20 عاماً على احتلال العراق... الخلاف مستمر على هوية الدولة والنظام

20 عاماً على احتلال العراق... الخلاف مستمر على هوية الدولة والنظام
TT

20 عاماً على احتلال العراق... الخلاف مستمر على هوية الدولة والنظام

20 عاماً على احتلال العراق... الخلاف مستمر على هوية الدولة والنظام

أكملت الولايات المتحدة احتلال العراق يوم التاسع من أبريل (نيسان) عام 2003، بعدما بدأت حملة القصف والحرب البرية معاً في العشرين من الشهر السابق (مارس/آذار). بعد أيام فقط من القصف المستمر الذي طال كل شيء واستهله الأميركيون بضربات استهدفت قتل الرئيس العراقي صدام حسين في قصر يعود لإحدى ابنتيه، بدأت الجيوش تزحف عبر البصرة في اتجاه بغداد.
كانت المقاومة التي أبدتها قطعات الجيش العراقي في أم قصر، بأقصى جنوب البلاد، قوية واستمرت لنحو أسبوعين تقريباً، لكنها انهارت في النهاية بعدما بدأت بقية قطعات الجيش تتفكك وتنهار تلقائياً.
ظهر وزير الدفاع العراقي، سلطان هاشم، في مؤتمر صحافي قبيل وصول الأميركيين إلى مشارف العاصمة بغداد، قائلاً: إن «القوات الأميركية سوف تصل إلى بغداد في غضون أسبوع». وبينما كان متوقعاً أن يقوم صدام حسين بمعاقبة وزير دفاعه بعقوبة قد تصل إلى الإعدام من منطلق تأثيره على معنويات الجيش والمدنيين في العاصمة، فضلاً عن «فدائيي صدام» ومن بينهم «الفدائيون العرب»، لكن كل شيء سار بسلام بالنسبة للوزير الذي بقي يمارس مهامه حتى اليوم الأخير لسقوط النظام.
كان واضحاً أن جبهة صدام حسين والمقربين منه بدأت تتخلخل إلى الحد الذي بات يصعب فيه اتخاذ قرارات كبرى على غرار معاقبة وزير الحرب الذي توقع نهاية الحرب لصالح أعدائه قبل أيام من وصولهم إلى عاصمة بلاده. وصل الأميركيون صبيحة يوم التاسع من أبريل 2003، فاختفى صدام حسين الذي كان آخر ظهور له في مدينة الأعظمية ببغداد في وقت كانت دبابة أميركية ضخمة تقتلع تمثاله من ساحة الفردوس. اختفى وزير الدفاع سلطان هاشم هو الآخر مثل بقية أعضاء القيادة والوزراء وكبار المسؤولين. لاحق الأميركيون صدام حسين إلى مدينة الرمادي في محافظة الأنبار، حيث كانت عائلة البوخربيط تستضيفه مع عائلته وعدد كبير من أفراد حماياته. قصفوا البيت الذي توقعوا أن صدام حسين كان موجوداً فيه، لكن الحصيلة كانت مقتل العشرات من القوات المكلفة حمايته ومن عائلة البوخربيط نفسها، بينما بقي صدام وولداه عدي وقصي أحياء، حيث كانوا يسكنون بيتاً آخر ضمن مجموعة بيوت تعود لنفس العائلة المستضيفة.
اختفى صدام حسين لأشهر عدة، قبل أن يتم العثور عليه في حفرة بقضاء الدور التابع لمحافظة صلاح الدين، وهي المحافظة التي ينحدر منها الرئيس الراحل. أما ولداه فقد قُتلا في الموصل بعدما وشى بهما من كان قد آواهما لكنه اختار المكافأة التي حددها الأميركيون لمن يدلي بمعلومات عنهما ومقدارها 30 مليون دولار. وزير الدفاع، سلطان هاشم، سلّم نفسه للأميركيين الذين خدعوه بأنهم سيعاملونه معاملة مختلفة، لكنهم أخلفوا الوعد فاقتادوه إلى السجن حتى وفاته في سجن الناصرية المركزي في يوليو (تموز) عام 2019.

وبينما كانت واشنطن قد أتمت احتلال العراق خلال أبريل 2003، فإنها بدأت حملة ضخمة بحثاً عن أسلحة الدمار الشامل المزعومة، لكنها فشلت في العثور عن أثر لها. بعد فشل الأميركيين في العثور على أسلحة الدمار الشامل، أعلنوا مع حلفائهم البريطانيين أنهم قوة احتلال. وبالفعل فقد صدر قرار من مجلس الأمن بوصفهم قوة احتلال.
انقلبت المعادلة نتيجة ذلك، وأسقط بيد المعارضين السابقين لصدام الذين جاء معظمهم مع القوات الأميركية. فقد تسلّم هؤلاء الحكم أول الأمر عبر ما سُمي «مجلس الحكم» الذي جعل كل قادة العراق المعارضين من الخط الأول حكّاماً شكليين، لكنهم في الواقع مستشارون عند الحاكم المدني الأميركي بول بريمر.

 الدولة أم النظام؟

والآن، بعد مرور عشرين عاماً على إسقاط صدام حسين ونهاية نظامه الشمولي الذي حكم العراق على مدى ثلاثة عقود من الزمن، يشكو عراقيون من أن وضعهم لم يتحسن كثيراً عما كان عليه أيام حكم الرئيس السابق، على رغم أن شرائح واسعة أخرى من العراقيين تعتبر أن البلاد اليوم أفضل بكثير مما كانت أيام صدام.
يقول منتقدو الوضع الحالي للعراق إنهم كانوا فرحين بما كان متداولاً من شعارات أميركية عما سيحصل عقب قلب نظام البعث، لكنهم صُدموا بما حصل فيما بعد. في البداية، لم تجد الولايات المتحدة حين احتلت العراق مقاومة كبيرة. فالعراقيون الذين حكمهم على مدى أكثر من ثلاثة عقود نظام ديكتاتوري شمولي وعانوا الحصار والعزلة الإقليمية والدولية على كل المستويات، كان قسم كبير منهم يرغب في التغيير، لا سيما أن شعارات الحرية والديمقراطية والازدهار كانت هي الطاغية، سواء لجهة ما كانت ترفعه الولايات المتحدة من يافطات على دباباتها وعربات «الهمر» التي تجوب شوارع بغداد، أو لجهة ما كان يتحدث به زعماء المعارضة عن العراق الجديد. غير أن الصورة سرعان ما انقلبت رأساً على عقب. فبعد أن أعلنت الولايات المتحدة وبريطانيا أنهما «قوات احتلال» بادر كثير من العراقيين، بدءاً من المناطق الغربية من البلاد وعدد من المحافظات الوسطى والجنوبية، برفع السلاح تحت شعار «مقاومة المحتل». لكن توصيف «المقاومة» اختلط بمفهوم «الإرهاب»، لا سيما مع دخول تنظيم «القاعدة»، بزعامة أبو مصعب الزرقاوي (قُتل في غارة أميركية عام 2006)، على الخط.

كان ذلك مقدمة لاختلاط الكثير من الأوراق التي وصلت إلى حد «الحرب الأهلية» (2006ـ 2008) بعد تفجير «القاعدة» مرقدي سامراء. تم لاحقاً تخطي عقدة المقاومة وكيفية تمييزها عن الإرهاب، لكن الذي حصل أن معظم أفراد الطبقة السياسية العراقية، بما في ذلك أصدقاء أميركا، باتوا يرفعون شعارات المقاومة، ما عدا الأكراد الذين بقوا مخلصين للأميركيين باعتبارهم من أسقط نظام صدام حسين الذي قصفهم بالأسلحة الكيماوية. لاحقاً، خذل الأميركيون الأكراد عندما رفضوا استفتاءهم على تقرير المصير، لكن هؤلاء ظلوا يعتبرون أن ما حصل من تدخل أميركي عام 2003 بمثابة تحرير وليس احتلالاً.
وبصرف النظر عن التسمية، فإن الإشكالية التي لا تزال قائمة هي عدم حسم هوية النظام وهوية الدولة معاً. فالعراق الدولة لا يزال يعاني اختلالاً على صعيد تحديد توصيفها، بما لا يجعلها أسيرة لرؤى القوى والأحزاب السياسية التي بدأ بعضها يتغوّل كثيراً في كل مفاصل الدولة لصالح ما بات يُسمى «الدولة العميقة». وعلى صعيد النظام السياسي، فإنه وبسبب المحاصصة العرقية والطائفية التي لم تتمكن القوى السياسية من التخلص منها، فإن الدولة تحوّلت على صعيد ممارسة الحكم إلى «دولة عقيمة»، مع مساعٍ للخلاص منها، لكنها لا تزال خجولة. فالعراق مثلاً لم يحسم بعد أي نظام يمكن أن يصلح له في ظل دستور (تم التصويت عليه عام 2005) جامد ومن الصعب تغييره، في وقت تتجادل النخب الفكرية والأكاديمية فيما إذا كان الأصلح للعراق النظام البرلماني أم الرئاسي؟ كما أن العراق الذي كان على صعيد الهوية الاقتصادية يعتمد النظام الاشتراكي والقطاع العام، فإنه يُفترض أنه انتقل بعد عام 2003 إلى نظام اقتصاد السوق. لكنه، وعبر الممارسة الاقتصادية، لم يتمكن كما يبدو من مغادرة العقلية الاشتراكية في طريقة تسيير الاقتصاد، ولم يستطع جلب الاستثمارات الضخمة والاعتماد على القطاع الخاص، في ظل تفشي الفساد وعدم قدرة قوانين الاستثمار الحالية على مواكبة تحولات العصر.


مقالات ذات صلة

انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

المشرق العربي انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

راجت أنباء عن وقوع محاولة لقتل مسؤول كردي سوري بارز في السليمانية بشمال العراق مساء اليوم الجمعة. فقد أورد موقع «صابرين نيوز» القريب من الحرس الثوري الإيراني، نقلاً عن «مصادر كردية»، أن قصفاً استهدف قائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي «في محاولة اغتيال فاشلة بواسطة طائرة مسيّرة». من جهتها، أعلنت مديرية قوات الأمن (آسايش) في مطار السليمانية أنها تحقق في انفجار وقع قرب سياج مطار السليمانية دون أن يسفر عن خسائر بشرية أو مادية، مشيرة إلى أن فرق الإطفاء تمكنت من السيطرة على الحريق الناجم عنه سريعاً، بحسب موقع «رووداو» الكردي.

المشرق العربي مسيحيات فررن من العراق يتعلمن مهارت الخياطة لكسب لقمة العيش

مسيحيات فررن من العراق يتعلمن مهارت الخياطة لكسب لقمة العيش

في إحدى الكنائس في الأردن، تخيط العشرينية سارة نائل قميصاً ضمن مشروع أتاح لعشرات النساء اللواتي فررن من العنف في العراق المجاور، مهارات لكسب لقمة العيش. نجت نساء عديدات بصعوبة من العنف المفرط الذي مارسته «دولة الخلافة» التي أعلنها تنظيم «داعش» على مساحات واسعة من العراق وسوريا، قبل أن ينتهي بهن المطاف في الأردن يعانين للحصول على عمل. تنكب سارة نائل (25 عاماً)، وهي لاجئة مسيحية عراقية من بلدة قرقوش تعلمت مهنة الخياطة في الطابق الثالث في كنيسة مار يوسف في عمان، على ماكينة الخياطة في طرف المكان لتخيط قطعة قماش مشرقة زرقاء اللون تمهيداً لصنع قميص. وتقول سارة التي وصلت إلى الأردن عام 2019 وبدأت تعم

«الشرق الأوسط» (عمّان)
المشرق العربي «الشيوخ الأميركي» يقترب من إلغاء تفويضي حربي العراق

«الشيوخ الأميركي» يقترب من إلغاء تفويضي حربي العراق

صوت مجلس الشيوخ الأميركي بأغلبية ساحقة، أمس (الاثنين)، لصالح الدفع قدماً بتشريع لإلغاء تفويضين يعودان لعقود مضت لشن حربين في العراق مع سعي الكونغرس لإعادة تأكيد دوره بخصوص اتخاذ قرار إرسال القوات للقتال. وانتهى التصويت بنتيجة 65 إلى 28 صوتاً، أي تجاوز الستين صوتاً اللازمة في مجلس الشيوخ المؤلف من مائة عضو، مما يمهد الطريق أمام تصويت على إقراره في وقت لاحق هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ خطوة جديدة في «الشيوخ» الأميركي نحو إلغاء تفويضي حربي العراق

خطوة جديدة في «الشيوخ» الأميركي نحو إلغاء تفويضي حربي العراق

صوت مجلس الشيوخ الأميركي بأغلبية ساحقة أمس (الاثنين) لصالح الدفع قدما بتشريع لإلغاء تفويضين يعودان لعقود مضت لشن حربين في العراق مع سعي الكونغرس لإعادة التأكيد على دوره بخصوص اتخاذ قرار إرسال القوات للقتال، وفقاً لوكالة «رويترز». وانتهى التصويت بنتيجة 65 إلى 28 صوتا أي تجاوز الستين صوتا اللازمة في مجلس الشيوخ المؤلف من مائة عضو مما يمهد الطريق أمام تصويت على إقراره في وقت لاحق هذا الأسبوع. وجميع الأصوات الرافضة كانت لأعضاء في الحزب الجمهوري.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي 20 عاماً على الزلزال العراقي

20 عاماً على الزلزال العراقي

تحلُّ اليومَ، الأحد، الذكرى العشرون للغزو الأميركي للعراق، وهو حدثٌ كان بمثابة زلزال ما زالت المنطقة تعيش تداعياتِه حتى اليوم. لم يستمع الرئيسُ الأميركي آنذاك، جورج دبليو بوش، لتحذيراتٍ كثيرة، غربيةٍ وعربية، سبقت إطلاقَه حرب إطاحة نظام الرئيس السابق صدام حسين عام 2003، وحذرته من أنَّ خطوتَه ستفتح «باب جهنم» بإدخال العراق في فوضى واقتتال داخلي وستسمح بانتشار التطرفِ والإرهاب. أطلق بوش حملةَ إطاحة صدام التي أطلق عليها «الصدمة والترويع» ليلة 19 مارس (آذار) بقصفٍ عنيف استهدف بغداد، في محاولة لقتل الرئيس العراقي، قبل إطلاق الغزو البري.


مستوطنون يهاجمون سيارات دبلوماسيين أوروبيين في الضفة الغربية

جنود ومستوطنون إسرائيليون مسلحون في الضفة الغربية المحتلة (أ.ب)
جنود ومستوطنون إسرائيليون مسلحون في الضفة الغربية المحتلة (أ.ب)
TT

مستوطنون يهاجمون سيارات دبلوماسيين أوروبيين في الضفة الغربية

جنود ومستوطنون إسرائيليون مسلحون في الضفة الغربية المحتلة (أ.ب)
جنود ومستوطنون إسرائيليون مسلحون في الضفة الغربية المحتلة (أ.ب)

هاجم مستوطنون إسرائيليون، السبت، موكباً لدبلوماسيين أوروبيين أثناء تجولهم في الضفة الغربية المحتلة، واعتدوا بالضرب على رئيس بلدية فرنسي كان يزور المنطقة، حسبما أفاد شاهد عيان ودبلوماسيان.

وأظهرت لقطات، شاركها أحد الدبلوماسيين، رئيس بلدية أولنوا-إيميري في شمال فرنسا برنار بودو (78 عاماً) وهو ممدد على الأرض مستنداً إلى إحدى السيارات. وأكد دبلوماسيان وأحد السكان هويته، فيما ذكر أحد الدبلوماسيين أن إصاباته لا تبدو مهددة لحياته.

وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر (رويترز)

وندد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، باعتداء «مثيري شغب إسرائيليين» على الوفد الدبلوماسي، في انتقاد غير معهود للمستوطنين يدلي به مسؤول في حكومة بنيامين نتنياهو.

وقال ساعر: «أدين بشدة أعمال العنف الخطيرة التي ارتكبها مثيرو الشغب الإسرائيليون في منطقة الطيبة»، مع اعتباره أن القنصليات الأوروبية أخطأت في عدم تنسيق زيارتها مع الجيش الإسرائيلي.

وقال برنار بودو رئيس بلدية أولنوا-إيميري بشمال فرنسا، عقب تعرضه للهجوم ، «أعتقد أنه إذا كان المستوطنون يتصرفون على هذا النحو، فهذا يعني وجود تساهل من جانب الحكومة الإسرائيلية».

وندد وزير الخارجية البلجيكي مكسيم بريفو عبر منصة إكس «بأشد العبارات بالهجوم الذي نفذه مستوطنون ملثمون في بلدة الطيبة بالضفة الغربية المحتلة، واستهدف فلسطينيين، وقنصلنا العام، ودبلوماسيين فرنسيين وبولنديين، بالإضافة إلى ممثلين للكنيسة الكاثوليكية». وأضاف «تعرض رئيس بلدية فرنسي للاعتداء، كما تضررت مركبة بلجيكية. لكن فريقنا بخير وبأمان».


وزيران فرنسيان في لبنان للتشاور فيما بعد «اليونيفيل»

جنديان بـ«اليونيفيل» في دورية راجلة قرب السياج الحدودي مع إسرائيل جنوب لبنان (يونيفيل)
جنديان بـ«اليونيفيل» في دورية راجلة قرب السياج الحدودي مع إسرائيل جنوب لبنان (يونيفيل)
TT

وزيران فرنسيان في لبنان للتشاور فيما بعد «اليونيفيل»

جنديان بـ«اليونيفيل» في دورية راجلة قرب السياج الحدودي مع إسرائيل جنوب لبنان (يونيفيل)
جنديان بـ«اليونيفيل» في دورية راجلة قرب السياج الحدودي مع إسرائيل جنوب لبنان (يونيفيل)

زيارة مزدوجة إلى لبنان يقوم بها وزير الخارجية الفرنسية جان نويل بارو، والوزيرة المفوضة لشؤون القوات المسلحة أليس روفو. وتسبق الجولة الموسَّعة التي سيقوم بها الرئيس إيمانويل ماكرون في منطقة الخليج بدءاً من يوم الاثنين، وفيها سيجول على الكويت والإمارات والبحرين وقطر.

ويأتي الحراك الدبلوماسي الفرنسي باتجاه لبنان والخليج، وسط استحقاقات إقليمية ولبنانية، وفي ظلِّ التشابك بين الملفات، خصوصاً لما تصفها المصادر الرئاسية، إقليمياً، بأنه حالة «اللاحرب واللاسلم» بين الولايات المتحدة وإيران التي تدفع بالمنطقة إلى مأزق استراتيجي حقيقي. وقراءة باريس، أن «التصعيد والخيار العسكري لم يحقِّقا أي نتيجة».

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو متحدثاً في مجلس النواب بتاريخ 14 أكتوبر (أ.ف.ب)

أما على الصعيد اللبناني، فإن لباريس مجموعة مخاوف وتحفظات. فالمخاوف تنصب، بالدرجة الأولى، على احتمال الوقوع في حالة من الفراغ الأمني بسبب انتهاء انتداب قوة «اليونيفيل» الدولية في جنوب لبنان بعد 75 يوماً. وحتى اليوم، لم تظهر في الأفق أي حلول بديلة، علماً بأن طلب لبنان التمديد للقوة الدولية لـ6 أشهر، يواجه رفضاً مشتركاً أميركياً وإسرائيلياً، بينما فرنسا ومعها كثير من الدول الأوروبية، تدعم الطلب اللبناني.

والجانب الآخر من المخاوف، يمس مراوحة اتفاق 26 يونيو (حزيران) الماضي في مكانه، إن بالنسبة لنزع سلاح «حزب الله» أو بالنسبة للانسحابات الإسرائيلية من «المناطق النموذجية» المتوقفة عند نصف انسحاب... كذلك تتناول المخاوف الوضع الداخلي اللبناني، والعلاقة المتشنجة بين الدولة و«حزب الله» الرافض للتفاوض المباشر مع إسرائيل، والمتمسك بالحفاظ على سلاحه، وغياب أي رؤية للخروج من هذه الإشكالية.

أليس روفو الوزيرة المفوضة في وزارة الدفاع الفرنسية (أ.ف.ب)

باريس: لا للفراغ الأمني

وأُعدَّ للوزيرين الفرنسيَّين جدول أعمال حافل يتضمَّن لقاءات مع الرؤساء الثلاثة، بداية من مساء السبت، مع الرئيس جوزيف عون في قصر بعبدا يتبعه مباشرة، في اليرزة، اجتماع مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل. وفي اليوم التالي، يلتقي الوزيران، ظهراً، رئيس مجلس الوزراء نواف سلام في السراي، ورئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة، في إطار غداء عمل.

ومن جانبها، تجتمع الوزيرة الفرنسية منفردة بوزير الدفاع اللبناني ميشال منسى، بينما يلتقي الوزير بارو السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى ما يبرز حاجة باريس للتعرف عن قرب على تفاصيل السياسة الأميركية تجاه لبنان في المرحلة المقبلة.

أما القسم الأخير من الزيارة، فسيكون فرنسياً خالصاً، إذ يشمل اجتماع الوزيرين مع ممثلي الحضور العسكري الفرنسي في لبنان، يتبعه احتفال تكريمي في قصر الصنوبر، للجنود الفرنسيين الذين سقطوا في لبنان.

وفي حين ذكرت وزارة الخارجية الفرنسية، في بيان أصدرته السبت، أن زيارة الوزيرين إلى لبنان تأتي بعد شهر على الاجتماع الذي استضافته باريس بمشاركة الرئيسين الفرنسي واللبناني والعاهل الأردني، أكدت أن الوزير بارو «سيؤكد مجدداً دعم فرنسا الثابت لسيادة لبنان واستقراره وأمنه، والتزامها بالتنفيذ الكامل للاتفاق الإطاري الموقَّع في 26 يونيو 2026، وللقرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بما يتيح نزع سلاح (حزب الله)، وانسحاب القوات المسلحة الإسرائيلية، وإعادة انتشار الجيش اللبناني على كامل الأراضي اللبنانية».

ويضيف البيان، أنه مع «اقتراب انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) في نهاية العام، سيشدد الوزير على ضرورة إنشاء منظومة دولية جديدة لدعم سيادة لبنان، بوصفها ضرورة لدعم إعادة انتشار القوات المسلحة اللبنانية وتفادي حدوث فراغ أمني من شأنه أن يلحق الضرر بالبلاد. وستكون فرنسا مستعدة للمساهمة بدورها الكامل في هذه المنظومة».

آلية تابعة لـ«اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وأشار البيان لقرار الاتحاد الأوروبي في 12 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، القاضي بإنشاء «بعثة» أوروبية لدعم لبنان التي ترى باريس أنها يمكن أن «تشكِّل عنصراً مهماً في هذه المنظومة الدولية الجديدة». وبالطبع، لا تنسى فرنسا أن تذكر المسؤولين اللبنانيين، من خلال بارو، بـ«أهمية إنجاز الإصلاحات الأساسية اللازمة لتعافي البلاد» وهو مطلب الأسرة الدولية الذي يتكرَّر في كل مناسبة. كذلك سيؤكد بارو «استمرار تحرك فرنسا للاستجابة للاحتياجات الإنسانية الطارئة في لبنان».

البعثة الأوروبية

ليس سراً، أن باريس لعبت دوراً رئيسياً في الدفع باتجاه إرسال بعثة مشتركة عسكرية ومدنية أوروبية إلى لبنان لثلاث سنوات تكون مهامها متسعة، منها دعم الجيش اللبناني ومواكبته في المهام التي سيضطلع بها، ولكنها لا تشمل نزع سلاح «حزب الله». وفي هذا الخصوص، أكدت مصادر رئاسية فرنسية، أنه «يتعين على القوى المسلحة اللبنانية الشرعية القيام بهذه المهمة وليس أي طرف آخر».

وبحسب كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فإن «أوروبا تراهن على مستقبل لبنان، ومن خلال هذه البعثة الجديدة، التي تمثّل نقلة نوعية في علاقاتنا الأمنية، نواصل دعم مؤسسات الدولة اللبنانية في استعادة سيادتها الكاملة وإرساء استقرار مستدام للشعب اللبناني».

كايا كالاس مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي إلى جانب وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي خلال زيارتها للبنان بتاريخ 8 أكتوبر (إ.ب.أ)

وقال «مجلس الاتحاد الأوروبي»، إن الشق العسكري من البعثة، «سيقدم الدعم الاستشاري والتدريب لتعزيز قدرات القوات المسلحة اللبنانية في مجالَي أمن الحدود والأمن البحري». وبالمقابل، سيتولى الشق المدني تدريب قوى الأمن الداخلي اللبنانية في مجالات تشمل مكافحة الجرائم الإلكترونية وتهريب السلع. وسبق لكالاس أن أكدت، أن 10 دول أوروبية أبدت استعدادها للمشاركة في هذه البعثة التي لا يتضمَّن شقها العسكري مهمات قتالية.

ورغم أهمية الاتفاق المبدئي، فإن عملاً رئيسياً يفترض أن ينطلق في إطار الاتحاد، من أجل ترجمته إلى واقع، إن لجهة الدول المشارِكة أو لجهة تنظيم البعثة والتحديد الدقيق لمهماتها وانتشارها وطريقة تعاونها مع السلطات اللبنانية وتعيين قياداتها.

وترى باريس، أن إنجاز هذه المسائل، سيعني أن البعثة لن تباشر عملها قبل بداية العام المقبل.

أما بالنسبة للقوة البديلة عن «اليونيفيل» فلا تزال الأمور ضبابية. إلا أن باريس تبدو متمسكة بالعرض الذي قدَّمته مع إيطاليا لتشكيل قوة أوروبية تحل محل القوة الحالية. وفي أي حال، فإنها راغبة جدياً في المشاركة في القوة البديلة. وقالت «خارجيتها» إن لديها في لبنان، راهناً، 700 رجل، بمعنى أنهم جاهزون لنزع شعار الأمم المتحدة وليحل محله شعار القوة الجديدة عندما يتم التوافق بشأنها.

وبحسب «الخارجية»، فإن مشاورات جديدة ستُجرى في الأمم المتحدة لجلاء الأمور، علماً بأن أمين عام المنظمة الدولية قدَّم، منذ الصيف الماضي، 3 مقترحات لقوة بديلة تعمل بانتداب أممي.

آلية عسكرية لقوات «اليونيفيل» خلال دورية ببلدة إبل السقي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

بيد أن الأمور تبدو معقدة. وفهم أن واشنطن وتل أبيب تريدان أن تعود المهمة للجنة الثلاثية الأميركية - اللبنانية - الإسرائيلية التي تشكلت في يونيو الماضي لتكون الجهة المخولة وراثة مهمة «اليونيفيل» وهو ما يرفضه لبنان المتمسك بحضور دولي، والمتخوف من الفراغ المترتب على رحيل «اليونيفيل».

وفي أي حال، فإن هذا الملف بتشعباته كافة سيكون رئيسياً في اجتماعات الوزيرين مع الرؤساء الثلاثة ووزير الدفاع وقائد الجيش، إلى جانب توفير الدعم وتعزيز إمكانات الجيش والقوى الأمنية الداخلية. كذلك سيكون ملف حصر السلاح بيد الدولة رئيسياً، خصوصاً أن باريس تدفع باتجاه أن تتحلى السلطات اللبنانية بـ«الإقدام». وسيحضّ بارو، السلطات اللبنانية على إنجاز الإصلاحات الاقتصادية والدولية، ومنها الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، من غير تناسي حاجة لبنان للمساعدات الإنسانية.

وسبق لفرنسا أن وعدت بالدعوة لمؤتمر شامل لدعم لبنان على المستويات كافة، وهو ما ورد في خلاصة اجتماع الشهر الماضي في العاصمة الفرنسية.


انفجار داخل مقر لـ«الحشد الشعبي» شرق بغداد

أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي في حالة حراسة خارج مقر قيادة عمليات البصرة 29 يوليو 2026 (رويترز)
أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي في حالة حراسة خارج مقر قيادة عمليات البصرة 29 يوليو 2026 (رويترز)
TT

انفجار داخل مقر لـ«الحشد الشعبي» شرق بغداد

أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي في حالة حراسة خارج مقر قيادة عمليات البصرة 29 يوليو 2026 (رويترز)
أفراد من «الحشد الشعبي» العراقي في حالة حراسة خارج مقر قيادة عمليات البصرة 29 يوليو 2026 (رويترز)

وقع انفجار داخل مقر لـ«الحشد الشعبي» شرق بغداد، السبت، قالت الهيئة إنه نجم عن انفجار كدس من العتاد التالف، فيما أفادت مصادر بمقتل أحد عناصر الحشد وإصابة 3 آخرين.

وذكر بيان لـ«الحشد الشعبي» أن الانفجار وقع داخل أحد مقاره في منطقة شرق القناة بالعاصمة بغداد، مشيراً إلى عدم تسجيل خسائر بشرية، ومضيفاً أن الهيئة ستعلن مزيداً من التفاصيل عند توفرها.

وكان شهود عيان قد أفادوا بسماع دوي انفجار قوي وتصاعد أعمدة الدخان قرب مستشفى سعد الوتري في منطقة صدر القناة، فيما شوهدت ألسنة اللهب من جهة منطقة الكريعات، وفق ما أفاد به مواطنون.

وقال عناصر أمن إن الانفجار وقع على الأرجح نتيجة استهداف، دون تقديم تفاصيل إضافية عن طبيعة الحادث.

وتداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تظهر ألسنة اللهب في موقع الانفجار.