عبر إحياء عادات اجتماعية وأطعمة مألوفة.. ألمان شرقيون يحنون للوطن السابق

أفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية تعود لعصر ما قبل التوحيد

مشاهد من فيلم «وداعا لينين» وهو من الأفلام التي تثير الحنين لألمانيا الشرقية
مشاهد من فيلم «وداعا لينين» وهو من الأفلام التي تثير الحنين لألمانيا الشرقية
TT

عبر إحياء عادات اجتماعية وأطعمة مألوفة.. ألمان شرقيون يحنون للوطن السابق

مشاهد من فيلم «وداعا لينين» وهو من الأفلام التي تثير الحنين لألمانيا الشرقية
مشاهد من فيلم «وداعا لينين» وهو من الأفلام التي تثير الحنين لألمانيا الشرقية

يفسر علماء النفس الاشتياق للماضي أي النوستالجيا بأنها حالة يمر بها الإنسان إذا كان غير راض عن حاضره، وهذه حالة عدد من الألمان الشرقيين الذين أوجدوا تعبيرا جديدا لحالتهم وهو «الأوستالجيا» أي الاشتياق لألمانيا الشرقية، لكن ليس لنظامها فأصبحت هذه المشاعر حسب وصف الممثل المسرحي الألماني الشرقي الناقد أوفيه شتايمله مثل حقيبة السفر المليئة بالحنين لذكريات وعادات وتقاليد وعلاقات اجتماعية كانت سائدة يفتح من يشتاق كي يتنشق رائحتها للحظات.
ومسبب الأوستالجيا هو فقدان الهوية في ألمانيا الشرقية بعد إعادة توحيد البلاد، فانهيار النظام الشرقي وتلاشي قيمه بهذه السرعة الفائقة، أيضا الإيحاء من قبل الكثير من الألمان الغربيين بأن الألماني الشرقي لا يمكنه التطبع في المجتمع الغربي ولا يستطيع إدراك حريته الشخصية، أدى إلى الإصابة بمشاعر الاشتياق والعناد ورفض الحاضر. وبغض النظر عن هذا المسبب فإن من التبعات غير المتوقعة للوحدة كانت وما زالت ارتفاع عدد العاطلين عن العمل في الأقاليم الشرقية وتراجع التنمية الاقتصادية هناك، وهما عاملان مهمان جدا لتعميق الحنين للماضي أي الأوستالجيا. فالكثير من الألمان الشرقيين أصيبوا بخيبة أمل لأنهم حلموا بأوضاعهم اقتصادية ممتازة، وهذا ما لم يحدث في مجتمع الاقتصاد الحر، مما أيقظ المرارة والمشاعر والاشتياق للأوقات الخوالي في ظل النظام الشيوعي، وكما يقول رالف شنايدر عالم النفس الألماني «من خيبة الأمل هذه رسمت صورة لم تكن موجودة لألمانيا الشرقية».

* سنوات لم تغير كثيرا

وبالعودة إلى الوراء، قبل أكثر من 25 عاما وقف عشرات الآلاف من الألمان الشرقيين عند الجدار الفاصل في برلين مطالبين بإزاحته والإطاحة بكل ما يمثل النظام الشيوعي حتى إنهم أوقفوا العمل في المصانع بهدف سرعة انهيار الحكومة التي استقالت بعد أيام قليلة. والعبارة الشهيرة التي ترددت يومها «إذا لم يأت إلينا المارك (أي المارك الألماني الغربي) فسوف نذهب إليه»، كانت ممزوجة بأحلام الثراء والسفر من دون حدود وامتلاك أجمل السيارات. وفي التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني) عام1989 أعلن غونتر شابوفسكي عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي الألماني الموحد خلال مؤتمر صحافي أن ألمانيا الديمقراطية فتحت المعابر الحدودية كرد فعل فوري وبعدها بقليل انطلقت سيول من الألمان الشرقيين عبر المعابر لإزالة الجدار بكل الوسائل حتى بالمطارق الصغيرة كتعبير عن شغفهم للتوحيد وإسقاط الجدار، وفي يوليو (تموز) عام 1990 أصبح المارك الألماني الغربي هو العملة الوحيدة المتدوالة في كل ألمانيا.
إلا أن المتابع لمجريات الأمور في الجزء الشرقي من ألمانيا منذ نوفمبر 1989 وحتى اليوم يلاحظ الفترات الصعبة التي مر بها الكثير من الألمان الشرقيين بعد استيقاظهم من نشوة الاحتفالات بالوحدة. إذ بالنسبة لهم لم تعد الحياة إلى مجراها كما كانت في السابق، وكان عليهم الاصطدام بعوائق ومشكلات نفسية وإدارية ونظامية وعقائدية واجتماعية وفي سوق العمل أيضا من أجل الاندماج في الوطن الجديد القديم، بعضهم نجح في ذلك إلا أن البعض الآخر بدء يتغنى ويتذكر الماضي خاصة الذين لم تتحسن أوضاعهم كما كانوا يحلمون، فهم حصلوا على حرية التحرك والسفر إلى كل مكان في العالم بعكس زمن الشيوعية، لكن المال أصبح العامل المهم لتحقيق ذلك، وكان عليهم الجهد والعمل ساعات الدوام بالكامل بدلا من التكاسل وشرب القهوة في فترات الاستراحة في المصانع وكانت طويلة، بينما في نظام الاقتصاد الحر فإن كل واحد يحاسب على إنتاجه ومن يتقاعس يطرد، وكانت عبارة «طرد من عمله أو عاطل عن العمل» نادرا ما تسمع، لأن النظام الشيوعي كان يعتمد استراتيجية البطالة المبطنة، أي تشغيل عاملين أو أكثر في وظيفة واحدة كي لا تكون هناك بطالة حقيقية مع تدني مستوى الإنتاج وبهذا كان يحاول التعتيم على مشكلاته الداخلية بكل الوسائل لكن أيضا بالعنف والتعسف.
وبعد مرور ربع قرن يطرح السؤال هل اندمج الألمان الشرقيون حقيقة مع مواطنيهم الغربيين؟
دراسات كثيرة لعلماء نفس تناولت هذا الموضوع بدقة وحذر كي لا يقال إن الشرقيين لا يمكنهم التخلي عن عقلية تعايشوا معها عقودا طويلة أي منذ شهر أغسطس (آب) عام 1961، والحقيقة كما يقولون يتطلب اندماجهم الفعلي نفس هذه الفترة الزمنية أو أكثر، وحتى هذا الوقت سوف يعيش البعض منهم حياة مزدوجة بين الحنين للماضي ومحاولة الاندماج في الحاضر. لكن المشكلة الأخرى أن هناك ألمان يصرون على العيش في الماضي لشدة الحنين إليه كالبقاء في مناطقهم الشرقية واقتصار نشاطهم الاجتماعي على الحي القديم وأشخاص لهم نفس التفكير.

* عادات عادت

ومن المظاهر التي تدل على ذلك عند زيارة بعض المناطق في الأقاليم الشرقية اليوم وجود حارات وأحياء لا تختلف عما كانت عليه قبل الوحدة، حتى في مدن مثل برلين أو درسدن أو يينا وفيها محلات تجارية ما زالت على حالها مع ديكوراتها الداخلية وتبيع سلعا تصنع خصيصا على يد ألمان شرقيين مثل نقانق تورنغن والكات فورتس وهو الهوت دوغ الشرقي، ويقصد الكثير من الألمان الشرقيين جادة شون هويزر في برلين لشرائه من محل «الن سناك» فهو يحضره بنفس الطريقة السابقة. كما يبحث الكثيرون عن الصابون المسمى «نوفوم يونيفرس» المزيل للبقع أو التلذذ بقطعة الشوكولاته «روتشتيرن شوكولادي» أو غيرها من الحلوى. ومن يدخل المحل الصغير المسمى «إنترشوب 2000» في حي فريدريشس هاين يخال نفسه في ألمانيا الشرقية، ففيه أكثر من 80 سلعة شرقية أصلية تم الاحتفاظ بها وتعرض اليوم إلى المشتاقين للوطن «الضائع»، وفي نفس المحل لا يكتشف المرء أشياء من ذكريات الماضي فقط بل معدات تصوير سينمائي كان يستخدمها هواة التصوير. ومن يريد العودة إلى الماضي لوقت قصير ما عليه إلا زيارة مطعم «أوزيريا» في منطقة فايسن زيه، فكل الأكلات التي كانت تقدم في مطاعم ألمانيا الشرقية متوفرة هناك من شرائح اللحم المسماة ياكت فورست - يغر شنيتسل إلى المرقة بلحم الأرنب إضافة إلى البيتزا الألمانية الشرقية المسماة بيتزا ليبزيج أو بيتزا بوتسدام أو بيتز درسدن ولها طعم يختلف عن البيتزا الإيطالية فالاسم هو العامل المشترك فقط.
وتوارث الأبناء من الوالدين حبهم لما يسمى بماكلنبورغر باور كوتليت اي كوتليت المزارع (شرائح لحم بقر) ومنشأها ولاية مكلنبورغ فوربومرن الشرقية وتقدم اليوم كما في السابق في مطاعم على ضفاف نهر شبري.
ومن السلع الرائجة وتذكر بألمانيا الشرقية قمصان حزب الشباب الحر الألماني الزرقاء وعليها إشارة الحزب «إف دي يوت» أو مشروب كولا كلوب وكانت حكومة ألمانيا الشرقية قد سمحت بإنتاجه عام 1966 ليكون بديلا للكوكاكولا الأميركية.

* الحنين للموسيقى والأفلام

وتجد موسيقى فناني الستينات والسبعينات في ألمانيا الشرقية رواجا مثل موسيقى المغني رالف هانكل ومع أن موسيقاه راجت في الحقبتين الزمنيتين بعدها انطفأت، لكن هذا الفنان أدرك موجة الحنين للماضي فبدأ بالترويج لموسيقاه وما بين عام 1995 و2000 وأقام مائة حفلة حضرها أكثر من 20 ألفا من لديهم حنين لألمانيا الشرقية. والأمر لا يقتصر على الموسيقى بل والأفلام المنتجة في حقبة ألمانيا الشرقية أو أفلام جديدة عن هذه الحقبة مثل فيلم «وداعا لينين» وما زال يعرض في محطات التلفزيون، ويصور المجتمع يومها بكل حذافيره ولقي إقبالا غير عادي خاصة من الألمان الشرقيين لأنه لا يوقظ فقط الحنين للماضي بل التشبث بذكريات الماضي أيضا. ولقد دفع هذا التوجه ببعض منتجي الأفلام للبحث عن مواضيع وقصص كانت تدور في ألمانيا الشرقية لتصور مثل المسلسل الكوميدي «السنوات السعيدة» ويحكي مراحل حياة صبي يدخل في مرحلة المراهقة ويعيش مع عائلته وفي مبنى ضخم والمشكلات اليومية منها المضحكة ومنها المبكية وكل ذلك في إطار بعيد عن السخرية أو انتقاد زمن ألمانيا الشرقية. ورواد متحف ألمانيا الشرقية في وسط العاصمة برلين بالآلاف يوميا ويعرض فيه كل ما له علاقة بحياة الناس خلال الحقبة الشيوعية، أي من تقسيم المنزل ووسائل التسلية وحتى محتويات المحلات التجارية.

* سخروا منها واليوم يريدونها

ومع أنهم سخروا أواخر الحكم الشيوعي من سيارة ترابانت (او ترابي) التي بدأت تصنع في مصنع السيارات ببلدة سفيكاو عام 1957، وكان شراؤها يدوم سنوات طويلة حسب قوائم الحكومة، إلا أنها بعد الوحدة لم تعد فقط جزءا من ذكريات الماضي الذي يحن الألماني الشرقي إليه. إذ من يملك واحدة فهو يملك رأسمال لأن سعرها اليوم أصبح أضعافا، كما حولها البعض إلى سيارات مختلف الأشكال مثلا إلى سيارة ليموزين طويلة أو سيارة سباق. والصرعة الأخيرة اليوم أن هذه السيارة أصبحت جزءا من الوجه السياحي لبرلين فهناك مكاتب سياحية تضع تحت تصرف المجموعات السياحية سيارة ترابي للقيام بجولة ضمن المعالم السياحية، فيجد السائح متعة في ذلك لأنه كما يقول البعض يعيش جزءا من ألمانيا الشرقية وهي لحظات جميلة لن تعود أبدا.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».