خريطة النفوذ السياسي والعسكري في ليبيا

تحالفات متباينة وواقع ميداني مُعقد

مناورة بالذخيرة الحية للجيش الليبي التابع لحكومة الوحدة الوطنية الليبية المعترف بها دوليا في مدينة ترهونة غرب البلاد (أ.ف.ب)
مناورة بالذخيرة الحية للجيش الليبي التابع لحكومة الوحدة الوطنية الليبية المعترف بها دوليا في مدينة ترهونة غرب البلاد (أ.ف.ب)
TT

خريطة النفوذ السياسي والعسكري في ليبيا

مناورة بالذخيرة الحية للجيش الليبي التابع لحكومة الوحدة الوطنية الليبية المعترف بها دوليا في مدينة ترهونة غرب البلاد (أ.ف.ب)
مناورة بالذخيرة الحية للجيش الليبي التابع لحكومة الوحدة الوطنية الليبية المعترف بها دوليا في مدينة ترهونة غرب البلاد (أ.ف.ب)

مع إطلاق المبعوث الأممي إلى ليبيا، عبد الله باتيلي، قبل أيام، مبادرة تستهدف إجراء انتخابات عامة في البلاد، هذا العام، يتابع الليبيون الدبلوماسي السنغالي، وهو يتحدث عن أزمة وطنهم، بينما يتحسسون، من حولهم، خريطة النفوذ السياسي والعسكري لـ«مراكز قوى»، تُمسك بمفاتيح كل شيء تقريباً.
ولأسباب عدة، تبدو هذه الخريطة، اليوم، بالغة التعقيد، بعدما خرجت من رحم حروب أهلية طاحنة، تتابعت منذ مقتل الرئيس الليبي الراحل، معمر القذافي، في أكتوبر (تشرين الأول) من العام 2011.
أول ما يعوق قراءة حقائق النفوذ السياسي في ليبيا، هو تلك التغييرات المستمرة، لواقع التشكيلات المسلحة والتكتلات السياسية، المتنازعة على السلطة. وفي ظل تحالفات متباينة، يقف الشعب الليبي أمام حكومتين: الأولى تحظى باعتراف دولي، وتملك أدوات مالية وسياسية، وهي حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التي تبسط سلطاتها على طرابلس العاصمة، وتستعين بقوات تركية، وعناصر من «المرتزقة السوريين»، أما الأخرى، فهي
حكومة فتحي باشاغا، الموازية، التي تتخذ من مدينتي سرت وبنغازي مقرّاً لها، والتي حازت ثقة البرلمان الليبي بـ(شرق البلاد) لخلافة حكومة الدبيبة، لكن دون أن تتمكن من ذلك.

من الغرب إلى الجنوب
يرى المحلل السياسي الليبي، إبراهيم بلقاسم، أنه في ظل الوضع السياسي الراهن المرتبط بوجود حكومتين، يصعب تحديد خريطة واضحة لمواطن النفوذ، من ناحية «السيطرة الفعلية على السلطة، والتأثير السياسي المطلق»، لكن هناك من يرى أن الواقع على الأرض يشير إلى سيطرة حكومة الدبيبة، على مقاليد الأمور في مدن الغرب، وبعض مناطق بجنوب البلاد، في حين يبسط «الجيش الوطني» برئاسة المشير خليفة حفتر، سيطرته على غالبيتها، وصولاً إلى الحدود الجنوبية مع تشاد والنيجر والسودان.
ويجري «الجيش الوطني» من وقت إلى آخر عمليات تمشيط واسعة في الدروب الصحراوية بالجنوب الليبي لتتبع فلول تنظيم «داعش». وسبق لقوات الجيش خلال العام الماضي، مداهمة أوكار لعناصر التنظيم في «جبل عصيدة» بالجنوب الغربي بالقرب من مدينة القطرون (جنوباً)، كما قتلت عنصريين في عملية ثانية، في المنطقة ذاتها.

ولاءات الميليشيات
لا يختلف واقع التشكيلات المسلحة، عن الحالة السياسية في التعقيد؛ فالفصائل المسلحة التي تسيطر على العاصمة طرابلس، راهناً، والموالية لحكومة الدبيبة، سبق لها التمركز في مناطق عدة، قبل أن يعاد تشكيلها بعد اشتباكات أغسطس (آب) 2022.
ووفق بلقاسم، فإن تلك الفصائل، أطاحت القوة العسكرية الموالية لحكومة باشاغا، في طرابلس بالكامل، بما فيها المجموعات التي كانت تتعاطف معه.
فالمشهد في العاصمة بات قاصراً على القوات الموالية لحكومة الدبيبة. وقد نمت هذه القوات «بشكل متزايد وسريع» حتى أصبحت ألوية عسكرية متكاملة، من حيث القوة، والقدرة، والتأهيل، والتدريب المناسب، في وقت قياسي، بتعبير بلقاسم الذي يشير إلى أن هذه الأجنحة العسكرية الموالية للدبيبة باتت تدخل في تفاهمات مع الشرق الليبي ضمن مفاوضات سابقة تعلقت بدمج حكومتي الدبيبة، وباشاغا.
وتحظى حكومة الدبيبة في طرابلس بدعم عديد الميليشيات المسلحة، من أهمها «قوات الردع» و«العمليات المشتركة» و«جهاز دعم الاستقرار»، بالإضافة إلى كتيبة «فرسان جنزور» التي تتمركز غرب العاصمة، بجانب كتائب أقل عدداً وعتاداً، منها «رحبة الدروع» بمنطقة تاجوراء (شرق طرابلس).
وتقف بعض الميليشيات المسلحة في صف الحكومة الموازية برئاسة فتحي باشاغا، التي تحظى بدعم ميليشيا «لواء المحجوب» المتمركزة بمصراتة، وكتيبة «777».
وعقب التنازع على السلطة بين الدبيبة وباشاغا، ارتأت بعض الميليشيات المسلحة عدم الدخول على خط الأزمة بينها، وقالت إنها التزمت الحياد، من بينها ميليشيا «لواء الصمود» التي يقودها المطلوب دولياً صلاح بادي.
وتستهدف «الخريطة الأممية» التي أعلن عنها باتيلي، المسارعة في إجراء الانتخابات العامة بالبلاد، للحد من تغول هذه التشكيلات، ويرى بلقاسم، أن المبادرة لا تهدد «مصالح القوة الفاعلة على الأرض؛ بل تمنحها فرصة حقيقية للانخراط بشكل أكبر سياسياً، من خلال الممثلين السياسيين الذين يدعمونها في إطار دعمهم لجهود الحوار السياسي الليبي».

نفوذ «النواب» و«الدولة»
وضمن خريطة النفوذ نفسها، تتمتع حكومة الدبيبة، بموقف دولي داعم وجودها حتى إجراء الانتخابات العامة المنتظرة، رغم أن هذا الاستحقاق مهدد بالمضي في مسار معقد، وبخاصة مع صعوبة اتفاق مجلسي النواب والدولة على إصدار القوانين المنظمة لتلك الانتخابات. ورغم ذلك «لا يمكن لعبد الله باتيلي تجاوز تلك المؤسسات»، بحسب بلقاسم.
ومع ما أوجدته هذه الاصطفافات من تصنيفات متقابلة، على امتداد خريطة النزاع، بين شرق وغرب، إلى جانب صراعات آيديولوجية بين السلطات المختلفة، يُحصي المحلل الليبي حسين مفتاح، مجلسي النواب والدولة كسلطتين تشريعيتين لا يمكن تجاوزهما من جانب المبعوث الأممي، اعتماداً على المجلس الرئاسي، بقيادة محمد المنفي، وحكومة الوحدة الوطنية برئاسة الدبيبة.
ويرى في ذلك «تكراراً لتجربة فاشلة»، مشيراً إلى أنه رغم محاولات الدبلوماسي السنغالي لكسر الجمود السياسي، فإنه لم يتمكن من إحداث أي تغيير إيجابي في خريطة السياسة الليبية المحكومة بالأطراف المتصدرة للمشهد الراهن.

من بنغازي إلى سرت
منذ انتهاء حرب «الجيش الوطني» على طرابلس بانسحاب قواته، وهو يسيطر على مدينة سرت الساحلية (وسط ليبيا) وما حولها، بعد أن كانت تحت سيطرة حكومة طرابلس السابق بقيادة فائز السراج، وتمنح هذا المنطقة حفتر، مكسباً استراتيجياً لقربها من قاعدة «القرضابية» التي تخضع لسيطرة قواته، بجانب أن المدينة إلى الغرب مباشرة من «الهلال النفطي» الليبي، الذي يخضع لسيطرة الجيش منذ عام 2016 بعد أن استرده من تنظيم «داعش».
وبذلك يبسط «الجيش الوطني»، الذي يستعين بعناصر من شركة «فاغنر» الروسية، بحسب خبراء عسكريين، تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، سيطرته على كامل مدن شرق ليبيا، وبعض مناطق الجنوب، مروراً بمناطق وسط البلاد.
ولا يغيب الوجود الأجنبي في الشرق والغرب، عن خرائط النفوذ العسكري في البلاد، بالإضافة إلى القوات الأجنبية «المرتزقة» سواء في جنوب أو وسط البلاد. في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، يرى الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أحمد عليبة، أن ملف إجلاء المرتزقة بين الشرق والغرب الليبي «تحول ورقة مساومة تركية - روسية».
ورغم ما شهده مؤتمر باريس 2021، حول الأزمة الليبية، من اتفاق على السحب المتبادل، والمتكافئ، وبشكل متزامن، لهذه العناصر في الشرق والغرب، «فإن الأمر تحول، في نهاية المطاف، ورقةً للمساومة بين موسكو وأنقرة، وأصبح كل طرف منهما يتذرع بالآخر في عدم الوفاء بوعود سحب عناصره»، دون نية جادة للتنفيذ، وفق عليبة، الذي يوضح أن السؤال حول مصير هؤلاء، عند ترحيلهم من ليبيا، يظل معلقاً بلا إجابة.

هل أسرف باتيلي في الأمل؟
من واقع كل تلك المعطيات، قد يبدو أن المبعوث الأممي، عبد الله باتيلي، «أسرف في الأمل» حين طرح مبادرة تقفز فوق كل هذه الحواجز، نحو الانتخابات، وهو ما يرجّحه الباحث أحمد عليبة، قائلاً: إن باتيلي أسرف، بمبادرته الأخيرة، في تصوره حجم دور البعثة الأممية، من الوساطة إلى الوصاية، عبر تشكيل لجنة تتجاوز كل الأطراف «في بيئة داخلية معقدة يزيدها التعاطي الأخير، من المبعوث الأممي، تعقيداً».
وفي حين ينتقد إشارة الدبلوماسي السنغالي إلى المؤسسات الليبية بأنها «فاقدة للشرعية»، يقول عليبة: إنه في الواقع الليبي، اليوم، وفي خريطة النفوذ القائمة، لا يتعامل المتداخلون مع الملف الليبي، مع تلك المؤسسات باعتبارها شرعية أم لا، وإنما لكونها مؤسسات فرضها «الأمر الواقع». ويسري هذا الوصف على جميع تلك المؤسسات، بما فيها حكومة عبد الحميد الدبيبة، والمجلس الرئاسي، وكذلك مجلسا النواب والدولة.
لكل ذلك، تحولت الخريطة السياسية في ليبيا إلى «خريطة لمراكز القوى»، بتعبير «عليبة» الذي يطالب المبعوث الأممي بمراعاة التوازنات بين هذه القوى، وأن يلعب دور الوسيط بينها «بحيث يوجههم صوب عملية سياسية واضحة الملامح، ومنضبطة، تعكس توجهاتهم»، واصفاً المبادرة الأخيرة بأنها تقدم مساراً جديداً، وخريطة طريق جديدة «لا تتناسب مع السقف الزمني المحدد لها».


مقالات ذات صلة

«ملفات خلافية» تتصدر زيارة ليبيين إلى تونس

شمال افريقيا «ملفات خلافية» تتصدر زيارة ليبيين إلى تونس

«ملفات خلافية» تتصدر زيارة ليبيين إلى تونس

حلت نجلاء المنقوش، وزيرة الشؤون الخارجية الليبية، أمس بتونس في إطار زيارة عمل تقوم بها على رأس وفد كبير، يضم وزير المواصلات محمد سالم الشهوبي، وذلك بدعوة من نبيل عمار وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج. وشدد الرئيس التونسي أمس على موقف بلاده الداعي إلى حل الأزمة في ليبيا، وفق مقاربة قائمة على وحدتها ورفض التدخلات الخارجية في شؤونها الداخلية. وأكد في بيان نشرته رئاسة الجمهورية بعد استقباله نجلاء المنقوش ومحمد الشهوبي، وزير المواصلات في حكومة الوحدة الوطنية الليبية، على ضرورة «التنسيق بين البلدين في كل المجالات، لا سيما قطاعات الاقتصاد والاستثمار والطاقة والأمن».

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا محادثات سعودية ـ أممية تتناول جهود الحل الليبي

محادثات سعودية ـ أممية تتناول جهود الحل الليبي

أكدت السعودية أمس، دعمها لحل ليبي - ليبي برعاية الأمم المتحدة، وشددت على ضرورة وقف التدخلات الخارجية في الشؤون الليبية، حسبما جاء خلال لقاء جمع الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي، مع عبد الله باتيلي الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لدى ليبيا ورئيس البعثة الأممية فيها. وتناول الأمير فيصل في مقر الخارجية السعودية بالرياض مع باتيلي سُبل دفع العملية السياسية في ليبيا، والجهود الأممية المبذولة لحل الأزمة. إلى ذلك، أعلن «المجلس الرئاسي» الليبي دعمه للحراك الشبابي في مدينة الزاوية في مواجهة «حاملي السلاح»، وضبط الخارجين عن القانون، فيما شهدت طرابلس توتراً أمنياً مفاجئاً.

شمال افريقيا ليبيا: 12 عاماً من المعاناة في تفكيك «قنابل الموت»

ليبيا: 12 عاماً من المعاناة في تفكيك «قنابل الموت»

فتحت الانشقاقات العسكرية والأمنية التي عايشتها ليبيا، منذ رحيل نظام العقيد معمر القذافي، «بوابة الموت»، وجعلت من مواطنيها خلال الـ12 عاماً الماضية «صيداً» لمخلَّفات الحروب المتنوعة من الألغام و«القنابل الموقوتة» المزروعة بالطرقات والمنازل، مما أوقع عشرات القتلى والجرحى. وباستثناء الجهود الأممية وبعض المساعدات الدولية التي خُصصت على مدار السنوات الماضية لمساعدة ليبيا في هذا الملف، لا تزال «قنابل الموت» تؤرق الليبيين، وهو ما يتطلب -حسب الدبلوماسي الليبي مروان أبو سريويل- من المنظمات غير الحكومية الدولية العاملة في هذا المجال، مساعدة ليبيا، لخطورته. ورصدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في تقر

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا حل الأزمة الليبية في مباحثات سعودية ـ أممية

حل الأزمة الليبية في مباحثات سعودية ـ أممية

أكدت السعودية دعمها للحل الليبي - الليبي تحت رعاية الأمم المتحدة، وضرورة وقف التدخلات الخارجية في الشؤون الليبية، وجاءت هذه التأكيدات خلال اللقاء الذي جمع الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي مع عبد الله باتيلي الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لدى ليبيا رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. واستقبل الأمير فيصل بن فرحان في مقر وزارة الخارجية السعودية بالرياض أمس عبد الله باتيلي وجرى خلال اللقاء بحث سُبل دفع العملية السياسية في ليبيا، إضافة إلى استعراض الجهود الأممية المبذولة لحل هذه الأزمة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا «الرئاسي» الليبي يدعم «حراك الزاوية» ضد «حاملي السلاح»

«الرئاسي» الليبي يدعم «حراك الزاوية» ضد «حاملي السلاح»

أعلن «المجلس الرئاسي» الليبي، عن دعمه للحراك الشبابي في مدينة الزاوية (غرب البلاد) في مواجهة «حاملي السلاح»، وضبط الخارجين عن القانون، وذلك في ظل توتر أمني مفاجئ بالعاصمة الليبية. وشهدت طرابلس حالة من الاستنفار الأمني مساء السبت في مناطق عدّة، بعد اعتقال «جهاز الردع» بقيادة عبد الرؤوف كارة، أحد المقربين من عبد الغني الككلي رئيس «جهاز دعم الاستقرار»، بالقرب من قصور الضيافة وسط طرابلس. ورصد شهود عيان مداهمة رتل من 40 آلية، تابع لـ«جهاز الردع»، المنطقة، ما أدى إلى «حالة طوارئ» في بعض مناطق طرابلس. ولم تعلق حكومة عبد الحميد الدبيبة على هذه التطورات التي يخشى مراقبون من اندلاع مواجهات جديدة بسببها،

خالد محمود (القاهرة)

مصر تؤكد «خطوطها الحمراء» لدعم وحدة السودان

مصر تعيد التأكيد على خطوطها الحمراء في السودان (الرئاسة المصرية)
مصر تعيد التأكيد على خطوطها الحمراء في السودان (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تؤكد «خطوطها الحمراء» لدعم وحدة السودان

مصر تعيد التأكيد على خطوطها الحمراء في السودان (الرئاسة المصرية)
مصر تعيد التأكيد على خطوطها الحمراء في السودان (الرئاسة المصرية)

جددت مصر التأكيد على «الخطوط الحمراء» التي رسمتها لدعم وحدة السودان وسلامة أراضيه، وذلك خلال زيارة رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس إلى القاهرة، الخميس، ولقائه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيس الوزراء مصطفى مدبولي.

وشدد الرئيس المصري خلال استقباله إدريس على موقف بلاده الثابت تجاه السودان، مشيراً إلى أن «مصر تبذل جهوداً على المستويين الإقليمي والدولي بهدف إنهاء الحرب ورفع المعاناة الإنسانية عن السودانيين».

وأكد السيسي «عمق العلاقات الاستراتيجية والأخوية التي تجمع مصر والسودان»، وحسب إفادة للرئاسة المصرية، «تم التأكيد على أهمية استمرار التنسيق والتشاور بين البلدين في كافة القضايا ذات الاهتمام المشترك».

كما عقد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي محادثات مع نظيره السوداني. وحسب بيان مشترك صادر عن مجلس الوزراء المصري، شدد الجانبان على «ارتباط الأمن المائي السوداني والمصري كجزء واحد لا يتجزأ»، ورفضا «أي إجراءات أو تحركات أحادية في حوض النيل الشرقي تلحق الضرر بدولتي المصب».

وهذه ثاني زيارة لإدريس إلى القاهرة منذ تعيينه رئيساً للحكومة السودانية في مايو (أيار) الماضي، بعد زيارته الأولى في أغسطس (آب) الماضي.

وحسب بيان الرئاسة المصرية، «ثمن السيسي انعقاد اللجنة التنسيقية العليا لموضوعات المياه بين مصر والسودان برئاسة رئيسي وزراء البلدين»، مشيراً إلى أنها «تشكل إطاراً مهماً لتنسيق المواقف وضمان مصالح وحقوق شعبي البلدين».

وخلال المحادثات الثنائية بين مدبولي وإدريس، أكدت مصر «التزامها بالخطوط الحمراء التي حددتها الرئاسة المصرية في نهاية العام الماضي، ودعمها الكامل لوحدة السودان وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية».

التشديد على وحدة السودان

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقباله رئيس وزراء السودان بالقاهرة (الرئاسة المصرية)

وأصدرت الرئاسة المصرية، في 18 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بياناً حذرت فيه من «تجاوز خطوطٍ حمراء في السودان بوصفها تمس مباشرة الأمن القومي المصري»، وتضمنت تلك الخطوط «الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، وعدم السماح بانفصال أي جزء منه».

وقال مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية السابق، السفير محمد حجازي، إن «القاهرة تحذر من مخاطر استمرار الحرب الداخلية على وحدة واستقرار السودان، من منطلق تأثير ذلك مباشرة على أمنها القومي»، مضيفاً أن «مصر تعد حائط الصد الأول ضد محاولات تقسيم السودان».

وأشار، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «معركة مصر الأساسية تتمثل في الحفاظ على المؤسسات الوطنية السودانية، بما في ذلك الجيش السوداني، باعتبار أن ذلك كفيل للحفاظ على مستقبل الدولة السودانية».

وعلى الصعيد الأمن المائي، يرى حجازي أن «هناك تطابقاً في الموقف المصري والسوداني، لمواجهة التعنت الإثيوبي في ملف سد النهضة»، قائلاً إن «هناك حرصاً على توحيد الرؤى باعتبار البلدين دولتي المصب لنهر النيل، ومواجهة تحركات من قوى إقليمية للسيطرة على المنابع والمعابر المائية»، عاداً قضية المياه «تستوجب التنسيق المشترك بين البلدين».

ملف نهر النيل

سد النهضة الإثيوبي (أ.ف.ب)

وناقشت محادثات مدبولي وإدريس تطورات ملف نهر النيل، واتفق الجانبان على «ضرورة حماية الأمن المائي لمصر والسودان باعتبارهما دولتي مصب نهر النيل»، إلى جانب التأكيد على «العمل المشترك للحفاظ على حقوق واستخدامات البلدين المائية كاملة، وفقاً لاتفاقية عام 1959، مع تنسيق وتطابق المواقف التام في مختلف المحافل الإقليمية والدولية المعنية بموضوعات نهر النيل»، حسب مجلس الوزراء المصري.

واتفاقية 1959، المعروفة باسم «اتفاقية مياه النيل»، جرى توقيعها بين مصر والسودان في نوفمبر (تشرين الثاني) سنة 1959، وحددت لأول مرة كمية المياه التي تحصل عليها مصر من نهر النيل بنحو 55.5 مليار متر مكعب سنوياً، بينما يحصل السودان على 18.5 مليار متر مكعب، وفق «الهيئة العامة للاستعلامات» المصرية.

وحسب البيان المشترك، شددت مصر والسودان على «ارتباط الأمن المائي السوداني والمصري، كجزء واحد لا يتجزأ»، وأعادا التأكيد على «رفضهما القاطع لأي إجراءات أو تحركات أحادية في حوض النيل الشرقي من شأنها إلحاق الضرر بالمصالح المائية لدولتي المصب، أو تهديد أمنهما المائي».

وطالب البلدان إثيوبيا «بالعدول عن نهجها الأحادي، والالتزام بقواعد القانون الدولي التي تنظم الاستفادة من الأنهار المشتركة، لا سيما مبادئ الإخطار المسبق والتشاور وعدم إحداث ضرر والتوافق».

مطلب موحد للبلدين

رئيسا وزراء مصر والسودان في محادثات مشتركة بالقاهرة (مجلس الوزراء المصري)

وقال مدير وحدة العلاقات الدولية في «المركز السوداني للفكر والدراسات الاستراتيجية»، مكي المغربي، إن «هناك تقارباً بين القاهرة والخرطوم في ملف المياه»، لكن من وجهة نظره «لم يتم صياغة مطلب موحد للبلدين يُبنى عليه موقف سياسي حاسم لحماية حقوقهما المائية من مياه النيل».

وأشار، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «انعقاد اللجنة التنسيقية العليا لموضوعات المياه بين البلدين يستهدف توحيد رأي البلدين من أجل الضغط على الجانب الإثيوبي لمشاركة دولتي المصب في إدارة سد النهضة».

وشدد مغربي على أن «القاهرة تريد دعم حكومة الأمل السودانية برئاسة كامل إدريس»، مشيراً إلى أن «محادثات رئيس الوزراء السوداني تتناول التعاون في مجالات عديدة؛ من بينها الاقتصاد، وإعادة الإعمار، وأوضاع السودانيين في مصر».

وأكدت مصر والسودان «التزامهما بتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري، ودعم جهود إعادة الإعمار في السودان، بوصفها أولوية وطنية، واستحقاقاً عاجلاً لتحقيق الاستقرار المستدام»، حسب الحكومة المصرية.


محاولة اغتيال مسؤول أمني تعيد التوتر إلى مصراتة الليبية

الدبيبة خلال افتتاحه الفندق البلدي لمصراتة الأسبوع الماضي (مكتب الدبيبة)
الدبيبة خلال افتتاحه الفندق البلدي لمصراتة الأسبوع الماضي (مكتب الدبيبة)
TT

محاولة اغتيال مسؤول أمني تعيد التوتر إلى مصراتة الليبية

الدبيبة خلال افتتاحه الفندق البلدي لمصراتة الأسبوع الماضي (مكتب الدبيبة)
الدبيبة خلال افتتاحه الفندق البلدي لمصراتة الأسبوع الماضي (مكتب الدبيبة)

تسود حالة من التوتر الحذر مدينة مصراتة (غربي ليبيا)، إثر محاولة اغتيال العقيد مصطفى الحار، المكلف بمهام مدير مكتب مكافحة الإرهاب والأنشطة الهدامة بالمنطقة الوسطى، فيما توجه أصابع الاتهام إلى شخصيات محسوبة على «مجالس شورى ثوار بنغازي وأجدابيا ودرنة».

ونقلت وسائل إعلام محلية تعرض الحار لوابل من الرصاص أطلقه مسلحون مجهولون، في أثناء استقلاله سيارته في مصراتة، مساء الأربعاء، في ظل صمت رسمي مطبق من حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، التي يرأسها عبد الحميد الدبيبة.

وبموازاة ذلك، راج بيان منسوب إلى أهالي مصراتة، يعلنون فيه تبرؤهم من بعض الشخصيات التي يقولون إنها «تدعو إلى الفتنة وتأجيج الخلافات»، ومن بينهم عبد السلام الزوبي، وكيل وزارة الدفاع بحكومة الدبيبة، وعلي الصلابي، الأمين العام لـ«الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين».

وخلال البيان - غير الممهور بتوقيع أي جهة رسمية - أعلن أهالي وأبناء مدينة مصراتة من الفعاليات الاجتماعية والسياسية والعسكرية، تبرؤهم من 40 شخصية، وصفوها بـ«المجموعات الساعية للفتنة والفساد»، مشيرين إلى أن أصحاب هذه الأسماء، لا يمثلون إلا أنفسهم، وأفعالهم لا تعبر عن أصالة هذه المدينة وتاريخها المشرف في بناء الدولة».

النائب العام الليبي الصديق الصور (مكتب النائب العام)

وفيما حذروا «كل من تسول له نفسه المساس بأمن المدينة أو السلم الأهلي في البلاد بأن الرد سيكون حازماً وقاسياً»، طالب سكان مصراتة بكشف أسماء المعتدين على العقيد الحار، وتسليمهم إلى العدالة؛ درءاً للفتنة، وحفاظاً على السلم الاجتماعي.

في ظل هذه الأوضاع المتوترة، يرى المحلل السياسي الليبي، محمد قشوط، أن الوضع في مصراتة «ينزلق إلى منحنى خطير جداً»، داعياً المدينة وسكانها إلى التخلي عما يسمى بـ«المجالس المتطرفة التي فرت من بنغازي وأجدابيا ودرنة»، محذراً من أن «اختطاف المدينة ممن يوفرون لهم الأمان والجوار سيحولهم إلى قنابل موقوتة ستنفجر في مصراتة قبل غيرها من مدن المنطقة الغربية».

وأضاف قشوط موضحاً أن «الهجوم الذي تعرض له مقر المخابرات العامة الأيام الماضية - في ظل صمت أهالي المدينة وأجهزتها الأمنية - والذي كشفت فيه العناصر المتطرفة عن وجوهها ونواياها، لم يتوقف عند هذا الحد؛ إذ تعرض العميد بالمخابرات العامة، مصطفى الحار، للاختطاف والضرب والإهانة، وهو الآن في حالة حرجة».

ويأتي التوتر والاحتقان المتصاعدان في مصراتة عقب سيطرة مجموعة مسلحة، تابعة لوزارة الدفاع في حكومة الوحدة المؤقتة، على مقر جهاز المخابرات العامة التابع للمجلس الرئاسي، وسط تطورات فجّرت موجة غضب واحتجاجات داخل المدينة التي ينتمي إليها الدبيبة وقيادات أمنية عديدة.


نزوح و«أوضاع قاسية» في مستريحة غرب السودان

أنقاض حريق اندلع في مخيم «طويلة» بشمال إقليم دارفور يوم 11 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
أنقاض حريق اندلع في مخيم «طويلة» بشمال إقليم دارفور يوم 11 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

نزوح و«أوضاع قاسية» في مستريحة غرب السودان

أنقاض حريق اندلع في مخيم «طويلة» بشمال إقليم دارفور يوم 11 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
أنقاض حريق اندلع في مخيم «طويلة» بشمال إقليم دارفور يوم 11 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

قالت «شبكة أطباء السودان» إن الأسر النازحة من بلدة مستريحة بإقليم دارفور؛ بعدما اقتحمتها «قوات الدعم السريع»، تواجه أوضاعاً إنسانية بالغة القسوة، في ظل انعدام تام للمأوى والغذاء ومياه الشرب. ووفق المتحدث باسم «الشبكة»، تسنيم الأمين، فإن أكثر من 3 آلاف من النساء والأطفال وكبار السن يعانون ظروفاً إنسانية وصحية شديدة الخطورة، تتطلب تدخلاً عاجلاً وفورياً لتفادي كارثة إنسانية وشيكة.

وناشد الأمينُ المنظماتِ الدولية والإنسانية الإسراع في توفير المأوى والغذاء ومياه الشرب والرعاية الصحية العاجلة لإنقاذ هذه الأسر المنكوبة.

وفي السياق ذاته، وصل زعيم قبيلة المحاميد، موسى هلال، المتحالف مع الجيش، إلى مدينة الدبة في شمال البلاد، وذلك بعد أيام من سيطرة «قوات الدعم السريع» على معقله في بلدة مستريحة بولاية شمال دارفور.

وقال أحمد محمد أبكر، المتحدث باسم «مجلس الصحوة الثوري» الذي يتزعمه هلال، في بيان يوم الخميس، إن «رئيس المجلس موسى هلال وصل إلى مناطق سيطرة القوات المسلحة السودانية، خارج إقليم دارفور، وهو بصحة تامة».

وكان التواصل قد انقطع مع هلال والقوة المرافقة له منذ الساعات الأولى للهجوم الذي شنته «قوات الدعم السريع» على البلدة صباح الاثنين الماضي. وأفادت حينها مصادر ومنصات إعلامية مقربة من «الدعم السريع» بأن ممراً آمناً فُتح لهلال والمواطنين لمغادرة مستريحة دون التعرض لهم من قبل القوات التي نفذت الهجوم على البلدة. ووفق المصادر نفسها، فإن قوات «مجلس الصحوة الثوري» انسحبت من البلدة بعد هزيمتها من قبل «قوات الدعم السريع».

ويُعدّ موسى هلال المؤسسَ الأول لميليشيا «الجنجويد» التي استعان بها نظام الرئيس المعزول عمر البشير، وسلّحها لقمع حركات التمرد في إقليم دارفور بين عامي 2003 و2010، ويُتهم بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية ضد القبائل من الأصول الأفريقية في غرب السودان.

ويتزعم هلال قبيلة المحاميد المتفرعة من قبيلة الرزيقات التي ينتمي إليها قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو، المعروف بـ«حميدتي»، والذي يتحدر من فرع الماهرية في القبلية ذاتها. وبعد نحو عام من اندلاع الحرب في السودان، أعلن هلال تأييده الجيش، لكن قواته لم تشارك في أي معارك ضد «قوات الدعم السريع» في دارفور أو في جبهات القتال الأخرى.

من جهة أخرى، انتقد تحالف «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع» تقرير مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، بخصوص الفاشر، وقال في بيان إن التقرير «يجافي الكثير من الحقائق على أرض الواقع».

وقال المتحدث باسم التحالف، علاء الدين عوض نقد، إن ما جاء في تقرير البعثة عن قتل المدنيين في الفاشر «حديث عارٍ عن الصحة»، مشيراً إلى أن قوات «تحالف تأسيس» أجلت أكثر من 800 ألف من السكان خلال معارك الفاشر.

ووثق تقرير البعثة الدولية حالات تعذيب واحتجاز تعسفي من طرف «قوات الدعم السريع» في الفاشر، إضافة إلى استخدامها سلاح التجويع وأفعالاً ترقى إلى جرائم حرب.