المفتي دريان: لبنان في زمن البلاء الأعظم

الشيخ عبد اللطيف دريان (دار الفتوى)
الشيخ عبد اللطيف دريان (دار الفتوى)
TT

المفتي دريان: لبنان في زمن البلاء الأعظم

الشيخ عبد اللطيف دريان (دار الفتوى)
الشيخ عبد اللطيف دريان (دار الفتوى)

حذّر مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان من «فوضى بدأت معالمها تظهر شيئاً فشيئاً في الوطن، ويدفع الثمن المواطن»، في حال عدم انتخاب رئيس للجمهورية، وتشكيل حكومة، رافضاً في الوقت نفسه الدعوات لتقسيم بلدية بيروت، مشدداً على أن «دار الفتوى كانت وستبقى الحريصة على وحدة اللبنانيين، وترسيخ عيشهم المشترك، وتوحيد صفوفهم».
وفشل البرلمان اللبناني، على مدى 11 جلسة، بانتخاب رئيس جديد للجمهورية، وسط انقسام سياسي حاد حال دون التوافق على اسم تؤيده أغلبية ثلثي أعضاء البرلمان في الدورة الانتخابية الأولى، أو توفر حضور أغلبية الثلثين لانتخابه في الدورة الثانية. وأعلن ثنائي «حزب الله» و«حركة أمل» تأييدهما لانتخاب رئيس تيار «المردة» سليمان فرنجية، فيما تلوح المعارضة بمقاطعة الجلسة في حال كان هناك توجه لانتخابه، في مسعى لإفقاد الجلسة نصابها القانوني. وساهم التعثر السياسي في تعميق الأزمة المعيشية التي تتفاقم يومياً.
وقال دريان في رسالة وجهها إلى اللبنانيين بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك: «نحن بالفعل في زمن البلاء الأعظم، ولا نتوقع الخروج منه إلا برحمة الله. لكن في الحياة العامة، هناك مسؤولون ومسؤوليات. ونحن نقول من دون تردد، وبعد صبر طويل وإعفاء أطول: إن المسؤولين عن الحياة العامة ما تحملوا مسؤولياتهم، ولا راعوا آلام شعبهم، وعز لديهم الإحساس والإحسان»، مشيراً إلى أن «ما نزل بلبنان ما عرفه بلدنا منذ أكثر من قرن». وسأل: «كيف يفرغ منصب رئاسة الجمهورية وتتصدع المؤسسات؟ وكيف تتعاظم الجرائم، وتتصاعد وتيرة المجاعة لو كان هناك مسؤولون من أي نوع كان؟»، مضيفاً أنه «لم يكد يبقى شيء من رئاسة الجمهورية أقلها، ومع ذلك، فإن الصراع ناشب عليها، وما بقي من المال العام شيء، ومع ذلك، لا يزالون يلاحقوننا على الليرة وعلى اللقمة».
وقال دريان بلهجة حاسمة: «بصراحة، ودون مواربة: إما انتخاب رئيس للجمهورية، وتشكيل حكومة، وإما الفوضى التي بدأت معالمها تظهر شيئاً فشيئاً في الوطن، ويدفع الثمن المواطن»، مطالباً بـ«الاحتكام إلى الدستور، وانتخاب رئيس للبلاد اليوم قبل الغد»، ومضيفاً: «لا نستطيع الانتظار أكثر من ذلك، والاستجابة لمطالب الناس وحاجاتهم، الذين بدأوا يفقدون الحد الأدنى من مقومات الحياة، ومن المؤسف أن الطبقة السياسية في مكان، والشعب في مكان آخر».
وتوجه إلى المسؤولين السياسيين بالقول: «كفى بالله عليكم تضييع الوقت، أصبحنا في المراحل الأخيرة من الانهيار، وحدوا رؤيتكم في مصير بلدكم، اتقوا الله في هذا الشعب الصابر الصبور المتألم. نريد حلاً للخروج من النفق المظلم، إلى متى الانتظار لانتخاب رئيس للجمهورية؟ هل المطلوب الانهيار الشامل ليبنى على الشيء مقتضاه؟».
وتوقف دريان عند انهيار العملة المحلية التي انخفضت قيمتها في مقابل الدولار الأميركي، 70 مرة منذ العام 2019، وقال: «إن العملة الوطنية انهارت، فماذا أنتم فاعلون؟ ماذا تنتظرون والناس تعاني الجوع والفقر وارتفاع كلفة الاستشفاء؟ أي نوع من البشر أنتم؟ وأي نوع من المسؤولين أنتم؟ لا يجوز بعد اليوم السكوت والتهاون بمصير لبنان واللبنانيين، فالساكت عن الحق شيطان أخرس في الجريمة التي ترتكب بحق اللبنانيين».
ويأتي ذلك في ظل دعوات يتصدرها نواب في «التيار الوطني الحر» لتقسيم بلدية بيروت إلى بلديتين، وهو أمر ترفضه القوى السياسية التي تتمتع بأغلبية شعبية من المسلمين. وقال دريان إن «دار الفتوى كانت وستبقى الحريصة على وحدة اللبنانيين، وترسيخ عيشهم المشترك، وتوحيد صفوفهم، والتصدي لكل من يعمل على تمزيق وحدة الوطن، فالبعض ينادي ويعمل على تقسيم بلدية بيروت العاصمة، التي هي رمز وحدة اللبنانيين في عيشهم الواحد، فبيروت بمسلميها ومسيحييها لن ترضى بالتقسيم، ونحن سنقف سداً منيعاً في مواجهة المس بوحدة بيروت، وبوحدة مؤسساتها»، داعياً «الساعين لهذه الأفكار، إلى أن يفكروا ملياً بالأولويات التي تهم المواطنين، وتخفف عنهم المعاناة، وتضع حداً للبطالة، وأزمة الماء والكهرباء والاستشفاء، وحالة الضياع الذي يعيشه الوطن والمواطن». وقال: «بيروت هي الوجه المشرق لدور لبنان ورسالته، وهي مقياس الوطنية والعروبة والإيمان في لبنان الجريح، وكلنا مدعوون لمداواة هذا الجرح الذي طال وقته، وآن لنا أن نلتقي لبناء الدولة الوطنية الجامعة لكل أبنائها».
واعتبر دريان أن «هناك بشرى خير تلوح في الأفق، بعد الاتفاق بين المملكة العربية السعودية وإيران، على استعادة العلاقات الدبلوماسية، وعلى التحاور لحل المشكلات». وأمل «أن يكون التوافق داعية سلام والتفات إلى الاستقرار وخير الناس الذين تعذبوا كثيراً بسبب الفرقة والانقسام والتقاطع»، وأضاف: «نحن نتطلع إلى أن يكون الاتفاق بين البلدين الكبيرين خيراً كبيراً، وتوجهاً للعمل، متحدين على مصالح العباد والبلاد».


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

الجيش اللبناني ينفذ «إعادة تموضع» مع بدء إسرائيل التوغل البري

دبابة «ميركافا» إسرائيلية تتمركز قرب الحدود مع جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دبابة «ميركافا» إسرائيلية تتمركز قرب الحدود مع جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

الجيش اللبناني ينفذ «إعادة تموضع» مع بدء إسرائيل التوغل البري

دبابة «ميركافا» إسرائيلية تتمركز قرب الحدود مع جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دبابة «ميركافا» إسرائيلية تتمركز قرب الحدود مع جنوب لبنان (أ.ف.ب)

نفذ الجيش اللبناني إعادة تموضع لجنوده المنتشرين على الشريط الحدودي مع إسرائيل في الجنوب، إثر بدء الجيش الإسرائيلي توغلات محدودة في ثلاثة محاور، وإصدار إنذارات إخلاء طالت عشرات القرى، وسط ضبابية تحيط بالخطط الإسرائيلية في لبنان.

وبالتزامن مع الجيش الإسرائيلي تعزيز انتشاره في جنوب لبنان، نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن الجيش الإسرائيلي عزمه العمل على إقامة منطقة عازلة في لبنان.

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بأن «الجيش اللبناني يخلي عدداً من مواقعه المتقدمة عند الحافة الحدودية إلى نقاط أخرى للتمركز فيها». وأشارت إلى أن القوات الإسرائيلية نفذت عملية تمشيط واسعة، من موقعها المستحدثة على تلة حمامص باتجاه الخيام وسهل مرجعيون، كما يستمر القصف المتقطع على الخيام وهورا والجبل تحت قلعة الشقيف».

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت منطقة كفرتبنيت في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وبحسب «رويترز»، أخلى الجيش اللبناني سبعة مواقع عمليات أمامية على الأقل على الحدود. كما قال مسؤول لبناني للوكالة إن القوات الإسرائيلية «تقوم بعمليات توغل عبر أجزاء من الحدود اللبنانية».

توغلات على ثلاثة محاور

وبدأ التوغل العسكري ليل الاثنين - الثلاثاء، حيث أطلق الجيش الإسرائيلي موجة واسعة من القصف المدفعي، استهدفت منطقة الخيام، وترافقت مع تحركات عسكرية، بما أوحى أن التوغل سيكون على محور الخيام، وهو ما لم يثبت؛ إذ حصل التوغل على محاور كفركلا ويارون والقوزح.

وقال مصدر أمني لبناني لـ«الشرق الأوسط» إن القوات الإسرائيلية نفذت توغلات داخل الأراضي اللبنانية من ثلاث نقاط في قرى كفركلا (القطاع الشرقي)، ويارون (القطاع الأوسط) والقوزح (القطاع الغربي)، مؤكداً أن القوات الإسرائيلية لم تستحدث أي نقطة داخل الأراضي اللبنانية بعد، كما لم تستقر في أي من القرى التي توغلت إليها.

اتصالات على سائر المستويات

وفيما «نشطت اتصالات على سائر المستويات للجم التوغل وإيقافه»، حسبما يؤكد المصدر، اتخذ الجيش اللبناني تدابير عسكرية في المنطقة. وأوضح المصدر الأمني أن وحدات الجيش المنتشرة في النقاط الحدودية في تلك المناطق «نفّذت إعادة تموضع»، في إشارة إلى نقل مراكز، والتحاق بعض العناصر بالمراكز الأساسية والكبيرة في المنطقة. وقالت إن خطط الانتشار والتموضع «مرتبطة بمستوى التصعيد الإسرائيلي».

وكان الجيش اللبناني استحدث في وقت سابق نقاطاً حدودية جديدة، لمنع القوات الإسرائيلية من التوغل في داخل الأراضي اللبنانية، ونفذ تدابير جديدة في المنطقة لإقفال منافذ التسلل. وعادة ما ينشر الجيش عناصر جديدة في كل نقطة مستحدثة، تصل إلى عشرة عناصر، ومعززة بآليات عسكرية، وفي المقابل، تنفذ إسرائيل توغلاتها بدبابات ميركافا يصل عددها إلى عشرة دبابات تحمل عشرات الجنود، وتترافق مع طلعات جوية مسيرة أو مروحية أو قتالية لتوفير الحماية له.

إنذارات إخلاء لـ84 بلدة

في موازاة التحركات البرية، أصدر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، عبر «إكس»، إنذاراً عاجلاً لسكان 84 من القرى والبلدات في لبنان، مرفقاً قائمة بأسماء القرى التي طالها التحذير، مطالباً السكان بعدم العودة إليها في الوقت الحالي.

سكان محليون يتفقدون موقعاً في الضاحية الجنوبية لبيروت استهدفه الجيش الإسرائيلي بالغارات الجوية (أ.ف.ب)

اللافت أن الإنذارات لم تقتصر على القرى الحدودية الأمامية، بل شملت بلدات ساحلية في الزهراني بعيدة نحو 35 كيلومتراً عن الحدود مع إسرائيل، مثل السكسكية والخرايب والصرفند واللوبية. ويوحي إدراج هذه القرى ضمن لوائح الإخلاء بأن الحسابات الإسرائيلية لا تنحصر في المحور البري الحدودي.

وتشير مصادر مواكبة للتحركات الإسرائيلية في الجنوب، لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تكون إسرائيل تمهّد لتصعيد يمتد من البحر، عبر عمليات إنزال للأطباق على الجنوب من عدة محاور، وإما أنها تدفع باتجاه إخلاء القرى المحاذية للشاطئ لتأمين حرية الحركة النارية والبحرية؛ ما يعني تحييد الساحل بالكامل، وعزله عن أي استخدام عسكري محتمل، بما يضمن فصل خطوط الإمداد أو الحركة بين الجنوب والعمق اللبناني.

أبعاد ميدانية وسياسية

في قراءة عسكرية - سياسية للمشهد، رأى العميد المتقاعد سعيد قزح أن الإنذارات التي يوجّهها الجيش الإسرائيلي إلى سكان القرى الجنوبية «لا تُفهم في إطار عسكري تقني فحسب، بل تحمل أبعاداً ميدانية ونفسية وسياسية مترابطة»، معتبراً أن أهدافها تتجاوز التحذير المباشر إلى «إعادة تشكيل المشهد الميداني تمهيداً لخيارات تصعيدية أوسع».

وقال قزح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن «أول أهداف هذه الإنذارات هو تأمين حرية الحركة للجيش الإسرائيلي في حال أراد استهداف أي هدف عسكري داخل القرى، بحيث يتمكن من تنفيذ ضرباته من دون عوائق مرتبطة بوجود المدنيين». وأضاف أن الهدف الثاني «يتمثل في خلق أزمة مهجّرين ونازحين، بما يزيد النقمة الشعبية ويضع ضغطاً إضافياً على الدولة اللبنانية في ملف النزوح».

وأشار إلى أن «هناك بعداً نفسياً واضحاً في هذا المسار؛ إذ يُراد منه تكبير حجم النقمة، وطرح تساؤلات داخل البيئة الحاضنة حول ما الذي يحققه الحزب فعلياً»، معتبراً أن «هذا العامل النفسي يشكّل جزءاً من الحرب النفسية، ويبدو أنه يحقق أثراً ملموساً في ظل تصاعد النقمة على تصرفات الحزب».

رجال إطفاء لبنانيون في موقع استهداف إسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)

ولفت قزح إلى أن الهدف الثالث للإنذارات «يرتبط باحتمال اتخاذ قرار بتقدم بري، بحيث تكون المناطق خالية من السكان». وأوضح أنه «في العقيدة العسكرية الإسرائيلية سابقاً، كان يتم تطويق المدن في أثناء التقدم، أما اليوم فالمسار يميل إلى تدمير المدن لتسهيل العمل العسكري داخل القرى بحرية أكبر، وهو ما يفسّر سياسة الإخلاءات والإنذارات».

وفيما يتعلق بالحديث عن اجتياح بري، اعتبر قزح أن «الجدية هذه المرة تبدو أكبر من المرة الماضية». وقال: «في الجولة السابقة كان التقدير أن أي توغل سيقتصر على القرى الأمامية بعمق يقارب خمسة كيلومترات، بهدف تأمين مستوطنات شمال إسرائيل من الرميات المباشرة، نظراً إلى أن مساحات واسعة من الأراضي اللبنانية مكشوفة على تلك المستوطنات». وتابع: «اليوم يُعاد طرح فكرة المنطقة العازلة بجدية أكبر».


القاضي زيدان يفجر جدلاً ساخناً في العراق

القاضي فائق زيدان (إعلام مجلس القضاء)
القاضي فائق زيدان (إعلام مجلس القضاء)
TT

القاضي زيدان يفجر جدلاً ساخناً في العراق

القاضي فائق زيدان (إعلام مجلس القضاء)
القاضي فائق زيدان (إعلام مجلس القضاء)

أثار المقال الذي نشره رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق، فائق زيدان، بصحيفة «الشرق الأوسط» بعدد «الثلاثاء 3 مارس (آذار) 2026» تحت عنوان «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» جدلاً واسعاً في العراق، ونظر إلى ذلك من زوايا مختلفة تصب في إطار «إعادة هيكلة النظام السياسي» من خلال إعادة تفسير المادة 76 من دستور البلاد الدائم المتعلقة بتشكيل الحكومة ومفهوم «الكتلة البرلمانية الأكبر» المؤهلة لطرح مرشحها لشغل منصب رئيس الوزراء، المسؤول التنفيذي الأول عن إدارة الدولة، ورسم السياسات الداخلية والخارجية.

وعد القاضي زيدان في مقاله، أن المادة 76 من دستور عام 2005 «من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل؛ نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية». حيث تنص على أن «يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة».

ورأى أن التفسير الذي قدمته المحكمة الاتحادية للمادة عام 2010 «يجعل تشكيل الحكومة خاضعاً لمفاوضات معقدة قد تطول لأشهر، كما حدث بعد انتخابات 2010 و2018 و2021 و2025، مما أدى إلى أزمات سياسية متكررة آخرها التي نعيشها هذه الأيام» في إشارة إلى تعرقل مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة رغم مرور نحو أربعة أشهر من إجراء الانتخابات العامة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وخلص القاضي إلى طرح ثلاثة طرق لتجاوز هذه المعضلة الدستورية والسياسية، من خلال إجراء «تعديل دستوري صريح يحدد المقصود بالكتلة الأكبر بصورة لا تحتمل التأويل؛ تحقيقاً للأمن الدستوري، وصوناً لإرادة الناخب بأن يحسم المقصود بالكتلة الأكبر بشكل لا يقبل التأويل باعتماد معيار (القائمة الفائزة انتخابياً)».

أو من خلال «معالجة الإشكالية عبر تعديل قانون مجلس النواب؛ بحيث يُلزم بتسجيل الكتلة الأكبر رسمياً خلال الجلسة الأولى فقط، ويمنع تغيير صفة (الكتلة الأكبر) بعد تثبيتها». أو عبر قيام المحكمة الاتحادية العليا بـ«إعادة النظر في تفسيرها السابق، وتعتمد تفسيراً مقيداً يربط (الكتلة الأكبر) بنتائج الانتخابات لا بالتحالفات اللاحقة المفتوحة».

تغييرات جوهرية

وبنظر المراقبين والمعلقين على مقال القاضي زيدان، فإن من شأن هذه التعديلات إحداث تغيرات جوهرية في العملية الانتخابية والحكومة التي تنبثق منها. كما يرى بعض المراقبين أن المقال لا يبتعد كثيراً عن مجمل ما يجري من أحداث في الشرق الأوسط والتحولات العميقة التي يتوقع حدوثها بعد انتهاء الصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران، وكذلك الضغوط التي مارستها واشنطن مؤخراً على الأحزاب والقوى السياسية العراقية حول ملف تشكيل الحكومة الجديدة.

ووصف قصي محبوبة، عضو ائتلاف تحالف «الإعمار والتنمية» المقرب من رئيس الوزراء محمد السوداني، في تدوينة على منصة «إكس» مقال القاضي زيدان بأنه «أهم المتغيرات التي تدعو إلى وقف الانحرافات الدستورية والعودة إلى روح الدستور». ورأى أن «التلاعب بتفسير من له الحق بتشكيل الحكومة بعد الانتخابات قد أفرغ العملية الديمقراطية من محتواها، وفتح الباب على مصراعيه أمام الانتهازية السياسية، وأنها خطوة كبيرة وجريئة وشجاعة لوقف الانحراف والعودة لروح الدستور».

وقال السياسي ليث شبر في تدوينة مماثلة، إن «النقاش حول تفسير الدستور ليس نقاشاً قانونياً مجرداً، بل هو نقاش حول طبيعة النظام السياسي نفسه، فحين يُفسَّر النص على نحو يبتعد عن مقاصده تتحول الدولة إلى منظومة تعيش على الأزمات المتكررة بدل أن تتجه نحو الاستقرار». وأضاف أن «إعادة النظر في مسار تفسير النصوص الدستورية والعودة إلى روح الدستور ومقاصده لم تعد مسألة فقه دستوري فحسب، بل ضرورة سياسية لإنقاذ النظام السياسي من دوامة الانسداد التي أنتجها تفسيران تحولا مع الزمن إلى سبب دائم للأزمة».

السوداني مستقبلاً المبعوث الأميركي توم براك في بغداد مؤخراً (أ.ف.ب)

ويرى الباحث محمد الحلو، أنه «لا يمكن قراءة مقال رئيس مجلس القضاء الأعلى بمعزلٍ عن سياق الشرق الأوسط الجديد ولقائه الأخير مع المبعوث الأميركي توم برّاك قبل أيام». وأضاف عبر تدوينة على «إكس» إنه «إذا تراجعت المحكمة الاتحادية عن تفسيرها السابق للكتلة الأكبر، فهذا يعني بصورة مؤكدة نهاية الإطار التنسيقي، بوصفه تحالفاً يضم مجموعة كتل متباينة الأحجام هي من تقوم بتشكيل الحكومة». ويعتقد أن كل ذلك «سيفتح ذلك الباب واسعاً أمام عودة التيار الصدري في الانتخابات المقبلة».

ويتحدث كثيرون عن أن إعادة تفسير الكتلة الأكبر سيعني ضمنياً إمكانية حصول رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد السوداني على ولاية ثانية لرئاسة الوزراء على أساس حصول تحالفه «الإعمار والتنمية» على أكبر عدد من المقاعد البرلمانية بعد إعلان نتائج الانتخابات وبواقع 52 مقعداً.


لبنان: 40 قتيلاً و246 مصاباً في الهجمات الإسرائيلية خلال يومين

الدخان يتصاعد في موقع مبنى تعرّض لغارة جوية إسرائيلية بالضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)
الدخان يتصاعد في موقع مبنى تعرّض لغارة جوية إسرائيلية بالضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)
TT

لبنان: 40 قتيلاً و246 مصاباً في الهجمات الإسرائيلية خلال يومين

الدخان يتصاعد في موقع مبنى تعرّض لغارة جوية إسرائيلية بالضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)
الدخان يتصاعد في موقع مبنى تعرّض لغارة جوية إسرائيلية بالضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)

كشف متحدث باسم وزارة الصحة اللبنانية أن الهجمات الإسرائيلية على لبنان، أمس الاثنين واليوم الثلاثاء، أدت إلى مقتل ما لا يقل عن 40 شخصاً، وإصابة 246 آخرين.

وأوضح المتحدث أن خطأ فنياً كان وراء إعلان الوزارة، أمس، حصيلة قتلى بلغت 52.

وأعلنت «الأمم المتحدة»، الثلاثاء، أن 31 ألف شخص، على الأقل، نزحوا في لبنان جرّاء عمليات القصف والغارات الإسرائيلية على مناطق مختلفة، خصوصاً في جنوب البلاد وضاحية بيروت الجنوبية.

وقال المتحدث باسم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بابار بلوش، في مؤتمر صحافي بجنيف: «جرى الإبلاغ عن عمليات نزوح كبيرة في عدّة أجزاء من جنوب لبنان، وفي منطقة البقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، بعدما أصدرت إسرائيل تحذيرات بالإخلاء لسكان أكثر من 53 قرية لبنانية، ونفّذت غارات جوية مكثفة» على المناطق المذكورة.

وأضاف: «تشير التقديرات، حتى يوم أمس الاثنين، إلى أن نحو 31 ألف شخص، على أقل تقدير، جرى إيواؤهم وتسجيلهم في مراكز إيواء جماعية. كما نام عدد أكبر بكثير في سياراتهم على جوانب الطرق».

من جانبه، أفاد المدير الإقليمي لبرنامج الأغذية العالمي، التابع للأمم المتحدة، سامر عبد الجابر، في حديث للصحافيين في القاهرة، إنّ عدد النازحين سيزداد بشكل كبير.

وتشنّ إسرائيل حملة قصف مكثّف على لبنان منذ الاثنين، مُعلنة استهداف «حزب الله»، رداً على ضربات نفّذها على الأراضي الإسرائيلية.