خلاف واشنطن ونتنياهو يتعمّق على خلفية المستوطنات

برلمان الأردن يصوّت لطرد السفير الإسرائيلي

بلينكن بجلسة استماع في مجلس الشيوخ بواشنطن أمس  (إ.ف.ب)
بلينكن بجلسة استماع في مجلس الشيوخ بواشنطن أمس (إ.ف.ب)
TT

خلاف واشنطن ونتنياهو يتعمّق على خلفية المستوطنات

بلينكن بجلسة استماع في مجلس الشيوخ بواشنطن أمس  (إ.ف.ب)
بلينكن بجلسة استماع في مجلس الشيوخ بواشنطن أمس (إ.ف.ب)

تعمّق الخلاف بين الولايات المتحدة ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بعد إلغاء «الكنيست» الثلاثاء «قانون فك الارتباط»، الذي أخلت إسرائيل بموجبه 4 بؤر استيطانية شمال الضفة الغربية عام 2005، ما استدعى توبيخاً حاداً من الولايات المتحدة، الحليف الأقرب لإسرائيل، ومن غالبية أعضاء مجلس الأمن الذين أكَّدوا، أمس، أنَّ المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد عام 1967 «غير قانونية».
وأكَّد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، خلال إفادة أمام لجنة اعتمادات الموازنة العامة بمجلس الشيوخ، أمس، انتقاد الإدارة للقرارات الإسرائيلية الأخيرة، مضيفاً أنَّ «القيادة الإسرائيلية وكذلك السلطة الفلسطينية، ترغبان في رؤية خفض العنف الذي وصل إلى مستويات قياسية في الأشهر الأخيرة».
في الأثناء، صوت مجلس النواب الأردني بالأغلبية أمس، على طرد السفير الإسرائيلي من عمّان، رداً على استخدام وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش خريطة لإسرائيل تضمُّ المملكة الأردنية والأراضي الفلسطينية، وإنكاره وجود شعب فلسطيني. وعند افتتاح جلسة مجلس النواب أمس، علّق نواب خريطة تجمع العلمين الأردني والفلسطيني تلغي وجود إسرائيل، في محاولة لإيصال رسائل غضب شعبي.



أفضل 10 لاعبين في عالم كرة القدم في الوقت الحالي

قاد كين بايرن ميونيخ إلى الفوز بألقاب عديدة بعد تقديمه مستويات رائعة منذ التحاقه بالفريق البافاري (رويترز)
قاد كين بايرن ميونيخ إلى الفوز بألقاب عديدة بعد تقديمه مستويات رائعة منذ التحاقه بالفريق البافاري (رويترز)
TT

أفضل 10 لاعبين في عالم كرة القدم في الوقت الحالي

قاد كين بايرن ميونيخ إلى الفوز بألقاب عديدة بعد تقديمه مستويات رائعة منذ التحاقه بالفريق البافاري (رويترز)
قاد كين بايرن ميونيخ إلى الفوز بألقاب عديدة بعد تقديمه مستويات رائعة منذ التحاقه بالفريق البافاري (رويترز)

مر وقت طويل منذ آخر مرة كنا نتحدث فيها عن أفضل لاعب كرة قدم في العالم، لأن الإجابة كانت في معظم الأحوال هي: ليونيل ميسي. بل وربما لا يزال النجم الأرجنتيني هو الأفضل بالفعل من وجهة نظر البعض. وفي اللحظات النادرة التي لم يكن فيها ميسي هو الأفضل، كانت الإجابة الدائمة هي: كريستيانو رونالدو. من المؤكد -حسب موقع «إي إس بي إن»- أن النجمين تركا قمة اللعبة منذ فترة ليست بالقصيرة، فمن أفضل 10 لاعبين في عالم كرة القدم في الوقت الحالي؟ القائمة التالية تجيب عن هذا السؤال:

عثمان ديمبيلي (مهاجم باريس سان جيرمان)

قد يقول البعض إن ديمبيلي لا يستطيع تحمّل العبء المطلوب من أي لاعب آخر في هذه القائمة، حيث لم يتمكن من لعب 2000 دقيقة في موسم محلي إلا مرة واحدة فقط طوال مسيرته الكروية، وكان ذلك مع بوروسيا دورتموند قبل 10 سنوات.

إنه أفضل لاعب في ثاني فريق يفوز بلقب دوري أبطال أوروبا مرتين متتاليتين. ورغم ضعفه البدني، فإنه هداف من الطراز الرفيع، وصانع فرص بارع، ومراوغ ماهر، وممرر دقيق، ومهاجم يضغط على المنافسين - وهذا ينطبق عليه بغض النظر عن القدم التي يستخدمها في اللعب.

علاوة على ذلك، يمكنه اللعب وفق أي طريقة، وفي أي مركز من مراكز الهجوم الثلاثة. لكن هل سيستمر في الملاعب لفترة طويلة؟ قد لا يظن البعض ذلك، لكن هذه قائمة بأفضل لاعبي كرة القدم في العالم في الوقت الحالي. وما دام ديمبيلي بحالة بدنية جيدة، فمن المعتقد أنه ليس هناك من هو أفضل منه في كرة القدم حالياً.

لامين يامال (جناح برشلونة)

قبل عام، اتفق الجميع تقريباً على أن يامال كان من أفضل اللاعبين، إن لم يكن الأفضل، في العالم. لكن لا يُمكن أن يكون أفضل لاعب في العالم وهو جناح سجّل تسعة أهداف وقدّم 13 تمريرة حاسمة خلال موسم كامل. هذه الأرقام رائعة، بل غير مسبوقة، خاصةً بالنسبة للاعب في سن المراهقة، لكننا نعيش في عصر يُسجل فيه أفضل المهاجمين ما يقارب 50 هدفاً وتمريرة حاسمة في الموسم الواحد.

لم يلحظ أحد ذلك، لكن الموسم الماضي كان بداية تألق يامال كنجم حقيقي. فقد ارتفع معدل أهدافه وتمريراته الحاسمة من 0.69 هدف وتمريرة حاسمة لكل 90 دقيقة إلى 0.95. وذلك مع قيامه بكل شيء آخر على أكمل وجه: بمستوى نيمار وميسي في استخدام الكرة وبناء الهجمات.

من الطريف أن والده وصف عدم فوز يامال بالكرة الذهبية العام الماضي بأنه جريمة ضد الإنسانية، ثم قدم أفضل موسم في مسيرته، ولعب أساسياً مع منتخب إسبانيا الفائز بكأس العالم، ومع ذلك، ربما لن يفوز بجائزة الكرة الذهبية هذا العام أيضاً. فماذا يخبئ المستقبل إذاً لهذا اللاعب البالغ من العمر 19 عاماً؟ وماذا لو توقف يامال عن تسديد تلك التسديدات ذات احتمالية التسجيل الضعيفة، وحوّلها إما إلى تسديدات من مسافة أقرب، أو إلى خلق المزيد من الفرص لزملائه؟ حينها لن يكون هناك نقاش حول من يستحق المركز الأول في هذه القائمة.

عثمان ديمبيلي مهاجم باريس سان جيرمان (رويترز)

خفيتشا كفاراتسخيليا (جناح باريس سان جيرمان)

ليس هناك إجابة شافية لتقييم لاعبي باريس سان جيرمان، فالفريق الباريسي أغنى وأفضل بكثير من جميع فرق الدوري الفرنسي، لدرجة أنه يُريح جميع نجومه مع بداية الموسم الجديد. لعب كفارا نصف الدقائق المتاحة تقريباً في الدوري الفرنسي الموسم الماضي. وعلى الصعيدين المحلي والأوروبي، لعب فينيسيوس جونيور ما يقارب 1500 دقيقة إضافية العام الماضي. ليس هذا فحسب، بل إن كل مباراة في الدوري الإنجليزي أصعب بكثير من مباريات الدوري الفرنسي، كما أن لاعبي مانشستر سيتي وآرسنال اضطروا لبذل أقصى جهد ممكن في الدوري المحلي لأنهم كانوا يتنافسون على اللقب طوال الموسم.

ومع ذلك، ورغم قلة دقائق لعبه، فقد احتل الجناح الجورجي مركزاً ضمن أفضل عشرة لاعبين في تصنيف المساهمة الهجومية. بالإضافة إلى ذلك، تزامن تحوّل باريس سان جيرمان إلى أفضل فريق في العالم تقريباً مع وصول كفارا من نابولي في يناير (كانون الثاني) 2025.

إنه قريب من أن يكون الجناح المثالي: لاعبٌ قوي البنية، يبذل قصارى جهده بدون الكرة، ويُرهق دفاعات الخصوم. وقد رأيناه يقود نابولي للفوز باللقب ويُعزز مكانة باريس سان جيرمان.

بالتأكيد، يستفيد كفارا من جدول مباريات باريس سان جيرمان المريح، لكن النادي الباريسي لن يوافق على استبدال أي لاعب آخر في العالم به.

هاري كين (مهاجم بايرن ميونيخ)

وفقاً لتوقعات الأسواق، يُعدّ كين المرشح الأوفر حظاً للفوز بجائزة الكرة الذهبية هذا العام. خلال ثلاث سنوات قضاها مع بايرن ميونيخ، يُسجّل كين 1.14 هدف ويصنع تمريرة حاسمة (باستثناء ركلات الجزاء) لكل 90 دقيقة، وهو معدل أفضل مما حققه روبرت ليفاندوفسكي في ألمانيا، وأقل بـ 0.05 فقط مما حققه كريستيانو رونالدو مع ريال مدريد. صحيح أن الظروف مختلفة، لكن تحوّل كين في أواخر مسيرته إلى أفضل مهاجم متكامل في العالم جعل البعض يعيدون النظر في كل ما كانوا يعتقدونه عن تقدّم اللاعبين في السن.

ديكلان رايس لاعب وسط آرسنال (رويترز)

مايكل أوليسيه (لاعب خط وسط بايرن ميونيخ)

لو كانت جميع الظروف متساوية، لتم وضع أوليسيه في صدارة القائمة. تصدر أوليسيه جميع اللاعبين الموسم الماضي في قيمة الاستحواذ المتوقعة، وكان يضغط بقوة على المنافسين، وسدد ما يقارب أربع تسديدات في المباراة الواحدة. لمس أوليسيه الكرة أكثر من 80 مرة في كل مباراة الموسم الماضي، ولم يقترب من هذا الرقم سوى لاعب واحد آخر في هذه القائمة. كان كل فريق عظيم في العشرين عاماً الماضية يضم جناحاً واحداً على الأقل يتميز بكثرة التمريرات، ويؤدي جميع الأدوار: التقدم بالكرة، وصناعة الفرص، وتسجيل الأهداف. من الأسهل إيصال الكرة إلى هؤلاء الأجنحة على الأطراف مقارنةً بصناع اللعب التقليديين المتمركزين في عمق خط الوسط، لكن من الصعب التأثير على مجريات المباراة عندما يكونون بعيداً عن المرمى.

مع ذلك، فإن اللاعبين القادرين على فعل ذلك يكونون حلاً سحرياً لفرقهم. فلا داعي للقلق بشأن القيام بتغييرات معقدة في المراكز أو طرق الاستحواذ أو ما شابه، فكل ما عليك فعله هو إيصال الكرة إلى هذا الجناح المميز. إذن، لماذا لا يتصدر أوليسيه هذه القائمة؟ تجب الإشارة في هذا الصدد إلى أن أوليسيه قادر على الفوز بالكرة الذهبية في حال فوز بايرن ميونيخ بدوري أبطال أوروبا.

إيرلينغ هالاند (مهاجم مانشستر سيتي)

يحتل هالاند المركز الرابع في المساهمة الهجومية الإجمالية، على الرغم من معدل لمساته البالغ 22 لمسة فقط في المباراة الواحدة، وهو أقل عدد لمسات بين أفضل 100 لاعب - بفارق كبير. هناك وجهتا نظر في هذا الأمر: الأولى تقول إن هذا يدل بما لا يدع مجالا للشك على أنه اللاعب الأكثر فعالية في العالم، أما وجهة النظر الثانية فترى أنه يساهم في مرحلة واحدة فقط من اللعب، لذا فهو يحتاج إلى مساهمات أكبر من زملائه في الفريق مقارنةً بأي لاعب آخر في هذه القائمة.

وجهة النظر الأولى صحيحة تماماً. فعندما يلمس هالاند الكرة، يكون احتمال تسجيله هدفاً أكبر من أي لاعب آخر في العالم، وبفارق كبير. أما بالنسبة لوجهة النظر الثانية: كونه بنفس الفعالية تقريباً مع منتخب النرويج هذا الصيف كما هو الحال مع مانشستر سيتي، يشير إلى أنه ربما لا يعتمد على زملائه من الطراز العالمي كما يبدو. إنه مهاجم مذهل حقاً، ويمكنه بسهولة أن يكون في المركز الأول في هذه القائمة. إنه اللاعب الأقل تنوعاً في هذه القائمة، لكنه في الوقت نفسه الأفضل في العالم في أهم شيء في هذه الرياضة: تسجيل الأهداف.

إيرلينغ هالاند مهاجم مانشستر سيتي (رويترز)

كيليان مبابي (مهاجم ريال مدريد)

يُعتبر مبابي نقيض ألفاريز، فقد مارس الضغط 30.1 مرة في كل 90 دقيقة الموسم الماضي، وهو أقل رقم لأي مهاجم في الدوريات الخمسة الكبرى في أوروبا ممن لعبوا 900 دقيقة على الأقل الموسم الماضي.

جوليان ألفاريز (مهاجم أتلتيكو مدريد)

حلّ ألفاريز في المركز الثاني عشر في قائمة المساهمين الهجوميين، لكن تم رفعه هنا إلى المركز الثامن لأنه، ببساطة، لعب أساسياً بدلاً من لاوتارو مارتينيز مع منتخب الأرجنتين، ولأن الدوري الإسباني أصعب من الدوري الإيطالي، ولأنه بذل جهداً بدنياً كبيراً تحت قيادة المدير الفني دييغو سيميوني. تشير الأرقام والإحصائيات إلى أن ألفاريز مارس ضغطاً على الخصم 76 مرة في كل 90 دقيقة الموسم الماضي.

فينيسيوس جونيور (جناح ريال مدريد)

كان الفرنسي تيري هنري نجم برشلونة الإسباني السابق قد أشاد بإمكانات البرازيلي فينيسيوس جونيور مشيراً إلى أنه يعتبر الآن أفضل جناح أيسر في العالم. وكان فينيسيوس يعيش أفضل فتراته الكروية على الإطلاق بعدما أنهى عام 2024 بحصد جائزة «ذا بيست» كأفضل لاعب في العالم، ثم التتويج مع ريال مدريد بلقب كأس القارات للأندية (إنتركونتننتال). والسؤال الذي يطرح نفسه في الوقت الحالي هو: هل ما زال فينيسيوس يقدم نفس المستويات التي كان يقدمها قبل عامين؟ لعل وجوده في المركز التاسع في هذه القائمة يجيب عن هذا السؤال.

ديكلان رايس (لاعب وسط آرسنال)

دائماً ما يكون اللاعبون الذين يشغلون مركز الجناح والمهاجم الصريح هم الأكثر قيمة. هذا لا يعني أن أفضل لاعب في العالم لا يستطيع اللعب في مركز آخر، بل يعني أن معظم أفضل اللاعبين سيكونون مهاجمين. تعد كرة القدم رياضة قليلة الأهداف، وبالتالي فإن تسجيل الأهداف وصناعتها أمر صعب للغاية، لأن كل ذلك يحدث في أكثر مناطق الملعب ازدحاماً. يتمتع لاعبو خط الوسط، على عكس المهاجمين، بهامش خطأ أكبر بكثير في كل ما يفعلونه، وبينما يحاول المدافعون التقليل من خطورة المهاجمين في نفس المنطقة المهمة من الملعب، فإن الأداء الدفاعي الناجح لا يتطلب نفس مستوى الدقة المطلوب عادةً من المهاجمين. لذا، لكي يدخل لاعب في مركز آخر ضمن هذه القائمة، يتعين عليه أن يجمع بين بعض الصفات التالية: أن يكون أفضل بكثير من أقرب منافسيه في مركزه، أو أن يُساهم في الأدوار الهجومية بشكل كبير، وأن يكون مرناً من الناحية الخططية. لا يمكن القول إن الجزء الأول ينطبق على رايس، لكنه أفضل لاعب خط وسط متكامل في العالم. لا يقتصر الأمر على قدرة رايس على اللعب في أكثر من مركز في خط الوسط، والمساهمة في النواحي الدفاعية وفي بناء الهجمات، وحول منطقة الجزاء، بل إنه يتمتع أيضاً ببنية جسدية ضخمة، لذا لا توجد نقاط ضعف بدنية قد تُؤخذ في الاعتبار مع لاعب مثل فيتينيا أو بيدري.


«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة
TT

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

حين كتبت عالمة الاجتماع اللبنانية دلال البزري سيرتها: «الغار والزيتون» (منتدى المعارف، بيروت، 2026) كانت تتأمل مرة أخرى في معنى الانتماء إلى اللغة، بالتوازي مع شرط الترحل الملازم لحياتها، ومسالك الجدل بين مدونتين متقابلتين من المفردات، باعتباره قدراً يحتمه محيط التواصل من جهة، وأيضاً بما هو اختيار واعٍ يعتمده المتكلم زمنياً عبر محطات مساره. فتُعْمِلُ الفكر في الوجود الأول حيث يدرك الفرد العالم عبر مفردات لا يختارها، وإنما توهب له مع المولد والنشأة والتدرج في سلم الإدراك، وحين يعي محدودية اللغة الواحدة، تتنامى تدريجياً مسيرة ترويض الوعي اللغوي، والتنازل عما كان قدراً بدئياً لصالح الاختيارات الطارئة.

تؤكد الساردة في مطلع السيرة أن الطفلة التي ولدت في «دكار» بالسنغال، لأبوين لبنانيين، كانت تتحدث في البدء بالفرنسية، كباقي السنغاليين، كما أن أمها كانت تتحدث بالإضافة إلى الفرنسية، العربية والإنجليزية، ولغة المحليين «الوُلف»، أما الأب الذي رغم هواه العروبي الناصري فكان يكلمها وأختها (ناريمان) وأخوها (سعيد)، في البيت والشارع بالفرنسية، كسلاً و«استعجالاً». فتجلَّت الفرنسية بوصفها بداهة لا فكاك منها، أما العربية التي تنبهق من أسطوانات محمد عبد الوهاب ونقاشات الأبوين، فكانت أقرب لأرشيف عائلي خاص، يستعمل باقتصاد شديد، ويٌتلقى لوقعه، مفعماً بالمشاعر الغامضة، ومبهماً. بدت الفرنسية أداة طيعة في امتلاك المعنى، وصوغه، وسرعان ما شكلت القاعدة في الإدراك والمرجع في المقارنة، والمنطلق الذهني لتكوين المفردات، حتى في اللغات الأخرى. قبل أن تطل العربية فجأة، على نحو أقرب للوقائع اليومية، حين انتقلت العائلة إلى الدار البيضاء للإقامة والعمل في التجارة.

صحيح أن الطفلة التقطت عبر رحلات عابرة إلى صيدا وبيروت بعضاً من فيض الرطانات اللبنانية، غير مساكنة العربية، على نحو مسترسل، لأزيد من أربع سنوات، فلم يتيسر إلا بعد الاستقرار في الدار البيضاء، إذ اختزنت فيها أصداء مفردات اللهجة المغربية المدببة، وتشربتها، وهي تنهمر من أعطاف الأزقة، بين المنزل والمدرسة «الليسيه ميرابو Mirabeau»، حيث تجلى الكون اللغوي، وكأنما في قطعة من فرنسا: «كل شيء فرنسي: المعلمون، المنهج، وباللهجة الباريسية الصافية. نسمع أحياناً اللهجة المغربية التي يتكلمها المغاربة فيما بينهم. وهم على كل حال أقلية، إذا ما قورنوا بالفرنسيين. وعدد قليل من اليهود» (ص 20).

تتدرج وقائع السيرة وفصولها، على إيقاع التعلُّم والنضال السياسي، ثم التخرج والتعليم الجامعي العابر، ثم التأليف والكتابة للصحافة بالعربية. وكان الخيط الناظم في تطور وقائع الحياة الغنية والطريفة، للوافدة من المهجر، إلى بيروت التنوع اللغوي والثقافي والطائفي، ثم مدينة الحرب الأهلية؛ هكذا تتدرج على سلم الرغبة في الخروج من الفرنسية، بأصول تعبيرها ومفرداتها، (دون مرجعياتها ونسقها الذهني)، إلى العربية التلقائية المستوعبة لما حولها. لم تكن البطلة، التي تحكي عن وجودها عبر المفردات، مسيحية، حتى تكون فرنسيتها جزءاً من أركان انتمائها اللبناني، بل منحدرة من بيت مسلم ضم المذهبين، أب سني وأم شيعية، أصل يكرس الاعتقاد في العربية، مرجعاً في التنشئة والتعليم، وسبيلاً إلى التكوين الفكري والوجداني.

وتدريجياً تجلَّى السعي اللغوي إلى الخروج من القدر إلى الاختيار، ومن سنن النخبة إلى اللسان الاجتماعي، بما هو جزء من أبجدية التزام سياسي، رسمت ملامحه رحلة الانغمار في التنظيم اليساري الجذري: «منظمة العمل الشيوعي اللبناني»، خلاياها ولجانها ومدارجها التنظيمية، وما اتصل بتلك المدارات الحياتية والذهنية من نقاش آيديولوجي يومي، واشتباك سياسي... والتطلع إلى أخذ الكلمة أمام الجمهور باللغة المشتركة المعجونة بالعرق والجهد والأحلام، جنباً إلى جنب مع السعي إلى إثبات الذات العربية في صفوف الرفاق وفي أتون الشغب النضالي. كانت المفردات تبدو أشبه ببلورات تنحت على مهل قادمة من قعر سحيق إلى سطح متقلب، سرعان ما تتبدد فيه تحت أمواج الكلام الهادر.

وبقدر ما كان الخروج من الفرنسية مواكباً للنمو والارتقاء في التعليم والتدرج في مستويات الدراسة، من «مدرسة الفرانسيسكان»، إلى «مدرسة الراهبات الأنطونيات» ومن «ثانوية مدام عون» إلى «المدرسة الحسينية» ومن «المركز التربوي» إلى «الجامعة اللبنانية»، وهو التدرج الذي واكب النضج الفكري والسياسي، غير أنه تجلَّى أيضاً بوصفه سمة لتبديل المراتع والأوطان، والتقلب بين البلدان، ليس في اليفاعة فقط، التي تنقلت فيها الطفلة بين المدينتين الفرونكوفونيتين «دكار» و«الدار البيضاء»، وإنما أيضاً في سنوات التنقُّل بين العواصم المشرقية: بيروت والقاهرة والكويت، التي رعت مسارات التأليف والبحث والتدريس الجامعي، والكتابة للصحافة العربية.

لقد مثل التأرجح اللغوي وجهاً آخر للتنقل بين البلدان التي كان فيها اكتساب الهوية الثابتة «اللبنانية»، أساساً لرغبة تطويع العربية والتعبير بها، دون أن يلغي ذلك «الكينونة» الفرنسية الأصيلة، تقول: «أحب الفرنسية، أستمتع بأدبها وحتى بخطابات زعمائها، أناقة لغتهم وثرائها. وأستفيد كثيراً من ترجماتها.... وأنا أتنقل بين اللغتين، العربية والفرنسية. أبحث عن الكلمة الأصح والأدق... والمقصود من هذا التجول بين اللغتين إغناء عربيتي وتهذيبها، وأحياناً تخصيبها، ومع الوقت انقلبت الآية وبدل أن أبحث عن تفسير أو معنى لهذه الكلمة أو تلك من الفرنسية إلى العربية، صرت أبحث عن معنى من العربية إلى الفرنسية» (ص 196).

تثبت الساردة في كل مرة أن الوجود هبة للمفردات التي تصوغه، وتكيف أحواله، بالتوصيف والسرد، قولا وكتابة... ففي السيرة إيحاء لاعج برغبة النهوض من عطب التوصيل بلغة الأصل، بالمواجهة والمثابرة والتحدي، بعيداً عن ذهنية الأصوليات اللغوية العربية، وقريباً من اليومي المعجون بالتولع والاشتباك. إنها اللحظة التي تكون فيها العربية، ولهجاتها المترامية الأعطاف، «توأماً للحياة». وعلى النقيض مما كانه واقع الكتابة الفكرية العربية في النصف الثاني من القرن الماضي، عندما مثَّلت الكتابة بالفرنسية والإنجليزية نموذجاً للتفوق، ومدعاة للاهتمام والتبجيل بين المثقفين العرب؛ فإن سعي المؤلفة إلى تحقيق الذات عبر لغة المنشأ، المحدودة التأثير، والمحصورة الانتشار، في الجغرافيا اللغوية والمعرفية، مثَّل مظهراً سلوكياً لا يمكن فصله عن الطبيعة الشخصية لصاحبة السيرة، التي وسمها واضع مقدمتها الطاهر لبيب بـ«المتمردة» التي «لا تتردد في إظهار عدم الرضا عن الذات».

كتبت دلال البزري سيرتها بعد أن غادرت بيروت، إثر تفجير المرفأ، إلى تورنتو الكندية، بهدف الاستقرار النهائي، إلى جوار ابنتها. أنجزته لتستعيد خرائط مسار بات في عقده السابع، دون أن يتوقف عن تبديل المواطن والترحل بين المدن. خطته بعربية مكتسبة، لم تكن تمتلكها في البداية، وباتت هي مسكن وجودها. فسكبت في مفرداتها كل شفافيتها في قول الوقائع، حول الوطن الذي مزقته الحروب والصراع الطائفي، وتناسل أسباب التراجع في المحيط العربي الواسع، الذي عبرت تضاريسه الفكرية والاجتماعية. فتجلى النص الموضوع برائحة «الغار والزيتون»، لاسعاً، صريحاً، وغير مهادن. مقتصداً، كثيفاً، لا تزيُّد في كلماته. كتاب يشبه صاحبته، التي سرعان ما أعلنت، بعد نشره بأشهر قليلة، على صفحتها في «فيسبوك»، عن إصابتها بالسرطان، فمَثُل ككشف حساب، تخفَّفت فيه من وطأة السنين على الجسد واللسان.

* كاتب مغربي


المجر تبدأ تحقيقات في الانتهاكات لوضع حد لحقبة أوربان

رئيس الوزراء المجري بيتر ماجيار خلال منتدى في بليد - سلوفينيا 31 أغسطس 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء المجري بيتر ماجيار خلال منتدى في بليد - سلوفينيا 31 أغسطس 2026 (رويترز)
TT

المجر تبدأ تحقيقات في الانتهاكات لوضع حد لحقبة أوربان

رئيس الوزراء المجري بيتر ماجيار خلال منتدى في بليد - سلوفينيا 31 أغسطس 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء المجري بيتر ماجيار خلال منتدى في بليد - سلوفينيا 31 أغسطس 2026 (رويترز)

بدأت المجر تحقيقات في الفضيحة التي أدت إلى تراجع نظام رئيس الوزراء السابق فيكتور أوربان، بهدف وضع حد لها ودعم عملية إصلاح مؤسسات الدولة، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

ويواجه رئيس الوزراء الحالي، بيتر ماجيار، ضغوطاً متزايدة للوفاء بوعوده الانتخابية بتقديم المسؤولين عن إساءة معاملة الأطفال والفساد إلى العدالة. وكان انتقاده لنظام أوربان هو الذي أطلق صعود المسؤول السابق في النظام إلى السلطة قبل عامين، وفقاً لشبكة «بلومبرغ».

وكانت رئيسة المجر آنذاك، كاتالين نوفاك، قد استقالت في عام 2024 وسط غضب شعبي عارم بسبب قرارها إعطاء عفو مثير للجدل في قضية استغلال للأطفال في دار أيتام تديره الدولة. وأدى ذلك إلى اندلاع أحداث توجت بفوز حزب «الاحترام والحرية» (تيشا) بزعامة ماجيار على حزب «فيدس» بزعامة أوربان في انتخابات كاسحة في أبريل (نيسان) الماضي.

وبدأت لجنة تتمتع بصلاحيات استدعاء الشهود عملها، اليوم الأربعاء، للتحقيق في العفو الذي منحته نوفاك. وتجري بالفعل جلسات استماع في لجنة برلمانية أخرى تنظر في الفشل الهيكلي لنظام حماية الطفل. وتجري لجان منفصلة تحقيقات في الفساد، فضلاً عن الفضائح في البنك المركزي تحت إدارة محافظ سابق اختاره أوربان.

رئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان (رويترز)

وقال مارتون ميليثي بارنا، وهو نائب نافذ عن حزب «تيشا» وعضو في لجنة رعاية الأطفال، في مقابلة بالبرلمان: «نحن بحاجة إلى أن نكون قادرين على تسمية المسؤولين سياسياً عن الوضع الحالي لنظام حماية الطفل في المجر».

واستمعت تلك اللجنة، الأربعاء، إلى شهادة خبير جامعي في العمل الاجتماعي حول قصور نظام حماية الطفل، بما في ذلك الأعداد الكبيرة من القاصرين الذين ينتقلون من الرعاية الحكومية مباشرة إلى السجن أو التشرد أو الدعارة.

وأعقب جلسة الاستماع إطلاق لجنة منفصلة بشأن قضية العفو في الانتهاكات والتي تعود إلى عام 2024.

وكانت حكومة أوربان السابقة قد ردت على الفضيحة بتشديد الحماية الشرطية للأطفال الخاضعين لرعاية الدولة، رغم أن جلسة الاستماع، اليوم الأربعاء، تناولت أيضاً مدى كفاية تلك التدابير دون وجود أنظمة دعم أوسع نطاقاً.

وفي الأسبوع الماضي، انتخب البرلمان أيضاً رئيساً لهيئة جديدة لملاحقة الاختلاسات المشتبه بها خلال فترة ولاية أوربان. ويُعد تفكيك منظومة الفساد واستعادة سيادة القانون من المحطات الرئيسية أيضاً لاستعادة المجر إمكانية الوصول إلى تمويل من الاتحاد الأوروبي بقيمة 16 مليار يورو (19 مليار دولار).