كُتاب عراقيون: الحرب جعلتنا ندخل الأماكن المحظورة في الكتابة

يتحدثون عن تأثيراتها وانعكاساتها في نتاجاتهم الروائية

كُتاب عراقيون: الحرب جعلتنا ندخل الأماكن المحظورة في الكتابة
TT

كُتاب عراقيون: الحرب جعلتنا ندخل الأماكن المحظورة في الكتابة

كُتاب عراقيون: الحرب جعلتنا ندخل الأماكن المحظورة في الكتابة

ما الذي أحدثته حرب العراق التي تُصادف ذكرى نشوبها العشرون، اليوم، في بنية المجتمع العراقي، ومن ثم في الثقافة العراقية؟ كيف انعكس هذا الحدث الكبير في نتاجات الكُتاب العراقيين؟ هل يمكن الحديث عما قبل الحرب وبعدها، بما أفرزته من نتائج لاحقة على المستويات: الاجتماعي، والاقتصادي، والأخلاقي، وطبيعة النظام السياسي؟ خصوصاً أنها أتت بعد حصار شديد استمر عشر سنوات، وقبلها الحرب العراقية - الإيرانية الطاحنة التي استمرت ثماني سنوات؟
هنا شهادات عدد من الكُتاب العراقيين:

- برهان شاوي: تناولتُ في رواياتي كل حروب العراق
الحقيقة، يواجه العراقيون سؤالاً ملتبساً هو: هل الحرب التي قام بها معظم دول العالم (المتحضر) بقيادة أميركا ضد العراق، من أجل إسقاط النظام الدكتاتوري الاستبدادي، هي تحرير للعراق أم احتلال له؟ لقد تغيرت الإجابات وفق الأهواء والميول السياسية، على الرغم من أن الأمم المتحدة أصدرت قراراً باعتبار العراق بلداً محتلاً من قِبل أميركا. هذا موضوع شائك، سيبقى قيد الاختلاف لزمن طويل في ذمة التاريخ.
أدبياً، تناولتُ فترة الحروب التي شارك فيها العراق في أعمالي الروائية، فمثلاً تناولتُ الحرب العراقية الإيرانية في أكثر من رواية، وأيضاً تناولتُ القصف الأميركي للعراق في «متاهة الأشباح»، حيث يختفي البيت الكبير الذي يضم عوائل كثيرة في منطقة الحيدرخانة، ولا يبقى منه سوى حفرة تفتح شدقيها، تكونت من خلال سقوط صاروخ أميركي.
مآسي الشعوب خلّدها الأدب. «الحرب والسلام» لتولستوي خلّدت الحرب الروسية الفرنسية، و«كل شيء هادئ على الجبهة الغربية» لريمارك كشفت عن بشاعة الحرب العالمية الثانية، بل إن نصوص برتولد بريخت ضد الحرب كشفت عن المأساة وعبثية الحروب. وحتى في روايتي «الحِداد يليق بالسيدة بغداد» تناولت روح جندي يريد العودة إلى العراق، بعد أن سقط شهيداً في البلاد المجاورة، نتيجة الحروب العبثية التي قام بها النظام العراقي. لكن حرب إسقاط النظام الدكتاتوري واحتلال العراق، تناولتها، بتبِعاتها وحضورها، في «متاهة قابيل» من خلال «همرات» القوات الأميركية وقطعها الشوارع. والبيوت التي تهدمت على سكانها، ومئات الألوف من الأرواح التي أُزهقت خلال تلك الحرب. الحرب مأساة.


- شاكر الأنباري: أصبح العراق كياناً آخر
قضت الحرب على تلك الصورة القديمة التي ارتسمت طويلاً في أذهاننا عن العراق، وأصبحنا نرى كياناً آخر لم يعد يمتُّ بصلة إلى مُدننا، وشوارعنا، ونمط إنساننا الذي هشّمته التغيرات المتلاحقة، ففقَد البوصلة، نوعاً ما؛ كون ذلك البركان المتفجر أضخم مما يستطيع تفسيره أو التعايش معه. هذا على صعيد المجتمع، والمكان، وموازين القوى التقليدية التي تربَّى عليها الفرد. وتطلَّب ذلك سنوات كي يجد الكُتّاب رؤية متماسكة لاستخدام واقع مهشّم، تحكمه الهشاشة، في نص شعري أو روائي، أو عبر فنون أخرى. كتبتُ شخصياً أكثر من رواية تناولت حقيقة الزلزال الذي حصل؛ أي موت القديم وولادة مجتمع جديد شاذّ السمات، وأكثر ما ظهر لديّ في رواية «بلاد سعيدة»، وجاءت عن حياة قرية عاشت الاحتلال، وزوال النظام السياسي، وانفراط المقاييس المتعارف عليها. والتقطت في تلك الرواية محو الذاكرة القديمة للقرية وبشرها، سواء على صعيد المكان أو التقاليد أو العلاقات البشرية، حيث وجد سكان القرية أنفسهم في مستنقع غير مألوف، لا يفهمون ما يجري لهم، وهو ما جعلهم يشعرون بالعجز، واليأس، وضياع المنطق. أما في روايتي الثانية «نجمة البتاويين» فقد حضرت الفكرة نفسها، لكن القارئ يجد روحه في عاصمة العراق؛ بغداد، وهي تعيش فوضى عارمة، من تفجيرات، وجنود أجانب، وصراعات طائفية، وانمحاء لوجهها المتحضر المديني، بعد انهيار السلطة السابقة وضبابية الأفق، مما ترك بصمته على حياة أبطال الرواية فانصرفوا إلى الخمرة، والعبث اليومي، والبحث عن طريق للهروب. وباعتبار أن الحرب؛ أيّ حرب، لا يمكن أن تترك سوى المآسي، فنحن، باعتبارنا كُتّاباً، ما زلنا نتخبط في نتائجها وتفاعلاتها. ومعظم الأدب العراقي بعد تلك الحرب جاء صدى مصمّاً، وترجيعاً عالي النبرة للكارثة اليومية التي يعيشها المجتمع ونُخَبه. اكتشفنا، متأخرين، أن الحرب لم تكن حلاً للنفق المظلم الذي سار فيه العراق منذ أربعين سنة.

- ميسلون هادي: قدمتُ الحرب ومسارات تمنح الأمل
إذا نسينا كل شيء حفظناه، فنحن بالتأكيد لا ننسى بيتاً شعرياً قاله المتنبي أو أبو تمام عن موضوع الحرب أو أي حدث فارق من الأحداث، وفي عصرنا الحالي فإن فن الرواية هو الجنس الأدبي الأكثر استيعاباً لأحداث الأمة، سواءً بعد الحرب العالمية وبداية الخمسينات، أم في نكسة يونيو (حزيران)، أم الحرب العراقية الإيرانية، أم التغييرات التي حصلت بعد عام 2003، حتى إننا يمكننا أن نعتبر الرواية المرآة العاكسة للواقع المحتدم؛ ليس في الوطن العربي فحسب، وإنما في العالم كله، حيث نجد كُتاباً ارتبطت أسماؤهم بأعمال معيّنة عن الحرب خلّدوا فيها أماكن ومدناً وأحداثاً عن طريق الرواية، ولولاهم لطواها النسيان، ومنها مثلاً روايات: الكاتب الألماني ريمارك «ليلة لشبونة»، و«للحب وقت وللحرب وقت»، وهناك أيضاً روايات أرنست همنغواي، وبعض كُتاب أميركا اللاتينية الذين عاشوا واقعاً مشتعلاً وساخناً، فاشتهروا بأسطرة هذا الواقع عن طريق مضامين «تراجيدية» عالية التوتر، أضافوا إليها شكلاً جديداً باللغة. وهكذا دخلت الرواية اللاتينية نادي العالمية عن طريق التجارب التي تفاعلت مع الانقلابات والاضطرابات العسكرية لبلدانهم. في العراق أيضاً كانت لتجارب الحروب والاضطرابات الحصة الكبرى في الروايات التي صدرت خلال الخمسين سنة الأخيرة، لكنها بعد عام 2003 اكتسبت حرية أكبر في تناولها من زوايا جديدة لا تخضع لشعارات وتوجهات آيديولوجية أو رسمية. بالنسبة لي، قدمتُ الحرب في رواياتي بالتوازي مع مسارات أخرى تمنح الأمل الممكن، حتى في أسوأ الظروف. وهذا ما حدث في «العرش والجدول» مثلاً، أو «حلم وردي فاتح اللون»، أو «أجمل حكاية في العالم»، وبما أن الحرب، كما يقول الشاعر زهير بن أبي سلمى: «وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمُ ... وما هو عنها بالحديث المرجم»، فإن كمية الحزن أو القهر الموجودة في الحياة اليومية، ستكون عبئاً على القارئ الذي عاش شرورها وتفاصيلها المؤلمة، إذا ما أعادها الكاتب دون كسرها بما هو مختلف عن الصورة المعتمة التي اختبرها الناس، أو شاهدوها في الإعلام.

- خضير الزيدي: ثلاث حروب وحصار ملأت خزانات الذاكرة
للحرب أيضاً فضيلتها الوحيدة على الكُتّاب الجنود من أمثالي؛ كونها تمدّهم بدراما سردية لا تنتهي لتاريخ الدم العراقي المستباح عبر التاريخ، ومن جانب آخر أشفق، ولا أحسد، على كُتّاب بلدان عدة لا يوجد ما يمدُّهم بدراما الدم المسفوح مثلما حدث أو يحدث في بحيرة الدم العراقية، ذلك انعكس على نتاجاتهم فذهبوا إلى داخل النفس الإنسانية والتفكر أو التأمل لاختراقها، من أجل استجداء الحبل الشوكي للأدب السردي المعاصر لديهم على مستوى الأدب الغربي. ولا غرابة في أن نتاجات الحداثة تشتغل على روايات أو قصص المطبخ والطعام والأزياء والمكتبة، فيما نحن العراقيين نحتاج لألف سنة مقبلة كي نتخلص من فوبيا الحروب اللصيقة بوجداناتنا الحزينة، وهي ترثي الأرامل والأصدقاء واليتامى بسرديات كبرى، أو ربما ملاحم صغرى عن تاريخ الدم المسفوح.
ثلاث حروب وحصار بمرتبة الحرب كانت كافية لملء خزانات الذاكرة لجيل الكتابة السردية الحالي، جيل الجنود الأحياء وهو يعكف على تدوين المآسي الهائلة. من الصعب؛ بل المستحيل، أن تنجو من الحرب، لكنني على المستوى الشخصي كنت ألوذ بصفائح الرمل والخنادق من أجل هذا اليوم. ربما آخِر ما صدر لي هو رواية «صديقي المترجم» لحكاية رسخت في رأسي من عشرين عاماً، لجندي هرب في أثناء الحرب عندما قتل زميله الجندي الصديق، فقام باستبدال الأوراق الثبوتية بينه وبين صديقه. بين مفقود بالحرب، وقتيل بمنزلة شهيد وبكل الامتيازات. يهرب ولكن أهله يتسلّمون جثته من دون رأس. فتغدق السلطة آنذاك عليهم الثروة؛ كون ابنهم «شهيداً»، فالحرب حكاية تاريخ عسكري لذواتنا، نستعين بالنهل من هذا التاريخ، لنفسّر ما يحدث في يومنا هذا، فالكُتاب الجنود عبر التاريخ هم أبناء بررة لتاريخ الدم.

- حميد المختار: الحرب الأخيرة أثّرت ثقافياً سلباً وإيجاباً
الحروب، كل الحروب، هي أداة خراب وتهديم للقيم الإنسانية المجتمعية والأخلاقية ولكل ما هو جميل وجليل، فيسود الخراب والقبح، وهذا كله سيؤثر على الأوضاع الفكرية الإبداعية والثقافية عموماً، وهذا ما حصل بعد الحرب الأخيرة في العراق وسقوط النظام البعثي وانهيار كل مؤسساته ومأثوراته الثقافية والحزبية. وقد حصل معنا هذا، حيث توقفت الحياة الثقافية في العراق وانقطعت السبل بالمثقفين العراقيين، لكن في الوقت نفسه أضافت هذه الحرب لنا صفحة جديدة من الأحداث في مواد خام تصلح لأن تكون ثيمات روائية وقصصية وملحمية. إذن فالحرب الأخيرة أثّرت سلباً وإيجاباً في حركية وسيرورة الوضع الثقافي العراقي بعامة. تقف الحياة وتكون حداً فاصلاً بين عهدين: عهد دكتاتوري منهار صار يقبع في خانة الماضي الأسود، وعهد ديمقراطي مفتوح يمنح الكاتب فرصة جديدة لرؤية العالم بنظرة أخرى غير تلك التي سادت في كل إرثه الثقافي والسردي، ثم إنها - أي الحرب وسقوط النظام الدكتاتوري - فتحا باباً أمام ظهور أسماء جديدة في كتابة الرواية، مما أضاف وهجاً ودماً جديداً للسردية العراقية، وعلى صعيد تجربتي الشخصية فقد واكبتُ كل هذه التطورات الدراماتيكية مستغلاً فرصة الدخول إلى عهد جديد لم يمُرّ به العراق من قبل، وصار لزاماً علينا جميعاً أن نكتب ما نشعر به ونعيشه، خصوصاً وقد صار متاحاً لنا أن ندخل الأماكن المحظورة في الكتابة، تلك المحرَّمات التي وضع النظام السابق أمامها خطوطاً حمراء، والذي يتجاوزها سيختفي عن وجه البسيطة، ولذلك وبعد أن أنجزت معظم رواياتي التي فضحت النظام السابق، كتبت روايتي «تابو» التي واكبت التطورات الجديدة بعد سقوط النظام، بل صِرتُ ألعن ساسة العهد الديمقراطي الجديد الذين واصلوا مسيرة الخراب العام التي بدأها النظام المقبور وأكملها هؤلاء الفاسدون.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«هاري بوتر» عائد بوجهٍ جديد... أضخم إنتاج تلفزيوني على الإطلاق

«هاري بوتر» الجديد... بطل المسلسل الذي ينطلق عرضه نهاية العام (منصة «HBO»)
«هاري بوتر» الجديد... بطل المسلسل الذي ينطلق عرضه نهاية العام (منصة «HBO»)
TT

«هاري بوتر» عائد بوجهٍ جديد... أضخم إنتاج تلفزيوني على الإطلاق

«هاري بوتر» الجديد... بطل المسلسل الذي ينطلق عرضه نهاية العام (منصة «HBO»)
«هاري بوتر» الجديد... بطل المسلسل الذي ينطلق عرضه نهاية العام (منصة «HBO»)

لكل زمنٍ وجيل «هاري بوتر» خاصتُه. وإذا كان الساحر الصغير قد انطبع في ذاكرة جيل الألفيّة على هيئة الممثل دانييل رادكليف، فإنّ الجيلَين «زد» و«ألفا» سيتعرّفان عليه مع نجمٍ جديد هو دومينيك ماكلوغلين. ففي عصر منصات البث، كان لا بدّ من ولادة ثالثة لواحد من أكثر الشخصيات شهرةً وجماهيريةً في عالم الأدب والسينما والترفيه.

يعود بطل روايات جي كي رولينغ وسلسلة أفلام «هاري بوتر»، من خلال مسلسل يُعرض على منصة «HBO»، ويستغرق إنتاجه 10 أعوام في 7 مواسم قابلة للتجديد.

ماذا نعرف عن الموسم 1 من «هاري بوتر»؟

قبل يومين، نشرت منصة «HBO» الإعلان الترويجي الأول للموسم الافتتاحي بعنوان «هاري بوتر وحجر الفيلسوف». ووفق المقتطفات المصوّرة، فإنّ الجزء الأول وفيّ لكتاب المؤلّفة جي كي رولينغ.

ويركّز الفيديو على الشخصيات الرئيسية الثلاث؛ أي هاري وصديقَيه «رون ويزلي» و«هيرميون غرانجر». يُظهرهم الفيلم وهم يتعارفون على متن القطار المتّجه بهم إلى «مدرسة هوجورتس للسحر والشعوذة». الأطفال الثلاثة في الـ11 من عمرهم، ويستعدّون لخوض عامهم الدراسي الأول في تلك المدرسة، حيث سيواجهون معاً عودة «لورد فولدمورت»، قاتل والدَي هاري عندما كان الأخير رضيعاً.

كما يعطي الإعلان الترويجي لمحة عن الحياة التعيسة التي كان يعيشها هاري اليتيم، تحت وصاية عمّه «فيرنون» وعمّته «بيتونيا». من بين اللقطات اللافتة كذلك، اللقاء الأول بين الساحر الصغير و«هاغريد» العملاق (الممثل نيك فروست).

الممثل البريطاني نيك فروست بشخصية «هاغريد» العملاق (HBO)

متى وأين يُعرَض المسلسل؟

ينطلق عرض مسلسل «هاري بوتر» عالمياً، في 25 ديسمبر (كانون الأول) 2026، على كلٍ من «HBO» و«HBO Max». ومن الواضح أنّ اختيار هذا التاريخ لم يأتِ عبثاً، إذ إنّ فترة أعياد الميلاد ورأس السنة تشهد ارتفاعاً في نسبة المشاهدة على منصات البثّ، نظراً لإجازات نهاية العام.

يتألّف الموسم الأول من 8 حلقات تدور معظم أحداثها في مدرسة هوجورتس للسحر، على أن يكون المشاهدون على موعدٍ مع مزيد من المواسم، بما أنّ العمل التلفزيوني المنتظَر مخلصٌ لروايات رولينغ وعددُها 7. ووفق صحيفة «الغارديان» البريطانية، فإنّه من المرتقب أن يغوص المسلسل في تفاصيل أكثر من الأفلام.

يدور معظم أحداث الموسم الأول في مدرسة هوجورتس للسحر (HBO)

فريق «هاري بوتر» أو «التريو الذهبي»

استغرق البحث عن الأبطال الثلاثة الصغار؛ «هاري بوتر» و«رون ويزلي» و«هيرميون غرانجر»، 8 أشهر. ففي سبتمبر (أيلول) 2024، أُطلقت دعوة عامة للمشاركة في تجارب أداء لأطفال تتراوح أعمارهم ما بين 9 و11 عاماً. تقدّم 32 ألف طفل ليقع الاختيار في مايو (أيار) 2025، على كلٍ من دومينيك ماكلوكلين، وألاستير ستاوت، وأرابيلا ستانتون.

ينضمّ إلى الأطفال الثلاثة، الذين سمّتهم منصة «HBO»: «التريو الذهبي»، فريق كبير من الممثلين المخضرمين والجدد.

أما التصوير فقد انطلق وسط تكتّم شديد بلندن في يوليو (تموز) الماضي، وقد وقّع الممثلون جميعهم عقوداً تُلزمهم الارتباط بالمشروع لفترة 10 أعوام، وهي المدة التي سيستغرقها تصوير 7 مواسم على الأقل من المسلسل.

أطلقت منصة «HBO» على أبطال المسلسل «التريو الذهبي» (منصة «HBO»)

من هو «هاري بوتر» الجديد؟

من بين آلاف الأطفال، اختير الممثل الاسكوتلندي دومينيك ماكلوكلين، ليكون الوجه الجديد لهاري بوتر. وقبل خوضه هذه التجربة، ظهر ماكلوكلين في فيلم «Grow» البريطاني عام 2025. وبسبب اختياره لأداء شخصية الساحر الصغير، اضطرّ الممثل الطفل إلى مغادرة مدرسته والتسجيل في مدرسة أخرى تؤمّن له التدريس في أوقات الفراغ من التصوير.

في حوار مع شبكة «بي بي سي» البريطانية، سُئل ماكلوكلين عن شعوره بعد التحوّل إلى «هاري بوتر»، فأجاب أنّ الأمر أشبَه بالحلم. «أنا من أشدّ المعجبين بسلسلة (هاري بوتر) وسعيد للغاية بأداء هذا الدور»، قال النجم الصاعد.

دومينيك ماكلوكلين البطل الجديد لسلسلة «هاري بوتر» (HBO)

ما رأي «هاري بوتر» القديم؟

رغم تحوّله إلى نجمٍ سنة 2001 مع انطلاق مجموعة أفلام «هاري بوتر»، فإن الممثل دانييل رادكليف لم يكن يوماً راضياً عن أدائه في تلك الشخصية. وانطلاقاً من هذا الموقف الذي لم يتردّد في التعبير عنه مراراً عبر الإعلام، أعلن رادكليف أن ماكلوكلين سيكون أكثر ملاءمةً للدور ممّا كان هو عليه. وأضاف الممثل البريطاني: «أنا متأكّد من أنّ دومينيك سيكون أفضل منّي». وقد ذهب رادكليف إلى حدّ كتابة رسالة إلى خلَفِه، متمنياً له أن يقضي وقتاً رائعاً في المغامرة التي يخوض.

الممثل دانييل رادكليف عام 2000 خلال تصوير فيلم «هاري بوتر» (رويترز)

أين جي كي رولينغ من المشروع؟

الأمّ الروحيّة لـ«هاري بوتر» وصانعة الشخصية، الكاتبة البريطانية جي كي رولينغ، منخرطة في مشروع المسلسل بوصفها أحد المنتجين المنفّذين. أما كتابةً، فهي تركت مهمّة السيناريو والإشراف العام لفرنشيسكا غاردينر، وقد أبدت رولينغ رضاها عن نص المسلسل. وينضمّ إلى غاردينر المخرج مارك مايلود، وهما سبق أن تعاونا في مسلسل «Succession»، أحد أبرز الإنتاجات في تاريخ التلفزيون.

الكاتبة البريطانية جي كي رولينغ مبتكرة سلسلة روايات «هاري بوتر» (رويترز)

كم ستبلغ ميزانية مسلسل «هاري بوتر»؟

بوصفه مشروعاً أدبيّاً وسينمائياً، كان «هاري بوتر» بمثابة دجاجة تبيضُ ذهباً، وهو أحد أكثر المشاريع ربحاً في تاريخ صناعة الترفيه. لم يقتصر الأمر على الروايات التي تُرجمت إلى أكثر من 80 لغة، ولا على الأفلام، وهي رابع أعلى سلسلة سينمائية تحقيقاً للإيرادات على الإطلاق؛ بل تحوّل الساحر الصغير إلى ظاهرةٍ اقتصادية من خلال المتاجر والملاهي الخاصة به حول العالم.

لذلك، فإنه من غير المنطقي أن تبخل «HBO» وشريكتُها «وارنر» على مشروع المسلسل. ووفق بيان صادر عن الشركة، يشكّل المسلسل متعدد المواسم «أضخم حدث بثّ في تاريخ (HBO Max) وربما في تاريخ منصات البث بشكلٍ عام».

مسلسل «هاري بوتر»... أغلى إنتاج تلفزيوني على الإطلاق (إنستغرام)

وفق شبكة «سي إن إن»، فإنّ ميزانية الحلقة الواحدة من مسلسل «هاري بوتر» تبلغ 100 مليون دولار. وإذا صحّ ذلك، فسيتجاوز هذا المبلغ بأشواط تكلفة سلسلة الأفلام الأصلية بأكملها، والتي أنفقت عليها شركة «وارنر» ما يُقدّر بـ1.2 مليار دولار، ليتحوّل المسلسل بذلك إلى أغلى إنتاج تلفزيوني على الإطلاق.


في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
TT

في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)

في ظرف حالك، ودّع لبنان أحمد قعبور، الفنان الذي غنى بيروت والجنوب كما لم يفعل أحد. صراعه الطويل مع المرض لم يمنعه من أن يبقى كالرمح يقف على الخشبات حتى الرمق الأخير، ويمتّع جمهوره بحضوره الدمث وأغنياته التي حفرت عميقاً في وجدان الناس.

هو ابن الحروب والمعاناة، من رحمها وُلد، وبقي وفياً لآلام الناس وتفاصيلهم الصغيرة الحميمة. بيروتي أصيل، سكنت مدينته روحه، وقضايا المقهورين وجدانه. وُلد عام 1955 ونشأ في الستينات، في حين كانت النهضة اللبنانية الفنية في قمة فورانها. تأثر بوالده عازف الكمان محمود الرشيدي الذي اصطحبه معه إلى حفلات زرعت في نفسه حسّاً فنياً مبكراً، ثم جاء دخوله معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية ليشحذ ميوله الأولى، ويصقل موهبته.

أحمد قعبور في البدايات (فيسبوك)

هو ملحّن، ممثل، كاتب، مغنٍّ، تلفزيوني، إذاعي، مسرحي... تعددت اهتمامات أحمد قعبور، وبقيت كلها تصب في مكان واحدٍ: الفن الملتزم بالإنسانية نهجاً. تفرعت إبداعات أحمد قعبور، حتى قال إن تلك المجالات العديدة التي عمل فيها ربما شغلته عن التركيز. لكنه في حقيقة الأمر كان فناناً أخّاذاً، أينما يمّم وجهه.

قال ذات مرة وهو الذي بقي فلسطيني الهوى والبوصلة، إن قناعاته الآيديولوجية الأولى تحولت إلى كل ما له علاقة بالقيمة الإنسانية والكرامة، وصوب ذاكرته الفردية والجماعية.

مع بدء الحرب اللبنانية الأهلية، وكان في التاسعة عشرة من عمره، انخرط في دعم ومساعدة المواطنين، يجمع الأغذية ويوزعها على المحتاجين. في تلك الفترة كان يقرأ الشاعر توفيق زياد، ووقع على قصيدته «أناديكم، أشد على أياديكم، وأبوس الأرض تحت نعالكم، وأقول: أفديكم». أحبها ولحّنها، وغنّاها، أثناء تجوال له مع فرقة موسيقية شبابية صغيرة، في مستشفى ميداني في «جامعة بيروت العربية»، فجاء تجاوب الجرحى والمرضى مفاجئاً له، واضطر إلى أن يكررها مرّات ومرات وسط استغراب الموجودين واستغرابه هو أيضاً.

صارت أغنيته الأولى هذه نشيداً لا ينطفئ، وبقي الناس يرددونها طوال خمسين سنة، بالحماسة نفسها وكأنها وُلدت اليوم.

كرّت سبحة أغنيات قعبور، وبقيت كلها أمينة لنصيحة والده، حاملة «نبض الناس». هكذا جاءت «يا رايح صوب بلادي»، و«علوا البيارق»، و«نحنا الناس»، و«نبض الضفة»... حيث ظل الإنسان العادي الكادح، في صميم أعماله، وهو يمثل ويعلّم ويلحّن، ويكتب أغنياته.

بيروتي بحق، تأثر إلى حدّ بعيد بابن مدينته الفنان الثائر عمر الزعني الذي لُقب بـ«موليير الشرق». ولإعجابه الشديد به، أعاد أغنياته إلى الحياة في ألبوم خاص، بعد أن كان منسياً، كاشفاً عن عبقرية فذة ذات روح كاريكاتيرية، تنهل من الحياة اليومية، وتعيدها ألحاناً وكلمات.

يوم كان الغناء رسالة وأصحابه يجوبون المؤسسات التعليمية (فيسبوك)

رأى قعبور نفسه في هذا الفنان البيروتي المنتفض على الظلم الاجتماعي الذي التقط صور من حوله بعينَيه، وترجمها كلاماً هزلياً جارحاً وموسيقى متهادية. فغنى قعبور «بيروت زهرة في غير أوانها... محلاها ومحلا زمنها»، و«بدي غني للناس، إلي ما عندن ناس، وكانوا هني الأساس»، و«بيروت يا قصة، يا صندوق فرجة كبير». غرف من قاموس مدينته الجريحة، وهو يغني قاموسه الفني، دون أن تجفّ بئره. ابن حارات «البسطة التحتى»، نسج لكل مناسبة وركن في بيروت أغنية، من العيد إلى رمضان بفوانيسه، إلى شوارعها، وبحرها، وشمسها، وعصافيرها... غنى لأمه التي ودّعته في الصباح «بضفيرة قليلة ويدين من دعاء»، وأوقدت «ناراً صغيرة لأجله». حوّل قعبور الأشياء الرتيبة المكرورة إلى ألحان اختلط فيها الفرح بالشجن، ونسج حكايات يتماهى معها الهامشيون والمنسيون.

كما واكب قعبور مآسي فلسطين، ونازحي المخيمات، وأهل الجنوب اللبناني، والهجمات الغادرة عليهم. لم يتوقف جمهوره عن تكرار «الشمس تأكل لحمهم لكنهم يعاندون الشمس، من بطون الأرض يطلعون من عيون الشمس يطلعون، من وجه القمر، إنهم جنوبيون». بقيت أغنياته هذه تسطع مع كل قصف وغزو. وها هي «يا رايح صوب الليطاني دخلك وصللي السلام، صبّح أهالي النبطية، وطلّ شوية عالخيام»، تعود وكأنها تُكتب اليوم لبلدات تُجتاح وتُهدم من جديد.

وكما الكبار، كان للصغار منه حصة وافية؛ إذ ساهم في تلحين وغناء مسرحيات عديدة مثل «كلو من الزيبق» و«شو صار بكفر منخار». كما أدى دور الصحافي في مسرحية زياد الرحباني «شي فاشل»، وأدى أدواراً تمثيلية، في السينما في فيلم «ناجي العلي» و«كارلوس»، وفي مسلسل «النار بالنار».

ورغم أنه عمل في أكثر من تلفزيون وإذاعة، فإنه برز بشكل خاص حين انخرط في «تلفزيون المستقبل» راسماً هويته الموسيقية، بأغنيات أثارت الكثير من الجدل، وكأنها تتناقض مع توجهاته اليسارية، النضالية الأولى. وأشهر تلك الأغنيات التي بقيت في ذاكرة الناس هي «لعيونك بتمون»، وسلسلة أخرى من الأغنيات التي رافقت حياة هذه المحطة ووسمت إطلالتها.

وانتشر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيديو لأحمد قعبور، ظهر خلاله وقد فقد توازنه واضطر إلى الجلوس قبل مساعدته من قبل بعض الحضور. كان ذلك خلال مشاركته في حفل «قلوب تغني لحن العطاء»، لرعاية «دار الأيتام الإسلامية». وأثناء غنائه «أناديكم»، بدا عليه التأثر والتعب، وكأنه سيهوي، فهرع الحضور لمساعدته. يومها أثارت حالته قلق محبيه، وخاصة أنه كان يخضع لعلاج سرطان أصيب به.

رحل باكراً أحمد قعبور الذي بقي، رغم مرضه، لا تفارق السيجارة يده، ولا يكف عن تلبية الدعوة للغناء أو المساعدة في أمر خيري. وبغيابه يُطوى اسم أساسي، ضمن كوكبة صنعت مجد الأغنية الملتزمة في لبنان والعالم العربي. ومع أنه كان يكرّر أن التزامه لم يعد نضالياً، حاراً، كما سبق، وأن له معنى مختلفاً، فإن أغنياته بقيت في مجملها ذات طعم وطني، نقدي، متمرد، وإن تغلفت بوشاح رومانسي هادئ.


«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)

أبدى صُنَّاع للسينما في مصر تخوفهم من خسائر كبيرة قد تتجاوز نصف إيرادات دور العرض، مع بدء تطبيق القرار الحكومي الخاص بترشيد استهلاك الطاقة، اعتباراً من السبت 28 مارس (آذار) الحالي ولمدة شهر، والذي ينصُّ على إغلاق جميع صالات السينما في تمام التاسعة مساءً، ضمن حزمة إجراءات أوسع تستهدف خفض استهلاك الكهرباء في قطاعات عدة، على خلفية تداعيات الحرب الإيرانية.

وبموجب القرار الجديد، ستتأثر خريطة عرض الأفلام بشكل مباشر، حيث ستبدأ آخر الحفلات السينمائية في الأيام العادية في السابعة مساءً، بينما تكون آخر العروض في عطلة نهاية الأسبوع عند الثامنة مساءً، ما يعني تقليص عدد الحفلات اليومية، خصوصاً في فترة السهرة التي تُمثِّل عادةً النسبة الأكبر من إيرادات شباك التذاكر.

ويثير هذا التغيير مخاوف لدى المنتجين وأصحاب دور العرض، الذين يعتمدون بشكل أساسي على حفلات المساء لتحقيق أعلى نسب حضور، مع وجود 4 أفلام مصرية تُحقِّق إيرادات جيدة في شباك التذاكر.

وسجَّلت إيرادات السينما المصرية أداءً قوياً خلال الفترة الماضية مع انطلاق موسم عيد الفطر، حيث حقَّقت إيرادات اقتربت من 100 مليون جنيه في 10 أيام فقط، مدفوعة بعرض 3 أفلام رئيسية هي «برشامة» بطولة هشام ماجد، و«فاميلي بيزنس» لمحمد سعد، و«إيجي بيست» لأحمد مالك. وانضم إليها لاحقاً فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بطولة أحمد الفيشاوي، والذي شهد أزمةً رقابيةً أدت إلى سحبه مؤقتاً من دور العرض لنحو أسبوع قبل إعادة طرحه.

الملصق الترويجي لفيلم «برشامة» (الشركة المنتجة)

وقال الموزِّع السينمائي محمود الدفراوي لـ«الشرق الأوسط» إن «تأثير القرار سيكون كبيراً للغاية على إيرادات السينما، لكون حفلات ما بعد التاسعة وحتى منتصف الليل تمثل عادة ما بين 60 و70 في المائة من إجمالي الإيراد اليومي، وهو ما يعني فقدان النسبة الأكبر من الدخل اليومي لدور العرض، مع إلغاء الحفلات التي تُمثِّل الركيزة الأساسية لشباك التذاكر، في ظلِّ ضعف الإقبال على الحفلات الصباحية بطبيعتها».

وأوضح أن «الأزمة لن تقتصر على تراجع الإيرادات فقط لأفلام العيد، بل ستمتد إلى قرارات الإنتاج والتوزيع لكون الصناعة تعتمد على عدد كبير من العاملين. ومع تقليص عدد الحفلات اليومية لن يكون هناك حافز كافٍ لطرح أفلام جديدة، الأمر الذي سيدفع صُنَّاع السينما للتريث ومراقبة تطورات الوضع، في وقت لن يغامر فيه أي منتِج بطرح فيلم جديد في ظلِّ عدد حفلات محدود، وهو ما قد يؤدي إلى حالة من التباطؤ في حركة السوق».

وأضاف الدفراوي أن «هذا الوضع قد يدفع إلى إعادة النظر في طرح عدد من الأفلام، خصوصاً ذات الميزانيات الكبيرة، نظراً لاعتماد الصناعة بشكل أساسي على كثافة الحفلات اليومية، وهو ما يجعل أي تقليص فيها مؤثراً بشكل كبير».

صناع فيلم «برشامة» في العرض الخاص (الشركة المنتجة)

ووصف المنتِج والموزع السينمائي جابي خوري القرار بـ«الكارثة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «سيؤدي إلى مشكلات كبيرة داخل صناعة السينما ويفاقم أزماتها لكونه يؤثر على منظومة العمل بشكل كامل، وفي ظلِّ خسائر متوقعة لن تقل عن 50 إلى 60 في المائة»، لافتاً إلى أن «تداعيات القرار ستنعكس سريعاً على حركة طرح الأفلام، ولن يكون هناك إقبال من المنتجين على تقديم أعمال جديدة في ظل هذه الظروف، بما يهدد استقرار السوق السينمائية خلال الفترة المقبلة».

رأي دعمه المستشار الإعلامي لـ«الشركة العربية للإنتاج والتوزيع» عبد الجليل حسن، الذي أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «القرار تسبَّب فعلياً في إلغاء ما لا يقل عن 3 حفلات يومياً بدور العرض»، موضحاً أن «الحفلة الوحيدة التي تشهد إقبالاً ملحوظاً هي التي تبدأ في السادسة مساءً، بينما تظل الحفلات الصباحية ضعيفة من حيث الحضور».

وأضاف أن «هذا الوضع سيؤدي إلى خسائر كبيرة لن تقل عن 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مع تقليص فرص تحقيق إيرادات كافية لتغطية تكاليف التشغيل داخل صالات السينما ذاتها».