عساف والحاج علي يعلنان انتصار الحب والفن على الشيخوخة والموت

مسرحية لعلي شحرور عن خراب المدن ونكوص الأجساد

مشهد من المسرحية (خدمة العرض)
مشهد من المسرحية (خدمة العرض)
TT

عساف والحاج علي يعلنان انتصار الحب والفن على الشيخوخة والموت

مشهد من المسرحية (خدمة العرض)
مشهد من المسرحية (خدمة العرض)

حين اتصل بي الصديق عبده وازن قبل أيام داعياً إياي لحضور مسرحية «إذا هوى» لعلي شحرور، لم أتردد في تلبية الدعوة؛ لأن لاسمي روجيه عساف وحنان الحاج علي من الجاذبية وقوة الحضور، ما أثار لديّ الرغبة في اكتشاف ما يمكن لهذا الثنائي أن يقدمه بعدُ، في ظل انهيار المدينة وخوائها المتعاظم. ومع أنني لم أشاهد أياً من الأعمال السابقة لشحرور، فقد أثار ما قرأته عنه فضولاً مماثلاً لديّ، للتأكد مما إذا كان المخرج الشاب قادراً على رفد بطليه المخضرمين بأسباب الحيوية والتجدد اللازمين لاكتشاف مناطق في دواخلهما لم يكتشفاها بعدُ، ولتقديم هذه المناطق سافرةً وبلا أقنعة أمام الملأ. وأعترف مع ذلك بأن الشعور الذي انتابني في الطريق إلى قاعة المسرح، كان أقرب إلى التوجس والإشفاق، منه إلى الوثوق بقدرة هذا الثلاثي المغامر، على بعث الروح في جسد المدينة والفن على حد سواء.
كانت معالم الطريق الموصلة إلى قلب شارع «الحمراء»، كافية تماماً لأن تضع العابر في صورة الواقع المزري لأحد أكثر الأماكن اتصالاً بأزمنة بيروت الوردية، وتجسيداً لتعدديتها الثقافية ودورها التنويري. فالنفايات المكدسة في الحاويات، أو المندلقة خارجها دون أن تجد من يرفعها، توفر البيئة الملائمة للفئران والجراذين، وسائر الحشرات والحيوانات الصغيرة الشاردة. والكهرباء الشحيحة الصادرة عن المولدات لا تكاد تمكّن المارة القلائل من تبيّن مواطئ أقدامهم على الأرصفة. وإذ يشكل المتسولون والباعة البائسون والمنقبون في النفايات، نسبة غير قليلة من الموجودين في الشارع، يشعر العابر في المكان أن المدينة التي يقطنها لم تعد تمتّ بصلة إلى المدينة التي احتضنت ذات يوم أحلام ساكنيها وقاصديها الكثر، وكانت المختبر المعرفي، وقِبلة الرجاء وفسحة الحرية. وهو الآن لا يملك أن يدفع عن نفسه شعوراً بالخوف من التعرض للسرقة أو الأذى، يداهمه على حين غرة.
وفي المسافة المفضية إلى «مسرح المدينة»، قلت لنفسي إن التسمية نفسها لم تعد تستقيم، ما دام المضاف إليه قد أُفرغ من معناه، وبات شبيهاً بطلل إسمنتي واسع لما كانه في الماضي، ثم تذكرت ما كان زياد الرحباني قد توصل إليه في مسرحيته المؤثرة «شي فاشل» في ثمانينات القرن الفائت، من أننا لا نستطيع أن ننشئ مسرحاً للمدينة، في ظل تشظي هذه الأخيرة وانفراط عقدها واندحارها الشامل، إلا أن هذه الهواجس سرعان ما أخذت في التراجع منذ اللحظة الأولى لبداية العرض. لم يكن ثمة ديكور واضح المعالم، أو جدران داخلية تعزل زمان العمل ومكانه عن زمن المدينة ومكانها، أو ستائر للفصل بين خشبة التمثيل ومقاعد الحضور، بل فضاء مفتوح يضم الجميع بين ظهرانيه، ويوحد بين مصايرهم، في حين يتيح لظلام الداخل وشحّ أدواته، أن يبدو امتداداً طبيعياً لظلام المدينة الخارجي وواقعها المدقع، إلا أن تقشف الديكور والسينوغرافيا، وغياب الزخرفة الجمالية الشكلية، والإطباق شبه الكامل للعتمة، لم تكن أموراً بلا دلالة، بل كانت أكثر وسيلة نجاعةً أتاحت لجسدي روجيه عساف وحنان الحاج علي المتقابلين أن يستعيدا معاً، وبكل ما أوتياه من تراكم الخبرات وقوة الإيحاء، سردية المدينة المكلومة من جهة، وسردية الجسد المهيض من جهة أخرى.
لقد أمكن لعلي شحرور، مستفيداً من اشتغاله السابق على حركات الجسد واستنطاق تعبيراته المختلفة، أن يحث كلاً من حنان وروجيه على إطلاق العنان لما ادّخراه للحظة كهذه، من حرقة الأسئلة، ومن حيوية غائرة في الأعماق، ومن صرخات الاحتجاج المكتوم على الوأد الممنهج للمدينة وأهلها المتبقين. وعبر استعادة الفنانين الزوجين لمراحل مختلفة من علاقتهما العاطفية الطويلة، استطاعا معاً أن يجعلا كل مَن في القاعة مسمراً على نحو كلي باتجاه كل نأمة تصدر عنهما، وكل حركة يقومان بها، وكل ما يكتنف وجهيهما من علامات الوله أو الضيق، الفرح الاحتفالي بالحب أو التبرم بآلامه وعذاباته. ومع أن التفاوت النسبي في السن بين الطرفين، اللذين سبق لهما أن ضربا عرض الحائط بجميع التابوهات الدينية والاجتماعية التي تفصل بينهما، قد انعكس بشكل جلي في جسد حنان اللدن والمحتفظ بالكثير من مرونته، وجسد عساف الأكثر تعبيراً عن ثقل السنين؛ فإنهما عرفا كيف يقلصان فجوة الزمن ومفاعيله، بأدائهما التمثيلي البارع من جهة، وبقوة الحب وجدواه من جهة أخرى.
لقد كان الزوجان المنهكان يدركان تمام الإدراك أنهما لا يملكان الكثير لكي يفعلاه، لانتشال المدينة التي أوصلها الساسة الفاسدون والممسكون بمقاليدها، إلى مآلها المأساوي وحضيضها المدقع، إلا أن ذلك لم يقدهما، مع المخرج الشاب وفريق العمل، إلى فقدان الإيمان بجدوى الفن، الذي إن لم يكن من مهماته تقديم الحلول والإجابات الشافية، فإنه قادر على رفد النفوس العطشى بجرعة من الأمل، ومنع الظلام من أن يستتب بشكل كلي. فقد راهنا معاً على ما تبقى في عمق روحيهما من كنوز، ووجدا في الحب الذي يوحدهما برباطه، الصخرة الأخيرة التي تعصمهما من الغرق.
وفي هذه المرثية نصف الصامتة ونصف الإيمائية لواقع المدينة الراهن، تكتسب الحركات والسكنات والرقصات المختلفة بعدها الطقوسي، وتتحول إلى رقًى وتعازيم في مواجهة الشيخوخة، كما في مواجهة الخواء المستشري. وهذا البعد الطقوسي للعمل ينسحب على الزمن المسرحي الذي يجعل من غسق المدينة حيزه وفضاءه، حيث يستجمع ليل بيروت كل ما لديه من العتمة لكي يمنع فجرها المرتقب من القدوم، أو يؤخر انبلاجه قدر ما يستطيع. أما البطلان اللذان يواكبان خريف المدينة بخريف عمريهما المتفاوت في صفرته، فيحاولان إنقاذ ما يمكن إنقاذه، معولين على ما تنتشله الذاكرة من لحظات الفرح الغائرة، أو مراهنين على ما لم يستنفد بعدُ من طاقة الجسد، وجذوة الروح، ونثار الأحلام.
على أن كل ذلك لم يكن ليتحقق من دون موسيقى عبد قبيسي ذات الضربات المدهشة التي تواكب حركة الجسد المتفاوتة بين الإيقاع الجنائزي، كما في مشهد الجسد المحتضر، والحركة البطيئة لزمن الكهولة، كما في رقصة «زوربا»، والتسريع الرشيق للإيقاع في مشهد الزفاف الاستعادي. والأمر نفسه ينسحب على تصميم الإضاءة الذي عرف الفرنسي غيوم تيسون بواسطته، كيف يقيم الحدود الفاصلة بين الأماكن والأزمنة والأحوال المتبدلة لواقع المدينة ولنفوس قاطنيها. وحيث تفتقر الأشياء والكائنات إلى الصلابة، وحيث للحضور مذاق الغياب، واليقين يختلط بنقيضه، كان العرض برمته أشبه بنص صامت، تقوم فيه الحركات والسكنات وقسمات الوجوه، مقام الأبجدية المنطوقة.
وإذا كان لا بد من كلمة أخيرة في هذا الصدد، فهي أن مسرحية «إذا هوى»، التي تقاسم ألقها الفريد كلّ من علي شحرور وروجيه عساف وحنان الحاج علي، وآخرون، بدت بمثابة انتصار رمزي لروح المدينة المطعونة في صميمها، ولقدرة الحب والفن على توفير القوارب اللازمة للنجاة، بعد أن يؤول كل شيء إلى غرق محتوم.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

عودة تاريخية لـ«نسيج بايو» إلى إنجلترا بعد أكثر من 900 عام

في الخيوط عُمر لم تستطع 9 قرون أن تطويه (أ.ف.ب)
في الخيوط عُمر لم تستطع 9 قرون أن تطويه (أ.ف.ب)
TT

عودة تاريخية لـ«نسيج بايو» إلى إنجلترا بعد أكثر من 900 عام

في الخيوط عُمر لم تستطع 9 قرون أن تطويه (أ.ف.ب)
في الخيوط عُمر لم تستطع 9 قرون أن تطويه (أ.ف.ب)

للمرّة الأولى منذ أكثر من 900 عام، يعود «نسيج بايو» من فرنسا إلى إنجلترا، في حدث ثقافي وتاريخي ترافقه محاولة لإخراج حكايته من حدود المتحف البريطاني في لندن، وإتاحتها لجمهور في مختلف أنحاء المملكة المتحدة.

ويزور رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام، الأربعاء، المعرض المُقام في المتحف البريطاني، برفقة الملك والملكة والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في محطة تحمل أيضاً بُعداً دبلوماسياً، إذ تتزامن مع اللقاء الأول بين بيرنهام وماكرون، وفي وقت يسعى فيه البلدان إلى تعزيز تعاونهما في عدد من الأولويات المشتركة.

ولا تقتصر عودة النسيج إلى إنجلترا على عرضه في لندن. فبالتزامن مع الزيارة، يُطلق المتحف البريطاني برنامج «بايو حول بريطانيا»، الذي ينقل قصة النسيج وتاريخه إلى مناطق مختلفة من المملكة المتحدة، عبر شبكة تضمّ حتى الآن أكثر من 70 مؤسّسة شريكة في الدول الأربع.

ويُنتَظر أن تظهر النسخة الرقمية من المعرض في متاحف وصالات عرض وقلاع وكاتدرائيات ومواقع تراثية، من بينها «متحف الحياة الكورنيشية» في كورنوال، و«مركز كنوتسفورد للتراث» في تشيشير، و«متحف إيست رايدينغ» في يوركشاير، و«نسيج اسكوتلندا العظيم». أما هاستينغز، المرتبطة تاريخياً بمعركة عام 1066، فستتحوّل إلى مركز رئيسي للتعلُّم حول هذه المرحلة التاريخية.

ويمنح البرنامج الجانب التعليمي مساحة أساسية، إذ يُشارك آلاف التلاميذ، في 14 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، في درس وطني مباشر في التاريخ، يتناول أهمية «نسيج بايو» وموقعه في التاريخ المُشترك لبريطانيا وفرنسا. وتسعى المبادرة إلى إتاحة مزيد من الفرص للأطفال والشباب للتفاعل مع التاريخ والثقافة، بصرف النظر عن أماكن إقامتهم.

التاريخ بطول نسيج (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، قال بيرنهام إنّ عودة النسيج تُمثّل «محطة بارزة في تاريخ بلدَينا»، مشدّداً على رغبته في أن يتمكّن الناس في مختلف أنحاء البلاد من الاستمتاع به. وأضاف أنّ برنامج «بايو حول بريطانيا» سيمنح المجتمعات في أنحاء المملكة المتحدة فرصة للتعرّف إلى «إحدى القصص التي رسمت ملامح ماضينا»، مؤكداً مواصلة تعزيز العلاقة بين البلدين مع الرئيس الفرنسي.

وتُقدّم الحكومة البريطانية أكثر من 80 مليون جنيه إسترليني سنوياً للمتحف البريطاني، وهو تمويل يُسهم، وفق البيان الصحافي، في وصول مبادرات من هذا النوع إلى مناطق مختلفة من المملكة المتحدة.

وتتّسع دائرة المشروع في وقت لاحق من سبتمبر (أيلول) الحالي، مع انطلاق «نسخة ستوثارد»؛ أقدم نسخة معروفة من «نسيج بايو»، في جولة تشمل إنجلترا واسكوتلندا وويلز، بما يتيح لجمهور خارج لندن الاطّلاع على هذا الفصل من التاريخ البريطاني-الفرنسي المُشترك.

من جهتها، رأت وزيرة الثقافة ليزا ناندي أن لا شيء يرمز إلى التاريخ المُشترك والفريد بين بريطانيا وفرنسا أكثر من «نسيج بايو»، مشيرةً إلى أنّ الجيل الحالي سيكون الأول منذ 1000 عام الذي تُتاح له رؤية هذا الجزء من الإرث. وشدَّدت على أهمية منح الأطفال من مختلف الخلفيات والمناطق فرصة الاطّلاع عليه، واصفةً الحدث بأنه لحظة ثقافية وتاريخية ودبلوماسية مهمّة.

أما مدير المتحف البريطاني نيكولاس كولينان فقال إنّ المؤسّسة عملت منذ إعلان الإعارة التاريخية العام الماضي، على ألا يبقى الحدث محصوراً في لندن، لافتاً إلى أنّ «بايو حول بريطانيا» هو البرنامج «الأكثر طُموحاً وشمولاً» الذي نفّذه المتحف، أو أيّ متحف في المملكة المتحدة، على الإطلاق.

Your Premium trial has ended


أحذية مشت عليها الحياة... معرض يستعيد ذكريات أصحابها

أكثر مقتنياتنا التصاقاً بنا... وأقلّها كلاماً (موقع متحف صانعي الأحذية)
أكثر مقتنياتنا التصاقاً بنا... وأقلّها كلاماً (موقع متحف صانعي الأحذية)
TT

أحذية مشت عليها الحياة... معرض يستعيد ذكريات أصحابها

أكثر مقتنياتنا التصاقاً بنا... وأقلّها كلاماً (موقع متحف صانعي الأحذية)
أكثر مقتنياتنا التصاقاً بنا... وأقلّها كلاماً (موقع متحف صانعي الأحذية)

يحتفي معرض جديد بأحذية البشر التي تحمل قيمة عاطفية، ومن بينها أحذية الزفاف وهدايا التقاعد الخاصة. ويحتفل متحف سومرست لصنّاع أحذية «كلاركس» في بلدة ستريت بالذكرى الأولى لتأسيسه، من خلال عرض أحذية لسكان محلّيين تحمل ذكريات فريدة خاصة.

ووفق «بي بي سي»، اختار المنظمون 12 زوجاً من الأحذية من القرية لتمثّل أشهر السنة الاثني عشر، وهي عُمر المتحف حالياً. وقالت ليز فوكس، التي ساعدت في تنظيم المعرض: «إنها جميعاً أحذية تثير وتستدعي ذكريات، وتحمل رابطاً عاطفياً بأوقات مضت».

وشاركت فوكس بحذاء زفافها الأبيض ذي الرقبة من علامة «دكتور مارتنز»، والذي يحمل نقوشاً للطبيعة. وأوضحت: «لقد تزوّجنا في مزرعة بالقرب من بيثيرتون، ووصلنا بواسطة جرار. كان لديّ فستان زفاف تقليدي جداً، لكن ذلك الحذاء كان يختفي تحته. يا للأسف، لم يستمر الزواج، إذ تزوّجنا لـ10 أعوام فقط، لكن الحذاء بقي».

افتُتح المتحف في سبتمبر (أيلول) 2025، ويستعرض 200 عام من تاريخ صناعة أحذية «كلاركس». ويضم المعرض، الذي يستمرّ حتى 6 سبتمبر، أيضاً «ديزرت بوت»، وهو من أبرز وأشهر الأحذية التي أنتجتها العلامة التجارية. وقُدّم الحذاء إلى بات سني، وعليه صورة لوجهه، عندما تقاعد من شركة «كلاركس» بعد 50 عاماً من العمل.

السيرة الذاتية قد تبدأ من الأسفل (موقع متحف صانعي الأحذية)

وقال سني: «إنها مميّزة لأنها نشأت قبل فترة طويلة من ولادتي». وكان سني قد بدأ العمل لدى «كلاركس» عام 1969 في رادستوك، عندما كان في الخامسة عشرة من عمره، بعد تركه الدراسة. وقال: «لقد عملت في الشركة فوراً، وانتقلت من الورشة إلى الإدارة خلال حقبة الثمانينات».

وأوضح أنّ أهم ذكرى له تتعلّق بوقت عمله في «كلاركس» كانت عندما طُلب منه تشغيل أضواء أعياد الميلاد. وقال: «خلال ذلك العام، قال الرئيس التنفيذي إنه يريدني أن أشغّل أضواء أعياد الميلاد لأنني أقدم عامل في الشركة». وأضاف: «عملت سنوات طويلة لدى شركة (كلاركس)، وكانوا دائماً يطلبون مني إطفاء الأنوار عند مغادرتي، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يطلبون مني إضاءتها».

وشاركت روزي مارتين، مديرة في متحف صنّاع الأحذية، في المعرض بزوجين من أحذية عائلتها، أحدهما حذاء رجالي إيطالي أسود خاص بزوجها. وقالت: «لقد اشتراه في اللحظة التي تغيّرت فيها عملة إيطاليا من الليرة إلى اليورو، واعتقد أنه وجد حذاءً إيطالياً زهيد الثمن بالليرة، لكن تبين أنه كان فعلياً باهظ الثمن».

وتزوّجت مارتين زوجها عام 2004، وارتدى الحذاء في حفل زفافهما. وأضافت: «لقد قرَّر توريث الحذاء لابننا، الذي يبلغ حالياً 19 عاماً ويستعد للالتحاق بالجامعة».


«استراتيجية الارتقاء باللقب»... ماذا تفعل عندما يحاول أحدهم التقليل من شأنك؟

لا تقبل تعريفات أي شخص آخر حول شخصيتك سوى تعريفاتك الخاصة (بيكساباي)
لا تقبل تعريفات أي شخص آخر حول شخصيتك سوى تعريفاتك الخاصة (بيكساباي)
TT

«استراتيجية الارتقاء باللقب»... ماذا تفعل عندما يحاول أحدهم التقليل من شأنك؟

لا تقبل تعريفات أي شخص آخر حول شخصيتك سوى تعريفاتك الخاصة (بيكساباي)
لا تقبل تعريفات أي شخص آخر حول شخصيتك سوى تعريفاتك الخاصة (بيكساباي)

في خلال معاملاتك اليومية، سواء في العمل أو خارجه، تشعر عندما يتعالى عليك أحدهم، بالإهانة.

ربما افترض أنك لا تعرف ما تفعله لأنك جديد في المؤسسة، أو لأنك أصغر سناً. ربما ظن أنك لن تستطيع استخدام التكنولوجيا الحديثة لأنك أكبر سناً.

ليس من السهل دائماً معرفة ما يجب فعله في مثل هذه الحالة. افتراضهم بشأن قدراتك خاطئ، لكنك لا تريد أيضاً إنكار حقيقة واضحة. ربما تكون أكبر سناً أو أصغر سناً أو جديداً في المؤسسة.

فكيف يمكنك الدفاع عن نفسك بفاعلية مع الحفاظ على هويتك؟

تقول دوري كلارك، التي درست برامج التعليم التنفيذي لأكثر من عقد في كلية كولومبيا للأعمال وكلية فوكوا للأعمال بجامعة ديوك الأميركية، وهي متحدثة رئيسية، ومتحدثة سابقة باسم حملة رئاسية، ومؤلفة كتاب «اللعبة الطويلة» الأكثر مبيعاً في تقرير لها لشبكة «سي إن بي سي»، إن المغنية الأميركية دوللي بارتون عرفت الإجابة. قبل ما يقرب من نصف قرن، حين أجرت مقابلة شهيرة مع باربرا والترز، إحدى أبرز الصحافيات على شاشة التلفزيون الأميركي آنذاك. ووجهت والترز جميع الأسئلة اللاذعة لبارتون وجهاً لوجه، تلك الأسئلة التي كان الناس يهمسون بها من وراء ظهرها: عن ملابسها، وقوامها، كما سلطت الضوء على خلفية بارتون المتواضعة.

والترز بدأت حديثها: «في منطقتي، هل كنتُ سأصفكِ بالريفية؟ عندما أفكر في الريفيين، هل أقصد أمثالكِ؟».

ماذا كان في رد دوللي بارتون «القوي»؟

تقول كلارك: «جواب بارتون يحمل درساً قيّماً يُمكننا جميعاً الاستفادة منه».

حين أجابت: «أعتقد أنى كذلك على الأرجح»، وأكملت: «لكننا كنا شعباً فخوراً جداً، شعباً يتمتع برقيّ كبير. كان رقياً ريفياً، لكنه كان رقياً عظيماً. ومعظم أبناء شعبي لم يكونوا متعلمين تعليماً عالياً، لكنهم كانوا أذكياء جداً. يتمتعون بحس سليم - أو كما كنا نسميه (الفطرة السليمة)».

وأُطلق على تصرف بارتون اسم «استراتيجية الارتقاء باللقب»، وهي طريقة للحفاظ على كرامتك ونزع فتيل الموقف في آنٍ واحد، مع تجنّب الشخص الذي يُقلّل من شأنك.

حيث إنها لم تُنكر أنها ريفية، ولم تغضب مما يُمكن وصفه بسهولة إهانة. بدلاً من ذلك، تتقبل بارتون اللقب وتُعيد تعريف معناه. بالنسبة لوالترز، كان مصطلح «هيلبيلي» يعني بوضوح «متخلفاً» أو «غير متطور». لكن بارتون تقبّلت المصطلح وغيّرت معناه وقالت: «أصبح كونك هيلبيلي الآن يعني أن تكون فخوراً بنفسك وعملياً وحكيماً».

ماذا عليك أن تفعل؟

في المرة المقبلة التي يحاول فيها أحدهم التقليل من شأنك، لست مضطراً إلى المجادلة. بدلاً من ذلك، يمكنك استخدام الاستراتيجية نفسها، وإعادة تعريف اللقب أو التصنيف الذي يحاولون وضعك فيه. إذا قالوا، أو ألمحوا، إلى أنك «قليل الخبرة»، يمكنك التأكيد على وجهة نظرك الجديدة. إذا حاولوا انتقادك لأنك «متقدم في السن»، يمكنك التأكيد على حكمتك وحُكمك السليم.

ويمكن استخدام استراتيجية «تطوير اللقب» من خلال جزأين. أولاً، تقبل ما قالوه على أنه صحيح (بافتراض أنه كذلك - وإلا، يمكنك مناقشة فرضيتهم). ثم، تُعيد تعريف معناه. قد يبدو الأمر كالتالي:

«أنت محق، أنا جديد هنا. هذا ما يسمح لي برؤية أشياء لم يعد أحد يلاحظها، واكتشاف الفرص التي قد تغفل عنها».

«صحيح أنني لا أحمل شهادة ماجستير إدارة أعمال. هذا يعني أنني اضطررت إلى التعلم من خلال الخبرة والعمل مباشرةً مع عملائنا. لهذا السبب أشعر بثقة كبيرة بشأن الميزات التي سيرغبون فيها».

«أنت محق، لا أعرف شيئاً عن الهندسة. لكن معظم عملائنا كذلك. لذا؛ إذا لم تستطع شرحها لي، فسيكون من الصعب عليهم فهمها أيضاً». وهكذا.

أو تأخذ ما قالته دوللي بارتون مثلاً، حين سألتها باربرا والترز عن ملابسها «الغريبة» وشعرها المستعار الأشقر: «إنه بالتأكيد خيار. لا أحب أن أكون مثل أي شخص آخر. لطالما صرّحتُ بأنني لن أنحدر أبداً إلى مستوى مبتذل لأكون مواكبة للموضة. فهذا أسهل شيء في العالم».

إنها خطوة قوية أن تتبنّى الحقيقة - وأن تظلّ قادراً على تحديد المصطلحات بنفسك. قد لا تملك خبرة كبيرة، لكن وجهة نظرك قد تكون إضافة قيّمة. قد لا تحمل شهادة ماجستير إدارة أعمال، لكن أفكارك قد تكون الأفضل. عندما تستخدم استراتيجية تطوير الذات مثل دوللي بارتون، فأنت لا تقبل تعريفات أي شخص آخر سوى تعريفاتك الخاصة.