ماكرون ماض في قانون التقاعد ويرفض الانفصال عن رئيسة الحكومة

ردود عنيفة على تصريحاته... وترقب ليوم جديد من المظاهرات

مظاهرة ضد قانون إصلاح التقاعد في رين أمس (أ.ب) وفي الإطار ماكرون لدى إلقائه كلمته أمس (أ.ف.ب)
مظاهرة ضد قانون إصلاح التقاعد في رين أمس (أ.ب) وفي الإطار ماكرون لدى إلقائه كلمته أمس (أ.ف.ب)
TT

ماكرون ماض في قانون التقاعد ويرفض الانفصال عن رئيسة الحكومة

مظاهرة ضد قانون إصلاح التقاعد في رين أمس (أ.ب) وفي الإطار ماكرون لدى إلقائه كلمته أمس (أ.ف.ب)
مظاهرة ضد قانون إصلاح التقاعد في رين أمس (أ.ب) وفي الإطار ماكرون لدى إلقائه كلمته أمس (أ.ف.ب)

استبق الرئيس الفرنسي لقاءه الصحافي المتلفز والمنتظر، ظهر أمس، بتسريب الرسائل الرئيسية التي أراد إيصالها إلى الفرنسيين بمناسبة الاجتماعات المتلاحقة التي عقدها في قصر الإليزيه، مساء الاثنين وطيلة يوم الثلاثاء، مع الحكومة والوزراء المعنيين ورؤساء الأحزاب والمجموعات النيابية الداعمة له. وهذه الرسائل ثلاث؛ أولاها الرفض المطلق لحل البرلمان، وللتخلي عن الحكومة ورئيستها إليزابيث بورن، ورفض عرض إصلاح قانون التقاعد في استفتاء شعبي. وثانية الرسائل رفض التراجع عن خطته الإصلاحية، وأما الثالثة فهي التأكيد على شرعية ما يقوم به واعتبار أن الشرعية المنبثقة من صناديق الاقتراع (وقد أعيد انتخابه في الربيع الماضي)، تتجاوز شرعية الحراك في الشارع، وبالتالي التمسك المطلق بأصول اللعبة الديمقراطية.
وفي اللقاء المتلفز الذي دام نصف ساعة، لم يحد ماكرون عن هذا الخط؛ إذ أكد، وبقوة، أن القانون الذي أقر في البرلمان من غير تصويت وباللجوء إلى الفقرة 49 - 3 من الدستور «سيصبح نافذاً مع نهاية العام». إلا أنه يتعين عليه انتظار حكم المجلس الدستوري الذي طلبت منه الحكومة، وكذلك المعارضة، النظر في مدى ملاءمته للنصوص الدستورية. بعد ذلك، سيعمد ماكرون إلى إصداره بمرسوم ينشر في الجريدة الرسمية. بالمقابل، لم يشر الرئيس الفرنسي، لا من قريب ولا من بعيد، إلى مسعى نواب المعارضة لطرحه على التصويت في إطار «استفتاء بمبادرة شعبية». وهذا المسار بالغ التعقيد؛ إذ ينص القانون الذي أقره في العام 2015 على ضرورة أن يتقدم به خمس أعضاء مجلس النواب والشيوخ ودعم عشر «واحد من عشرة» من المسجلين على اللوائح الانتخابية. وبالنظر لنتائج التصويت على الثقة في البرلمان، فإن المعارضة قادرة على جمع توقيع 185 عضواً من مجلسي النواب والشيوخ والعدد الضروري من الناخبين. لكن المدخل إلى ذلك هو قرار المجلس الدستوري.
وفيما كانت النقابات تتأهب لتاسع يوم من الاحتجاجات الشعبية والإضرابات، التي من المرتقب أن تطال قطاعات رئيسية مثل النقل والكهرباء والطاقة والمشتقات النفطية والتعليم بمختلف مستوياته والوظائف العمومية، تلبية لدعوة جماعية من النقابات المستمرة في المطالبة بالتراجع عن القانون الجديد، فإن ماكرون قطع عليها الطريق نهائياً وبشكل حاسم. وزاد على ذلك برفضه الاستجابة لمن يحثه على استبدال رئيسة الحكومة والقيام بتعديل وزاري. وفي هذا الصدد، أكد أن بورن «تحظى بكامل ثقته من أجل قيادة الفريق الحكومي»؛ لغرض «بناء برنامج حكومي»، ولكن أيضاً «توسيع الأكثرية» التي تدعمها في البرلمان. وشدد ماكرون على أن «لا أكثرية بديلة» عن تلك الموجودة اليوم، علماً بأن الأحزاب الثلاثة الداعمة له «النهضة والحركة الديمقراطية وآفاق» لا تتمتع بالأكثرية المطلقة، وأن بورن ملزمة بالمساومة تارة مع اليمين، وتارة مع اليسار؛ لتوفير الأكثرية اللازمة للتصويت على مشاريع القوانين التي تطرحها على التصويت. وليس واضحاً بعد كيف ستتمكن من «توسيع الأكثرية» بالنظر إلى العداء المستحكم بينها وبين تجمع أحزاب اليسار والبيئويين من جهة، وتشرذم حزب «الجمهوريون» اليميني المعتدل الذي صوت ثلث نوابه لإسقاط الحكومة من جهة أخرى. وللتذكير، فإن تسعة أصوات فقط كانت تفصل حكومة بورن عن السقوط في الجمعية الوطنية.
منذ منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، نزل ملايين الفرنسيين إلى الشوارع، وقامت عشرات الإضرابات، وبيّنت استطلاعات الرأي أن ثلاثة أرباع الفرنسيين لا يريدون مشروع قانون التقاعد. إلا أن ماكرون بقي متسلحاً بشرعيته المنبثقة عن انتخابه وعن انتخاب أعضاء الندوة البرلمانية الذين أقروا قانون التقاعد. وسبق للرئيس الفرنسي أن ميز بين «الشعب» الذي ينتخب وبين «الجماهير» أو «الغوغاء» التي تنزل إلى الساحات والشوارع وتلجأ إلى «العنف الأعمى» الأمر الذي يرى فيه «تهديداً للديمقراطية». ولا يبدي ماكرون أي ندم على تمسكه بإنفاذ القانون الجديد، معتبراً أن الإصلاح «ضروري»، وأن الطريقة الوحيدة لإنقاذ نظام التقاعد تمر من خلال رفع سن التقاعد من 62 إلى 64 عاماً بحلول العام 2027. ولكنه اعترف بندمه على أمر واحد هو «إخفاقه في إقناع» المعنيين «بضرورة الإصلاح». ولم يفت الرئيس الفرنسي انتقاد النقابات التي «لم تقترح أي تسويات بل كان رفضها لمشروع القانون مطلقاً».
وبالنظر لتهاوي شعبيته، وفق ما تبينه استطلاعات الرأي، فقد رأى أنه «إذا كان لا بد من تحمل انهيار الشعبية، فإنه سيتحملها»، علماً بأن الدستور لا يجيز له سوى ولايتين رئاسيتين من خمس سنوات لكل منهما. وقد أمضى الأولى، ويقارب العام من الولاية الثانية.
كان واضحاً، أمس، أن ماكرون يريد قلب صفحة التقاعد بأسرع وقت ممكن، وذلك عن طريق «خريطة طريق» وإجراءات جديدة؛ أبرزها عزمه الطلب من الحكومة فرض «مساهمة استثنائية» على الشركات التي حققت أرباحاً «استثنائية»، بحيث يستفيد منها الموظفون والعاملون فيها. وما يدعو إليه ماكرون ليس فرض ضريبة إضافية على الشركات المعنية، بل فقط تمكين الموظفين من الاستفادة من وفرة الأرباح، منبّهاً من أن هذه الشركات تستخدم جانباً من أرباحها للمساهمين فيها من جهة ولشراء أسهمها الخاصة في البورصة من جهة أخرى، من أجل رفع قيمتها السوقية. ووفق الأرقام المتوافرة، فإن أول أربعين شركة متداولة في بورصة باريس حققت أرباحاً صافية العام الماضي وصلت إلى 142 مليار يورو. وحدها شركة «توتال إنيرجي» النفطية حصدت 21 مليار يورو من الربح الصافي، وهو مبلغ لم يسبق لها أبداً أن وصلت إليه.
إضافة إلى ما سبق، يريد ماكرون العودة سريعاً إلى «الحوار الجماعي» مع الشركاء الاجتماعيين، أي النقابات وأصحاب الشركات، حول ملف «العمل» والوظائف الصعبة، وحول الرواتب التي تقل عن الحد الأدنى، مؤكداً أن «يده ممدودة للعمل مع كل من يريد العمل معه». وفي سرد لأولوياته المقبلة، أشار إلى الاستمرار في توفير الوظائف وخفض نسبة البطالة المتراجعة، والمحافظة على الأمن والنظام، وتوفير مزيد من الإمكانيات للقضاء، ودعم القوات المسلحة، إضافة إلى الملفات التقليدية التي هي التعليم والبيئة والصحة. وباختصار، يريد ماكرون الاستمرار في مشروعه الإصلاحي لأنه «ليس لنا الحق في الجمود أو التوقف عن ذلك». ومن المشاريع اللاحقة قانون جديد حول ملف الهجرات الذي سيتأجل طرحه عدة أسابيع.
لم تتأخر الردود النقابية والسياسية على كلام ماكرون، وجاءت أكثريتها الساحقة منددة. فقد أعلن فيليب مارتينيز، أمين عام الاتحاد العمالي العام، أن ماكرون «استهزأ بالناس وعبّر عن احتقاره لملايين الأشخاص الذي تظاهروا» في الأسابيع الماضية، فيما اتهمه لوران بيرجيه، أمين عام الفيدرالية الديمقراطية للشغل، المائل إلى الاعتدال بشكل عام، بـ«الإنكار والكذب». وأثار تشبيه ماكرون لما حصل في مجلس النواب الفرنسي من شجارات واتهامات، بما شهده الكابيتول الأميركي عند تثبيت انتخاب جو بايدن أو ما عرفه مجلس النواب البرازيلي يوم تسلم لولا دا سيلفا الرئاسة، جان لوك ميلونشون رئيس حزب «فرنسا الأبية» اليساري المتشدد والمرشح الرئاسي السابق، الذي قال إن ماكرون «يعيش خارج الواقع»، ومرة أخرى «سكب علينا عبارات الاحتقار التقليدية»، معبراً عن تخوفه من أن تكون تصريحاته بمثابة «صب الزيت على النار».
أما أوليفيه فور، أمين عام الحزب الاشتراكي، فقد اتهم ماكرون بـ«السعي إلى اهتراء الوضع» واللجوء إلى الحجج التي عمد إلى استخدامها سابقاً. ورأت مارين لوبن، زعيمة اليمين المتطرف، أن ماكرون «تحدث بشكل آلي وتسويفي، ما يبين بوضوح عزلته، وأنه فقد الشعور بالواقع وأي اتصال مع العالم الخارجي»، متهمة إياه بـ«الأنانية والبحث عن مصلحته الشخصية، وليس أبداً المصلحة العليا للشعب».
كل الأنظار تميل لما سيحصل في الشارع اليوم. ورهان الحكومة الحقيقي أن الناس قد تكون تعبت من التظاهر، وأن إقرار القانون في البرلمان سيجعلها تعتبر أن حراكها أصبح فاقداً للمعنى. وخلال 35 دقيقة، سعى ماكرون لتكذيب كافة التحليلات التي تحدثت عن «أزمة سياسية» و«أزمة نظام»، وعن ضعفه السياسي وعزلته وفقدانه الحلفاء السياسيين الذين يعول عليهم من أجل مواصلة تمرير مشاريع القوانين، وبالتالي حكم البلاد. والحال أن الأزمة موجودة والغلاء في الشارع لا يخفى على أحد، ولا شك أنه مصيب بقوله إن قانون التقاعد ليس السبب الوحيد؛ إذ إن الأزمة الحقيقة اليوم عنوانها الغلاء المتفشي، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وارتفاع مستويات التضخم، والتهديد بالتهميش، الذي تعاني منه الطبقات الهشة في المجتمع.


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...