كي هوي كوان... سيرةٌ ولا في الأفلام

الطفل النجم الذي سقط في النسيان وعاد متوّجاً بأوسكار

الممثل الأميركي الفيتنامي الأصل كي هوي كوان
الممثل الأميركي الفيتنامي الأصل كي هوي كوان
TT

كي هوي كوان... سيرةٌ ولا في الأفلام

الممثل الأميركي الفيتنامي الأصل كي هوي كوان
الممثل الأميركي الفيتنامي الأصل كي هوي كوان

في عائلة كوان، كان الجميع منشغلاً بتسديد الديون المتراكمة، وبتأمين القوت اليومي لأسرة مؤلفة من 11 فرداً، فلم يتّسع الوقت للعواطف ولا للتعبير عنها. خلال حفل الأوسكار الـ95، كانت 3 دقائق كافية لنجم العائلة الممثل كي هوي كوان، ليختصر فيها كل ما خبّأ من مشاعر وللتعويض عن كل ما كبتَه أهلُه من حب.
ليس كوان أول ممثل يفوز بجائزة أوسكار، لكنه من القلائل الذين لا تختلف حياتهم كثيراً عن حكايات الأفلام. حتى في الكلمة المبللة بالدمع التي ألقاها بعد تسلّمه الجائزة العالمية عن دوره في فيلم «Everything Everywhere All At Once»، قال: «يقولون إن حكايات كهذه تحصل حصراً في الأفلام. لا أصدّق أنها تحصل معي».

«البضاعة النازلة من السفينة»
كأنّ الممثل الأميركي الفيتنامي المتحدّر من جذور صينية، عاش حيواتٍ عدة في حياة واحدة. سنواته الست الأولى مرّت هانئة في مسقط رأسه «سايغون»، إلى أن اشتعلت الحرب بين شمالٍ وجنوب في بلاده، مما اضطر العائلة إلى مغادرة البيت والوطن سنة 1978. تفرّق أفرادها فذهبت الأم إلى ماليزيا برفقة 3 من الأبناء، أما كوان فاتّجه مع والده وإخوته الخمسة إلى هونغ كونغ على متن باخرة مكتظة بـ3 آلاف مهاجر. كان حينها في الـ7 من عمره، وهو يذكر أنهم أمضوا شهراً داخل السفينة قبل أن يُسمَح لهم بالنزول إلى أحد مخيّمات اللجوء في هونغ كونغ.


"أمي، لقد فزت للتوّ بأوسكار"، هكذا افتتح كوان خطاب الفوز (إنستغرام)
على مسرح «دولبي» في لوس أنجليس منذ أيام، وقف كوان حاملاً جائزته ومستذكراً: «رحلتي بدأت على سفينة. أمضيت عاماً في مخيم للاجئين. وبطريقة ما وصلت إلى هنا، على أكبر مسارح هوليوود». حفرت تجربة اللجوء عميقاً في نفسه، وهو لا ينسى الغرف الضيّقة المسيّجة من كل صوب، والحرّاس الذين كانوا يمنعونهم من الخروج.
حتى عندما اجتمع شمل العائلة من جديد بعد عام في لوس أنجليس الأميركية، ظلّت وصمة اللجوء تلاحق كوان وأهله. يقول في مقابلة مع صحيفة الـ«غارديان» البريطانية: «كنا لاجئين. لم يرغب فينا أحد. كانوا يطلقون علينا (البضاعة النازلة من السفينة) ويسخرون منا في المدرسة. لطالما شعرت بأنني دخيل خلال طفولتي ومراهقتي. كانت لدي أزمة هوية كبيرة». لكن ما هي إلا 4 سنوات حتى تحوّل الطفل الذي كان يتعرّض للتنمّر من رفاق صفّه، إلى نجمٍ ينظرون إليه بإعجاب، وربما غيرة.


كوان بعد فوزه بأوسكار عن فئة ممثل في دور مساند (رويترز)
منقذ العائلة
عندما وصلت العائلة إلى الولايات المتحدة بعد رحلة الهجرة والنزوح، كانت ترزح تحت ثقل الديون. اضطرّ أفرادها أن يقتصدوا، لذلك فإن الذهاب إلى السينما مثلاً كان حلماً بعيد المنال. اكتفى كوان وإخوته الصغار بالتحلّق حول التلفاز الصغير في البيت لمشاهدة الأفلام الآسيوية، وتحديداً تلك التي كانت من بطولة جاكي شان.
كان كوان في الـ12 من عمره، يوم رافق شقيقه الأصغر إلى تجربة أداء كان قد دعا إليها المخرج ستيفن سبيلبرغ. جلس في غرفة الانتظار يدرّب أخاه، فلفت الأنظار وطُلب إليه أن يجرّب بدوره. وما هي إلا 3 أسابيع حتى استقلّ الطائرة مع والدته، متّجهاً إلى سريلانكا لتصوير دوره الأول في فيلم «إنديانا جونز ومعبد الهلاك» إلى جانب الممثل هاريسون فورد.

قبل تلك المغامرة السينمائية التي جعلت منه طفلاً نجماً بين عشية وضُحاها، لم يكن كوان قد شاهد أي فيلم أميركي في حياته. لم يدرك عظمة الفريق الذي احتضنه، إلا بعد أن صدر الفيلم وصار البطل الصغير «شورت راوند» حديث الناس. يقول للـ«غارديان» إن أداءه دوراً أوّل في أحد أكبر أفلام عام 1984، منحه وعائلتَه الأمل والجرأة والكثير من الحرية.
بفضل أجره الأول، استطاع كوان أن يشتري منزلاً للأسرة وأن يسدّد جزءاً من ديونها. حتى اليوم، هو ممتنّ لمكتشفيه ولم ينسَ أن يشكرهم ليلة الأوسكار معانقاً هاريسون فورد بحرارة، ومتوجهاً إلى ستيفن سبيلبرغ بأجمل الكلام. آمنَ سبيلبرغ بموهبة كوان الصغير فكرر التجربة معه، مانحاً إياه دوراً أساسياً في فيلم «The Goonies” عام 1985.
بعد ذلك، راكمَ كي هوي كوان الأدوار الصغيرة لكنه عجزَ عن اصطياد دور بأهمية اللذَين لعبهما مع سبيلبرغ. في مرحلة من المراحل اعتمد اسماً مستعاراً هو «جوناثان» بديلاً عن اسمه الصعب، ظناً منه بأن ذلك قد يفتح الدرب أمامه. وبعد انتظار طويل دام حتى سنة 1996. استسلم كوان ورضخ لواقع السينما الهوليوودية آنذاك، التي كانت تهمّش الممثلين الآسيويين. يقول في حوار مع وكالة «أسوشييتد برس»: «في عمر العشرين، عندما كان من شبه المستحيل العثور على دور، لم أُلقِ باللوم على أحد. ظننت أنني لم أكن جيداً. لكن في الواقع، كان مؤلّفو هوليوود يمتنعون عن كتابة أدوار لممثلين آسيويين. لم أعلم بذلك فلُمتُ نفسي».


كوان متوسطاً ستيفن سبيلبرغ (يمين) وكايت كابشو وجورج لوكاس عام 1984 (أ ب)
ولادة جديدة بعد صمت 20 سنة
عشية عامه الـ30، وبعد أن فقد الأمل بتلقّي اتّصال يدعوه إلى أداء دور مهم، رمى كوان الحلم وراء ظهره. قرر الانتقال من أمام الكاميرا إلى خلفها كمصمم لمشاهد العراك وكمساعد مخرج أحياناً، بالتزامن مع تخصصه في السينما. دفن الممثل شغفَه في مكان عميق من القلب، الذي ظلّ يخفق بسرعة كلّما لمح كوان بطلاً كان يمكن أن يكونه.
انقضى 20 عاماً تقريباً والحلم صامت، إلى أن بدأ يهمس من جديد في أذن كوان بعد أن شهد على نجاح زملائه الآسيويين في فيلم «Crazy Rich Asians» عام 2018. وعشية خمسينه، عاد كوان إلى شغفه الأول فانضمّ إلى فريق «Everything Everywhere All At Once». في حديثه مع «أسوشييتد برس» يقول: «لوقتٍ طويل جداً لم أكن أريد سوى فرصة للتمثيل ولإظهار قدراتي للناس. لقد منحني هذا العمل أكثر مما تمنيت».

في الفيلم الفائز بـ7 جوائز أوسكار، يلعب الممثل دور وايموند وانغ، وهو يجمع شخصيات كثيرة في شخصية واحدة، تماماً مثل حيوات كوان التي اجتمعت في حياة واحدة.
في أحد مشاهده يتوجه إلى شريكته الممثلة ميشيل يوه قائلاً: «كل رفض وكل خيبة في حياتك، أوصلتك إلى هذه اللحظة. لا تدَعي شيئاً يلهيك عنها». لعلّها العبارة التي أعادَها كوان في رأسه عندما وقف أمام نجوم هوليوود رافعاً الأوسكار، ومعلناً ولادة جديدة لنجمٍ عائد من النسيان.


مقالات ذات صلة

حسن هادي: «مملكة القصب» كوميديا سوداء من ذاكرة الحصار

يوميات الشرق لقطة من فيلم «مملكة القصب» (مؤسَّسة الدوحة للأفلام)

حسن هادي: «مملكة القصب» كوميديا سوداء من ذاكرة الحصار

أكد حسن هادي أنَّ الفيلم حاول عكس صورة المجتمع خلال التسعينات، بسبب الحصار والعقوبات المفروضة.

داليا ماهر (الدوحة)
يوميات الشرق الفنان محمد بكري في لقطة مع أسرته من فيلم «اللي باقي منك» (الشركة المنتجة)

كيف تمكنت 4 أفلام عربية من الوصول لقائمة الأوسكار المختصرة؟

لعلها المرة الأولى التي تنجح فيها 4 أفلام عربية في الوصول لـ«القائمة المختصرة» بترشيحات الأوسكار لأفضل فيلم دولي، وهو ما اعتبره سينمائيون عرب إنجازاً كبيراً.

انتصار دردير (القاهرة )
ثقافة وفنون خلال عرض فيلم «البحر» في تل أبيب (رويترز)

فيلم إسرائيلي مرشح للأوسكار يثير تعاطفاً مع الفلسطينيين ويزعج الحكومة

يأمل مخرج فيلم إسرائيلي مرشح لجوائز الأوسكار لعام 2026 ويجسد رحلة فتى فلسطيني يسعى لرؤية البحر أن يسهم العمل السينمائي في إيقاظ التعاطف داخل إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
سينما «الأمل والألم» (أبوت فيلمز)

الأفلام العربية في ميزان سباق الأوسكار

في اليوم الأول من الشهر الحالي توقّفت «أكاديمية العلوم والفنون السينمائية» عن استقبال وقبول الأفلام الأجنبية المشاركة في سباق أوسكار «أفضل فيلم عالمي».

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق نيللي كريم في مشهد من الفيلم - مهرجان الجونة

«عيد ميلاد سعيد»... نقد اجتماعي للتمييز الطبقي في مصر

الفيلم الذي يمثّل أولى التجارب الإخراجية لسارة جوهر عُرض للمرة الأولى في مهرجان «تريبيكا السينمائي» بالولايات المتحدة الأميركية، وحصد 3 جوائز.

أحمد عدلي (القاهرة )

مقاهي جدة التاريخية في رمضان… حين يصبح المساء طقساً اجتماعياً

مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)
مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)
TT

مقاهي جدة التاريخية في رمضان… حين يصبح المساء طقساً اجتماعياً

مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)
مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)

في جدة التاريخية، يبدأ المساء متأخراً في رمضان. بعد الإفطار وصلاة التراويح تتبدل ملامح الأزقة القديمة؛ تفتح المقاهي أبوابها على إيقاع مختلف، وتتحول الجلسات إلى محطات لقاء لا يقصدها الزوار بحثاً عن القهوة فقط، بل عن تجربة كاملة يعيشون فيها تفاصيل المكان. بين برحة نصيف وشارع الذهب، تتشكل اليوم هوية جديدة لمقاهي «البلد»، حيث يلتقي الجيل الجديد بتاريخ المدينة، في محاولة لإعادة تعريف المقهى داخل فضاء تراثي عمره قرون.

«ميناء»... حين يصبح المقهى نقطة انطلاق

خلف بيت نصيف مباشرة، اختار مقهى ميناء أن يكون جزءاً من التحول الذي تشهده المنطقة، لا مجرد مشروع جديد داخلها. المقهى يصفه مالكه محمد جوجو بأنه محاولة للمشاركة في صناعة التغيير نفسه، عبر تقديم القهوة المختصة ضمن قراءة معاصرة للمكان، تحافظ على التاريخ دون أن تمسّه.

مقهى ميناء نقطة التقاء وانطلاق لاكتشاف أزقة جدة التاريخية (الشرق الأوسط)

يقول جوجو لـ«الشرق الأوسط» إن الفكرة لم تكن إنشاء مقهى فقط، بل إعادة صياغة مفهوم المقهى والمحمصة داخل بيئة تاريخية، بحيث يلتقي الزمن الماضي بالحاضر في تجربة واحدة. فالمكان معاصر بطبيعته، لكنه يعيش داخل تاريخ طويل يجب احترامه لا استبداله. فاختيار الموقع جاء نتيجة علاقة شخصية مع جدة التاريخية؛ إذ أمضى جوجو عاماً كاملاً في دراسة الهندسة الإسلامية، والحرف التقليدية في البلد، متتبعاً تفاصيل الرواشين، والنجارة، والخزف، والجبس، قبل أن يقرر أن يبدأ مشروعه من هنا تحديداً.

يقول جوجو: «أصل جدة هو البلد»، معتبراً أن تأسيس المشروع في هذا الموقع منحه جذوراً حقيقية قبل التفكير في أي توسع لاحق. ولا يركّز ميناء على المنتج وحده، بل على التجربة الكاملة. فالقهوة المختصة -خاصة البن اليمني- تكتسب معنى إضافياً بوجود المقهى في حارة اليمن، بينما تتحول الخدمة والتواصل مع الزوار إلى جزء أساسي من هوية المكان.

«نحن لا نبيع قهوة فقط، بل نبيع تجربة»، يوضح جوجو، مشيراً إلى أن الزوار يقصدون جدة التاريخية لا للشراء السريع، بل للعيش داخل المكان. ومن هنا جاء اسم «ميناء»؛ نقطة ترسو عندها الرحلات قبل أن تنطلق من جديد. كثير من الزوار يبدأون جولتهم من المقهى، ثم يعودون إليه طلباً لتوجيهات جديدة لاكتشاف بقية الأزقة والمعالم، ليصبح المكان محطة تجمع تنطلق منها تجربة البلد كاملة.

ويمتد ارتباط المقهى بالمنطقة إلى التعاون مع حرفيين محليين شاركوا في تصميم عناصر المكان، من الإضاءة المصنوعة يدوياً إلى البلاطات والزخارف، في محاولة لخلق علاقة حقيقية بين المشروع والبيئة الحرفية المحيطة به. وخلال رمضان، يتجه المقهى إلى تطوير منتجات مستوحاة من الهوية المحلية، مثل الآيس كريم بنكهات عربية، ومشروبات مرتبطة بالمذاق الرمضاني، في استمرار لفكرة المزج بين التجربة المعاصرة وروح المكان التاريخي.

زوار جدة التاريخية يتجمعون في المقاهي بعد صلاة التراويح (الشرق الأوسط)

رمضان... موسم المقاهي الأكبر

يرى القائمون على المقاهي في المنطقة أن رمضان يمثل الذروة الحقيقية لحضور جدة التاريخية، إذ تتحول الأزقة إلى فضاء اجتماعي مفتوح يستقبل ملايين الزوار، معظمهم من داخل المملكة، يبحثون عن تجربة مختلفة لليالي الشهر الفضيل. وعلى شارع الذهب، أحد أكثر شوارع البلد حركة، افتُتح مقهى ميغوستا، وكانت انطلاقته الفعلية في منتصف شهر رمضان الماضي. ويقدم المقهى، المصمم بأسلوب ريفي بسيط داخل بيئة تاريخية، القهوة والمشروبات الحديثة، مع جلسات داخلية وخارجية تستوعب الزوار خلال جولتهم الليلية. يؤكد مالكه بسام ياسر أن رمضان يشكل موسماً رئيساً للسياحة المحلية، حيث يبحث الزوار عن أماكن تمنحهم تجربة المكان بقدر ما تقدّم لهم المشروبات، ما يدفع المقاهي إلى إضافة منتجات موسمية، ونكهات مرتبطة بالشهر الفضيل.

ومن أمام بيت نصيف مباشرة، يواصل مقهى هولا لوبز حضوره في جدة التاريخية حيث اختار مالكه أحمد أبو طه الموقع انطلاقاً من قناعته بأن البلد تمثل البيئة الأصدق لخلق تجربة تجمع بين التاريخ والحياة المعاصرة.

مقاهي جدة التاريخية تستعد لاستقبال زوارها مساءً في رمضان (الشرق الأوسط)

في رمضان، تتغير هوية المقهى بإضافة منتجات مستوحاة من تاريخ جدة تُقدَّم بنكهات حديثة تمنح الزوار تجربة متجددة دون الابتعاد عن روح المكان. ويبحث رواد المقاهي عن الأجواء الشعبية، والنكهات المرتبطة بالذاكرة، إلى جانب أسلوب الترحيب الذي يعكس طريقة استقبال أهل جدة قديماً.

وتتمثل الطقوس اليومية في تزيين المكان، واستقبال الزوار بطريقة تمنحهم شعور المشاركة في أجواء الشهر، مع الحفاظ على الطابع التاريخي عبر تطوير المنتجات بما ينسجم مع هوية الموقع. ويختصر أبو طه ليالي رمضان بوصفه ليالي رمضان في المقهى بأنها «ليالٍ تاريخية بنكهة حضارية».

مقاهي جدة التاريخية تجمع بين القهوة الحديثة وروح المكان التراثي (الشرق الأوسط)

المقاهي... قلب المشهد الليلي

وفي الشهر الفضيل، لا تعد مقاهي جدة التاريخية مجرد أماكن جلوس، بل نقاط اجتماع، ومحطات انطلاق داخل المدينة القديمة. يجلس الزوار طويلاً، يتبادلون الأحاديث، أو يخططون لمحطتهم التالية، بينما تتحول القهوة إلى سبب للبقاء أكثر، ومع كل موسم رمضاني تعيد مقاهي جدة التاريخية رسم علاقتها بالمدينة؛ بين الماضي الذي يحتفظ به المكان، والحاضر الذي يصنعه رواده.


عادات غذائية خاطئة تزيد الوزن في رمضان

الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)
الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)
TT

عادات غذائية خاطئة تزيد الوزن في رمضان

الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)
الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)

قد يبدو شهر رمضان فرصة مثالية لمن يسعون للتخلص من الوزن الزائد؛ إذ يعتقد بعضهم أن الامتناع عن الطعام والشراب من الفجر حتى المغرب يكفي لإنقاص الدهون تلقائياً. لكن خبراء التغذية يؤكدون أن فقدان الوزن لا يعتمد على الصيام وحده، بل يتأثر بشكل كبير بالعادات الغذائية الخاطئة خلال وجبتَي الإفطار والسحور. ويحذر المختصون من أن بعض السلوكيات الشائعة قد تعرقل خسارة الوزن، بل قد تؤدي إلى زيادته رغم الصيام، وفق صحيفة «بورنيو بوست»، الماليزية.

وتشدد الدكتورة نورشام جوليانا نور الدين، رئيسة مجموعة أبحاث الإيقاع الحيوي ونمط الحياة بكلية الطب والعلوم الصحية في جامعة العلوم الإسلامية الماليزية، على أن فقدان الوزن يعتمد على إجمالي السعرات الحرارية ونوعية الطعام وحجم الحصص والنشاط البدني.

وتوضح أن الإفراط في تناول الأطعمة الغنية بالسكر والدهون خلال الإفطار أو السحور قد يؤدي إلى زيادة الوزن، خصوصاً عند قلة الحركة واضطراب النوم؛ لأن الطاقة الزائدة تُخزن على شكل دهون. ومع ذلك، تشير إلى أن الصيام يمكن أن يساعد في ضبط الوزن إذا ترافق مع تغذية متوازنة ونشاط بدني منتظم.

القهوة والسهر ليلاً

في السنوات الأخيرة، أصبحت جلسات القهوة بعد التراويح شائعة، خصوصاً بين الشباب. وتوضح نور الدين أن شرب القهوة ليلاً ليس مثالياً من الناحية الفسيولوجية؛ إذ يعرقل النوم بسبب تأثير الكافيين الذي يمنع إفراز المواد المحفزة للنوم في الدماغ، ما يؤدي إلى تعب خلال النهار. كما أن القهوة مدرّة للبول، ما يزيد فقدان السوائل في وقت يحتاج فيه الجسم لتعويضها. بالإضافة إلى ذلك، قد تعوق مركبات القهوة امتصاص بعض المعادن مثل الحديد والكالسيوم، وتنصح بتجنب القهوة عند الإفطار.

الأكل الليلي المتكرر

يميل بعض الصائمين إلى تناول وجبات إضافية بعد التراويح، غالباً تكون غنية بالكربوهيدرات والسكريات. ويحذر الخبراء من أن الأكل المتأخر ليلاً يُبطئ عملية الأيض، ويعيد الجسم إلى وضع تخزين الطاقة، مما يقلل من فوائد الصيام في حرق الدهون. وتوصي نورشام بالاعتدال وتجنب الأطعمة الثقيلة أو السكرية التي قد تسبب اضطرابات في الهضم والنوم.

أهمية وجبة السحور

تشير نور الدين إلى أن تخطي السحور قد يخل بتوازن الجسم؛ لأن توقيت الوجبات يلعب دوراً مهماً في ضبط الساعة البيولوجية؛ فالسحور يهيئ الجسم لبداية يوم الصيام ويساعد الأعضاء على العمل بكفاءة، ما يدعم استقرار الطاقة.

كما تحذر من بدء الإفطار أو السحور بمشروبات وأطعمة شديدة الحلاوة، مثل المشروبات المحلاة والحلويات؛ لأنها تسبب ارتفاعاً سريعاً في سكر الدم يتبعه هبوط مفاجئ يؤدي إلى التعب وزيادة الرغبة في تناول السكريات. وتشير أيضاً إلى أن الإفراط في الملح يزيد الشعور بالعطش ويؤثر على جودة النوم، مما قد يؤدي إلى الجفاف أثناء الصيام.

توقيت الوجبات

تؤكد الدكتورة أرياتي أحمد، الأستاذة المشاركة بكلية العلوم الصحية في جامعة السلطان زين العابدين الماليزية، أن توقيت الإفطار والسحور عامل أساسي للحفاظ على الصحة خلال رمضان.

وتنصح بالبدء بأطعمة خفيفة سهلة الهضم لتجنب الانتفاخ أو الارتجاع، وللحد من الإفراط في الأكل نتيجة الجوع الشديد. أما السحور، فيوفر طاقة مستدامة ويحسن مستوى الترطيب قبل ساعات الصيام الطويلة.

الرياضة خلال الصيام

تدحض الدكتورة أرياتي الاعتقاد بأن النشاط البدني لا بدَّ أن يتوقف خلال رمضان، مشيرة إلى أن التمارين الخفيفة إلى المتوسطة مفيدة للحفاظ على اللياقة والكتلة العضلية وضبط الوزن.

وتوصي بممارسة أنشطة خفيفة قبل الإفطار بنحو 30 إلى 60 دقيقة، مثل المشي أو التمدد، أو بعد الإفطار بساعة إلى ساعتين لممارسة تمارين القوة المعتدلة.


قبل أضواء «سيزار»… معركة جديدة بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي

صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
TT

قبل أضواء «سيزار»… معركة جديدة بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي

صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)

في وقت تستعد فيه السينما الفرنسية للاحتفاء بنجومها على سجادة جوائز «سيزار» الحمراء، يرتفع صوت الاحتجاج داخل الوسط الفني ضد الذكاء الاصطناعي، بعد تحرّك لافت قاده نحو 4 آلاف ممثل ومخرج ندَّدوا بما وصفوه بـ«النهب المنظّم» عبر استخدام أصواتهم وصورهم من دون إذن.

وفي مقال نُشر على موقع صحيفة «لو باريزيان»، ونقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، حذَّرت هيئة «أدامي» التي أطلقت المبادرة قائلة: «نشهد تحوّلاً عميقاً في مهنتنا منذ وصول الذكاء الاصطناعي. هذه الأداة القيِّمة لبعض المهن هي أيضاً وحش نهم للفنانين من أمثالنا».

وضمَّت قائمة الموقِّعين أسماء بارزة في السينما الفرنسية، من بينهم سوان أرلو، وجيرار جونيو، وجوزيه غارسيا، إلى جانب الممثلات ليا دروكر، وإلودي بوشيه، وكارين فيار، في خطوة عكست حجم التوتر المتصاعد داخل الأوساط الفنية.

وشدَّد الفنانون على أن استنساخ الأصوات بات ظاهرة متكررة، مؤكدين أن القلق يزداد مع كل أسبوع جديد، في ظل منافسة تكنولوجية شرسة قد تغيّر شكل المهنة نفسها. وأشاروا أيضاً إلى أن الفنانين الأقل شهرة هم الأكثر هشاشة، إذ قد تدفعهم ضغوط العمل أحياناً إلى التنازل عن حقوقهم، رغم ما قد يحمله ذلك من مخاطر على سمعتهم ومسارهم المهني.

وطالب الموقِّعون بوضع إطار قانوني واضح ينظِّم استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الفني، بما يضمن تحقيق توازن حقيقي بين الابتكار التقني وحماية حقوق التأليف والحقوق المجاورة.

ويأتي هذا التحرُّك ضمن موجة متصاعدة من المبادرات الفنية في مواجهة تأثير الذكاء الاصطناعي، إذ شهدت باريس مؤخراً وقفة احتجاجية شارك فيها عدد من الفنانين والممثلين.

وفي تطور أثار ضجة واسعة، اتهمت استوديوهات هوليوودية كبرى مؤخراً برمجية صينية تُدعى «سيدانس 2.0» بانتهاك حقوق التأليف، بعد انتشار فيديو مولَّد بالذكاء الاصطناعي جمع بين توم كروز وبراد بِت وحقق انتشاراً كبيراً على مواقع التواصل.

وبين وعود التكنولوجيا ومخاوف الفنانين، تبدو معركة السينما مع الذكاء الاصطناعي قد بدأت فعلياً، معركة قد تُعيد رسم حدود الإبداع وحدود المهنة في السنوات المقبلة.