{تاريخ المستقبل}... فنون تُزاوج بين الحداثة والتقاليد

معرض ينظمه «معهد مسك» في الرياض ويجمع 17 فناناً برؤى خلاقة

‎الفنانة حمراء عباس أمام عملها «الجبل» (الشرق الأوسط)
‎الفنانة حمراء عباس أمام عملها «الجبل» (الشرق الأوسط)
TT

{تاريخ المستقبل}... فنون تُزاوج بين الحداثة والتقاليد

‎الفنانة حمراء عباس أمام عملها «الجبل» (الشرق الأوسط)
‎الفنانة حمراء عباس أمام عملها «الجبل» (الشرق الأوسط)

تبدو الروابط الجامعة ما بين التقاليد الثقافية والواقع المعيش عالماً متسعاً ومليئاً بالأسئلة، مما ألهم 17 فناناً لتجسيد رؤاهم حيال ذلك في معرض «تاريخ المستقبل»، الذي يُقام حالياً بتنظيم «معهد مسك للفنون»، التابع لـ«مؤسسة محمد بن سلمان» (مسك)، في صالة الأمير فيصل بن فهد بالرياض، ويستمر إلى منتصف شهر يونيو (حزيران) المقبل.
المعرض الذي يُجسد دور الفن المعاصر في دفع فهمنا للحاضر إلى الابتكار والتوسع، يضم مجموعة من الفنانين السعوديين والعالميين، وهم: أحمد ماطر، ومها الملوح، وناصر السالم، ودانة عورتاني، وسارة إبراهيم، وباسيتا آباد، وحمراء عباس، وأبراهام كروزفيليغاس، وديريك فوردجور، وطارق الغصين، وجوانا حاجتوماس وخليل جوريج، ولوتس لوري كانغ، وصوفيا الماريا، وأورناغي وبريستيناري، ووردة شبير.
وخلال العام الماضي، عملت القيمتان الفنيتان وسن الخضيري وسيسيليا روجيري من كثب لتقييم هذا المعرض، حيث دار بينهما الحوار، وجرت نقاشاتهما مع الفنانين افتراضياً وشخصياً. تقول سيسيليا روجيري: «في كل عام يتعمق المعهد في موضوع معين يُقدم من خلاله مخرجاته تجاه ذلك الموضوع؛ ففي عام 2021 استكشفنا سياقات الهوية، وفي عام 2022 تعمقنا بشكل أكبر في الحنين إلى الماضي، وهذا العام نتطرق إلى التقاليد ونعبر ثناياها».
وتتابع: «أردنا معرفة تأثير سرعة التغيير ونمو المجتمعات وتطور الشعوب والهويات الفردية فتبادرت في أذهاننا بعض الأسئلة؛ بأي شكل أثرت الحداثة على التقاليد؟ كيف أصبحت التقاليد جزءاً لا يتجزأ من أسلوب حياتنا؟ هل لنا اعتبار التقاليد طريقاً نسلكه نحو التقدم والتطور المستقبلي؟».

عمل الفنانة مها الملّوح «غذاء الفكر» يضم 156 قطعة من أغطية القدور (الشرق الأوسط)

مفهوم التقاليد
وبالسؤال عن تقييم معرض فني يتطرق إلى التقاليد، تقول القيمة الفنية وسن الخضيري: «لأكون صريحة، لم أتفاجأ من اختيار (معهد مسك للفنون) لموضوع التقاليد، لأنه مع كل التغييرات التي يمر بها المجتمع السعودي إلى جانب التطور السريع في الثقافة والفنون، تُصبِح التقاليد أمراً قد تتجه المجتمعات إلى صونه، وقد تقف في الوقت نفسه ضده».
وتضيف: «التقليد كلمة واسعة، ولها معانٍ مختلفة؛ فقد يكون لها دلالات إيجابية، ومن الممكن في الوقت ذاته أن تحمل أفكاراً سلبية. لم أرغب في البداية في إقامة معرض عن التقاليد، ولكن بعد نقاشاتنا عن (تاريخ المستقبل) اقتنعت بأنه سيكون مثيراً للاهتمام، خصوصاً بعد أن تحدثنا مع العديد من الفنانين في الرياض وجدة، اعتقدت أنه سيكون من المثير للاهتمام تعقيد فكرة التقاليد؛ فغالباً ما تُعطي الكلمة إيحاءً إلى شيء من الماضي، ولكن على العكس، هي تتغير وتتطور باستمرار».
القيّمة الفنية سيسيليا روجيري

منظور الابتكار
عودة إلى سيسيليا روجيري، وبسؤالها عن أول الفنانين الذين خطروا في ذهنها، تقول: «بتفكيري في التقاليد من منظور الابتكار، فكرت على الفور في عمل (ليتارجيكو – 2018) للفنانَين أورناغي وبريستيناري؛ فهو مثال واضح على التجاور بين التقاليد والابتكار، وهو عمل غني بالمعنى، حيث يتكون من رأس منحوت من الحجر الشفاف متكئٍ على أريكة، وأمامه جهاز لوحي يسطع ضوؤه على الوجه، ليخلق هالة اصطناعية، يبدو أن المجسم عالق في لحظة من الخمول، سبات قد تتبعه صحوة؛ بينما تعمل الشاشة مرآةً أو بوابة إلى عالم لامادي مُشع».

القيّمة الفنية وسن الخضيري

وتستكمل: «يُجسد العديد من الفنانين في المعرض حركة مستمرة لدمج مختلف القطع الأثرية الثقافية والقصص الشفوية وطرق الأجداد للتواصل مع تراثهم، حيث يتطلع كل من باسيتا آباد وحمراء عباس وأبراهام كروزفيليغاس ولوتس لوري كانغ إلى جذورهم الثقافية، من خلال البحث في قصص صناعة الفن وممارساته التي صمدت في حياتهم وعملهم».
الثقافة المادية

وبتفصيل أكثر عن منظورها للثقافة المادية المتمثلة في المعرض، تقول سيسيليا: «الثقافة المادية كانت جانبا محورياً في إعادة التفكير في التقاليد، وذلك لأنها تجسّد علاقة الإنسان بالجمادات، يتضح ذلك في أعمال الفنانة حمراء عباس ومها الملوح وديريك فوردجور وأحمد ماطر وطارق الغصين، إذ يتبنون علاقة الجمادات الثقافية بأساليب الإنتاج المعاصرة ويقدمونها في المعرض بأسلوب جديد».

‎عمل الفنانة دانة عورتاني «الحب هو قانوني... والحب هو إيماني» (الشرق الأوسط)

وتشير إلى أن ذلك يتضح في اختيار الفنانة مها الملوح لأدوات المائدة السعودية التقليدية في سلسلتها «غذاء الفكر»، واستخدام الفنانة للثقافة المادية لإضفاء الطابع الإنساني على عملها من خلال الجمادات التي نراها في يومنا، بينما يفحص الفنان أحمد ماطر عالم الثقافة السعودية قبل أن يتشبع بالتأثيرات الغربية، مثل السيارات والمباني الخرسانية، ويعرضه من خلال جهاز عرض شرائح خشبي.
ومن منظور آخر، اختارت الفنانة حمراء عباس سمة واحدة فقط من سمات ثقافتها الباكستانية الأصلية، وهي «جبال K2»، إذ أعادت ابتكارها بتخيلها لما يعنيه هذا الموضوع للجمهور المعاصر، وكذلك ديريك فوردجور؛ فهو يعبّر عن عناصر الثقافة الأميركية الأفريقية التقليدية من خلال الوسائل المعاصرة، مثل طلاء الأكريليك إذ تجسّد صورته النابضة بالحياة في المعرض، مسيرة تقليدية وسيلةً لتخيل الثقافة تتحرك قدماً إلى المستقبل.

‎عمل الفنان ناصر السالم «ممنوع التدخين» (الشرق الأوسط)

حفظ التقاليد
تتفق معها وسن الخضيري، بالقول: «أرى هذا ممثلاً بشكل واضح في عمل أبراهام كروزفيليغاس؛ فهو يستخدم في ممارسته الفنية مفهوم البناء الذاتي، الذي وضحه في بيانه عام 2016، وهو مفهوم العملية الارتجالية في صنع المجسمات باستخدام مواد محلية موجودة في مكانٍ ما أو مهملة، لذا تتجلى آثار الناس من منظور العالم المعاصر في عمله نتيجة أسلوب البناء الذاتي ذلك».
وتؤكد الخضيري أنه أثناء حديثهم مع الفنانين، لاحظوا أن التقاليد ليست مجرد استعراض للماضي، بل هي أيضاً وسيلة لفهم الحاضر والانتقال إلى المستقبل، مضيفة: «يعكس عمل الفنانة وردة شبير أن التقاليد لا تسير بوتيرة واحدة، حيث توضح مراحل انتقال التقاليد والممارسات الثقافية من جيل إلى آخر».

دور اللغة
ويبدو واضحاً دور اللغة والكلمة المكتوبة في جعل التقاليد أمراً مبتكراً، وهو أمر يدركه العديد من الفنانين الذين اختارهم المعرض بحجم إدراكهم لأهمية هذه الممارسات، مثل الفنانة دانة عورتاني وجوانا حاجتوماس وخليل جوريج وأيضاً ناصر السالم. وهنا تقول سيسيليا روجيري: «يستخدم الفنانان ناصر السالم ودانة عورتاني ممارسات هندسية وخطية قديمة ليربطا من خلالها بين الماضي والحاضر».
وتتابع بالقول: «كما يدمجان في أعمالهما البصرية المعاصرة النسيج والشِعر والكتابة؛ بينما يتساءل الثنائي الفنانَين جوانا وخليل عن التاريخ المكتوب في عملهما (في انتظار البرابرة - 2019) حيث يقارنان بين قصيدة تقليدية كُتبت عام 1898 والمشاهد المعاصرة وتقنيات الأفلام».
ورغم غزارة أفكار معرض «تاريخ المستقبل»، فإنها تتوحد في قدرتها على خلق حوار حقيقي بين الأعمال الفنية وأفكار الفنانين وتصوراتهم نحو فهم المتغيرات التي تعصف بالعالم اليوم، بما يقدم رؤى خلاقة لما سيؤول إليه الحاضر والمستقبل، عبر تجسيد فني مبتكر وعميق يستطلع المقبل بنظرة فنية.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مآذن المسجد النبوي... تطور معماري عبر العصور

ارتبط حضور مآذن المسجد النبوي بتاريخ التوسعات التي شهدها المسجد (واس)
ارتبط حضور مآذن المسجد النبوي بتاريخ التوسعات التي شهدها المسجد (واس)
TT

مآذن المسجد النبوي... تطور معماري عبر العصور

ارتبط حضور مآذن المسجد النبوي بتاريخ التوسعات التي شهدها المسجد (واس)
ارتبط حضور مآذن المسجد النبوي بتاريخ التوسعات التي شهدها المسجد (واس)

يتحول المسجد النبوي في رمضان إلى حالة إيمانية فريدة، إذ يفد الزوار والمعتمرون من جميع أنحاء العالم للزيارة والصلاة في المسجد والتوسعة الحديثة حوله. تحكي مآذن الحرم النبوي قصص من أشادوها عبر التاريخ الإسلامي وتصل إلى العصر الحديث عبر بناء حديث ضمن عملية التوسعة الضخمة التي قامت بها الدولة.

تُشكل مآذن المسجد النبوي أحد أبرز المعالم المعمارية، وعلامةً فارقةً في هويته البصرية عبر العصور الإسلامية المتعاقبة، إذ ارتبط حضورها بتاريخ التوسعات التي شهدها المسجد، وعكست في تصاميمها تطور العمارة الإسلامية وثراءها الفني.

لم يكن للمسجد في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- مآذن بالمعنى المعماري المعروف اليوم، إذ كان الأذان يُرفع من موضع مرتفع داخل المسجد، أو من على سطح مجاور، قبل أن يبدأ إنشاء المآذن فعليّاً في أواخر القرن الأول الهجري.

تُشكل مآذن المسجد النبوي أحد أبرز المعالم المعمارية وعلامةً فارقةً في هويته البصرية (واس)

وشهد المسجد أول بناء رسمي للمآذن في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، الذي أمر بتوسعة المسجد بين عامي 88 و91هـ، وكلف والي المدينة آنذاك عمر بن عبد العزيز بتنفيذها، حيث أُنشئت أربع مآذن في أركان المسجد، تُعد من أوائل المآذن في العمارة الإسلامية، وبلغ ارتفاعها آنذاك نحو 27 متراً وفق ما تذكره المصادر التاريخية. وخلال العصور اللاحقة، لا سيما في العصرين المملوكي والعثماني، أُعيد بناء بعض المآذن، وأُضيفت أخرى تماشياً مع التوسعات المتتابعة، ومن أبرزها مئذنة باب السلام التي ارتبط اسمها بأحد أهم أبواب المسجد في الجهة الغربية، وشهدت أعمال تجديد متعاقبة عبر القرون.

وفي العهد السعودي، حظيت مآذن المسجد النبوي بعناية خاصة ضمن مشروعات التوسعة الحديثة، ففي التوسعة السعودية الأولى (1370 - 1375هـ / 1951 - 1955م) أُزيلت بعض المآذن القديمة، وأُنشئت مئذنتان جديدتان في الجهة الشمالية بارتفاع يقارب 70 متراً، ثم أُضيفت ست مآذن أخرى ضمن التوسعة السعودية الكبرى في عهد الملك فهد بن عبد العزيز بين عامي 1406 و1414هـ (1985 - 1994م)، ليصل إجمالي عدد المآذن إلى عشر مآذن. ويبلغ ارتفاع كل مئذنة في تصميمها الحالي نحو 104 أمتار، وتتكون من خمسة أجزاء رئيسية متدرجة تشمل قاعدة مربعة، وطابقاً مثمناً، وجزءاً أسطوانياً، تعلوه شرفة المؤذن، وتنتهي بقبة يعلوها هلال معدني، وقد رُوعي في تصميمها الطراز الإسلامي الكلاسيكي مع توظيف التقنيات الحديثة في البناء والإنارة.

ارتبط حضور مآذن المسجد النبوي بتاريخ التوسعات التي شهدها المسجد (واس)

وتتوزع المآذن العشر بشكل متناسق حول أطراف المسجد، أربع منها في الجهة الشمالية، واثنتان في الجهة الجنوبية، وأربع في الأركان، بما يحقق توازناً بصرياً ومعمارياً يتناسب مع المساحة الشاسعة التي بلغها المسجد بعد التوسعات المتعاقبة، ويجسد استمرار العناية به عبر مختلف العصور.


الممثل إيثن هوك: أعبّر عن نفسي من خلال السينما

 إيثَن هوك خلال حضوره حفل توزيع جوائز البافتا في لندن (إ.ب.أ)
إيثَن هوك خلال حضوره حفل توزيع جوائز البافتا في لندن (إ.ب.أ)
TT

الممثل إيثن هوك: أعبّر عن نفسي من خلال السينما

 إيثَن هوك خلال حضوره حفل توزيع جوائز البافتا في لندن (إ.ب.أ)
إيثَن هوك خلال حضوره حفل توزيع جوائز البافتا في لندن (إ.ب.أ)

تختلف الأفلام الثلاثة الأخيرة للممثل إيثَن هوك عن بعضها بعضاً في كثير من النواحي. هي حكايات مختلفة. أنواع متباينة من الرعب إلى المغامرة، ومنهما إلى الدراما.

هوك بدوره مختلف في كل دور يؤديه. هذا الاختلاف طبيعي كونها أفلاماً متعددة الاهتمامات، لكن إيثَن يتجاوز الإطار الذي يوّفره كل فيلم ليصنع من دوره عنصر الاهتمام الأول، ويبرز بين كل مَن يشاركه الفيلم مهما كان حجم دوره.

في العام الماضي، قدَّم على التوالي «بلو مون» للمخرج رتشارد لينكلاتر، و«بلاك فون 2» لسكوت دريكسون، و«الوزن» (The Weight) لباتريك مكينلي.

في العام الماضي، كذلك كان أحد منتجي الفيلم التسجيلي «الملك هاملت (King Hamlet)»، وسجَّل فيه تحضيرات نسخة جديدة من مسرحية شكسبير في نيويورك. كذلك شارك ممثلاً في «هي ترقص (She Dances)».

إلى ذلك ظهر في 3 برامج درامية مسلسلة، وأخرج فيلماً تسجيلياً كتب موسيقاه بنفسه.

في مهرجان برلين الأخير عُرضَ فيلمه الأخير «الوزن»؛ وهو فيلم مغامرات يتخلله خط من الخيال العلمي، حول رجل يجد نفسه أمام خيارين: المشارَكة في تهريب الذهب أو خسارة عائلته. أما «بلاك فون 2» فهو فيلم رعب، بينما «بلو مون» فهو دراما حول الكاتب الموسيقي لورنز هارت الذي وضع موسيقى مسرحية «أوكلاهوما» في الأربعينات (ومنها تمَّ تحقيق فيلم بالعنوان نفسه أخرجه فرد زنمان سنة 1955).

«الشرق الأوسط» أجرت حواراً مع هوك في أثناء مهرجان السينما ببرلين، وفيما يلي نص الحوار.

إيثن هوك في «الوزن» (كايبلايت بيكتشرز)

انتقال سهل

* ربما أغلب الممثلين الذين ينتقلون من فيلم إلى آخر على نحو دائم يعانون من سوء الاختيارات. ربما فيلم ناجح من بين اثنين أو ثلاثة...

- (مقاطعاً) إلا إذا كان الممثل كثير الظهور في واحد من أفلام الكوميكس؛ لأن هذا يؤمّن له استمرارية ناجحة ما دامت هذه الأفلام ناجحة بدورها.

* عدد ما قمت به من أعمال في العام الماضي كثير ويشمل التمثيل والإخراج والإنتاج وكتابة الموسيقى.

- المسألة هنا ليست عددية بل جزء من مهنتي، وهي أن أعبِّر عن نفسي من خلال هذا الوسيط الرائع. السينما ذاتها ليست فنّاً واحداً بل فن شامل.

* لكن، كيف تقوم بهذا العدد من الأفلام في وقت واحد؟ كيف تنتقل من مشروع لآخر بسهولة؟

- بالنسبة لي هو عمل متواصل أقوم به؛ لأنني أحب المهنة التي أقوم بها بوصفي ممثلاً. وهذا الحب يقودني في أحيان للقيام بوظائف خلف الكاميرا. إذا سألتني عن الجهد البدني فأنا لا أتعرَّض إليه. لا أعرفه. ما أقوم به مثل رجل يمشي في نزهة مُمتِّعاً نظره بالطبيعة.

«بلو مون» (سوني كلاسيكس)

* توقف النقاد عند دورك في «بلو مون» بإعجاب كبير. كذلك عندما لعبت بطولة «First Reformed». في الفيلمين مثلت دور الشخص الذي لم تعد لديه الثقة بنفسه ومحيطه، رغم ذلك لا توجد ذرّة واحدة من التكرار.

- يلتقي الدوران لكن إلى حد معين فقط. تناول الخمر هو في كلا الفيلمين هروب من واقع وخوف داخلي إنما بأسباب مختلفة. في الفيلم السابق هو رجل كنيسة يبدأ بطرح أسئلة لا يستطيع الإجابة عنها. الشرب هناك نوع من الهروب من السؤال. في «بلو مون» هو جزء من وضع مرَّ به الكاتب الموسيقي لأسباب نفسية. لا يحاول «بلو مون» تفسيرها أو الوقوف عندها محللاً. ينطلق من حدوثها ويكمل.

مشهد من فيلم «بلو مون» (أ.ب)

اختيارات بعيدة

* سبق لك أن مثّلت أفلاماً عدة من إخراج لينكلاتر أبرزها، إذا لم أكن مخطئاً، السلسلة المعروفة بـ«ثلاثية ما قبل» («Beforer Sunrise»، و«Before Sunset»، و«Before Midnight»). ماذا يعنيه لك ذلك التعاون؟

- ريتشارد مخرج ومفكّر وفنان. هو أيضاً سهل في التعاون مع ممثليه. إنسان واضح. يكتب المادّة جيداً ويجالس ممثليه خلال التصوير ليتأكد من حسن تواصلهم مع شخصياته. يعني لي ذلك الكثير لأن ما يعرضه من أفكار لا يقوم على الحكايات بل على تمثيلها. أنا أحب هذا النوع من الأفلام لأن النصَّ والفيلم بأسره يعتمدان على الممثل أولاً.

* هذه الأفلام، كما معظم أفلام لينكلاتر، مستقلة بل نموذجية في انتمائها للسينما المستقلة. هل لديك ميل للابتعاد عن الأفلام التي تتوجه للجمهور السائد؟

- أعتقد أن هناك نوعين من الممثلين: نوع يقبل على النوعية التي توفرها الأفلام المستقلة أو إذا توفّرت في الأفلام الكبيرة، ونوع يفكّر دوماً بالنجاح التجاري. هذا النوع الثاني يربط نفسه بشباك التذاكر وعندما يحاول تمثيل فيلم مختلف عمّا يقوم به عادة يُصاب بخيبة أمل. ضربة على الرأس يعود بعدها إلى تلك الأفلام. في الوقت نفسه هناك خيارات عدة أمام الممثل الذي يتفادى على نحو أو آخر تلك الأعمال المتسلسلة. أعدّ نفسي واحداً من الممثلين المنشغلين بالنوعية، ولا مانع بعد ذلك أن ينجح الفيلم تجارياً.

* لهذا السبب لم تمثّل أفلاماً من نوع الكوميكس مثلاً؟

- طبعاً.

رسالة مبطّنة

* هل «بلاك فون 2» تجربة في هذا المجال؟

- لا أعتقد. إنه ليس فيلماً كبيراً. ليس «باتمان» أو «سوبر مان». دفعني له اعتقادي بأنه سيكون فيلماً جيّداً بحد ذاته. هناك كثير من أفلام التشويق والرعب التي تبدو لي نتاج عملية تفريخ. لكن «بلاك فون» الأول والثاني فعلاً أكثر تشويقاً وتميّزاً منها. الجزء الأول حقَّق نجاحاً جيداً وعندما اتصل بي سكوت (المخرج ديكرسون) سألني إذا كنت أمانع. قرأت السيناريو ووافقت.

* ماذا عن «الوزن»، لم أشاهده بعد لكن يبدو لي أنه يحمل رسالة.

- بالتأكيد. أحداثه تقع في سنوات اليأس الاقتصادي في الثلاثينات، وعلى بطله الاختيار بين أن يقع في هوّة الوضع المعيش ويخسر عائلته، أو يمضي في درب لم يجرّبه من قبل وهو التهريب. الرسالة التي يحملها هي عن الوضع الذي يفرض على إنسان جيد اختياراً لم يكن ليقوم به إلا مضطراً.

* ماذا كان رأيك عندما قرأت السيناريو؟

- السيناريو هو التذكرة الأولى بالنسبة لي لأي فيلم أقوم به، ولو أن الأمر مختلف بالنسبة للينكلاتر؛ لأنني أعرف مسبقاً ما يكتبه وما يُثير اهتمامه. مع «الوزن» وجدت فيه الفرصة لدور جديد بالنسبة لي. مكتوب جيّداً وأدركت أنه سيكون التغيير الذي أرنو إليه من حين لآخر.


«قمر دموي» يلوّن السماء هذا الأسبوع... خسوف كلّي نادر قبل 2028

ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
TT

«قمر دموي» يلوّن السماء هذا الأسبوع... خسوف كلّي نادر قبل 2028

ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)
ظِلّ الأرض يرسم على القمر دائرةً من نارٍ خافتة (أ.ب)

من المتوقَّع أن يُزيّن قمرٌ أحمر قانٍ السماء قريباً خلال خسوف كليّ للقمر، ولن يتكرَّر هذا المشهد مجدّداً قبل أواخر عام 2028.

وذكرت «الإندبندنت» أنّ الظاهرة ستكون مرئية، صباح الثلاثاء، في أميركا الشمالية وأميركا الوسطى وغرب أميركا الجنوبية، بينما يمكن لسكان أستراليا وشرق آسيا متابعتها، مساء الثلاثاء.

كما ستُشاهد المراحل الجزئية، التي يبدو فيها كأنّ أجزاءً صغيرة اقتُطعت من القمر، في آسيا الوسطى وأجزاء واسعة من أميركا الجنوبية، بينما سيُحرم سكان أفريقيا وأوروبا من رؤيتها.

وتقع الكسوفات الشمسية والخسوفات القمرية نتيجة اصطفاف دقيق بين الشمس والقمر والأرض. ووفق وكالة «ناسا»، يتراوح عدد هذه الظواهر بين 4 و7 سنوياً.

وغالباً ما تأتي هذه الظواهر متتابعةً، مستفيدةً من «النقطة المثالية» في مدارات الأجرام السماوية. ويأتي الخسوف الكلي للقمر، الثلاثاء، بعد أسبوعين من كسوف شمسي من نوع «حلقة النار» أبهر الناس وحتى طيور البطريق في القارة القطبية الجنوبية.

وخلال الخسوف الكلّي للقمر، تتموضع الأرض بين الشمس والقمر المُكتمل، فتُلقي بظلّها الذي يغطي القمر. ويبدو ما يُسمّى «القمر الدموي» بلون أحمر بسبب تسرب أشعة الشمس عبر الغلاف الجوّي للأرض وانكسارها.

ويمتدّ المشهد على مدى ساعات، في حين تستمر مرحلة الاكتمال نحو ساعة تقريباً.

وقالت كاثرين ميلر، من مرصد «ميتلمن» في كلية ميدلبري، إنّ الخسوف القمري «أكثر هدوءاً من الكسوف الشمسي لجهة الوتيرة».

ولا يحتاج المتابعون، في المناطق الواقعة ضمن نطاق الرؤية، إلى أي معدّات خاصة، بل يكفي أن تكون السماء صافية وخالية من الغيوم.

ويُنصح باستخدام تطبيقات الطقس أو التقويمات الفلكية الإلكترونية لمعرفة التوقيت الدقيق في كلّ منطقة، والخروج بين الحين والآخر لمشاهدة ظلّ الأرض وهو يُظلم القمر تدريجياً، قبل أن يكشف عن قرص مائل إلى الأحمر البرتقالي.

وقال عالم الفلك بينيت ماروكا، من جامعة ديلاوير: «لستم مضطرين للبقاء في الخارج طيلة الوقت لرؤية حركة الظلال».

ومن المقرّر أيضاً حدوث خسوف جزئي للقمر في أغسطس (آب)، سيكون مرئياً عبر الأميركتين وأوروبا وأفريقيا وغرب آسيا.