محمود البريكان... حادثة مقتله جاءت لتكمل الأسطورة الشعرية الخاصة

مع ذكرى غيابه الـ21 في ظروف غامضة

محمود البريكان
محمود البريكان
TT

محمود البريكان... حادثة مقتله جاءت لتكمل الأسطورة الشعرية الخاصة

محمود البريكان
محمود البريكان

وُلد محمود داود البريكان (1931 - 2002) في مدينة البصرة، وتخرج في كلية الحقوق بجامعة بغداد. عمل مدرساً للغة العربية في ثانويات العراق والكويت، حتى أحيل إلى التقاعد.
وهو يعدّ من الشعراء الرواد في الشعر العربي إلى جانب السياب ونازك الملائكة وبلند الحيدري وعبد الوهاب البياتي. وكان السياب من أصدقاء البريكان المقربين؛ يتردد عليه دوماً ويقرأ كلٌ على الآخر قصائده الجديدة.
في عام 1951 كتب البريكان ملحمته الشعرية الطويلة «أعماق المدينة»... قرأها على السياب فأعجبته كثيراً، وبعد ذلك بثلاث سنين قال له السياب إنه استلهم منها قصيدته الطويلة «حفار القبور»، وقال في وصفها إنها قصيدة «بريكانية».
لكن البريكان عزف عن النشر بعدها، واختار عزلة طويلة انتهت بمقتله الغامض وهو في بيته عام 2002.

محمود البريكان. يلتمعُ الاسم بجلالٍ كلما تردد في أرجاء قاعة ثقافية ما في البصرة، أو حديث جانبي لشعراء بمقهى «الأدباء» في العشار؛ حيث لا يبعد بيته، الذي قضى فيه مقتولاً في حادثة سطو وفق الرواية الرسمية عام 2002، سوى دقائق معدودة بالسيارة. أستعيد الاسم اللامع وأنا أمر يومياً بحي «الجزائر»، وتُذكرني «هبات شباط» الباردة وأنا أقطع الشارع التجاري فيه بشباط باردٍ وحزين، قبل واحدٍ وعشرين عاماً، حيث مرت آخر الهبات الباردة على الجسد الذي انحسرت عنه الحياة في ليلة ليلاء. تتألق الاستعارة بين جسد غائب في حياته واسم متوهج في مماته.
استطاع البريكان أن يكون أسطورة أدبية حية في وسط ثقافي قاسٍ وظروف سياسية واجتماعية شديدة الالتباس، سقط في امتحانها كثيرون. غير أنه؛ ومع كل انعطافة تاريخية تعصف بالعراق، ظل محتفظاً بخصوصية اعتبارية فرضتها موهبته الفذة وطريقته الاستثنائية في إدارة تلك الموهبة. حتى جاءت حادثة مقتله لتكمل الأسطورة الشعرية الخاصة. كأنه يأبى إلا أن يظل مُفارقاً للجميع حتى وهو يغادر الحياة.
لقد بقي البريكان حراً في حياته وفي شعره. والمتأمل لقصيدته «عن الحرية» يلمس فهماً غير شائع وقتها عن مفهوم الحرية. حرية الفرد لا الجموع... المتخففة من مجد مصنوع وتاج مزيف.

«قدمتمو لي منزلاً مزخرفاً مريحاً
لقاء أغنية
تطابق الشروط
أوثر أن أبقى
على جوادي وأهيم من مهب ريح
إلى مهب ريح».

عبر شارع «الاستقلال»، وسط المدينة، وقرب مبنى الإعدادية المركزية (تأسست عام 1925) حيث درس البريكان فيها، جازت بنا؛ الشاعر طالب عبد العزيز وأنا، السيارة خاطفةً تنسحب عن جانبيها أضواء الواجهات التجارية. سألتُه عن أثر البريكان في الأجيال اللاحقة. قال: «إذا كانت فطرة وموهبة السياب الاستثنائية قد أكدته شاعراً كبيراً، فعقلية ووعي محمود البريكان بالشعر هي التي قدمته واحداً من القلائل الذين تتقدمهم وترهقهم أفكارهم في معنى الوجود الإنساني». وأضاف وهو يعدل من الصحيفة المطوية بين يديه: «وإذ تقدمت عذاباته مشروعه الشعري؛ فقد كمنت الخلاصات الكبرى في شعر البريكان لترينا ما لا يمكن العثور عليه». نحن إذن إزاء شاعر لم يفصح إلا عن القليل من وجوده بيننا، فقد ظل ذلك البدوي الذي لم يكشف عن روحه؛ ليقينه بأن الحياة لا تستكنه بالإفصاح عنها؛ إنما بقدرتنا على تأملها الأبدي».

تراث البريكان الشعري

لا يخلو جديد الإصدارات والدوريات الأدبية المختصة كل مدة من اسم البريكان. فقد ظل الرجل مثار اهتمام نقدي متزايد، ضاعفته قلة الأرشيف المتاح عن قصائد الشاعر ومقالاته وحواراته في الصحافة العراقية والعربية، وشح المعلومات عن حياته. صورهُ الفوتوغرافية نادرة. ليس لهُ لقاءٌ مصورٌ على «يوتيوب»، ولا له صوتٌ مسجل في إذاعة. ورغم الحضور الطاغي لاسم البريكان على المشهدين؛ الثقافي عامة، والشعري خاصة، فإنه لا يوجد كتاب واحد دوّن سيرته، ولم يُنتَج فيلم وثائقي واحد عن حياته المليئة بدراما يحلم بها أي مخرج سينمائي. كأن «البدوي الذي لم يرَ وجهه أحد» لم يمر على هذه الأرض ولم يره أحد حقاً. والحق أننا في العراق نفتقد العناية بالأرشيف، ولا نعنى بحفظ تراث كتابنا المؤسسين والرواد. وإلا؛ فما معنى أن يظل البريكان، وبعد مرور أكثر من عقدين على رحيله، من دون ديوان شامل يضم أعماله الشعرية كلها؟ ومن دون مجلد آخر يضم أثره النثري المجهول؟ ما سر عزوف أهل الاختصاص والمسؤولية؟ أين أصدقاؤه الذين كانوا يزورونه في معتزله؟ أين تلاميذه؟ أين المؤسسات الثقافية الرسمية ودور النشر؟ من المؤسف القول إننا جميعاً مقصرون بشكل فادح إزاء قامة مدت الشعر العراقي بنسيج خاص وفرادة لا تتكرر.
قبل شروعي في تحقيق أعمال السياب الشعرية (صدرت 2020)؛ كنت قد خططت عام 2014 لجمع أعمال البريكان؛ عرفاناً بقيمته الرفيعة وتأثيره على أجيال جاءت بعده. كما أن المشروع سيخدم تراثه الإنساني بحفظ نتاجه من الضياع، ويضعه، من ثم، بين يدي كل باحث ومحب لشعره داخل البلاد وخارجها. حلمت بأن يضم الكتاب ما لم يُنشر في حياة الشاعر من شعره. وقد شاع أن منزل الشاعر كان يضم دفاتر شعره غير المنشور. وقد انقسمت الأقاويل بين من أكد وجودها ليلة مقتله ثم اختفاءها لاحقاً، ومن قال إن البريكان ائتمن دفاتره لدى أحد البنوك.
لم أجد تشجيعاً ممن علم بالمشروع من الأدباء. بدا أنهم يدارون أسبابهم الحقيقية بمزاعم أن لا طائل من هذه الجهود، وأنني لن أجد استجابة من عائلة الشاعر. وهو ما حدث بالفعل. ظل سعيي الحثيث يصطدم بخيبات متلاحقة؛ إذ فشلت في الوصول لأحد من ورثته أو عائلته، رغم أن مدينة واحدة تجمعنا. وكنت كلما اقتربت من لقاء أحدهم، ينسحب فجأة، وتتلاشى الفرصة وتتبدد بغرابة غير مفهومة، رغم الاتصالات الودية التي تسبقها.

رسالة استثنائية

حدث بعد فترة أن حصلت على عنوان «فيسبوك» لعبد الله البريكان؛ شقيق الشاعر، والمقيم في السعودية. وبعد مدة من التواصل، بعثتُ برسالة تعريف وطرحت فكرة المشروع. وقد عرضت عليه أن يَصدر الكتاب بتحريره هو، وسأكتفي بتحقيق النصوص وتحريرها وتدقيقها من دون أي إشارة لاسمي. كنت أريد للكتاب أن يظهر بأي طريقة وأن تُفك الأحجية. لكنه للأسف اعتذر من دون أسباب تذكر. ثم جاء رحيله عن عالمنا قبل سنتين ليقضي على فرصة استثنائية في حفظ تراث الشاعر.
إن رسالة بعث بها عبد الله البريكان إلى الشاعر طالب عبد العزيز تكشف عن أي خسارة تكبدها محبو الشاعر برحيل شقيقه الذي يبدو أنه كان يحفظ شعره. وأترك للقراء جزءاً من الرسالة المهمة: «...إن مجموعة البدايات وحدها، وهي محفوظة عندي، ديوان (الرقص في المدافن)، تحتوي على مائة قصيدة، وتمثل تجربة الشاعر للفترة من عام 1945 إلى عام 1952، وكان الراحل يسميها فترة البدايات. أما الديوان الثاني (التشرد العظيم)، وهو أيضاً محفوظ عندي كاملاً، فيحتوي على أكثر من 80 قصيدة تمثل تجربة الشاعر للفترة من 1955 وحتى 1968. أما ديوانه (عوالم متداخلة)؛ فهو الديوان الأضخم والأحدث للشاعر ويمثل الفترة من 1969 إلى 1996. هذا إضافة إلى مجموعة شعرية خاصة بالأطفال، وأخرى خاصة بالشعر المنثور كتبها قبل أن يعرف القراء أدونيس وأنسي الحاج والماغوط... وغيرهم. هذه هي الآثار الشعرية الكاملة لمحمود البريكان! علماً بأن جميع قصائد الشاعر مؤرخة، وهذا ما قد يحتاجه الباحث والدارس والناقد عند دراسة تطور التجربة الشعرية عند هذا الشاعر الاستثنائي. والبريكان أول من كتب المطولات الشعرية في الشعر العربي الحديث؛ (المجاعة الصامتة) 1950، و(أعماق المدينة) 1951، إضافة إلى مطولة (القوة والأغلال) 1958 - دمشق، ومطولة (سقوط بغداد) 1970. هذه هي الآثار الشعرية الكاملة للراحل م.البريكان، وكلها محفوظة عندي...».
ولكن ما الذي منعَ شقيق البريكان من إسداء خدمة لأخيه الراحل بنشر أعماله الكاملة التي يبدو أن لا أحد يملك الآن أصولها كما كان يمتلكها هو؟ في الأقل لإنصافه تاريخياً في ريادة «الشعر المنثور» والمطولات الشعرية كما يقول. وأنا على اطلاع على محاولات أكثر من دار نشر للحصول على حقوق الكاتب منه - شخصياً حاولت مرتين - ولكن من دون جدوى حتى انتهت المحاولات كلها بوفاته للأسف.

دفاتر البريكان

ظل موضوع دفاتر البريكان الشعرية يشغلني؛ إذ إن قصائد البريكان المنشورة في حياته لن تعدّ «أعمالاً كاملة»؛ خصوصاً بعد رسالة شقيق البريكان. غير أن تحقيقي عنها كان يتشعب ويزداد غموضاً كلما توسع البحث. وما أكثر ما سمعت من إشاعات تشبه الحقائق أو حقائق تلبس لبوس الإشاعات. ومن أكثر قصص الدفاتر إثارة أنها أُخذت في أثناء التحقيق من جهات على صلة بالأدب، ويزعم البعض أنه شاهد نسخاً مصورة لتلك الدفاتر المفقودة. غير أن الأمر لا يعدو الأحاديث المتبادلة من دون أن يظهر من يزيل الغموض عن الوقائع.
تظل الجهاتُ الثقافية الحكومية مسؤولة عن إعادة الاعتبار لواحد من رموز الشعر العراقي الحديث والذي يستحق العناية بتراثه المنسي بما يحفظه للأجيال المقبلة ويضعه موضع القراءة والبحث والاهتمام.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«عشر سنوات بالداخل» يستكشف العلاقة بين الفنان والزمن

لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)
لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)
TT

«عشر سنوات بالداخل» يستكشف العلاقة بين الفنان والزمن

لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)
لوحة مستوحاة من أحلام فتاة من جنوب مصر (الشرق الأوسط)

لا يقف معرض «عشر سنوات بالداخل» للفنان التشكيلي المصري علي حسان عند تجربة العرض البصري فحسب، بقدر ما ينطلق من فكرة اكتشاف، قائمة على تجربة مشتركة بين الفنان والمتلقي، وذلك عبر نحو 50 عملاً فنياً في مساحة يستضيفها غاليري «تام» غرب القاهرة، حتى نهاية أبريل (نيسان) الحالي. وفي هذه المساحة المفتوحة، يطرح الفنان تباينات مشروعه الممتد، كاشفاً التحولات التي واكبته عبر السنوات، ومختبراً انطباعات جمهور جديد تجاه أعمال تعود إلى فترات زمنية مختلفة.

وفي هذا الإطار، يصف حسان تجربته بأنها «اختبار للأصالة»، حيث «لا تتحدد قيمة العمل بلحظة عرضه الأولى فقط، بل بقدرته على تجديد أثره عند إعادة مشاهدته بعد سنوات، ومدى احتفاظه بطاقته على إحداث الدهشة والانجذاب والجمال مع كل مواجهة جديدة، على نحو يشبه العودة إلى فيلم أو كتاب تتكشف طبقاتهما مع الزمن. فالمعرض، بهذا المفهوم، هو محاولة لقياس استمرارية العمل الفني، وهو المعيار الذي يتم من خلاله اقتناء الأعمال في المتاحف»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط».

متتالية الأرض تبرز طقس حصاد القمح في الصعيد (الشرق الأوسط)

وتتخذ لوحة «متتالية الأرض» موقعاً خاصاً داخل تجربة حسان، كأحد المنابع العاطفية لفكرة «الداخل» نفسها، ويقول: «أستعيد بها بدايات إقامتي في محافظة الأقصر (جنوب مصر)، حيث سمعت للمرة الأولى تعبير (وداع الأرض)، المرتبط بانحسار مياه النيل وبداية زراعة القمح، ثم الاحتفاء بحصاده في أبريل (نيسان) من كل عام. هذه الدورة، بين الفقد والابتهاج، ارتبطت لديّ بقراءتي لرواية (الأرض) للأديب عبد الرحمن الشرقاوي، وما تحمله من علاقة وجودية بين الإنسان وأرضه».

وينعكس هذا التصوّر على التقنية التشكيلية، إذ يتعمّد إقصاء السماء من التكوين، ليجعل الأرض وحدها مركز الرؤية، إلى جانب اشتغال تقني معقّد يقوم على بناء السطح عبر طبقات لونية كثيفة تُكشط وتُعاد صياغتها بتكرار، حتى تتشكّل بروزات تُحاكي سنابل القمح، وتمنح اللوحة ملمساً أرضياً غير مسطح، يستدعي تشققات الأرض وبروزاتها، ويفتح على عالم داخلي مشبع بحكايات الجنوب وإيقاعاته.

جانب من أعمال المعرض (الشرق الأوسط)

وفي مقابل هذا الاشتغال الكثيف على سطح اللوحة وتفاعلاته مع الزمن في «متتالية الأرض»، تبدو إحدى لوحات مجموعة «ملاذ آمن» المقابلة لها حاملةً شحنة انفعالية ولونية مغايرة تماماً. يقول الفنان: «هذا التباين يعكس في ذاته حالة التحوّل التي أمرّ بها عبر مشروعي. فهذه اللوحة، رغم اختلاف عالمها، تنبع أيضاً من حكايات الجنوب، حيث بطلتها طالبة بكلية الفنون، تكشف قصتها الفجوة بين الأحلام وبساطتها، وصعوبة تحقيقها في الواقع. حتى ملاذها الآمن، المتمثل في حيواناتها الأليفة، بدأ يتبدد، حين راحت تراها في أحلامها مهدَّدة من حيوانات ضارية، كأن مساحة الحلم نفسها لم تعد قادرة على حمايتها».

وتدفع هذه اللوحة المتلقي إلى إعادة النظر في البالِتة اللونية الصاخبة والفانتازية، التي تبدو، للوهلة الأولى، مشتقة من عالم الأحلام، لكنها لا تنجح في إزاحة ملامح الأسى التي تهيمن على وجه الفتاة، ولا على فستانها الأبيض. في المقابل، تتقدّم الضباع في التكوين بوصفها عنصراً حركياً مهيمناً، تُبرزها اللوحة بإيقاع بصري متوتر، يقابله جسد الفتاة المستكين في مركز المشهد، بما يخلق حالة من القلق المتصاعد على سطح اللوحة، حيث يتجاور الانبهار اللوني مع إحساس عميق بالتهديد.

الفنان علي حسان مع عدد من حضور المعرض (الشرق الأوسط)

ويجد «التهديد» مساراً آخر داخل لوحات أخرى في المعرض، يتخيّل فيها حسان ما قد تؤول إليه فتاة معاصرة في ظل تصاعد أزمة المياه، حيث تتحوّل الفتيات إلى نسخ ترتدي ملابس الجدّات وهن يعانين من انحسار الماء، ويترجم الفنان هذا التصوّر بصرياً عبر تغليب درجات الفحم القاتمة على مساحات اللوحة، في مقابل حضور الماء في شريط ضيق أسفلها، مضغوطاً بطبقات لونية توحي باختناقه، تتكاثف فوقه الطحالب، كعلامة على ركود مهدد للحياة، يتجاوز الحكاية الفردية إلى أفق أوسع من المخاوف البيئية المعاصرة.


«إندبندنت عربية» تفوز بجائزة «فيتيسوف للصحافة»

فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)
فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)
TT

«إندبندنت عربية» تفوز بجائزة «فيتيسوف للصحافة»

فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)
فاز صلاح لبن بالجائزة الأغنى عالمياً في مجال الصحافة لعام 2025 (إندبندنت عربية)

حصد الزميل صلاح لبن، المحرّر في «إندبندنت عربية» التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)»، جائزة «فيتيسوف للصحافة» عن تحقيق «العالم المظلم لسماسرة التبني في مصر»، وذلك خلال حفل دولي استضافته مدينة ليماسول القبرصية، الأربعاء، بعد منافسة بين تحقيقات أخرى نشرتها كبرى الصحف المرموقة على مستوى العالم.

وجائزة «فيتيسوف» التي تُوصَف بالأغنى في العالم، هي الجائزة الحادية عشرة لـ«إندبندنت عربية» منذ إطلاقها، عام 2019، من العاصمة البريطانية، لندن، ولها فروع في عدد من العواصم العربية، منها الرياض والقاهرة وبيروت، وشبكة مراسلين في أنحاء العالم، كما تعتمد المنصة الرقمية الرائدة على ترجمة محتوى صحيفة «إندبندنت» البريطانية الأم.

وجاء فوز صلاح لبن في النسخة السابعة من الجائزة الأضخم عالمياً، التي يبلغ مجموع جوائزها 520 ألف فرنك سويسري (600 ألف دولار) سنوياً، في منافسة شهدت 500 طلب من 82 دولة حول العالم، خضعت لعملية تقييم وفق معايير منضبطة، تشمل الدقة والإنسانية والشفافية والتأثير الإيجابي للمنشور سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً.

من جانبه، قال رئيس تحرير «إندبندنت عربية»، عضوان الأحمري: «نعتز ونفتخر بفوز زميلنا صلاح لبن بـ(جائزة فيتيسوف للصحافة). إنه إنجاز يعكس المستوى المهني الرفيع الذي يتمتع به، ويجسّد التزامه العميق بقيم الصحافة الجادة والمسؤولة».

وأكد الأحمري أن هذا الفوز «ليس تكريماً فردياً فحسب، بل هو أيضاً تأكيد على النهج التحريري الذي تتبعه (إندبندنت عربية)، القائم على المهنية، والدقة، والاستقلالية، والسعي الدائم لتقديم محتوى نوعي يواكب تطلعات القارئ العربي».

بدوره، قال صلاح لبن، خلال تسلُّمه الجائزة، في حفل حضرته شخصيات عامة وصحافيون متميزون حول العالم: «في الحقيقة، كان هذا التحقيق ثمرة بيئة مهنية داعمة حقاً في (إندبندنت عربية)»، مُثمِّناً «الدعم المهني من رئيس التحرير الذي أتاح مساحة لإنجاز عمل استقصائي دون قيود».

وشهدت الفئة التي نافست عليها قصة «إندبندنت عربية» العدد الأكبر من المرشحين؛ إذ لم يجتز مرحلة الفرز الأولى سوى 293 قصة، تنافست على أربع فئات: المساهمة في الحقوق المدنية، وهي الفئة التي فازت بها «إندبندنت عربية» في المركز الثالث بواقع 97 إدخالاً، والصحافة البيئية المتميزة (89)، والتقارير الاستقصائية (82)، والمساهمة في السلام (25).

وتهتم جائزة «فيتيسوف» بتسليط الضوء، من خلال الجائزة السنوية، على الأعمال التي تسهم في تعزيز القيم الإنسانية، كالصدق والعدالة والشجاعة والنبل، عبر تكريم الصحافيين البارزين حول العالم، الذين يسهم التزامهم المتفاني في تغيير العالم إلى الأفضل.

وتخضع عملية التقييم لمسارين؛ إذ يختار في الأول مجلس مكوَّن من 10 خبراء معترف بهم في مجال الصحافة لتقييم الأعمال مهنياً وموضوعياً، بنظام التصويت المستقل، القائمة المختصرة، ثم يجري الاستقرار على المرشحين النهائيين من خلال تصويت آخر من هيئة المحلفين، التي تتكوّن وفق نظام الجائزة من ستة أعضاء على الأقل، تتوافق عليهم اللجنة التوجيهية سنوياً. وتُنشر التحقيقات النهائية في كتيب فيتيسوف الذي يُوزع على منظمات صحافية حول العالم.

وسبق الحفل اجتماع دولي لوسائل الإعلام من الصحافة الأوروبية والعالمية نوقشت خلاله أحدث الاتجاهات والتطورات في وسائل الإعلام الإخبارية.

كانت «إندبندنت عربية» قد نالت، يناير (كانون الثاني) الماضي، جائزة «كورت شورك» للصحافة الدولية لعام 2025، ضمن الدورة الـ24 للجائزة عن فئة المراسل المحلي للزميلة آية منصور، تقديراً لتقاريرها الصحافية التي أنجزتها في العراق، وتعاملها مع قضايا شديدة الحساسية بعملٍ توثيقيّ دقيق ومسؤول.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تسلَّمت «إندبندنت عربية»، جائزة «بطل حرية الصحافة العالمية» نيابة عن مراسلتها الراحلة في غزة مريم أبو دقة، خلال حفل أقامه المعهد الدولي للصحافة في فيينا، بالشراكة مع منظمة دعم الإعلام الدولي.

كما حصلت، في فبراير (شباط) 2025، على جائزة «التقرير الصحافي» في «المنتدى السعودي للإعلام 2025»، بفوز تقرير «مترو الرياض... رحلة فلسفية للتو بدأت فصولها» للزميل أيمن الغبيوي، وجائزة «مجلس التعاون الخليجي للشباب المبدعين والمميزين» للزميل عيسى نهاري المحرر السياسي.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، فاز مراسل «إندبندنت عربية» في تونس، حمادي معمري، بجائزة «لينا بن مهني لحرية التعبير» التي ينظمها الاتحاد الأوروبي. وفي يناير (كانون الثاني) من العام ذاته حصلت الصحيفة على جائزة التميُّز الإعلامي بـ«المنتدى السعودي للإعلام»، في مسار «المادة الصحافية».

واختار نادي دبي للصحافة «إندبندنت عربية» عام 2022 أفضل منصة إخبارية عربية. وأعلن النادي، في العام الذي سبقه، فوز كل من زياد الفيفي في فئة الشباب، وكفاية أولير في فئة الصحافة الاقتصادية. كما فاز رئيس التحرير، عضوان الأحمري، بـ«جائزة المنتدى السعودي للإعلام» فئة «الصحافة السياسية» في عام 2019، الذي انطلقت فيه «إندبندنت عربية».


الذكاء الاصطناعي يدخل الحمّام... مراحيض تكشف أسرار جسمك يومياً

يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)
يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)
TT

الذكاء الاصطناعي يدخل الحمّام... مراحيض تكشف أسرار جسمك يومياً

يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)
يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة (بكسلز)

لم تعد متابعة الصحة تقتصر على الساعات الذكية أو التطبيقات الرياضية، إذ دخل الحمّام الآن إلى عالم التكنولوجيا عبر أجهزة مرحاض ذكية تعمل بالذكاء الاصطناعي لتحليل البول والبراز وتقديم مؤشرات صحية دقيقة.

ووفق تقرير لصحيفة «نيويورك بوست»، طرحت شركات تقنية عدة خلال العام الماضي، أجهزة ذكية تعمل بالذكاء الاصطناعي لتحليل البول والبراز، بهدف تقديم بيانات شخصية حول الترطيب، والتغذية، وصحة الأمعاء، وغيرها من المؤشرات الصحية.

ويقول سكوت هيكل، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Throne Science، إن هناك «كنزاً من المعلومات الصحية» في الفضلات يتم التخلص منه يومياً من دون الاستفادة منه.

مرحاض ذكي لمراقبة الصحة

ففي وقت أصبحت فيه الساعات الذكية والأجهزة القابلة للارتداء تراقب نبض القلب وجودة النوم والنشاط البدني، بقي الحمّام بعيداً عن هذا التطور... حتى الآن.

ويرى مطورو هذه الأجهزة أن مراقبة الفضلات مع مرور الوقت قد تكشف أنماطاً مرتبطة بالجفاف، وحساسيات الطعام، واضطرابات الهضم، بل قد تنبّه إلى أمراض مزمنة مثل السكري أو أمراض الكلى.

كما يأتي ذلك في ظل تزايد الاهتمام بصحة الأمعاء، مع إقبال متزايد على البروبيوتيك والأنظمة الغذائية الغنية بالألياف، إضافة إلى ارتفاع معدلات سرطان القولون والمستقيم بين الشباب، ما يعزز أهمية الانتباه المبكر لأي تغيرات في البراز.

أجهزة حديثة وأسعار مرتفعة

هذه الأجهزة المنزلية ليست رخيصة، إذ تتراوح أسعارها بين مئات الدولارات، وغالباً ما تتطلب اشتراكات شهرية أو سنوية. ومن أبرز النماذج المطروحة حالياً.

U-Scan من Withings

جهاز صغير يثبت داخل المرحاض ويجمع عينات البول لتحليلها عبر حساسات دقيقة. ويرسل النتائج إلى تطبيق خاص خلال دقائق، مع مؤشرات تتعلق بالترطيب، والتمثيل الغذائي، وحموضة البول، ومستويات بعض الفيتامينات.

ويقدم التطبيق نصائح لتحسين النتائج، مثل زيادة تناول الخضراوات والفواكه أو استخدام المكملات الغذائية.

ويبلغ سعر الجهاز بين 379 و449 دولاراً، بحسب خطة الاستخدام، مع اشتراك سنوي إضافي.

Throne من Throne Science

ويراقب هذا الجهاز البول والبراز معاً، إذ يستخدم ميكروفوناً لتحليل تدفق البول، وكاميرا موجهة نحو داخل المرحاض لمسح المحتوى، مع تأكيد الشركة أن الكاميرا لا تلتقط أي أجزاء من جسم المستخدم.

ويحلل التطبيق بيانات تتعلق بصحة الأمعاء، ومستوى الترطيب، وقوة تدفق البول، وعادات استخدام المرحاض، مثل مدة الجلوس واحتمالات الإمساك أو البواسير.

ويبلغ سعره 399.99 دولاراً، إضافة إلى اشتراك شهري بقيمة 6 دولارات.

Dekoda من Kohler Health

يحلل هذا الجهاز أيضاً البول والبراز، ويستخدم مستشعراً بصرياً لمسح محتوى المرحاض. ويمكنه رصد لون البراز، وشكله، وكثافته، وعدد مرات التبرز، حتى اكتشاف وجود دم، وهو ما قد يكون مؤشراً إلى مشكلات مثل البواسير أو أمراض التهاب الأمعاء.

كما يتابع البول من حيث اللون والصفاء وعدد مرات التبول لتقييم الترطيب.

ويبلغ سعر الجهاز 449 دولاراً، مع اشتراك يبدأ من 6.99 دولار شهرياً.

هل تستحق التجربة؟

تقول الشركات المطورة إن هذه الأجهزة تجذب فئتين رئيسيتين: الأشخاص المصابين بأمراض مزمنة ويرغبون في متابعة حالتهم بدقة، والمستهلكين المهتمين بالصحة والتقنية الباحثين عن تحسين نمط حياتهم من المنزل.

ويرى مختصون أن الفكرة قد تبدو غريبة للبعض، لكنها تمثل بداية مرحلة جديدة في الرعاية الصحية المنزلية، حيث يتحول الحمّام إلى محطة يومية لمراقبة الصحة والوقاية المبكرة.