جوزيف فوتيل يكتب: تأملات في حرب العراق

الجنرال فوتيل خلال جلسة استماع أمام مجلس الشيوخ في 2016 (غيتي)
الجنرال فوتيل خلال جلسة استماع أمام مجلس الشيوخ في 2016 (غيتي)
TT

جوزيف فوتيل يكتب: تأملات في حرب العراق

الجنرال فوتيل خلال جلسة استماع أمام مجلس الشيوخ في 2016 (غيتي)
الجنرال فوتيل خلال جلسة استماع أمام مجلس الشيوخ في 2016 (غيتي)

تولى الجنرال جوزيف فوتيل منصب قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) بين مارس (آذار) 2016 ومارس 2019، قبل أن يتقاعد في ختام 40 سنة من الخدمة العسكرية. ولكن قبل تقاعده، تولى فوتيل قيادة الفوج 75، الذي نُشر في أفغانستان عام 2001 وفي العراق 2003. في هذه المقالة التي خص بها «الشرق الأوسط»، يتذكر فوتيل حرب العراق ودوره فيها وتداعيات ما بعد الغزو...
في مثل هذا الشهر قبل 20 عاماً، عام 2003، كنت أتولى قيادة كتيبة الكوماندوز الأميركية المشاركة في حرب العراق. كنت عقيداً في الجيش الأميركي في ذلك الوقت، وكنا جزءاً من مجموعة كبيرة من قوات العمليات الخاصة المنتشرة في جميع أنحاء المنطقة. كانت مهمتنا هي القيام بعمليات خلف القوات العراقية لتأمين مواقع البنية التحتية الحيوية ومنع عرقلة القوات الأميركية وقوات التحالف المتجهة إلى بغداد والتجمعات السكانية المهمة الأخرى. نجحنا في مسعانا حيث تمكنا في أول 45 يوماً من استعادة جندي أميركي كان قد تم أسره، واستولينا على «سد حديثة» المنيع واحتفظنا به، وأمّنّا كثيراً من المطارات، ونفذنا كثيراً من الغارات، ودعمنا العمليات التقليدية.
لم تكن عملياتنا الأولى دون ثمن. فبعد أيام قليلة من الاستيلاء على «سد حديثة»، أوقف 3 حراس أميركيون عند نقطة تفتيش نائية سيارة كانت تقترب منهم، خرجت منها امرأة حبلى، وأشارت إلى أنها بحاجة ماسة إلى المساعدة. ومع اقتراب الكوماندوز، فجّرت المرأة الانتحارية قنبلة كانت تخفيها، ما أسفر عن مقتل الحراس الثلاثة على الفور، ليصبح هؤلاء الجنود في طليعة كتيبة طويلة ضمت مئات الجنود الذين لقوا حتفهم جراء العبوات الناسفة. ربما كان على هؤلاء الجنود التيقن من حقيقة تلك المرأة قبل الاقتراب منها، لكن رغبة الأميركيين في مساعدة محتاج في محنة كانت دافعاً قوياً لما حدث، ودفع هؤلاء الجنود حياتهم ثمناً لذلك. لم نكن نقدّر تبعات ذلك في حينها، لكن هذا الهجوم كان مؤشراً مبكراً على مدى وحشية هذه المعركة على مدى السنوات الثماني التالية.
أوضح الرئيس جورج دبليو بوش السبب الرئيسي لخوض الحرب، وهو منع صدام من حيازة أسلحة الدمار الشامل، ومنحت التقارير الاستخباراتية وطرد صدام لمفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة المصداقية لهذا القلق الاستراتيجي. زعم البعض أن العراق كان يؤوي إرهابيّي تنظيم «القاعدة»، وكان صدام منبوذاً من قبل المجتمع الدولي وتحدى قرارات الأمم المتحدة التي فُرضت بعد الحملة الناجحة عام 1991 لطرده من الكويت.
كان الرئيس السابق جورج بوش الأب هدفاً لمؤامرة اغتيال مرتبطة بأجهزة الاستخبارات العراقية. وشنّ الجيش الأميركي عدة حملات قصيرة الأمد خلال عقد التسعينات لردع صدام ومعاقبته على تجاوزاته، واعتبر الأميركيون هذه العمليات امتداداً للحرب العالمية على الإرهاب التي بدأت عقب اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، غير أنه تبيّن لنا أن دوافعنا لشن هذه الحرب لم تكن دقيقة. فبعد إزاحة صدام وحكومته البعثية من السلطة وهزيمة قواته العسكرية وشبه العسكرية، تحوّلت الحرب إلى ما يشبه التمرد الدموي. وأدى ذلك إلى ظهور سلالة اتسمت بالعنف من تنظيم «القاعدة». عدت إلى العراق عدة مرات طوال تلك المعارك، مرات كضابط برتبة عميد، وأخرى برتبة لواء.
رغم الانتكاسة في سجن «أبو غريب»، فقد خدم الرجال والنساء الأميركيون بشرف وشجاعة طيلة الحرب التي دامت 8 سنوات، التي قُتل فيها 3481 أميركياً، وأصيب 31994 آخرون. إن ندبات وجراح القتال المرئية وغير المرئية لا تزال واضحة في مجتمعنا حتى اليوم. فقد ساهمت «إصابات الدماغ الرضحية» و«اضطراب ما بعد الصدمة» في تصاعد معدلات الانتحار بين جنودنا وقدامى المحاربين. كما تحملت عائلات الجنود فراق أحبائهم أثناء فترات الخدمة في العراق، وتآلفت جموع الأميركيين بالاحتشاد حول عائلات الجنود بإتاحة الموارد لهم قبل وأثناء وبعد سفرهم إلى العراق ليملأوا الفراغ الذي عجزت وكالاتنا الفيدرالية والرسمية عن ملئه. وكان السفر عبر مطاراتنا وسماع عبارات الشكر والامتنان أمراً شائعاً. ربما لم يحب الأميركيون تلك الحرب، لكنهم أحبوا من شارك فيها. وكانت لمثابرة رجالنا ونسائنا ثمارها، ففي ديسمبر (كانون الأول) 2011، عندما انتقلت آخر تشكيلاتنا القتالية إلى الكويت، كان العراق بات دولة مستقرة وسلمية ومستقلة نسبياً. وجاء اختيار رئيس وزرائها المنتخب ديمقراطياً من بين السكان الشيعة المضطهدين سابقاً، وبات العراق مستعداً للعب دوره الجغرافي الاستراتيجي في المنطقة. لكن لسوء الحظ، لم تستمر هذه الحكومة سوى 3 سنوات فقط.

مجلدات كُتبت عن الأخطاء التي ارتكبناها في العراق. لم يكن تخطيطنا الأولي كافياً، ولم نفكر بجدية في الخطوات اللازمة بعد انتهاء العمليات القتالية الرئيسية. فقد أفرطنا في عسكرة سياستنا واستراتيجيتنا ولم نستغل المهارات والقدرات الممتازة لدبلوماسيّينا وحكومتنا. لقد حرمنا فئات كبيرة من القيادة السنيّة من تقلد مناصب في الجهاز الإداري للدولة، وهمشنا المثقفين، ما أوجد مكاناً للقوى والمنظمات المتطرفة. وسجنّا آلافاً من الشباب، ما أدى إلى تسريع وتيرة التطرف، وفشلنا في تأمين التجمعات السكانية، وتركنا المواطنين العراقيين عرضة للهجمات والفوضى، وفشلنا في تقدير الأسس الثقافية العميقة للبلاد.
لقد تعلمنا من بعض أخطائنا، وبعد 4 سنوات من الصراع، قمنا بـ«رفع» أعداد القوات بشكل فعال، ما أدى في النهاية إلى استقرار الوضع الأمني وإتاحة الوقت للحكومة العراقية كي تتفرغ للعمل. لقد استفدنا من تشكيل مجلس «صحوة الأنبار» وجلبنا القيادة السنية للتأثير على مشكلة الإرهاب المتزايدة، وفككنا شبكة «القاعدة»، ووظفنا بشكل أكثر فاعلية قوات عراقية مدربة ومجهزة بصورة حديثة، ما ساعدها على حماية أمنها بنفسها.
كان رحيل القوات الأميركية في ديسمبر (كانون الأول) 2011 حلواً ومراً في آن واحد. فقد جادل كثيرون، بمن فيهم أنا (في ذلك الوقت جنرال في الجيش)، بأن ترك مجموعة صغيرة من القوات المقاتلة كان ضرورياً للحفاظ على مصالحنا والمساعدة في ترسيخ أسس تقدم العراق. لقد تعلمنا من تجاربنا طوال الحرب العالمية على الإرهاب التي دامت 10 سنوات أن مواصلة الضغط على المنظمات المتطرفة والحفاظ على تحالفنا مع شركائنا كان أمراً ضرورياً للنجاح. في نهاية المطاف، أبقينا على منظمة صغيرة للتعاون الأمني، وانسحبت جميع القوات الأخرى. في البداية، كان التدهور الأمني غير ظاهر، لكن بحلول عام 2014 كان الأمر مروعاً عندما وصل تنظيم «داعش» إلى السلطة واجتاح الجيش العراقي الذي كان مزهواً بنفسه ويتمتع بقدرات كبيرة يوماً ما، وسيطر التنظيم على مساحات واسعة من البلاد، وشّكل حكومة بفكره المنحرف. أصبح العراق نقطة جذب لعشرات الآلاف من المقاتلين الأجانب في جميع أنحاء العالم، وكان الشعور بعدم الاستقرار الذي أعقب ذلك محسوساً، ليس في المنطقة فحسب، بل أيضاً في أوروبا وأميركا الشمالية وأجزاء أخرى من العالم. ونزح الملايين أو أصبحوا لاجئين، وباتت البنية التحتية للعراق في حالة يرثى لها.
أمر الرئيس أوباما الجيش الأميركي بالرد. وبالفعل شكلنا تحالفاً كبيراً من حوالي 80 دولة ومنظمة، وعدنا إلى العراق وسوريا لهزيمة دولة خلافة «داعش». خلال تلك الفترة، كنت محظوظاً لكوني أتقلد منصباً قيادياً رفيعاً، وأشرفت على تنسيق جهودنا وكنت مسؤولاً بشكل مباشر عن ضمان امتلاك قوات التحالف للموارد والقوة التي تضمن النجاح. وعندما كنت أؤدي واجباتي، كنت أفكر ملياً في تجربتنا السابقة في العراق وكنت عازماً على عدم تكرار الأخطاء ذاتها. ومن بين أهم الدروس كان عدم التركيز على الانتصار في المعارك اليومية. فقد كانت مهمتنا هي تمكين ودعم شركائنا في العراق وسوريا، وتطبيق القدرات الأميركية الفريدة عند الحاجة، والحفاظ على وحدة التحالف لتنفيذ مهمتنا الأساسية، وهي إلحاق الهزيمة بـ«داعش». بالفعل نجحنا عسكرياً في تحطيم دولة الخلافة، لكن النصر السياسي بتحقيق الشعور بالسلام والاستقرار الدائمين كان أقل نجاحاً.
لطالما اعتقدت أن العراق بلد ذو أهمية جغرافية استراتيجية. فهو بلد غني ثقافياً وتاريخياً. يقع العراق بين الخليج والشام، ويبدو أشبه بحاجز بين هاتين المنطقتين المختلفتين بدرجة كبيرة وبين قضاياهما الجوهرية. يتمتع العراق بموارد طبيعية كبيرة، وبنية تحتية حديثة، وإمكانات تؤهله ليصبح قوة اقتصادية. أهله متعلمون ومجتهدون، وهو موطن السنة، والشيعة، والمسيحيين، والأكراد، بكل سماتهم وتوتراتهم البينية التي تسببها تبايناتهم الواضحة.
يتساءل كثير من الخبراء عما إذا كانت حرب 2003 - 2011 تستحق كل هذا العناء، وعما إذا كانت جهودنا قد ذهبت سدى. هناك حجج منطقية لكلا الجانبين. لكني ما زلت فخوراً بخدمتي بعد ما يقرب من 4 سنوات من تقاعدي. وغالباً ما أذكر مجموعات قدامى المحاربين التي أتحدث معها وأجدها فخورة بخدمتها خلال تلك الفترة. ومن الأهمية بمكان النظر إلى الخدمة والتضحية في السياق الذي قدمت فيه. فعدم ظهور العراق (وأفغانستان في هذا الصدد) بالصورة التي تمنيناها لا يقلل من قيمة الجهود التي بذلها كثيرون.
كل جندي أو ضابط بحري أو طيار يريد أن يرى ثمار جهوده. وأعتقد أن هذا ما حدث. فقد منحنا الشعب العراقي فرصة، وكون الأمر قد استغرق وقتاً أطول لتحقيق هذا الغرض لا يعني فشلي وفشل آخرين ممن خدموا في ذلك البلد. ولا يزال يحدوني الأمل في أن نستمر كشركاء متعاونين في العراق. وحتماً سننجح في نهاية المطاف. وفيما نحيي الذكرى العشرين لحرب العراق، لا يزال يحدوني الأمل في أن يقدّر آخرون خدماتنا ويروا أن تضحياتنا لم تذهب سدى.


مقالات ذات صلة

انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

المشرق العربي انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

راجت أنباء عن وقوع محاولة لقتل مسؤول كردي سوري بارز في السليمانية بشمال العراق مساء اليوم الجمعة. فقد أورد موقع «صابرين نيوز» القريب من الحرس الثوري الإيراني، نقلاً عن «مصادر كردية»، أن قصفاً استهدف قائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي «في محاولة اغتيال فاشلة بواسطة طائرة مسيّرة». من جهتها، أعلنت مديرية قوات الأمن (آسايش) في مطار السليمانية أنها تحقق في انفجار وقع قرب سياج مطار السليمانية دون أن يسفر عن خسائر بشرية أو مادية، مشيرة إلى أن فرق الإطفاء تمكنت من السيطرة على الحريق الناجم عنه سريعاً، بحسب موقع «رووداو» الكردي.

المشرق العربي مسيحيات فررن من العراق يتعلمن مهارت الخياطة لكسب لقمة العيش

مسيحيات فررن من العراق يتعلمن مهارت الخياطة لكسب لقمة العيش

في إحدى الكنائس في الأردن، تخيط العشرينية سارة نائل قميصاً ضمن مشروع أتاح لعشرات النساء اللواتي فررن من العنف في العراق المجاور، مهارات لكسب لقمة العيش. نجت نساء عديدات بصعوبة من العنف المفرط الذي مارسته «دولة الخلافة» التي أعلنها تنظيم «داعش» على مساحات واسعة من العراق وسوريا، قبل أن ينتهي بهن المطاف في الأردن يعانين للحصول على عمل. تنكب سارة نائل (25 عاماً)، وهي لاجئة مسيحية عراقية من بلدة قرقوش تعلمت مهنة الخياطة في الطابق الثالث في كنيسة مار يوسف في عمان، على ماكينة الخياطة في طرف المكان لتخيط قطعة قماش مشرقة زرقاء اللون تمهيداً لصنع قميص. وتقول سارة التي وصلت إلى الأردن عام 2019 وبدأت تعم

«الشرق الأوسط» (عمّان)
المشرق العربي «الشيوخ الأميركي» يقترب من إلغاء تفويضي حربي العراق

«الشيوخ الأميركي» يقترب من إلغاء تفويضي حربي العراق

صوت مجلس الشيوخ الأميركي بأغلبية ساحقة، أمس (الاثنين)، لصالح الدفع قدماً بتشريع لإلغاء تفويضين يعودان لعقود مضت لشن حربين في العراق مع سعي الكونغرس لإعادة تأكيد دوره بخصوص اتخاذ قرار إرسال القوات للقتال. وانتهى التصويت بنتيجة 65 إلى 28 صوتاً، أي تجاوز الستين صوتاً اللازمة في مجلس الشيوخ المؤلف من مائة عضو، مما يمهد الطريق أمام تصويت على إقراره في وقت لاحق هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ خطوة جديدة في «الشيوخ» الأميركي نحو إلغاء تفويضي حربي العراق

خطوة جديدة في «الشيوخ» الأميركي نحو إلغاء تفويضي حربي العراق

صوت مجلس الشيوخ الأميركي بأغلبية ساحقة أمس (الاثنين) لصالح الدفع قدما بتشريع لإلغاء تفويضين يعودان لعقود مضت لشن حربين في العراق مع سعي الكونغرس لإعادة التأكيد على دوره بخصوص اتخاذ قرار إرسال القوات للقتال، وفقاً لوكالة «رويترز». وانتهى التصويت بنتيجة 65 إلى 28 صوتا أي تجاوز الستين صوتا اللازمة في مجلس الشيوخ المؤلف من مائة عضو مما يمهد الطريق أمام تصويت على إقراره في وقت لاحق هذا الأسبوع. وجميع الأصوات الرافضة كانت لأعضاء في الحزب الجمهوري.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي 20 عاماً على الزلزال العراقي

20 عاماً على الزلزال العراقي

تحلُّ اليومَ، الأحد، الذكرى العشرون للغزو الأميركي للعراق، وهو حدثٌ كان بمثابة زلزال ما زالت المنطقة تعيش تداعياتِه حتى اليوم. لم يستمع الرئيسُ الأميركي آنذاك، جورج دبليو بوش، لتحذيراتٍ كثيرة، غربيةٍ وعربية، سبقت إطلاقَه حرب إطاحة نظام الرئيس السابق صدام حسين عام 2003، وحذرته من أنَّ خطوتَه ستفتح «باب جهنم» بإدخال العراق في فوضى واقتتال داخلي وستسمح بانتشار التطرفِ والإرهاب. أطلق بوش حملةَ إطاحة صدام التي أطلق عليها «الصدمة والترويع» ليلة 19 مارس (آذار) بقصفٍ عنيف استهدف بغداد، في محاولة لقتل الرئيس العراقي، قبل إطلاق الغزو البري.


إغلاق مخيم الهول في سوريا بعد إخلائه من آخر قاطنيه

تسلّمت القوات الأمنية السورية مخيّم الهول بعد اتفاق مع «قوات سوريا الديمقراطية» (د.ب.أ)
تسلّمت القوات الأمنية السورية مخيّم الهول بعد اتفاق مع «قوات سوريا الديمقراطية» (د.ب.أ)
TT

إغلاق مخيم الهول في سوريا بعد إخلائه من آخر قاطنيه

تسلّمت القوات الأمنية السورية مخيّم الهول بعد اتفاق مع «قوات سوريا الديمقراطية» (د.ب.أ)
تسلّمت القوات الأمنية السورية مخيّم الهول بعد اتفاق مع «قوات سوريا الديمقراطية» (د.ب.أ)

أغلقت السلطات السورية، اليوم الأحد، مخيم الهول، أكبر مخيمات البلاد الذي كانت تديره القوات الكردية وكان يؤوي لسنوات عائلات مقاتلي تنظيم «داعش»، بعد إخلائه من آخر قاطنيه، بحسب ما أفاد مدير المخيم فادي القاسم لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال القاسم إن «المخيم أغلق»، اليوم الأحد، بعدما «تم نقل كامل العوائل السورية وغير السوريين»، مضيفاً أن الحكومة «وضعت خططاً تنموية وإعادة دمج للعوائل بعيداً من الإعلام».

كان المخيم يضمّ نحو 24 ألف شخص، بينهم ما يقارب 15 ألف سوري، ونحو 6300 امرأة وطفل أجنبي من 42 جنسية، ترفض غالبية بلدانهم استعادتهم، لكن أعدادهم انخفضت بشكل كبير في الأسابيع الأخيرة.

وكانت مصادر في منظمات إنسانية وشهود، أفادوا لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الأسبوع الماضي، بأن معظم الأجانب الذين كانوا في المخيّم غادروه بعدما انسحبت منه القوات الكردية أواخر يناير (كانون الثاني).

وتسلّمت المخيّم القوات الأمنية السورية التي انتشرت في مناطق واسعة في شمال وشرق البلاد كانت تحت سيطرة الأكراد، قبل التوصل إلى اتفاق بين الطرفين ينص على عملية دمج متدرجة للقوات العسكرية والإدارية في محافظة الحسكة.

صورة جوية لمخيم الهول كان يؤوي لسنوات عائلات مقاتلي تنظيم «داعش» في سوريا (د.ب.أ)

وأشار القاسم، المسؤول المكلف من الحكومة بإدارة شؤون المخيم، إلى أن «نساء وأطفال المخيم بحاجة إلى الدعم من أجل دمجهم».

وأكّد مصدر في منظمة إنسانية كانت نشطة في مخيم الهول، الأحد: «أجلينا كل الفرق العاملة لدينا داخل المخيم، وقمنا بتفكيك كل معداتنا وغرفنا المسبقة الصنع ونقلناها إلى خارج المخيم».

وباشرت السلطات السورية، الثلاثاء، نقل من تبقى من قاطني المخيم إلى مخيّم آخر في حلب في شمال البلاد، بعدما غادره خلال الأسابيع الماضية الجزء الأكبر من الأجانب الذين كانوا محتجزين فيه، إلى جهة مجهولة، من دون أن تتضح ملابسات خروجهم.

مخيم الهول كان يضمّ نحو 24 ألف شخص بينهم ما يقارب 15 ألف سوري ونحو 6300 امرأة وطفل أجنبي من 42 جنسية من عائلات مقاتلي تنظيم «داعش» (د.ب.أ)

إثر سيطرة تنظيم «داعش» على مساحات شاسعة في سوريا والعراق المجاور، شكّلت «قوات سوريا الديمقراطية» التي تعدّ القوات الكردية المكون الأكبر فيها، رأس الحربة في قتاله بدعم من الولايات المتحدة، وأنشأت إثر ذلك إدارة ذاتية في مناطق واسعة في شمال وشمال شرقي البلاد.

لكن الأكراد خسروا مناطق سيطرتهم بعد اشتباكات دامية مع القوات الحكومية في وقت تسعى السلطات إلى توحيد جميع أراضي البلاد تحت رايتها.

مخيم الهول في محافظة الحسكة السورية الذي كان يؤوي لسنوات عائلات مقاتلي تنظيم «داعش» (د.ب.أ)

وانتهى الوضع بالتوصل إلى اتفاق نصّ على عملية دمج متدرجة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين في محافظة الحسكة في يناير.

وأعلنت الولايات المتحدة الأسبوع الماضي أنها أنجزت نقل أكثر من 5700 من السجناء المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» من سوريا إلى العراق.

وحذرت منظمة «هيومن رايتش ووتش» في تقرير، الثلاثاء، من أن عناصر التنظيم الذين نقلوا إلى العراق «يواجهون خطر الإخفاء القسري، والمحاكمات الجائرة، والتعذيب، وسوء المعاملة، وانتهاكات الحق في الحياة».

سيدات من عائلات مقاتلي تنظيم «داعش» يجلسن في مخيم الهول بمحافظة الحسكة السورية (د.ب.أ)

ولطالما طالب الأكراد مراراً الدول المعنية باستعادة رعاياها من مخيم الهول، لكن دولاً غربية عدة تلكأت في ذلك خشية تهديدات أمنية أو ردود فعل محلية، مما جعل المخيم يوصف مراراً بأنه «قنبلة موقوتة».


رغم الاقتحامات والتضييقات... رمضان الضفة أهدأ نسبياً حتى الآن

في وداع الفلسطيني محمد حنني (17 عاماً) الذي قتلته إسرائيل في نابلس بالضفة الغربية يوم الأحد (إ.ب.أ)
في وداع الفلسطيني محمد حنني (17 عاماً) الذي قتلته إسرائيل في نابلس بالضفة الغربية يوم الأحد (إ.ب.أ)
TT

رغم الاقتحامات والتضييقات... رمضان الضفة أهدأ نسبياً حتى الآن

في وداع الفلسطيني محمد حنني (17 عاماً) الذي قتلته إسرائيل في نابلس بالضفة الغربية يوم الأحد (إ.ب.أ)
في وداع الفلسطيني محمد حنني (17 عاماً) الذي قتلته إسرائيل في نابلس بالضفة الغربية يوم الأحد (إ.ب.أ)

بدا رمضان في أيامه الأولى بالضفة الغربية هذا العام أهدأ بوضوح مما روّجت له إسرائيل، التي تعللت بـ«حساسية الشهر» لتُكثِّف حملات الاعتقالات والمداهمات وتوسع من نشر القوات.

وعلى الرغم من أن إسرائيل أغلقت القدس فعلياً، وقتلت فلسطينيين واعتقلت أكثر من 100 منذ بداية رمضان، بينهم سيدات وأطفال، إضافة إلى أسرى سابقين، وعلى الرغم من التضييق على فلسطينيي الضفة عبر نصب حواجز على الطرق وإغلاق أخرى، يُعد الوضع هادئاً نسبياً حتى الآن مقارنة بشهور رمضان في الأعوام السابقة.

وقتلت إسرائيل فلسطينياً في نابلس بشمال الضفة، واعتقلت آخرين، فيما اقتحم مستوطنون المسجد الأقصى بالقدس وهاجموا مناطق أخرى، في تصعيد إسرائيلي معهود في هذا الشهر، قُوبل بهدوء فلسطيني.

وأكدت وزارة الصحة الفلسطينية أن محمد حنني (17 عاماً) تُوفي، الأحد، متأثراً بجروح حرجة أصيب بها قبل الفجر برصاص الجيش في بلدة بيت فوريك شرق نابلس.

وشنت القوات الإسرائيلية مداهمات وحملات تفتيش للمنازل، مساء السبت، في إطار اقتحامات أخرى امتدت، الأحد، إلى نابلس وقلقيلية وبلدة عزون القريبة وبلدة يعبد جنوب جنين.

«فرض واقع جديد»

منذ بداية رمضان، صعَّدت إسرائيل حملاتها في الضفة الغربية؛ فرفعت مستوى التأهب، وحوَّلت القدس إلى ثكنة عسكرية، بالتوازي مع تعزيز القوات بوحدات كوماندوز.

ومنعت إسرائيل عشرات الآلاف من فلسطينيي الضفة من الوصول إلى القدس للصلاة، وقصرت العدد على 10 آلاف فقط، فيما عززت نقاط التماس حول القدس.

جنود إسرائيليون يراقبون فلسطينيين عند حاجز قلنديا بين رام الله والقدس في أول جمعة من رمضان (أ.ف.ب)

وجاء التصعيد الإسرائيلي بدعوى منع تصعيد فلسطيني في شهر رمضان.

وتقول إسرائيل إن شهر رمضان يُعد «شهراً حساساً قابلاً للانفجار»، فيما يُعد الأقصى «نقطة اشتعال متكررة»، وبناءً عليه كانت ثمة تقديرات بأن الوضع الأمني في الضفة سيتأثر بقرارات اتخذتها الحكومة الإسرائيلية ومجلس الوزراء الأمني المصغر (الكابينيت) تتعلق بتعميق السيطرة والسيادة على الضفة الغربية بطريقة تؤدي إلى تفكك السلطة الفلسطينية وضم الضفة.

وقال «نادي الأسير الفلسطيني» إن القوات الإسرائيلية اعتقلت فلسطينيين من عدة مناطق في الضفة، وإن حملة الاعتقالات الواسعة منذ بداية رمضان طالت 100 فلسطيني.

وحسب بيان للنادي صدر الأحد، فإن هذه الحملات تأتي تزامناً مع هجمات المستوطنين التي قال إنها شكَّلت في الآونة الأخيرة الغطاء الأساسي لتنفيذ عمليات اعتقال واسعة، مضيفاً أن المستوطنين «يشكلون في هذه المرحلة الأداة الأهم لفرض واقع جديد في الضفة»، خصوصاً بعد القرارات الساعية إلى الضم.

وأكد «نادي الأسير» أن الاعتقالات توزعت على غالبية محافظات الضفة، بما فيها القدس التي تشهد حملات اعتقال واسعة في شهر رمضان، تنتهي في غالبيتها بالإبعاد عن المسجد الأقصى.

وزعم جهاز الأمن الإسرائيلي أنه يرصد محاولةً من «جهات خارجية» للتأثير على الوضع في الضفة وتشجيع عمليات مسلحة.

الصلاة في الأقصى

على صعيد آخر، لم تتوقف اعتداءات المستوطنين، بما في ذلك اقتحامات يومية للمسجد الأقصى وشن هجمات على فلسطينيين في الضفة، غير أن الفلسطينيين التزموا الهدوء، وبدا رمضان حتى الآن أهدأ مما روجت له إسرائيل.

فلسطينيون يؤدون صلاة القيام fساحات المسجد الأقصى في اليوم الثالث من رمضان (د.ب.أ)

وأدى حوالي 80 ألف فلسطيني صلاة الجمعة الأولى من رمضان في الأقصى دون مشكلات أو مواجهات أو توترات على الرغم من انتشار أعداد غفيرة من الشرطة، وإعاقة وصول آلاف المصلين من الضفة وإرجاعهم بالقوة عند الحواجز المنتشرة في رام الله وبيت لحم.

ومرت كذلك صلوات القيام في الأقصى بهدوء حتى الآن، على الرغم من تقييد عمل دائرة الأوقاف الإسلامية التي مُنعت هذا العام من تجهيز المسجد الأقصى لاستقبال المصلين، بما في ذلك نصب مظلات لحماية المصلين، وتجهيز العيادات الطبية، وإقامة موائد الإفطار.

وقالت محافظة القدس، في بيان مقتضب، إن نحو 60 ألف مُصلٍ أدوا، مساء السبت، صلاتي العشاء والتراويح في المسجد الأقصى في اليوم الرابع من شهر رمضان، وذلك رغم القيود والإجراءات المشددة التي فرضتها القوات الإسرائيلية على دخول المصلين.

ويلتقي هذا كله مع أزمة اقتصادية خانقة في الضفة الغربية.


«رجل روسيا في درعا» و«مهندس التسويات» يسلِّم نفسه للدولة خوفاً على حياته

 صورة مقتطعة من بيان مصور للقيادي السابق في اللواء الثامن أحمد العودة اليوم الأحد (درعا 24)
صورة مقتطعة من بيان مصور للقيادي السابق في اللواء الثامن أحمد العودة اليوم الأحد (درعا 24)
TT

«رجل روسيا في درعا» و«مهندس التسويات» يسلِّم نفسه للدولة خوفاً على حياته

 صورة مقتطعة من بيان مصور للقيادي السابق في اللواء الثامن أحمد العودة اليوم الأحد (درعا 24)
صورة مقتطعة من بيان مصور للقيادي السابق في اللواء الثامن أحمد العودة اليوم الأحد (درعا 24)

سلَّم القيادي السابق أحمد العودة الذي عرف قبل سنوات بأنه «رجل روسيا في الجنوب» نفسه إلى السلطات السورية، في أعقاب توتر أمني قتل فيه شخص وأصيب آخر في اشتباك حصل بين مسلحين وحراس مزرعة يقيم فيها العودة في أحد أحياء بصرى الشام جنوب سوريا، مما استدعى السلطات الأمنية إلى فرض حظر تجول وملاحقة المهاجمين.

العودة المعروف أيضاً أنه «مهندس التسويات» مع نظام بشار الأسد المخلوع، بعد اجتياح المنطقة الجنوبية صيف 2018، ظهر في شريط مصور، الأحد، ليعلن أنه يضع نفسه في عهدة الرئيس أحمد الشرع ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة. وأضاف: «استُخدمت حادثة مدينة بصرى الشام للتحريض ضدي، فكان لزاماً أن أضع لها حداً عن طريق الدولة». وتابع العودة: «تعرضت لمحاولة اغتيال منذ أيام على يد مجموعة مدعومة من (حزب الله)»، مضيفاً أنه «كان وما يزال يسخِّر جهوده في سبيل خدمة بلده وبنائه».

وكشف العودة أن بحوزته صوراً ومقاطع فيديو توثِّق تورط المجموعة في التخطيط لاستهدافه، مشيراً إلى وجود دلائل على تمويل بعض الأشخاص الذين يعملون لصالح «حزب الله»، ومشدداً على عزمه «كشف الحقائق للرأي العام»، داعياً إلى فتح تحقيق شفَّاف لكشف ملابسات الحادثة ومحاسبة المتورطين.

وكانت قيادة الأمن الداخلي في درعا قد فرضت حظر تجوال ليوم واحد، السبت، على خلفية مقتل شاب وإصابة آخر «جراء إطلاق نار نفذه مجهولون»، قبل أن تعود الأوضاع إلى الهدوء مع انتشار وحدات الأمن الداخلي في أحياء المدينة.

دورة عسكرية لفصائل التسويات في اللواء الثامن المدعوم من قاعدة «حميميم» الروسية نفذت في بصرى الشام شرق درعا (أرشيفية - تجمع أحرار حوران)

كان أحمد العودة قيادياً في اللواء الثامن الذي تشكَّل عام 2018 ومن ثم ألحقته روسيا بالفيلق الخامس المدعوم من روسيا عقب التسوية التي رعتها بين النظام السوري السابق وفصائل معارضة في درعا.

من الإمارات إلى الجيش الحرّ

ينحدر العودة من بصرى الشام، درس الأدب الإنجليزي في جامعة دمشق، ثم غادر إلى دولة الإمارات ليعود عام 2011 ويلتحق بالجيش السوري الحر، حيث قاد «كتيبة شباب السنة» التي كانت أحد أبرز الفصائل التي قاتلت نظام الأسد في الجنوب.

وكانت قوات أحمد العودة أول الداخلين إلى دمشق ليلة سقوط النظام، حيث استبقت قواته وصول قوات إدارة العمليات «ردع العدوان» إلى دمشق فجر يوم 8 ديسمبر (كانون الأول).

ورغم لقاء العودة مع قائد الإدارة السورية أحمد الشرع، بعد أيام قليلة، فإن اللواء الثامن لم ينضم إلى الفصائل المسلحة التي انضوت تحت وزارة الدفاع.

وفي أبريل (نيسان) 2025، وعقب توترات أمنية على خلفية مقتل القيادي بلال الدروبي أثناء محاولة اعتقاله من قبل اللواء الثامن واندلاع اشتباكات عنيفة، أعلن أحمد العودة حلّ «اللواء الثامن» بشكل كامل وتسليم مقدراته العسكرية والبشرية إلى وزارة الدفاع السورية، وتكليف النقيب محمد القادري بمهمة التنسيق مع الجهات المعنية لضمان انتقال وتسليم المقار والمعدات بسلاسة. ثم توارى العودة عن المشهد، بعد أن التزم بسيادة الدولة وسلطتها، بحسب بيان حل اللواء حينذاك الذي أعلن عن بداية مرحلة جديدة تحت مظلة الدولة السورية.

وانتهى التوتر باتفاق قضى بدخول عناصر الأمن العام لـ«بسط الأمن والاستقرار»، حسب «وكالة الأنباء الرسمية السورية» (سانا) آنذاك.