هل يمكن لممر الحبوب الأوكرانية أن يخفف من أزمة الغذاء العالمية؟

هل يمكن لممر الحبوب الأوكرانية أن يخفف من أزمة الغذاء العالمية؟
TT

هل يمكن لممر الحبوب الأوكرانية أن يخفف من أزمة الغذاء العالمية؟

هل يمكن لممر الحبوب الأوكرانية أن يخفف من أزمة الغذاء العالمية؟

اقترحت روسيا تجديد مبادرة مدعومة من الأمم المتحدة وتركيا تسمح بتصدير الحبوب من موانئ أوكرانيا على البحر الأسود لمدة 60 يوما فقط. وقال وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار: «لقد بدأنا مفاوضات لتمديد صفقة الحبوب لمدة 120 يوما أخرى. أجرينا مباحثات مع الجانبين الروسي والأوكراني على المستوى الفني ونواصل المحادثات على المستوى الوزاري». وعبر أكار، في تصريحات، عن أمله في إمكانية التوصل إلى تفاهم لتمديد فترة سريان الاتفاق خلال فترة قصيرة، مضيفا أن «هذه الصفقة تعد مهمة بالنسبة للسلام الدولي والإقليمي، إذ إنها أثرت بشكل جدي في استقرار الأسعار، ونجري مفاوضات لتمديدها لمدة 120 يوما بدلا من تمديدها لمدة 60 يوما. وسيقيم الجانبان (الروسي والأوكراني) هذا الاقتراح وسيتخذان قرارهما. آمل أن نحل هذه المسألة بأسرع ما يمكن». وأوضح أكار أن الأطراف المعنية بدأت التفاوض حول فكرة التمديد، وستعلن قراراتها حول الموضوع بعد إجراء التقييمات اللازمة، مشيرا إلى أنه تم حتى الآن شحن أكثر من 24 مليون طن من الحبوب بموجب الاتفاق الموقع في إسطنبول في 22 يوليو (تموز) 2022، الذي ينتهي العمل به في 18 مارس (آذار) الحالي، بعد تمديده للمرة الأولى في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي لمدة 120 يوما. وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، إن المنظمة الدولية تواصل الدعوة لتنفيذ صفقة الحبوب، وتنفيذ الجزء المتعلق بتصدير الأغذية والأسمدة الروسية.
واتهمت وزارة الخارجية الروسية، في وقت سابق، الدول الغربية بالعمل على تخريب صفقة الحبوب، من خلال تنفيذ جزء واحد من بنود الاتفاقية، وهو الجزء المتعلق بصادرات الحبوب والمنتجات الغذائية الأوكرانية فقط.
وينص اتفاق إسطنبول على نقل الحبوب والمواد الغذائية والأسمدة الأوكرانية من 3 موانئ أوكرانية عبر البحر الأسود، وإلغاء العقوبات المفروضة على تصدير المنتجات الزراعية والأسمدة الروسية. وتقول روسيا إن الشق المتعلق بمنتجاتها لم ينفذ. وأتاح الاتفاق ممرا آمنا لعبور السفن المحمّلة بالحبوب بهدف الحد من النقص العالمي في إمدادات الغذاء من خلال السماح باستئناف الصادرات من ثلاثة موانئ في أوكرانيا، وهي منتج رئيسي للحبوب والبذور الزيتية.
> ما المنتجات التي يجري تصديرها؟
بموجب الاتفاق الذي ينص على إنشاء ممر آمن لعبور السفن، جرى شحن نحو 24.6 مليون طن من المنتجات الزراعية، منها 12.2 مليون طن من الذرة. وبلغت شحنات القمح نحو 6.7 مليون طن، فيما شملت السلع الأخرى بذور اللفت وزيت دوار الشمس وطحين دوار الشمس والشعير. وتوجهت معظم هذه الشحنات إلى الصين (5.4 مليون طن) وإسبانيا (4.3 مليون طن) وتركيا (2.7 مليون طن).
> ما النقاط التي يمكن تغييرها في الاتفاق؟
التغيير الرئيسي المحتمل في الاتفاق هو تقليص مدة تجديده إلى 60 يوما بدلا من 120 يوما، وهو ما تدعمه روسيا ولكن تعارضه أوكرانيا. ويكتسب تقليص المدة أهمية كبيرة إذ عادة ما تتأخر شحنات الحبوب في الفترة التي تسبق تاريخ التجديد بسبب المخاطر المحتملة من انهيار الاتفاق، والذي سيؤدي في حالة حدوثه إلى تقطع السبل بكثير من السفن في المنطقة. وقالت مصادر صناعية، كما نقلت عنها «رويترز»، إن نحو 60 سفينة تجارية لا تزال عالقة حول الموانئ الأوكرانية مقارنة مع أكثر من 90 سفينة كانت عالقة في فبراير (شباط) 2022، عندما اجتاحت روسيا أوكرانيا، وكان معظمها يحمل شحنات غذائية. لذلك من المحتمل أن يؤدي تقليص مدة تجديد الاتفاق إلى انخفاض ملحوظ في حجم شحنات الحبوب والبذور الزيتية التي تخرج من أوكرانيا عبر الممر المائي بسبب قلق الشركات مما قد يحدث للشحنات. وقالت مصادر تجارية إن شركات الشحن ترفض السماح لسفنها بالإبحار عبر الممر إلى حين معرفة نتيجة المحادثات الجارية بشأن الاتفاق. وقالت أوكرانيا إنها تود تمديد الاتفاق لمدة عام على الأقل وإضافة ميناء ميكولايف إلى قائمة الموانئ المشمولة بالمبادرة. والموانئ الثلاثة التي يشملها الاتفاق هي أوديسا وتشورنومورسك وبيفديني وتبلغ قدرتها الإجمالية للشحن نحو ثلاثة ملايين طن في الشهر.
وأظهرت بيانات الشحن لعام 2021 أن ميكولايف هو ثاني أكبر ميناء للحبوب في أوكرانيا، لذا فإن دخوله إلى الاتفاق سيسمح بشحن كمية أكبر من الحبوب والبذور الزيتية. وتقول روسيا إنها ترفض تجديد الاتفاق لفترة أطول حتى يتم اتخاذ خطوات ملموسة لإلغاء الحظر المفروض على صادراتها الزراعية. ولم تستهدف العقوبات الصادرات الزراعية لروسيا صراحة، لكن موسكو تقول إن الحظر المفروض على مدفوعاتها وخدماتها اللوجيستية وشركات التأمين يمثل عائقا أمام تصدير الحبوب والأسمدة. ويرى البعض أن روسيا ستطلب من الغرب أيضا تخفيف القيود المفروضة على بنك روسيلخززبانك الزراعي الحكومي، مما سيسهل الصادرات الروسية.
> هل نجح الاتفاق في تخفيف أزمة الغذاء؟
تسبب تقليل حجم الشحنات القادمة من أوكرانيا في أزمة عالمية فيما يتعلق بأسعار المواد الغذائية. وتأثر الإنتاج الزراعي أيضا بعوامل أخرى، مثل جائحة «كوفيد - 19»، والظروف المناخية مثل الجفاف في كل من الأرجنتين والولايات المتحدة. وساهم الممر المائي في انتعاش جزئي بالنسبة للشحنات الغذائية التي تبحر من أوكرانيا، لكنها لا تزال أقل بكثير من مستويات ما قبل الغزو، ومن الواضح أنها لن تتعافى كلية في المستقبل القريب. ويعد نقل الحبوب من الموانئ الأوكرانية وإليها أمراً صعباً ومكلفاً، مما دعا المزارعين الأوكرانيين إلى تقليل زراعة المحاصيل، مثل القمح والذرة بعد أن اضطر كثيرون منهم إلى بيع محاصيل العام الماضي بخسارة؛ نظرا لانخفاض الأسعار المحلية للغاية.
> هل ساعد الاتفاق على تخفيض أسعار القمح عالميا؟
ارتفعت أسعار القمح في مجلس شيكاغو للتجارة بشدة بعد الاجتياح الروسي لأوكرانيا في 24 فبراير 2022، ووصلت أسعار القمح الآن لمستويات ما قبل الصراع، إذ انخفضت الأسعار بسبب تصدير أوكرانيا ملايين الأطنان من القمح عبر الممر المائي. ومن بين العوامل الأخرى التي أدت لتقليل الأسعار زيادة محصول روسيا من القمح العام الماضي وبلوغه مستويات قياسية، إلى جانب التوقعات المتشائمة للاقتصادات العالمية وارتفاع سعر الدولار.
ولا تزال أسعار المواد الغذائية الأساسية القائمة على القمح، مثل الخبز والمعكرونة، أعلى بكثير من مستويات ما قبل الغزو في كثير من البلدان النامية على الرغم من انخفاض العقود الآجلة في شيكاغو. وأدى ضعف العملات المحلية وارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة تكاليف النقل والتعبئة.
> ماذا عن التأمين؟
نشر مركز التنسيق المشترك ومقره إسطنبول، والذي يشرف على الاتفاق، في أغسطس (آب) الإجراءات المتعلقة بالقناة المائية المخصصة للشحن بهدف تهدئة مخاوف شركات التأمين ومالكي السفن. ويتألف هذا المركز من مسؤولين روس وأتراك وأوكرانيين، إلى جانب مسؤولين من الأمم المتحدة. وقالت شركات التأمين في البداية إنها مستعدة لتوفير غطاء تأميني إذا كانت هناك ترتيبات لمرافقة السفن التي تمر عبر الممر، فضلا عن وجود استراتيجية واضحة للتعامل مع الألغام البحرية.
ومنذ ذلك الوقت، وضعت شركات التأمين شروطا لتوفير غطاء تأميني، بما في ذلك ضرورة بقاء السفن داخل الممر عند العبور، أو مواجهة خطر إلغاء اتفاقها. وفي أعقاب الاتفاق المبرم في 22 يوليو، أنشأت شركة «أسكوت» للتأمين التابعة لمجموعة «لويدز أوف لندن» وشركة «مارش» للوساطة التأمينية مرفقا للتأمين على الشحنات البحرية في حالة الحرب فيما يتعلق بالحبوب والمنتجات الغذائية التي تخرج من موانئ أوكرانيا على البحر الأسود، مع وضع تغطية تأمينية قدرها 50 مليون دولار للرحلة. ولا تزال التكلفة الإجمالية للتأمين على السفن المبحرة إلى الموانئ الأوكرانية باهظة للغاية، إذ إنها تشمل شرائح تأمينية خاصة. وقد زادت هذه التكلفة نظرا لتغطية شركات التأمين المزيد من المخاطر بعد أن استثنت شركات إعادة التأمين في بداية هذا العام روسيا البيضاء وروسيا وأوكرانيا، مما يزيد من الخطر على شركات التأمين ويقلل رغبتها في توفير تغطية تأمينية للشحنات. ويطلب مالكو السفن دفع مبالغ تأمينية إضافية ضد مخاطر الحرب، والتي تتجدد كل سبعة أيام بتكلفة آلاف الدولارات، نظير إبحار السفن إلى أي من الموانئ الأوكرانية الثلاثة المشمولة في الاتفاق. وإذا اقتصر تجديد الاتفاق على 60 يوما، فقد يؤدي إلى عزوف المزيد من مالكي السفن عن تأجير سفنهم؛ نظرا للتكاليف الباهظة التي سيتكبدونها، واحتمال تقطع السبل بسفنهم وسط البحر.


مقالات ذات صلة

أوكرانيا تقصف مصفاتين روسيتين وميناءً على بحر البلطيق

أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

أوكرانيا تقصف مصفاتين روسيتين وميناءً على بحر البلطيق

كثّفت القوات الأوكرانية هجماتها على مستودعات ومصافي النفط الروسية، التي تُعدّ من المصادر الرئيسية لتمويل المجهود الحربي لموسكو.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد ناقلات تحمل نفطاً خاماً في عرض البحر (رويترز)

أميركا تجدد الإعفاء من العقوبات على شراء النفط الروسي

جددت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الإعفاء الذي يسمح للدول بشراء النفط والمنتجات النفطية الروسية المحملة بالفعل في البحر لمدة شهر تقريباً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب) p-circle

زيلينسكي يحذر بيلاروسيا من الانزلاق مجدداً إلى الحرب الروسية ضد بلاده

حذّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بيلاروسيا من أي تورط آخر في الحرب التي تشنها روسيا ضد بلاده، مشيراً إلى أن عليها أن تعتبر بما حلّ بزعيم فنزويلا السابق

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الفرقاطة الروسية «أميرال غولوفكو» تطلق قذيفة مدفعية خلال مناورة بحرية (د.ب.أ)

روسيا تعزز الدفاعات الجوية على ساحل بحر البلطيق بعد ضربات أوكرانية

تعتزم روسيا تعزيز الدفاعات الجوية في مواقع حسّاسة في منطقة لينينغراد على ساحل بحر البلطيق، وفق ما أعلن الحاكم الإقليمي الجمعة، عقب ضربات أوكرانية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا ضباط إنفاذ قانون أوكرانيون يفتشون أجزاء من طائرة مسيّرة في موقع هجوم جوي روسي على خاركيف، أوكرانيا 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

مسيّرة روسية تنتهك المجال الجوي لرومانيا

قالت وزارة الدفاع الرومانية، اليوم (الجمعة)، إن أنظمة الرادار رصدت اختراق طائرة مسيّرة للمجال الجوي للبلاد خلال هجوم شنته روسيا ليلا على الجارة أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (بوخارست)

الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية الهندية، السبت، أنَّه جرى استدعاء سفير إيران لاجتماع مع الوزير مساء اليوم، بعد إطلاق النار على سفينتين ترفعان علم الهند في مضيق هرمز.

وأفاد بيان للحكومة الهندية، أن وزير الخارجية الهندي فيكرام ⁠ميسري، عبَّر خلال اجتماع مع السفير الإيراني، عن قلق ​الهند ‌البالغ إزاء ‌حادث إطلاق النار الذي وقع في وقت سابق اليوم، وشمل سفينتين ترفعان العلم الهندي في مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز».

وحثَّ وزير الخارجية الهندي سفير إيران على نقل وجهة نظر الهند إلى السلطات الإيرانية، واستئناف عملية تسهيل عبور السفن.

وكان مصدر حكومي هندي قد ذكر، في وقت سابق اليوم، أنَّ سفينة ترفع العلم الهندي وتحمل شحنةً من النفط الخام تعرَّضت لهجوم، اليوم (السبت)، في أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز. وأضاف المصدر أنَّ اسم السفينة «سانمار هيرالد»، مشيراً إلى أنَّ السفينة وطاقمها بخير.

وذكرت «رويترز»، في وقت سابق اليوم، أن سفينتين تجاريتين على الأقل أبلغتا عن تعرُّضهما لإطلاق نار في أثناء محاولتهما عبور مضيق هرمز، اليوم (السبت).

وأوضح المصدر الحكومي الهندي أنَّ نيودلهي استدعت سفير إيران لدى الهند بشأن الواقعة ذاتها.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس (الجمعة)، إنَّ إيران وافقت على فتح المضيق، بينما قال مسؤولون إيرانيون إنهم يريدون من الولايات المتحدة رفع الحصار المفروض على ناقلات النفط الإيرانية بشكل كامل.

وأظهرت بيانات شحن أنَّ أكثر من 12 ناقلة نفط، من بينها 3 سفن خاضعة لعقوبات، عبرت مضيق هرمز بعد رفع الحصار الذي ظلَّ مفروضاً عليه لمدة 50 يوماً أمس (الجمعة)، قبل أن تعيد إيران فرض قيود، اليوم (السبت)، وتطلق النار على بعض السفن.


متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، وأكد أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

تحوّلات ونماذج بديلة

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

امتحان التكيّف والتعاون

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.