عساف والحاج علي يعلنان انتصار الحب والفن على الشيخوخة والموت

مسرحية لعلي شحرور عن خراب المدن ونكوص الأجساد

مشهد من المسرحية (خدمة العرض)
مشهد من المسرحية (خدمة العرض)
TT

عساف والحاج علي يعلنان انتصار الحب والفن على الشيخوخة والموت

مشهد من المسرحية (خدمة العرض)
مشهد من المسرحية (خدمة العرض)

حين اتصل بي الصديق عبده وازن قبل أيام داعياً إياي لحضور مسرحية «إذا هوى» لعلي شحرور، لم أتردد في تلبية الدعوة؛ لأن لاسمي روجيه عساف وحنان الحاج علي من الجاذبية وقوة الحضور، ما أثار لديّ الرغبة في اكتشاف ما يمكن لهذا الثنائي أن يقدمه بعدُ، في ظل انهيار المدينة وخوائها المتعاظم. ومع أنني لم أشاهد أياً من الأعمال السابقة لشحرور، فقد أثار ما قرأته عنه فضولاً مماثلاً لديّ، للتأكد مما إذا كان المخرج الشاب قادراً على رفد بطليه المخضرمين بأسباب الحيوية والتجدد اللازمين لاكتشاف مناطق في دواخلهما لم يكتشفاها بعدُ، ولتقديم هذه المناطق سافرةً وبلا أقنعة أمام الملأ. وأعترف مع ذلك بأن الشعور الذي انتابني في الطريق إلى قاعة المسرح، كان أقرب إلى التوجس والإشفاق، منه إلى الوثوق بقدرة هذا الثلاثي المغامر، على بعث الروح في جسد المدينة والفن على حد سواء.
كانت معالم الطريق الموصلة إلى قلب شارع «الحمراء»، كافية تماماً لأن تضع العابر في صورة الواقع المزري لأحد أكثر الأماكن اتصالاً بأزمنة بيروت الوردية، وتجسيداً لتعدديتها الثقافية ودورها التنويري. فالنفايات المكدسة في الحاويات، أو المندلقة خارجها دون أن تجد من يرفعها، توفر البيئة الملائمة للفئران والجراذين، وسائر الحشرات والحيوانات الصغيرة الشاردة. والكهرباء الشحيحة الصادرة عن المولدات لا تكاد تمكّن المارة القلائل من تبيّن مواطئ أقدامهم على الأرصفة. وإذ يشكل المتسولون والباعة البائسون والمنقبون في النفايات، نسبة غير قليلة من الموجودين في الشارع، يشعر العابر في المكان أن المدينة التي يقطنها لم تعد تمتّ بصلة إلى المدينة التي احتضنت ذات يوم أحلام ساكنيها وقاصديها الكثر، وكانت المختبر المعرفي، وقِبلة الرجاء وفسحة الحرية. وهو الآن لا يملك أن يدفع عن نفسه شعوراً بالخوف من التعرض للسرقة أو الأذى، يداهمه على حين غرة.
وفي المسافة المفضية إلى «مسرح المدينة»، قلت لنفسي إن التسمية نفسها لم تعد تستقيم، ما دام المضاف إليه قد أُفرغ من معناه، وبات شبيهاً بطلل إسمنتي واسع لما كانه في الماضي، ثم تذكرت ما كان زياد الرحباني قد توصل إليه في مسرحيته المؤثرة «شي فاشل» في ثمانينات القرن الفائت، من أننا لا نستطيع أن ننشئ مسرحاً للمدينة، في ظل تشظي هذه الأخيرة وانفراط عقدها واندحارها الشامل، إلا أن هذه الهواجس سرعان ما أخذت في التراجع منذ اللحظة الأولى لبداية العرض. لم يكن ثمة ديكور واضح المعالم، أو جدران داخلية تعزل زمان العمل ومكانه عن زمن المدينة ومكانها، أو ستائر للفصل بين خشبة التمثيل ومقاعد الحضور، بل فضاء مفتوح يضم الجميع بين ظهرانيه، ويوحد بين مصايرهم، في حين يتيح لظلام الداخل وشحّ أدواته، أن يبدو امتداداً طبيعياً لظلام المدينة الخارجي وواقعها المدقع، إلا أن تقشف الديكور والسينوغرافيا، وغياب الزخرفة الجمالية الشكلية، والإطباق شبه الكامل للعتمة، لم تكن أموراً بلا دلالة، بل كانت أكثر وسيلة نجاعةً أتاحت لجسدي روجيه عساف وحنان الحاج علي المتقابلين أن يستعيدا معاً، وبكل ما أوتياه من تراكم الخبرات وقوة الإيحاء، سردية المدينة المكلومة من جهة، وسردية الجسد المهيض من جهة أخرى.
لقد أمكن لعلي شحرور، مستفيداً من اشتغاله السابق على حركات الجسد واستنطاق تعبيراته المختلفة، أن يحث كلاً من حنان وروجيه على إطلاق العنان لما ادّخراه للحظة كهذه، من حرقة الأسئلة، ومن حيوية غائرة في الأعماق، ومن صرخات الاحتجاج المكتوم على الوأد الممنهج للمدينة وأهلها المتبقين. وعبر استعادة الفنانين الزوجين لمراحل مختلفة من علاقتهما العاطفية الطويلة، استطاعا معاً أن يجعلا كل مَن في القاعة مسمراً على نحو كلي باتجاه كل نأمة تصدر عنهما، وكل حركة يقومان بها، وكل ما يكتنف وجهيهما من علامات الوله أو الضيق، الفرح الاحتفالي بالحب أو التبرم بآلامه وعذاباته. ومع أن التفاوت النسبي في السن بين الطرفين، اللذين سبق لهما أن ضربا عرض الحائط بجميع التابوهات الدينية والاجتماعية التي تفصل بينهما، قد انعكس بشكل جلي في جسد حنان اللدن والمحتفظ بالكثير من مرونته، وجسد عساف الأكثر تعبيراً عن ثقل السنين؛ فإنهما عرفا كيف يقلصان فجوة الزمن ومفاعيله، بأدائهما التمثيلي البارع من جهة، وبقوة الحب وجدواه من جهة أخرى.
لقد كان الزوجان المنهكان يدركان تمام الإدراك أنهما لا يملكان الكثير لكي يفعلاه، لانتشال المدينة التي أوصلها الساسة الفاسدون والممسكون بمقاليدها، إلى مآلها المأساوي وحضيضها المدقع، إلا أن ذلك لم يقدهما، مع المخرج الشاب وفريق العمل، إلى فقدان الإيمان بجدوى الفن، الذي إن لم يكن من مهماته تقديم الحلول والإجابات الشافية، فإنه قادر على رفد النفوس العطشى بجرعة من الأمل، ومنع الظلام من أن يستتب بشكل كلي. فقد راهنا معاً على ما تبقى في عمق روحيهما من كنوز، ووجدا في الحب الذي يوحدهما برباطه، الصخرة الأخيرة التي تعصمهما من الغرق.
وفي هذه المرثية نصف الصامتة ونصف الإيمائية لواقع المدينة الراهن، تكتسب الحركات والسكنات والرقصات المختلفة بعدها الطقوسي، وتتحول إلى رقًى وتعازيم في مواجهة الشيخوخة، كما في مواجهة الخواء المستشري. وهذا البعد الطقوسي للعمل ينسحب على الزمن المسرحي الذي يجعل من غسق المدينة حيزه وفضاءه، حيث يستجمع ليل بيروت كل ما لديه من العتمة لكي يمنع فجرها المرتقب من القدوم، أو يؤخر انبلاجه قدر ما يستطيع. أما البطلان اللذان يواكبان خريف المدينة بخريف عمريهما المتفاوت في صفرته، فيحاولان إنقاذ ما يمكن إنقاذه، معولين على ما تنتشله الذاكرة من لحظات الفرح الغائرة، أو مراهنين على ما لم يستنفد بعدُ من طاقة الجسد، وجذوة الروح، ونثار الأحلام.
على أن كل ذلك لم يكن ليتحقق من دون موسيقى عبد قبيسي ذات الضربات المدهشة التي تواكب حركة الجسد المتفاوتة بين الإيقاع الجنائزي، كما في مشهد الجسد المحتضر، والحركة البطيئة لزمن الكهولة، كما في رقصة «زوربا»، والتسريع الرشيق للإيقاع في مشهد الزفاف الاستعادي. والأمر نفسه ينسحب على تصميم الإضاءة الذي عرف الفرنسي غيوم تيسون بواسطته، كيف يقيم الحدود الفاصلة بين الأماكن والأزمنة والأحوال المتبدلة لواقع المدينة ولنفوس قاطنيها. وحيث تفتقر الأشياء والكائنات إلى الصلابة، وحيث للحضور مذاق الغياب، واليقين يختلط بنقيضه، كان العرض برمته أشبه بنص صامت، تقوم فيه الحركات والسكنات وقسمات الوجوه، مقام الأبجدية المنطوقة.
وإذا كان لا بد من كلمة أخيرة في هذا الصدد، فهي أن مسرحية «إذا هوى»، التي تقاسم ألقها الفريد كلّ من علي شحرور وروجيه عساف وحنان الحاج علي، وآخرون، بدت بمثابة انتصار رمزي لروح المدينة المطعونة في صميمها، ولقدرة الحب والفن على توفير القوارب اللازمة للنجاة، بعد أن يؤول كل شيء إلى غرق محتوم.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«ابن مين فيهم؟»... مباراة كوميدية بين «رجل مستهتر» و«محامية جادة»

لقطة من فيلم «ابن مين فيهم» (الشركة المنتجة)
لقطة من فيلم «ابن مين فيهم» (الشركة المنتجة)
TT

«ابن مين فيهم؟»... مباراة كوميدية بين «رجل مستهتر» و«محامية جادة»

لقطة من فيلم «ابن مين فيهم» (الشركة المنتجة)
لقطة من فيلم «ابن مين فيهم» (الشركة المنتجة)

ينطلق فيلم «ابن مين فيهم؟» في سرد حكايته من محاولة إعادة العلاقات الاجتماعية إلى مسارها الصحيح، لكن صناع الفيلم قدموها في قالب كوميدي مليء بالمواقف الطريفة، من خلال حياة «رجل مستهتر» في علاقاته الزوجية التي لا تستمر سوى أيام أو بضع ساعات بعيداً عن تحمل مسؤولية أي تبعات أخرى.

يُذكر أن شخصية «رشدي»، التي يجسدها الفنان بيومي فؤاد، تمتلك مشاعر صادقة، لكنها تعجز عن تحديد هدفها في الحياة. وقد مضى به العمر وهو يسير على النهج نفسه من الاستهتار والعلاقات العابرة، إلى أن ظهرت في حياته «ماجدة»، المحامية الجادة ونصيرة المرأة، لتبلغه بوجود ميراث ضخم تركته له عمته المقيمة في الخارج، لكنه لن يتمكن من تسلمه إلا بعد العثور على ابنه الذي أنجبه من إحدى زوجاته.

وتبدأ رحلة «رشدي» في البحث عن ابنه بمصاحبة المحامية ونجلها «كريم»، الذي يقدم دوره الفنان الشاب أحمد عصام السيد. ويحاول «رشدي» الحصول على ميراثه بأي شكل؛ لذا لجأ للنصب على المحامية بمحاولته استئجار زوجة ونجلها ليقدما الدور أمام المحامية التي ترفض التخلي عن مبادئها وتنفيذ الوصية بحذافيرها.

من كواليس فيلم «ابن من فيهم» (الشركة المنتجة)

وتقف المحامية أمام استهتاره بالمرصاد بعد محاولة فاشلة للحصول على الميراث بالنصب، وتبدأ معه مشواراً من البحث عن زوجاته السابقات تباعاً حتى يصل إلى ابنه ويتسلم ميراثه.

الفيلم يضم مجموعة من الفنانات ضمن نطاق «ضيف الشرف»، اعتمدت أدوارهن على الانتقام من استهتار «رشدي» الذي طال حياتهن وأثر فيها بشكل سلبي.

وبخلاف شخصية الفنانة شيماء سيف، التي ظهرت في المشاهد الكوميدية الأولى من الفيلم، والفنانة زينة منصور التي استغلها «رشدي» في النصب على «المحامية»، للحصول على الميراث، شهدت رحلة البحث عن الزوجات مشاركة الفنانات ويزو، وداليا العمري، ورانيا يوسف، وانتصار، إلى جانب ظهور خاص للفنانين حمدي الميرغني وكريم عفيفي.

هالة فاخر وليلى علوي في كواليس الفيلم (الشركة المنتجة)

ويبتعد «رشدي» عن الناس، ويتنكر للميراث الذي أدخله في دوامة من البحث والإخفاق، لكنه في الوقت نفسه يوقظ داخله مشاعر الأبوة للمرة الأولى. وسرعان ما يستعيد توازنه، ويبدأ رحلة البحث عن عمل، والتقرب من المحامية، بعدما كسب ودَّ ابنها «كريم»، واعترف لها بمشاعره. غير أنها تعيش حياة عاطفية صعبة، بعدما تخلى عنها زوجها وتركها في بداية زواجهما.

وتتمثل المفاجأة في أن عمة «رشدي»، التي تجسد شخصيتها الفنانة هالة فاخر، لا تزال على قيد الحياة، وأنها دبرت أمر الميراث بالاتفاق مع المحامية، بهدف إصلاح حياة «رشدي» وإبعاده عن الطريق الذي اختاره لنفسه. وربما نجحت في ذلك، لكنها أيقظت مشاعره أيضاً، وجعلته يعيش واقعاً مريراً خلال رحلة البحث عن ابنه، الذي لم يعثر عليه.

الفيلم يعالج قضايا اجتماعية في إطار كوميدي (الشركة المنتجة)

فيلم «ابن مين فيهم؟» إنتاج «فوكس ستوديوز»، و«استوديوهات دبي»، وتأليف لؤي السيد، وإخراج هشام فتحي. وهو الفيلم الخامس الذي يجمع بين بيومي فؤاد وليلى علوي، بعد أن قدما معاً أفلام «ماما حامل»، و«شوجر دادي»، و«المستريحة»، و«جوازة توكسيك»، وحسب الناقد الفني المصري محمد عبد الخالق فإن أعمال بيومي فؤاد وليلى علوي أعادت للسينما مرة أخرى فكرة «الثنائيات» التي غابت لفترة طويلة، باستثناء تكرار تجارب قليلة لنجوم لا ترقى لاعتبارها ثنائية فنية.

وأضاف عبد الخالق لـ«الشرق الأوسط»، أن «القبول والكيمياء اللذين جمعا بينهما حققا النجاح الجماهيري، بالإضافة لنجاحهما تجارياً خصوصاً في الأسواق العربية، بفضل اختيار أفكار اجتماعية مناسبة لمرحلتهما العمرية، وتقديمها بلمحة كوميدية نالت إعجاب الناس».

وأكد الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن أن الفيلم استثمار واضح للثنائية السينمائية غير المتوقعة بين بيومي فؤاد وليلى علوي، والتي حققت نجاحاً وتراكماً جماهيرياً خلال الفترة الماضية، خصوصاً في السوق الخليجية.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «الفيلم هذه المرة مختلف في فكرته عن باقي الأعمال التي جمعت الثنائي من قبل، فلم يتم تقديمهما بوصفهما زوجين، بل تم وضع البطل تحت ضغط لتغيير أسلوب حياته»، لافتاً إلى أنه رغم وجود حالة رومانسية تنشأ بين البطلين فإن الفيلم يهرب من النهاية التقليدية، ولا ينتهي بالزواج.

وأشار عبد الرحمن إلى أن «الفيلم اعتمد بشكل أساسي على جاذبية ليلى علوي، وخفة ظل بيومي فؤاد، مع الاعتماد على عدد من المواقف المضحكة التي تدفع الأحداث، كما استفاد من ظهور عدد من ضيوف الشرف».

وأضاف عبد الرحمن أن «(ابن مين فيهم؟) ورغم التطويل في بعض مراحله، فإنه يعد فيلماً مناسباً للعائلة، ويراهن صناعه على تحقيق إيرادات أعلى في بعض الدول العربية».


مصر: مسجد محمد بك الصغير الأثري بحُلة جديدة بعد الترميم

المسجد يتميز بمنبره الخشبي الأثري (وزارة السياحة والآثار)
المسجد يتميز بمنبره الخشبي الأثري (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: مسجد محمد بك الصغير الأثري بحُلة جديدة بعد الترميم

المسجد يتميز بمنبره الخشبي الأثري (وزارة السياحة والآثار)
المسجد يتميز بمنبره الخشبي الأثري (وزارة السياحة والآثار)

اكتسى مسجد محمد بك الصغير الأثري في منطقة مصر القديمة (وسط القاهرة) بحُلة جديدة، بعد ترميمه وإعادة افتتاحه، لإبراز ما يمثله من نمط معماري مميز يعود للعصر المملوكي، ويصل عمره إلى نحو 600 عام، وما يضمه من نقوش وزخارف ومنبر خشبي له طابع أثري.

المسجد الذي افتتحه الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، مع قيادات من وزارة الأوقاف، تمهيداً لاستقبال المصلين وإقامة الشعائر الدينية فيه، يُعد أحد المعالم التاريخية البارزة بمنطقة مصر القديمة، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار، الخميس.

ووفق البيان، فقد «أُعيد بناء المسجد في عهد السلطان الأشرف برسباي عام 830هـ، ثم جُدد خلال العصر العثماني سنة 1287هـ على يد محمد ميرزا باشا. ويتميز المسجد بمدخله الجنوبي المزخرف بعقد كبير ودلايات حجرية، وسقفه الخشبي الذي تتوسطه شخشيخة، فضلاً عن مئذنته ذات الدورات الثلاث، ومنبره الخشبي، ومحرابه المزخرف بالنقوش النباتية والكتابية... تعكس ما يتمتع به المبنى من قيمة تاريخية وفنية ومعمارية متميزة».

وأوضح مدير منطقة آثار مصر القديمة والفسطاط والمشرف على المشروع، مصطفى صبحي، أعمال الترميم التي نُفذت بالمسجد، والتي شملت إجراء الدراسات والتوثيق الأثري والفوتوغرافي للمسجد، والتحليل المعماري والرصد المساحي، إلى جانب أعمال الترميم الإنشائي التي تضمنت تدعيم وحقن الأساسات، ومعالجة شروخ الحوائط، وصيانة السقف وتنظيف الأحجار، فضلاً عن ترميم ومعالجة السلالم والعناصر الخشبية والرخامية والزجاجية، واللوحة التأسيسية للمسجد، بالإضافة إلى تطوير نظام الإضاءة بما يتناسب مع الطابع الأثري والمعماري للمبنى.

افتتاح المسجد بعد ترميمه (وزارة السياحة والآثار)

وأكد الدكتور هشام الليثي أن مشروع ترميم مسجد محمد بك الصغير يعكس توجّه وزارة السياحة والآثار نحو الحفاظ المستدام على التراث الثقافي والمباني الأثرية في مصر، وصونها للأجيال القادمة، بما يضمن استمرارية دورها الحضاري والديني والمجتمعي. وأشاد بالتعاون المثمر مع وزارة الأوقاف، وطائفة البهرة، وكافة الجهات الداعمة للمشروع.

وأشاد رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية بالمجلس الأعلى للآثار الدكتور ضياء زهران بالجهود المبذولة في أعمال الترميم، والتي أسهمت في استعادة المسجد طابعه الأثري والمعماري.

المسجد يعود تاريخه إلى نحو 600 عام (وزارة السياحة والآثار)

وأوضح الخبير الآثاري المتخصص في الآثار الإسلامية، الدكتور عبد الرحيم ريحان، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، أن «افتتاح مسجد محمد بك الصغير بعد ترميمه يجدد أحد المعالم الإسلامية ذات الطابع المميز فى منطقة مجمع الأديان بمصر القديمة»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا المسجد بما يضمه من نقوش وزخارف وتفاصيل معمارية شاهد على جماليات العمارة الإسلامية في العصور الإسلامية المتأخرة، خصوصاً المملوكي والعثماني».

وتضم منطقة مجمع الأديان بمصر القديمة حصن بابليون الأثري الذي يعود للعصر الروماني، والكنيسة المعلّقة أقدم الكنائس القبطية التى شُيّدت فوق أبراج الحصن، وجامع عمرو بن العاص أول مسجد جامع أُسس في مصر وأفريقيا، ومعبد بن عزرا من أقدم المعابد اليهودية في مصر القديمة.

ولفت ريحان إلى أن «منطقة مصر القديمة تضم آثاراً مهمة تحتاج إلى ترميم وفتحها للزيارة، وأهمها قبر الصحابي مسلمة بن مخلد الأنصاري، الذي تولى ولاية مصر قبل الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان من عام (47 ه إلى 68 هـ)، وهو أول من بنى كنيسة بفسطاط مصر، تأكيداً لتعاليم الإسلام السمحة في حرية العقيدة»، على حد تعبيره.


«ليلة المتاحف» تحتفي بوجه لبنان الثقافي المُضيء

تنطلق فعالية «ليلة المتاحف» في 16 يوليو الحالي (فيسبوك)
تنطلق فعالية «ليلة المتاحف» في 16 يوليو الحالي (فيسبوك)
TT

«ليلة المتاحف» تحتفي بوجه لبنان الثقافي المُضيء

تنطلق فعالية «ليلة المتاحف» في 16 يوليو الحالي (فيسبوك)
تنطلق فعالية «ليلة المتاحف» في 16 يوليو الحالي (فيسبوك)

رغم الأزمات المتلاحقة التي أثقلت كاهل لبنان في السنوات الأخيرة، لا تزال الثقافة إحدى أكثر صوره إشراقاً. فهي قادرة على جمع الناس حول ذاكرة مشتركة وهوية حيّة، لتؤكد أنّ الإبداع والتراث يشكلان ركيزة أساسية في صمود المجتمع. ومن هذا المنطلق، تأتي «ليلة المتاحف» لتؤكد أن المتحف ليس مجرّد مكان يحتفظ بالماضي، بل فضاء نابض بالحياة يروي حكايات وطن، ويستحضر تاريخه وحضاراته وإبداعاته، واضعاً كنوزه التراثية في متناول الجميع.

وفي هذه المناسبة، تفتح المتاحف اللبنانية أبوابها مساء 16 يوليو (تموز) الحالي أمام الزوار حتى الساعة الـ11 ليلاً، مانحةً إياهم فرصة استثنائية لاكتشاف وجه لبنان الثقافي المُضيء في مختلف مناطقه.

وتشارك في هذه الأمسية مجموعة من أبرز المتاحف، وتبدأ الزيارات من الـ5 مساءً حتى الـ11 ليلاً. ويتصدَّر القائمة المتحف الوطني في بيروت، إلى جانب «فيلا عودة»، و«متحف ميم»، و«متحف سرسق»، و«متحف الجامعة الأميركية». أما خارج العاصمة، فتُفتح أبواب «متحف ماري باز» في دير القمر و«متحف الصابون» في صيدا، فيما تتيح وزارة الثقافة للجمهور زيارة عدد من المعالم الأثرية، من بينها قلعة طرابلس، وموقعا صور وجبيل الأثريان.

المتحف الوطني يستقطب العدد الأكبر من الزوار (فيسبوك)

وتُعدّ «ليلة المتاحف» حدثاً ثقافياً تُنظّمه وزارة الثقافة سنوياً منذ عام 2014، بهدف إتاحة الفرصة أمام الجمهور لاكتشاف كنوز المتاحف اللبنانية مجاناً. وعادة ما تترافق المبادرة مع توفير حافلات مخصصة لتسهيل التنقّل بين المواقع المشاركة، وهو ما سيُتبع في النسخة الحالية، إذ ستعمل شبكة من الحافلات في مختلف أنحاء البلاد لتسهيل الوصول إلى المتاحف.

وكان وزير الثقافة غسان سلامة قد أصدر، في 17 مايو (أيار) الماضي، قراراً يقضي بفتح أبواب المتحف الوطني مجاناً أمام الزوار، وذلك بمناسبة «اليوم العالمي للمتاحف». والعام الماضي، شهدت فعالية «ليلة المتاحف» إقبالاً ملحوظاً من اللبنانيين، إذ تجاوز عدد الزوار 40 ألفاً. وجاء المتحف الوطني في مقدّمة المواقع التي استقطبت الجمهور، إذ بلغ عدد زواره نحو 25 ألف شخص.

ويُعد «متحف ماري باز» في دير القمر أحد أبرز المشاركين في هذا الحدث خارج بيروت. ويروي المتحف محطات من تاريخ لبنان منذ عام 1512 عبر تماثيل شمعية تُجسّد شخصيات سياسية وتاريخية وأدبية وفنية. ويقع داخل قصر الأمير فخر الدين المعني الثاني، ويضمّ نحو 80 تمثالاً لشخصيات تركت بصماتها في تاريخ البلاد.

وبدأ العمل على إنشاء المتحف مطلع عام 1996، قبل أن يُفتتح في 21 يوليو (تموز) 1997 بحضور رئيس الجمهورية آنذاك إلياس الهراوي. ومن بين الشخصيات التي يضمّها، الأمير فخر الدين المعني، والشاعر الفرنسي ألفونس دو لامارتين، إلى جانب عدد من السياسيين اللبنانيين، مثل كمال جنبلاط وكميل شمعون، فضلاً عن شخصيات فنية، من بينها ماجدة الرومي، ورؤساء لبنانيون، من منهم إلياس الهراوي، ونبيه بري، ورفيق الحريري، وإميل لحود، وغيرهم.

ركن من «فيلا عودة» المعروفة باسم «فيلا الفسيفساء» (فيسبوك)

أما «فيلا عودة» في بيروت، الواقعة في شارع شارل مالك في الأشرفية، فقد صمَّمها مهندسان إيطاليان. وتمزج في هندستها بين الكلاسيكية الحديثة والرقي العثماني، وتتميّز بنوافذها المقوّسة المطلّة على شرفات أنيقة، وواجهتها الحجرية المنحوتة. وتعكس تصميماتها الداخلية تاريخ منزل احتضن حياة عائلة عودة، قبل أن يتحوّل إلى مقصد لعشّاق الفن. وتضم الفيلا إحدى أهم مجموعات الفسيفساء اليونانية والرومانية والبيزنطية في لبنان، لذلك تُعرف اليوم باسم «فيلا الفسيفساء».

جانب من «متحف الصابون» في مدينة صيدا (فيسبوك)

وفي صيدا، تُتاح للزوار فرصة اكتشاف «متحف الصابون» الكائن في أحد أحياء المدينة القديمة. وكان المبنى في الأصل معملاً تقليدياً لصناعة الصابون، يتألّف من منزل ذي سقف قرميدي وقناطر حجرية. ويعبُر الزائر جسراً خشبياً يمنحه إطلالة بانورامية على أرجاء المتحف، حيث تضفي الإضاءة والجدران الأثرية طابعاً خاصاً على المكان. وتنتشر عند المدخل الأجران الحجرية التي كانت تُستخدم في صناعة الصابون، فيما تعرض مستوعبات زجاجية عينات من المواد الأساسية المستخدمة، مثل زيت الزيتون، والقطران، والغار، والعطور.

ويقود درج خشبي إلى الطابق السفلي، حيث الأجران الحجرية التي كانت توضع فيها الخلطة قبل غليها في فرن حجري يعمل على الحطب. كما يشرح المتحف، من خلال لوحات توثيقية، تاريخ اكتشاف الصابون ومراحل تطوّر صناعته منذ العصر الفينيقي وصولاً إلى العهد العثماني، ليقدّم للزائر رحلة إحدى أعرق الحرف التقليدية التي اشتهر بها لبنان.