسات لوحظت تحسينات كبيرة في مؤشرات استجابة نسبة السكر في الدم (Glycemic Response)، وسرعة الشعور بالشبع، وراحة الجهاز الهضمي، بعد تناول الخبز المُخمر».
وقال الباحثون: «هناك اهتمام متجدد بالمنتجات الغذائية التقليدية البسيطة، مثل خبز العجين المخمر. والعجين المخمر يعزز كثيراً من الفوائد الصحية، مثل تحسين الهضم وتحسين المحتوى الغذائي. والدراسات العلمية؛ قد أبرزت بالفعل أن تخمير العجين المخمر يمكن أن يحسن إمكانية الوصول البيولوجي للمغذيات، ويقلل من المؤشر السكري (GI) للخبز».
وللتوضيح؛ فإن تحسين إمكانية الوصول البيولوجي للمغذيات (Nutrient Bioaccessibility) يُقصد به ارتفاع احتمالات حصول الجسم على العناصر الكيمائية الحيوية الموجودة في الطعام الذي نتناوله. والتخمير والخبز وسيلتان لتحرير عدد من تلك المغذيات المغمورة في دقيق القمح، وارتفاع إمكانية امتصاص الأمعاء لها. مثل المواد المضادة للأكسدة وعدد من الفيتامينات والمعادن. والمؤشر السكري لأي منتج غذائي هو رقم يُشير إلى مدى سرعة تسببه في ارتفاع نسبة سكر الغلوكوز في الدم. وكلما كان منخفضاً كان أفضل في العموم.

- الدقيق الأبيض... تفادي التأثيرات الصحية السيئة
> إشكالية مدة الصلاحية (العمر التخزيني)، هي التي صنعت الفرق بين دقيق حبوب القمح الكاملة من جهة؛ والدقيق الأبيض لحبوب القمح المنزوع منها جزء الرشيم (الجنين) وطبقة القشرة من جهة أخرى. وتتمثل تداعيات ذلك في 3 جوانب؛ هي:
- جزء الرشيم يحتوي على أحماض دهنية صحية للغاية.
- طبقة القشرة تحتوي على طيف واسع من المعادن والفيتامينات الصحية للغاية أيضاً.
- طبقة اللب البيضاء (السويداء) عامرة بالنشويات ومعدلات منخفضة من البروتينات (وفق نوع حبوب القمح).
وللتوضيح؛ فإن طحن حبوب القمح الكاملة يعني تحرير الأحماض الدهنية (الموجودة في جزء الرشيم) وتحرير المعادن والفيتامينات (الموجودة في طبقة القشرة)، وامتزاجها مع كامل الدقيق، وهذا من شأنه تهيئة الظروف التي تُسهل سرعة حصول عملية التزنيخ (تستغرق هذه العملية من 6 إلى 9 أشهر). وذلك نتيجة تفاعل الأحماض الدهنية مع الأكسجين في الهواء لحظة التقائهما، مما يجعل الدقيق الأسمر قصير عمر الصلاحية. وكان الحل «الصناعي» لهذه المشكلة هو إزالة جزء الرشيم وإزالة طبقة القشرة، والإبقاء على اللب النشوي.
ومع ملاحظة الأوساط الطبية ارتفاع معدلات انتشار السمنة، جرى التوجه نحو خبز الدقيق الأبيض في احتمال مساهمة تناوله في انتشار السمنة. وطُرحت فرضيات عدة؛ من أهمها:
- إعداد الدقيق الأبيض للقمح بإزالة طبقة القشرة يحرم تزويد الجسم بكم كبير من الفيتامينات والمعادن، والأهم؛ من الألياف. وهي العناصر الغذائية التي تتركز في طبقة القشرة. ورغم إضافة بعض هذه المعادن والفيتامينات بصفتها تعزيزاً للدقيق الأبيض للقمح، فإنه لا يتحقق صحياً تعويض الألياف الطبيعية وكذلك تعويض الفيتامينات بهيئتها وتركيبها الطبيعي، وتجانسها مع المكونات الأخرى في تراكيب دقيق القمح.
- التسبب في زيادة الوزن وسرعة ارتفاع نسبة السكر في الدم بُعيد تناول خبز الدقيق الأبيض للقمح، نظراً إلى أن المؤشر السكري (GI) له يفوق «75»، مما يجعله من أقرب الأطعمة لتناول السكر الصافي. والمؤشر السكري لأي نوع من الأطعمة هو مقياس لمدى تأثير تناوله في رفع نسبة السكر في الدم. ووفقاً لأطباء جامعة هارفارد، فإن ارتفاع السكر في الدم المتكرر نتيجة تناول الأطعمة التي ترتفع فيها نسبة السكر في الدم، يمكن أن يزيد من خطر الإصابة بالنوع الثاني من مرض السكري وأمراض القلب والسمنة.
- استمرار الشعور بالجوع والحاجة إلى تناول مزيد من الطعام لإرضاء الشهية: حيث إن الخبز الأبيض خال من الدهون الصحية، وكمية البروتين فيه منخفضة (مقارنة مع دقيق القمح القاسي المُستخدم في صناعة أنواع باستا المعكرونة)، ولا يحتوي الألياف، مما يعني عدم توفيره الشعور بامتلاء الشبع وعدم توفيره إيقاف إفراز هرمونات الجوع، بُعيد تناوله.
ولوضع الخبز الأبيض في السياق، يمكننا أن ننظر في دراسة أخرى أجريت لتحدد مدى الرضا بالشبع الذي يمكن أن يصنعه الطعام بعد تناوله. وبوضع الخبز الأبيض هو الأساس بنسبة 100 في المائة، حصل البيض على 150 في المائة، والتفاح 197 في المائة، ودقيق الشوفان 209 في المائة. ووجدت دراسة أخرى نُشرت في مجلة «الشهية (Appetite)» أن المشاركين الذين تناولوا الخبز الأبيض استهلكوا 500 سعرة حرارية إضافية في وجبتهم التالية، مقارنة بأولئك الذين تناولوا خبز الحبوب الكاملة.

- 9 مسارات لتناول الخبز بطريقة صحية
> في شأن خبز دقيق القمح، وعلى مر العصور الماضية، كان البشر يتناولون الخبز المصنوع من دقيق حبوب القمح الكاملة، وبكميات معتدلة وفق مدى توفره. ولكن تناول خبز الدقيق الأبيض للقمح انتشر على نطاق واسع عالمياً نتيجة كل من:
- الطعم الشهي لخبز دقيق القمح الأبيض.
- طول مدة صلاحية تخزين الدقيق الأبيض مقارنة بالدقيق الأسمر لحبوب القمح الكاملة.
- تفنن الخبازين في إعداد أنواع مختلفة من هيئات الخبز وزيادة إمكانية حفظه لفترات أطول.
- اعتماد نمط التغذية الحديثة على هيئات مختلفة للسندويشات أو الشطائر (الشاورما والفلافل والبيرغر والهوت دوغز والتاكو)، وظهور الوجبات الخفيفة والمقرمشات وانتشار أنواع لا حصر لها من حلويات المعجنات.
والجهود الطبية وغيرها في محاولات جعل تناول الخبز طريقة صحية في التغذية اليومية، تتخذ مسارات متعددة؛ من أهمها:
* الحث على تناول خبز دقيق القمح الكامل، وإثبات الفوائد الصحية لذلك مقارنة بخبز الدقيق الأبيض للقمح.
* تعزيز الدقيق الأبيض للقمح بالفيتامينات والمعادن، والبحث عن طرق لإضافة الألياف إليه، دون تغيير خصائص الدقيق الأبيض في الليونة والتماسك والطعم، التي يفتقدها خبز دقيق حبوب القمح الكاملة.
* خفض إضافات الملح والدهون المُصنعة والدهون المُشبعة إلى عجين الدقيق الأبيض للقمح عند إعداد الخبز أو معجنات الحلويات والكعك وغيرها.
* إضافة أنواع من المنتجات الغذائية لمزيج عجين الدقيق الأبيض، كالحليب والدهون الصحية وغيرهما.
* إضافة أنواع مختلفة من البذور والحبوب عند إعداد عجين الخبز، مثل لب بذور دوار الشمس واليقطين والحبة السوداء وشرائح حبوب الشوفان والزبيب والسمسم وبذور الكتان... وغيرها.
* إثبات الفوائد الصحية المحتملة لمزج الدقيق الأبيض للقمح بدقيق أنواع مختلفة من البقول أو الحبوب الأخرى. كإضافة دقيق الحمص أو الصويا أو الترمس أو الشوفان... وغيرها.
* تطوير طريقة تخمير عجين الدقيق الأبيض للقمح باستخدام أنواع من خمائر الفطريات مع أنواع من البكتيريا الصحية.
* تطوير مدة وطريقة التخمير لعجين الدقيق الأبيض للقمح، للبحث عن أفضلها عند استخدام أنواع الخمائر، بغية المساهمة في تسهيل الهضم وفي إبطاء امتصاص السكريات وفي تحرير مزيد من المعادن والفيتامينات والمواد المضادة للأكسدة الموجودة في الخبز.
* استكشاف الطرق الصحية لعملية الخبز؛ بما يضمن حصول أكبر قدر من التفاعلات الكيميائية الصحية لإتمام النضج، وذلك بفعل الحرارة. كتأثيرات «تقمير» الطبقة الخارجية للخبز في تحرير مزيد من المواد المضادة للأكسدة كي يمتصها الجسم. وكمحاولات الدراسات الصينية تسويق الخبز المطهو عن طريق حرارة بخار الماء، وعرضها كثيراً من الفوائد الصحية لذلك.


مقالات ذات صلة

لماذا يُنصح بتأجيل القهوة 90 دقيقة بعد الاستيقاظ؟

صحتك مشروب الصباح المعتاد سواء القهوة أو الشاي يمكن أن يؤثر على صحة عظامك (رويترز)

لماذا يُنصح بتأجيل القهوة 90 دقيقة بعد الاستيقاظ؟

على الرغم من أنه يُنصح بتأجيل القهوة 60 إلى 90 دقيقة بعد الاستيقاظ لتجنب تداخل تأثير الكافيين مع النعاس الطبيعي فإنه لا توجد أدلة قوية تثبت ذلك.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
صحتك اللعاب مسؤول عن إزالة البكتيريا التي يمكن أن تسبب رائحة النفس الكريهة في الصباح (بيكسلز)

رائحة الفم الكريهة في الصباح... سبب خفيّ قد يفاجئك

الاستيقاظ برائحة نفس كريهة ليس طريقة ممتعة لبدء يومك. لكنه أمر شائع للغاية، ويعاني منه معظم الناس في مرحلة ما. ولحسن الحظ يمكن علاجه.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في فكّ أسرار الأمراض العصبية الوراثية؟

كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في فكّ أسرار الأمراض العصبية الوراثية؟

قد تبدأ القصة بطفل تأخر في الكلام، والحركة، أو يعاني ضعفاً في العضلات، ونوبات صرع، فيما تكشف صور الدماغ عن تغيرات لا يجد الأطباء لها تفسيراً واضحاً.

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك التربية الإيجابية في الطفولة تحمي من الاكتئاب في المراهقة

التربية الإيجابية في الطفولة تحمي من الاكتئاب في المراهقة

كشفت دراسة نفسية حديثة نُشرت أخيراً في مجلة «علم نفس التواصل» (Communications Psychology)، لباحثين من جامعة نوتردام University of Notre Dame في الولايات المتحدة

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك القسطرة لدراسة شرايين القلب

ألم الصدر... هل مصدره القلب؟

ربما لا توجد شكوى طبية تثير القلق مثل ألم الصدر، إذ يكفي أن يشعر الإنسان بألم أو بضغط مفاجئ في منتصف صدره حتى يخطر في ذهنه احتمال الجلطة القلبية،

د. حسن محمد صندقجي (الرياض)

لماذا يُنصح بتأجيل القهوة 90 دقيقة بعد الاستيقاظ؟

مشروب الصباح المعتاد سواء القهوة أو الشاي يمكن أن يؤثر على صحة عظامك (رويترز)
مشروب الصباح المعتاد سواء القهوة أو الشاي يمكن أن يؤثر على صحة عظامك (رويترز)
TT

لماذا يُنصح بتأجيل القهوة 90 دقيقة بعد الاستيقاظ؟

مشروب الصباح المعتاد سواء القهوة أو الشاي يمكن أن يؤثر على صحة عظامك (رويترز)
مشروب الصباح المعتاد سواء القهوة أو الشاي يمكن أن يؤثر على صحة عظامك (رويترز)

على الرغم من أنه يُنصح بتأجيل القهوة 60 إلى 90 دقيقة بعد الاستيقاظ لتجنب تداخل تأثير الكافيين مع النعاس الطبيعي الناتج عن تراكم الأدينوزين، وهو مادة كيميائية في الدماغ تزداد نسبتها في أثناء اليقظة وتشعرك بالنعاس، فإنه لا توجد أدلة قوية تثبت أن الانتظار 90 دقيقة تحديداً أفضل للجميع.

ويمكن تناول القهوة فور الاستيقاظ إذا كانت تناسب الشخص، مع مراعاة تأثيرها في القلق والمعدة والنوم، وتجنّبها في الساعات القريبة من موعد النوم.

ووفقاً لموقع «فيري ويل هيلث»، فإن الأدلة العلمية التي تدعم هذه المقولة محدودة وتستند في الغالب إلى تجارب شخصية.

لا تعد القهوة مجرد مشروب يساعد على الاستيقاظ ومقاومة النعاس (إ.ب.أ)

وذكر أن هذه المقولة - التي ساهم عالم الأعصاب أندرو هوبرمان في نشرها على نطاق واسع - تستند إلى عمليتين بيولوجيتين رئيسيتين:

استجابة الكورتيزول عند الاستيقاظ

يفرز جسمك طبيعياً دفعة من الكورتيزول، وهو هرمون يعزز اليقظة وعمليات التمثيل الغذائي في غضون 30 إلى 45 دقيقة من الاستيقاظ.

ويرى المؤيدون لهذه المقولة أن تناول الكافيين خلال ذروة الإفراز الطبيعي هذه يُعد أمراً زائداً عن الحاجة، وقد يؤدي إلى تحفيز إضافي لجهازٍ هو بالفعل في حالة يقظة، مما قد يسبب التوتر أو القلق أو تسريع وتيرة اعتياد الجسم على الكافيين.

وفي المقابل، يقول العلم إن الأشخاص الذين يشربون القهوة بانتظام سرعان ما يطورون القدرة على تحمل تأثيرات الكافيين المتعلقة برفع مستويات الكورتيزول، وهذا يعني أن من يتناولون القهوة يومياً لا يواجهون سوى اضطراب طفيف جداً في مستويات هذا الهرمون.

التخلص من الأدينوزين

يتراكم الأدينوزين خلال النهار، بينما تنخفض مستوياته في أثناء النوم، لتصل إلى أدنى مستوياتها عند الاستيقاظ. يعمل الكافيين عن طريق حجب مستقبلات الأدينوزين، مما يمنع شعورك بالتعب.

ويُفترض أن الانتظار لمدة 90 دقيقة يسمح بتراكم كمية بسيطة من الأدينوزين، مما يوفر للكافيين «أهدافاً» أكثر ليقوم بحجبها، وهو ما قد يمنع - نظرياً - حدوث هبوط في الطاقة خلال فترة ما بعد الظهر.

ولكن لا تُظهر الدراسات المضبوطة علمياً أن تأخير تناول القهوة يمنع فعلياً هبوط الطاقة في فترة ما بعد الظهر، أو يُحدث تغييراً في مستويات الطاقة اليومية.


رائحة الفم الكريهة في الصباح... سبب خفيّ قد يفاجئك

اللعاب مسؤول عن إزالة البكتيريا التي يمكن أن تسبب رائحة النفس الكريهة في الصباح (بيكسلز)
اللعاب مسؤول عن إزالة البكتيريا التي يمكن أن تسبب رائحة النفس الكريهة في الصباح (بيكسلز)
TT

رائحة الفم الكريهة في الصباح... سبب خفيّ قد يفاجئك

اللعاب مسؤول عن إزالة البكتيريا التي يمكن أن تسبب رائحة النفس الكريهة في الصباح (بيكسلز)
اللعاب مسؤول عن إزالة البكتيريا التي يمكن أن تسبب رائحة النفس الكريهة في الصباح (بيكسلز)

الاستيقاظ برائحة نفس كريهة ليس طريقة ممتعة لبدء يومك. لكنه أمر شائع للغاية، ويعاني منه معظم الناس في مرحلة ما. ولحسن الحظ يمكن علاجه، مثل جميع الأسباب الأخرى لرائحة النفس الكريهة.

جفاف الفم

إذا كنت تتمتع بنظافة فم جيدة، فمن المرجح أن يكون جفاف الفم هو السبب. فاللعاب مسؤول عن إزالة البكتيريا التي يمكن أن تسبب رائحة النفس الكريهة. وعندما ننام ينخفض إنتاج اللعاب بشكل ملحوظ. ويمكن لبعض الأدوية أن تسبب جفاف الفم، مما يجعل رائحة النفس الصباحية أسوأ، وفقاً لموقع «هيلث لاين».

عدم الاعتناء بنظافة الفم

يُعد سوء نظافة الفم سبباً شائعاً آخر. فأفواهنا هي بيئة مثالية لتكاثر البكتيريا. وإذا لم تكن تنظف أسنانك بالفرشاة، أو بالخيط بشكل فعّال، فقد تعلق جزيئات الطعام في الشقوق الموجودة على سطح اللسان، أو بين الأسنان، أو على طول أنسجة اللثة.

وستقوم البكتيريا الموجودة في فمك بتحليل جزيئات الطعام تلك، مما يُطلق رائحة النفس الكريهة في الصباح. وقد تكون رائحة النفس الصباحية عَرَضاً لمرض اللثة، خاصة إذا تُرك سوء نظافة الفم دون علاج.

تؤدي أمراض اللثة لالتهابات في الجيوب تحت الأسنان يمكن أن تسبب رائحة نفس كريهة قوية، ومستمرة. ويحتاج مرض اللثة، الذي يبدأ على شكل التهاب اللثة، إلى علاج من طبيب أسنانك.

تناول أطعمة معينة

يمكن لما تُدخله إلى جسمك أن يؤدي إلى رائحة النفس الصباحية. فتناول الأطعمة ذات الرائحة القوية في المساء -مثل الثوم أو البصل النيئ- يمكن أن يسبب رائحة النفس الصباحية في اليوم التالي، حتى لو نظفت أسنانك جيداً.

التبغ

يرتبط استخدام التبغ، وخاصة التدخين، ارتباطاً مباشراً أيضاً برائحة النفس الصباحية، ورائحة النفس الكريهة بشكل عام. فهو يمكن أن يجفف فمك، ويجعلك أكثر عرضة لأمراض اللثة. وإذا أضفت رائحة الدخان إلى ذلك، فقد تكون وصفة لنفس كريه قوي.

مرض الارتجاع المعدي المريئي

قد يعاني الأشخاص المصابون بالارتجاع المعدي المريئي (GERD)، المعروف أيضاً بالارتجاع الحمضي، من رائحة النفس الكريهة بسبب ارتداد حمض المعدة إلى المريء أثناء نومهم في الليل.

كيف تعالج رائحة النفس الصباحية؟

في كثير من الحالات يمكن علاج رائحة النفس الصباحية في المنزل من خلال مزيج من العناية الفموية الأفضل، وتغييرات نمط الحياة. والحفاظ على نظافة جيدة للفم هو أفضل حل سريع، وحل طويل الأمد في آنٍ واحد لأي نوع من رائحة النفس الكريهة.

نظّف أسنانك بالفرشاة فوراً قبل أن تذهب إلى النوم ليلاً، ولا تأكل أو تشرب أي شيء بعد ذلك. فالقيام بذلك يمكن أن يُدخل جزيئات طعام سيتم تحليلها طوال الليل. نظّف أسنانك بالخيط، واستخدم غسول فم مطهراً بعد استخدام مكشطة اللسان.

وإذا كنت ترتدي مثبت أسنان، أو أي أدوات تقويم أخرى، فنظفها يومياً. ونظف أسنانك بالفرشاة بمجرد أن تستيقظ للتخلص من أي رائحة نفس صباحية متبقية. وإذا كنت تدخن أو تستخدم التبغ، فتوقف فوراً.

وقد تكون العلكة الخالية من السكر مفيدة أيضاً، خاصة إذا كنت في تنقلات، وكنت تعاني من رائحة نفس كريهة متكررة إلى جانب رائحة النفس الصباحية. فالعلكة الخالية من السكر لا تمنح البكتيريا الموجودة في فمك سكراً تتغذى عليه. ويمكنها أيضاً أن تساعد في تحفيز تدفق اللعاب، وإنعاش نفسك في الوقت نفسه.

سيحتاج طبيب أسنانك إلى علاج مرض اللثة بتنظيفات عميقة. حيث يزيل طبيب أسنانك البلاك والجير من الأسنان، واللثة.

وبالنسبة لأولئك الذين يعانون من رائحة النفس الكريهة نتيجة لمرض الارتجاع المعدي المريئي، يمكن لطبيبك أن يصف دواء مخفضاً للحموضة يمكنك تناوله في الليل قبل النوم. وقد يوصي أيضاً بالنوم في وضع أكثر استقامة لتقليل الحمض في المريء.


كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في فكّ أسرار الأمراض العصبية الوراثية؟

كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في فكّ أسرار الأمراض العصبية الوراثية؟
TT

كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في فكّ أسرار الأمراض العصبية الوراثية؟

كيف يساعد الذكاء الاصطناعي في فكّ أسرار الأمراض العصبية الوراثية؟

قد تبدأ القصة بطفل تأخر في الكلام، والحركة، أو يعاني ضعفاً في العضلات، ونوبات صرع، فيما تكشف صور الدماغ عن تغيرات لا يجد الأطباء لها تفسيراً واضحاً... وبعد رحلة بين العيادات والفحوص، تُقرر الأسرة إجراء أحد أكثر الاختبارات الطبية تقدماً: تسلسل الإكسوم، أو الجينوم، بحثاً عن سبب وراثي.

تصل العينة إلى المختبر، وتُقرأ المادة الوراثية، لكن النتيجة قد تكون مفاجئة: «لا يوجد تشخيص جزيئي واضح». أو ربما يجد المختبر تغيراً جينياً، لكنه يصنفه «متغيراً ذا دلالة غير مؤكدة» (VUS)، أي إن الأدلة لا تكفي بعد لمعرفة إن كان هذا المتغير مسؤولاً عن المرض.

هذه المعضلة كانت من أبرز ما طُرح في المؤتمر الدولي للجمعية السعودية للطب الوراثي SSMG 2026-الذي حضره ملحق «صحتك» في جدة- وعُقد تحت شعار: «من التشخيص إلى العلاج في علم الجينوم».

وهنا يطرح السؤال نفسه: كيف نستطيع قراءة الجينوم ولا نستطيع دائماً تفسير ما أصاب المريض؟

بين التنبؤ والتشخيص

في إحدى جلسات المؤتمر المخصصة للذكاء الاصطناعي والطب الجينومي، قدمت الدكتورة نوف الغانمي، الأستاذة المشاركة للذكاء الاصطناعي والمعلوماتية الحيوية بجامعة الملك عبد العزيز ورئيسة وحدة المعلوماتية الحيوية بمعهد علوم طب الجينوم، محاضرة بعنوان: «المعلوماتية الحيوية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي في الجينوم العصبي».

واللافت أنها لم تبدأ بالخوارزميات، وإنما بالمريض: طفل بأعراض عصبية، وتاريخ عائلي، وفحص جيني، ثم تقرير يقول: «لا يوجد تشخيص جزيئي واضح»، أو «متغير ذو دلالة غير مؤكدة». وكان سؤالها: ماذا حدث بين المريض وتلك الجملة التي ظهرت في التقرير؟

• البحث عن واحد بين الملايين. لفهم المشكلة، يمكن تخيل الجينوم كمدينة ضخمة يسكنها ملايين الأشخاص، بينما نحاول العثور على شخص واحد قد يقودنا إلى تفسير المرض.

يختلف جينوم الإنسان عن الجينوم المرجعي في نحو أربعة إلى خمسة ملايين موضع. ومع التحليل تبدأ عملية تضييق دائرة البحث، حتى تتحول الملايين إلى عشرات من المتغيرات، ثم إلى عدد قليل يستحق الدراسة. لكن كلما ضيقنا دائرة البحث، ظهر خطر استبعاد الإجابة الحقيقية بالخطأ. فكل خطوة يمكن أن تقربنا من السبب، لكنها قد تستبعد أيضاً المتغير المسؤول عن المرض.

وتزداد المهمة صعوبة في الأمراض العصبية؛ فقد تؤدي تغيرات في جينات مختلفة إلى أعراض متشابهة، كالصرع، أو التأخر النمائي، كما قد تتغير الأعراض مع العمر، فضلاً عن وجود تغيرات وراثية لا تلتقطها بعض الاختبارات بسهولة. وهكذا نصل إلى حقيقة أساسية، وهي أن قراءة الجينوم لا تعني بالضرورة فهمه.

• بين التنبؤ والتشخيص. أوضحت الدكتورة نوف الغانمي في محاضرتها أن العثور على تغير جيني لا يعني الوصول إلى تشخيص. فإذا وجد المختبر تغيراً في الحمض النووي «دي إن إيه» DNA، فهناك ثلاثة أسئلة ينبغي الإجابة عنها:

- أولاً: هل يؤثر هذا التغير فعلاً في عمل الخلية؟

- ثانياً: حتى لو كان له تأثير، هل يمكن لهذا الجين أن يفسر حالة المريض وأعراضه؟

- وثالثاً: هل أصبحت الأدلة مجتمعة قوية بما يكفي لتصنيف هذا المتغير على أنه مسبب للمرض؟

قد يتنبأ نموذج ذكاء اصطناعي بدرجة عالية بأن تغيراً ما سيؤثر في أحد البروتينات، لكن ذلك وحده لا يعني أنه سبب مرض الطفل.

توظيف الذكاء الاصطناعي

• أدوات ذكية لجوانب مختلفة. بدأ الذكاء الاصطناعي يغير طريقة العمل في مختبرات الجينوم، لكن ليس هناك برنامج واحد يعرف كل شيء. فإذا كشف الفحص تغيراً جينياً غامضاً، يمكن لنموذج أن يسأل: هل سيؤثر في البروتين؟ ويبحث آخر عن تأثيره في تعامل الخلية مع الرسالة الجينية، بينما تقارن أداة أخرى أعراض الطفل بالأمراض المعروفة.

ومن أمثلة هذه الأدوات AlphaMissense، وSpliceAI، وExomiser. وهي لا تتنافس على إعطاء «الإجابة الصحيحة»، بل تنظر إلى المشكلة من زوايا مختلفة. ولهذا لا ينبغي التعامل معها كلجنة تصويت؛ إذ إن قول عدة خوارزميات إن المتغير ضار لا يعني أن لدينا عدة أدلة مستقلة. والسؤال الأفضل هو: هل تتفق الأدلة المختلفة على تفسير واحد لما يحدث لهذا المريض؟

ومن أبرز التطورات الحديثة نموذج AlphaGenome الذي يحاول توقع تأثير تغيرات «دي إن إيه» في عمليات متعددة داخل الخلية، بما فيها تشغيل الجينات، ومعالجة الحمض النووي الريبوز «آر إن إيه» RNA، وتنظيم نشاط مناطق من الجينوم.

وبذلك يتوسع السؤال من «هل هذا التغير ضار؟» إلى «ما الذي قد يغيره هذا الاختلاف في طريقة عمل الخلية؟»، لكن AlphaGenome يظل أداة بحثية لتوليد الفرضيات، وليس أداة تصدر تشخيصاً طبياً، أو حكماً نهائياً على المتغير.

• نتائج مربكة في التحليل الجيني. وتوقفت الدكتورة نوف الغانمي عند إحدى أكثر النتائج إرباكاً في التحليل الجيني: المتغير ذو الدلالة غير المؤكدة Variant of Uncertain Significance (VUS).

نعود إلى تقرير الطفل، حيث ظهر متغير جيني، لكن الأدلة لا تكفي بعد لتحديد ما إذا كان مسؤولاً عن المرض. ويمكن تشبيه الأمر -للتبسيط- بوجود مشتبه به لا تكفي الأدلة لإدانته، ولا لتبرئته. فالمتغير يستحق الاهتمام، لكن العلم لا يملك بعد ما يكفي للقول إنه سبب المرض. وهنا قد يكون أحد أهم أدوار الذكاء الاصطناعي ليس أن يقول: «وجدت التشخيص»، وإنما: «هذا هو الدليل الذي ينقصنا».

قد تكون الخطوة التالية فحص الوالدين، أو فحص RNA، أو اختباراً وظيفياً، أو البحث عن علامة سريرية محددة لدى الطفل.

وهكذا يساعد الذكاء الاصطناعي على تحويل عدم اليقين إلى سؤال يمكن اختباره. فالهدف -كما أوضحت الغانمي- ليس القول إن «الذكاء الاصطناعي توصل إلى التشخيص»، بل جعل حالة عدم اليقين قابلة للعمل.

الدكتورة نوف الغانمي

الذكاء الوكيلي

إذا كانت لدينا أداة للبروتين، وأخرى لمعالجة «آر إن إيه» RNA، وثالثة للأعراض، فضلاً عن قواعد البيانات، والدراسات المتجددة، فمن سيجمعها في صورة واحدة؟

هنا طرحت د. نوف الغانمي مفهوم «الذكاء الاصطناعي الوكيلي» (Agentic AI)، وقدمت تصوراً مقترحاً لتوظيفه في الجينوم العصبي، بحيث يبدأ التحليل من المريض، ثم تُستدعى الأدوات المناسبة لكل سؤال، وتُجمع نتائجها، وتراجع أوجه التعارض أو النقص بينها، قبل أن تعود إلى الخبير البشري في صورة فرضيات مدعومة بالأدلة.

ورغم الاسم التقني، فالفكرة بسيطة: تخيل منسقاً ذكياً يعمل مع مجموعة من الخبراء؛ يعرف أي خبير ينبغي أن يسأل، ومتى، ثم يجمع الإجابات في صورة واحدة. فالابتكار ليس في استبدال الأدوات المتخصصة، وإنما في جعلها تعمل معاً حول المريض.

وهذا الاتجاه بدأ يجد تطبيقات بحثية فعلية. ففي عام 2026 نشرت مجلة «نتشر» Nature دراسة عن نظام يسمى DeepRare يستخدم نهجاً وكيلياً في الأمراض النادرة، ويجمع أكثر من 40 أداة ومصدراً للمعرفة.

وفي مجموعة اختبار ضمت 168 حالة، وضع النظام التشخيص الصحيح في المرتبة الأولى في 69.1 في المائة من الحالات، مقابل 55.9 في المائة لأداة تقليدية لترتيب الأمراض والجينات المرشحة. ولا يعني ذلك أن الكمبيوتر أصبح طبيب وراثة، لكنه يشير إلى أن جمع أجزاء الصورة قد يكون أقوى من النظر إلى كل جزء منفرداً. أما التصور الذي عرضته الغانمي للجينوم العصبي، فقد شددت على أنه مقترح بحثي، وليس نظاماً سريرياً مطبقاً أو مثبتاً حتى الآن.

• الذكاء الاصطناعي يقترح والإنسان يقرر. ومهما تطورت هذه الأنظمة، يبقى القرار النهائي للإنسان. فالذكاء الاصطناعي يجمع الأدلة، ويقترح، واختصاصي الوراثة يقيّمها، والمختبر يتحقق عند الحاجة، ثم يضع الطبيب المعالج النتيجة في سياق المريض، ويتخذ القرار الطبي.

إنها علاقة يمكن وصفها بـ«الذكاء الهجين» (Hybrid Intelligence)، الآلة تساعد على رؤية الصورة، والإنسان يتحمل مسؤولية تفسيرها، واتخاذ القرار.

• تشخيص لاحق. وإذا خضع طفل لفحص جيني عام 2022 ولم نجد السبب، فهل ينبغي أن يبقى «غير مشخص» إلى الأبد؟

ليس بالضرورة. فقد يُكتشف لاحقاً ارتباط جين جديد بالمرض، أو تتحسن طرق التحليل، أو تظهر معلومات تغير فهمنا لمتغير كان مجهول الدلالة، أو تظهر لدى الطفل أعراض تجعل الصورة أوضح. لهذا استخدمت د. الغانمي عبارة لافتة: «النتيجة السلبية للإكسوم لها تاريخ».

وفي 2026 نشرت مجلة «Nature Medicine» دراسة عن نظام آلي لإعادة تحليل بيانات مرضى الأمراض النادرة الذين لم يصل الباحثون إلى تشخيص لحالاتهم. وعند إعادة تحليل بيانات 4735 حالة غير مشخصة، أمكن الوصول إلى 241 تشخيصاً جديداً، أي نحو 5.1 في المائة، نتيجة تطور أدوات التحليل، والمعرفة العلمية. ولا تعني النسبة أنها ستتكرر في كل مجموعة من المرضى، لكن الرسالة واضحة: ما لم يكشفه التقرير الجيني اليوم، قد تكشفه إعادة التحليل غداً. وأما عبارة «لم نجد سبباً»، فقد تعني في الحقيقة: «لم نجد السبب بعد».

• ما أهمية هذا في السعودية؟ الذكاء الاصطناعي لا يتعلم في فراغ؛ فجودة نتائجه مرتبطة بجودة البيانات التي يتعلم منها. وعند تفسير تغير جيني تصبح معرفة مدى شيوعه بين السكان مهمة. فما يبدو نادراً جداً في قاعدة بيانات عالمية، قد تكون له صورة مختلفة في مجتمع لم يكن ممثلاً فيها بالقدر الكافي.

كما أن وجود القرابة بين الوالدين في بعض الأسر قد يغير طريقة البحث عن بعض الأمراض الوراثية المتنحية، وبالتالي استراتيجية تحليل الجينوم نفسها.

ولذلك فإن بناء طب جينومي سعودي لا يعني فقط امتلاك أحدث أجهزة التسلسل، أو نماذج الذكاء الاصطناعي، بل بناء معرفة جينومية محلية تساعد على تفسير ما نراه لدى المرضى، مع حماية البيانات، وإبقاء القرار الطبي خاضعاً للتدقيق البشري.

• عودة أخيرة إلى الطفل. لم يحصل طفلنا بعد على تشخيص واضح. وربما لن يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يعطينا اسم المرض، لكنه يستطيع مساعدة الفريق الطبي في تحديد المتغيرات التي تستحق الاهتمام، والأدلة التي ما زالت تنقصنا.

وهنا تتجلى رسائل د. نوف الغانمي الخمس: المريض أولاً، وتأثير المتغير لا يعني بالضرورة أنه سبب المرض، ولكل نموذج ذكاء اصطناعي وظيفة مختلفة، وتكامل الأدوات ينبغي أن يقود إلى فرضيات قابلة للاختبار، أما النتيجة الجينية السلبية، أو المتغير غير المؤكد، فلا يعنيان نهاية البحث.

وعندها لا يصبح الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الطبيب، وإنما أداة تساعده على الوصول إلى السؤال الصحيح.

ولسنوات كان السؤال الأكبر في مختبرات الجينات: «هل هذا المتغير ممرض؟» وأما السؤال الأكثر فائدة للمريض فهو: «هل يفسر هذا المتغير حالة هذا المريض؟... وما الذي ينبغي أن نختبره بعد ذلك؟».

وهنا ربما تكمن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي في الطب الجينومي: ليس في أن يقدم تشخيصاً بضغطة زر، بل في أن يحول غموض الجينوم إلى أسئلة أفضل، والأسئلة إلى اختبارات، والاختبارات إلى فرصة أقرب للوصول إلى الإجابة.

*استشاري طب المجتمع.