محمود البريكان... حادثة مقتله جاءت لتكمل الأسطورة الشعرية الخاصة

مع ذكرى غيابه الـ21 في ظروف غامضة

محمود البريكان
محمود البريكان
TT

محمود البريكان... حادثة مقتله جاءت لتكمل الأسطورة الشعرية الخاصة

محمود البريكان
محمود البريكان

وُلد محمود داود البريكان (1931 - 2002) في مدينة البصرة، وتخرج في كلية الحقوق بجامعة بغداد. عمل مدرساً للغة العربية في ثانويات العراق والكويت، حتى أحيل إلى التقاعد.
وهو يعدّ من الشعراء الرواد في الشعر العربي إلى جانب السياب ونازك الملائكة وبلند الحيدري وعبد الوهاب البياتي. وكان السياب من أصدقاء البريكان المقربين؛ يتردد عليه دوماً ويقرأ كلٌ على الآخر قصائده الجديدة.
في عام 1951 كتب البريكان ملحمته الشعرية الطويلة «أعماق المدينة»... قرأها على السياب فأعجبته كثيراً، وبعد ذلك بثلاث سنين قال له السياب إنه استلهم منها قصيدته الطويلة «حفار القبور»، وقال في وصفها إنها قصيدة «بريكانية».
لكن البريكان عزف عن النشر بعدها، واختار عزلة طويلة انتهت بمقتله الغامض وهو في بيته عام 2002.

محمود البريكان. يلتمعُ الاسم بجلالٍ كلما تردد في أرجاء قاعة ثقافية ما في البصرة، أو حديث جانبي لشعراء بمقهى «الأدباء» في العشار؛ حيث لا يبعد بيته، الذي قضى فيه مقتولاً في حادثة سطو وفق الرواية الرسمية عام 2002، سوى دقائق معدودة بالسيارة. أستعيد الاسم اللامع وأنا أمر يومياً بحي «الجزائر»، وتُذكرني «هبات شباط» الباردة وأنا أقطع الشارع التجاري فيه بشباط باردٍ وحزين، قبل واحدٍ وعشرين عاماً، حيث مرت آخر الهبات الباردة على الجسد الذي انحسرت عنه الحياة في ليلة ليلاء. تتألق الاستعارة بين جسد غائب في حياته واسم متوهج في مماته.
استطاع البريكان أن يكون أسطورة أدبية حية في وسط ثقافي قاسٍ وظروف سياسية واجتماعية شديدة الالتباس، سقط في امتحانها كثيرون. غير أنه؛ ومع كل انعطافة تاريخية تعصف بالعراق، ظل محتفظاً بخصوصية اعتبارية فرضتها موهبته الفذة وطريقته الاستثنائية في إدارة تلك الموهبة. حتى جاءت حادثة مقتله لتكمل الأسطورة الشعرية الخاصة. كأنه يأبى إلا أن يظل مُفارقاً للجميع حتى وهو يغادر الحياة.
لقد بقي البريكان حراً في حياته وفي شعره. والمتأمل لقصيدته «عن الحرية» يلمس فهماً غير شائع وقتها عن مفهوم الحرية. حرية الفرد لا الجموع... المتخففة من مجد مصنوع وتاج مزيف.

«قدمتمو لي منزلاً مزخرفاً مريحاً
لقاء أغنية
تطابق الشروط
أوثر أن أبقى
على جوادي وأهيم من مهب ريح
إلى مهب ريح».

عبر شارع «الاستقلال»، وسط المدينة، وقرب مبنى الإعدادية المركزية (تأسست عام 1925) حيث درس البريكان فيها، جازت بنا؛ الشاعر طالب عبد العزيز وأنا، السيارة خاطفةً تنسحب عن جانبيها أضواء الواجهات التجارية. سألتُه عن أثر البريكان في الأجيال اللاحقة. قال: «إذا كانت فطرة وموهبة السياب الاستثنائية قد أكدته شاعراً كبيراً، فعقلية ووعي محمود البريكان بالشعر هي التي قدمته واحداً من القلائل الذين تتقدمهم وترهقهم أفكارهم في معنى الوجود الإنساني». وأضاف وهو يعدل من الصحيفة المطوية بين يديه: «وإذ تقدمت عذاباته مشروعه الشعري؛ فقد كمنت الخلاصات الكبرى في شعر البريكان لترينا ما لا يمكن العثور عليه». نحن إذن إزاء شاعر لم يفصح إلا عن القليل من وجوده بيننا، فقد ظل ذلك البدوي الذي لم يكشف عن روحه؛ ليقينه بأن الحياة لا تستكنه بالإفصاح عنها؛ إنما بقدرتنا على تأملها الأبدي».

تراث البريكان الشعري

لا يخلو جديد الإصدارات والدوريات الأدبية المختصة كل مدة من اسم البريكان. فقد ظل الرجل مثار اهتمام نقدي متزايد، ضاعفته قلة الأرشيف المتاح عن قصائد الشاعر ومقالاته وحواراته في الصحافة العراقية والعربية، وشح المعلومات عن حياته. صورهُ الفوتوغرافية نادرة. ليس لهُ لقاءٌ مصورٌ على «يوتيوب»، ولا له صوتٌ مسجل في إذاعة. ورغم الحضور الطاغي لاسم البريكان على المشهدين؛ الثقافي عامة، والشعري خاصة، فإنه لا يوجد كتاب واحد دوّن سيرته، ولم يُنتَج فيلم وثائقي واحد عن حياته المليئة بدراما يحلم بها أي مخرج سينمائي. كأن «البدوي الذي لم يرَ وجهه أحد» لم يمر على هذه الأرض ولم يره أحد حقاً. والحق أننا في العراق نفتقد العناية بالأرشيف، ولا نعنى بحفظ تراث كتابنا المؤسسين والرواد. وإلا؛ فما معنى أن يظل البريكان، وبعد مرور أكثر من عقدين على رحيله، من دون ديوان شامل يضم أعماله الشعرية كلها؟ ومن دون مجلد آخر يضم أثره النثري المجهول؟ ما سر عزوف أهل الاختصاص والمسؤولية؟ أين أصدقاؤه الذين كانوا يزورونه في معتزله؟ أين تلاميذه؟ أين المؤسسات الثقافية الرسمية ودور النشر؟ من المؤسف القول إننا جميعاً مقصرون بشكل فادح إزاء قامة مدت الشعر العراقي بنسيج خاص وفرادة لا تتكرر.
قبل شروعي في تحقيق أعمال السياب الشعرية (صدرت 2020)؛ كنت قد خططت عام 2014 لجمع أعمال البريكان؛ عرفاناً بقيمته الرفيعة وتأثيره على أجيال جاءت بعده. كما أن المشروع سيخدم تراثه الإنساني بحفظ نتاجه من الضياع، ويضعه، من ثم، بين يدي كل باحث ومحب لشعره داخل البلاد وخارجها. حلمت بأن يضم الكتاب ما لم يُنشر في حياة الشاعر من شعره. وقد شاع أن منزل الشاعر كان يضم دفاتر شعره غير المنشور. وقد انقسمت الأقاويل بين من أكد وجودها ليلة مقتله ثم اختفاءها لاحقاً، ومن قال إن البريكان ائتمن دفاتره لدى أحد البنوك.
لم أجد تشجيعاً ممن علم بالمشروع من الأدباء. بدا أنهم يدارون أسبابهم الحقيقية بمزاعم أن لا طائل من هذه الجهود، وأنني لن أجد استجابة من عائلة الشاعر. وهو ما حدث بالفعل. ظل سعيي الحثيث يصطدم بخيبات متلاحقة؛ إذ فشلت في الوصول لأحد من ورثته أو عائلته، رغم أن مدينة واحدة تجمعنا. وكنت كلما اقتربت من لقاء أحدهم، ينسحب فجأة، وتتلاشى الفرصة وتتبدد بغرابة غير مفهومة، رغم الاتصالات الودية التي تسبقها.

رسالة استثنائية

حدث بعد فترة أن حصلت على عنوان «فيسبوك» لعبد الله البريكان؛ شقيق الشاعر، والمقيم في السعودية. وبعد مدة من التواصل، بعثتُ برسالة تعريف وطرحت فكرة المشروع. وقد عرضت عليه أن يَصدر الكتاب بتحريره هو، وسأكتفي بتحقيق النصوص وتحريرها وتدقيقها من دون أي إشارة لاسمي. كنت أريد للكتاب أن يظهر بأي طريقة وأن تُفك الأحجية. لكنه للأسف اعتذر من دون أسباب تذكر. ثم جاء رحيله عن عالمنا قبل سنتين ليقضي على فرصة استثنائية في حفظ تراث الشاعر.
إن رسالة بعث بها عبد الله البريكان إلى الشاعر طالب عبد العزيز تكشف عن أي خسارة تكبدها محبو الشاعر برحيل شقيقه الذي يبدو أنه كان يحفظ شعره. وأترك للقراء جزءاً من الرسالة المهمة: «...إن مجموعة البدايات وحدها، وهي محفوظة عندي، ديوان (الرقص في المدافن)، تحتوي على مائة قصيدة، وتمثل تجربة الشاعر للفترة من عام 1945 إلى عام 1952، وكان الراحل يسميها فترة البدايات. أما الديوان الثاني (التشرد العظيم)، وهو أيضاً محفوظ عندي كاملاً، فيحتوي على أكثر من 80 قصيدة تمثل تجربة الشاعر للفترة من 1955 وحتى 1968. أما ديوانه (عوالم متداخلة)؛ فهو الديوان الأضخم والأحدث للشاعر ويمثل الفترة من 1969 إلى 1996. هذا إضافة إلى مجموعة شعرية خاصة بالأطفال، وأخرى خاصة بالشعر المنثور كتبها قبل أن يعرف القراء أدونيس وأنسي الحاج والماغوط... وغيرهم. هذه هي الآثار الشعرية الكاملة لمحمود البريكان! علماً بأن جميع قصائد الشاعر مؤرخة، وهذا ما قد يحتاجه الباحث والدارس والناقد عند دراسة تطور التجربة الشعرية عند هذا الشاعر الاستثنائي. والبريكان أول من كتب المطولات الشعرية في الشعر العربي الحديث؛ (المجاعة الصامتة) 1950، و(أعماق المدينة) 1951، إضافة إلى مطولة (القوة والأغلال) 1958 - دمشق، ومطولة (سقوط بغداد) 1970. هذه هي الآثار الشعرية الكاملة للراحل م.البريكان، وكلها محفوظة عندي...».
ولكن ما الذي منعَ شقيق البريكان من إسداء خدمة لأخيه الراحل بنشر أعماله الكاملة التي يبدو أن لا أحد يملك الآن أصولها كما كان يمتلكها هو؟ في الأقل لإنصافه تاريخياً في ريادة «الشعر المنثور» والمطولات الشعرية كما يقول. وأنا على اطلاع على محاولات أكثر من دار نشر للحصول على حقوق الكاتب منه - شخصياً حاولت مرتين - ولكن من دون جدوى حتى انتهت المحاولات كلها بوفاته للأسف.

دفاتر البريكان

ظل موضوع دفاتر البريكان الشعرية يشغلني؛ إذ إن قصائد البريكان المنشورة في حياته لن تعدّ «أعمالاً كاملة»؛ خصوصاً بعد رسالة شقيق البريكان. غير أن تحقيقي عنها كان يتشعب ويزداد غموضاً كلما توسع البحث. وما أكثر ما سمعت من إشاعات تشبه الحقائق أو حقائق تلبس لبوس الإشاعات. ومن أكثر قصص الدفاتر إثارة أنها أُخذت في أثناء التحقيق من جهات على صلة بالأدب، ويزعم البعض أنه شاهد نسخاً مصورة لتلك الدفاتر المفقودة. غير أن الأمر لا يعدو الأحاديث المتبادلة من دون أن يظهر من يزيل الغموض عن الوقائع.
تظل الجهاتُ الثقافية الحكومية مسؤولة عن إعادة الاعتبار لواحد من رموز الشعر العراقي الحديث والذي يستحق العناية بتراثه المنسي بما يحفظه للأجيال المقبلة ويضعه موضع القراءة والبحث والاهتمام.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«مهرجان عفت السينمائي» يُوسِّع التبادل الثقافي بـ2700 فيلم عالمي

الأميرة نورة بنت تركي الفيصل تتوسط الفائزين في المهرجان وضيوف الشرف ولجنة التحكيم (الشرق الأوسط)
الأميرة نورة بنت تركي الفيصل تتوسط الفائزين في المهرجان وضيوف الشرف ولجنة التحكيم (الشرق الأوسط)
TT

«مهرجان عفت السينمائي» يُوسِّع التبادل الثقافي بـ2700 فيلم عالمي

الأميرة نورة بنت تركي الفيصل تتوسط الفائزين في المهرجان وضيوف الشرف ولجنة التحكيم (الشرق الأوسط)
الأميرة نورة بنت تركي الفيصل تتوسط الفائزين في المهرجان وضيوف الشرف ولجنة التحكيم (الشرق الأوسط)

في مشهد يعكس تحوُّلاً يتجاوز حدود الشاشة، مثَّل ختام الدورة الثالثة عشرة من «مهرجان عفت السينمائي الدولي لأفلام الطلاب» تجسيداً حياً لمسار ثقافي تتشكل ملامحه في السعودية، حيث تتحول السينما من وسيلة عرض إلى لغة تعبير، ومن تجربة تعليمية إلى صناعة قائمة بذاتها.

على مدار ثلاثة أيام في جامعة عفت بمحافظة جدة (غرب السعودية)، تلاقت أصوات طلابية من مختلف أنحاء العالم، عبر أكثر من 2700 فيلم، بينها 70 عملاً سعودياً، في رقم يعكس تصاعد حضور المهرجان دولياً، ويؤكد في الوقت ذاته أن المشهد السينمائي المحلي بات جزءًا من حوار عالمي أوسع.

مع افتتاح المهرجان، وصفت الأميرة نورة بنت تركي الفيصل هذا الحراك بأنه مؤشر على «تحول نوعي» في وعي الجيل الجديد، وقدرته على التعبير عن قصصه برؤية تجمع بين الأصالة والطموح العالمي، في إشارة إلى أن السينما لم تعد نشاطاً فنياً فحسب، بل أداة لقراءة الذات وإعادة تقديمها.

هذا المعنى يتقاطع مع ما أكدته الدكتورة هيفاء جمل الليل، رئيسة الجامعة، التي رأت أن مخرجات الدورة الحالية تعكس نضجاً إبداعياً واضحاً، سواء في جودة الأعمال أو تنوع موضوعاتها، معتبرة أن ما يقدمه الطلبة اليوم يعكس بيئة تعليمية قادرة على احتضان الإبداع، وتحويله إلى ممارسة مهنية مرتبطة بسوق العمل وصناعة الإعلام.

من جانبه، يقرأ الدكتور محمد غزالة، رئيس مدرسة الفنون السينمائية، هذا التطور بوصفه نتيجة مباشرة لربط التعليم بالصناعة، مشيراً إلى أن المهرجان لم يعد منصة عرض فقط، بل مساحة نقدية وتطبيقية تتيح للطلاب اختبار أدواتهم، وتطوير لغتهم السينمائية، بعيدًا عن التصورات السطحية للنجومية.

جوائز تعكس تحولات الذائقة

في حفل الختام، عكست قائمة الفائزين ذلك التنوع، حيث حصد فيلم «ليلة الشهب» من إنتاج جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن جائزتي أفضل فيلم رسوم متحركة سعودي مُقدَّمة من «أكاديمية إم بي سي»، وأفضل فيلم عن الثقافة السعودية، فيما فاز «صرخة نملة» للمخرجة الجين سلام بجائزة أفضل فيلم سعودي، وحصل «من تراب» للمخرجة دانا القدهي على جائزة أفضل فيلم عن الثقافة السعودية.

كما فاز الطالب عبد الله القرني من جامعة الملك عبد العزيز بجائزة أفضل فيلم وثائقي سعودي عن «أثرنا خالد»، بينما حصد «انبعاث» للمخرج أحمد علي نجمة من جامعة الملك فيصل جائزة أفضل فيلم سعودي عن الثقافة السعودية.

وعلى المستوى الدولي، توزَّعت الجوائز بين نيبال وفرنسا، في دلالة على تنوع الخطاب السينمائي المشارك، واتساع دائرة التبادل الثقافي داخل المهرجان.

ربط التجربة بالجيل الجديد

في لفتة تعكس توجه المهرجان نحو ربط الطلاب بصنّاع التجربة، كرّم المهرجان الفنان المصري أحمد حلمي، ضيف شرف هذه الدورة، تقديراً لمسيرته، إلى جانب الفنان السعودي عبد المحسن النمر، وعدد من الخبراء الدوليين.

وفي قراءة للحراك الثقافي في المملكة، قال حلمي لـ«الشرق الأوسط» إن السينما تُمثِّل «عنصراً مهماً جداً في خلق الهوية أو عرض هوية موجودة»، معتبراً أن ما تشهده السعودية اليوم يأتي في توقيته الطبيعي.

وأضاف: «نحن الآن نقف في جامعة تدرس سينما وفنون، ويوجد بها طلاب يتعلمون، ومهرجان فيه أكثر من 2700 فيلم من أنحاء العالم... هذا نشاط كبير جداً، والقادم سيكون أكبر وعلى مستوى أعلى».

وعن اختياراته الفنية، أوضح أنه يبحث عن الأعمال التي تحمل تحدياً أو تُقدِّم جديداً، سواء في القصة أو الشخصية، مشيراً إلى أن ابتعاده عن الدراما التلفزيونية ليس قراراً نهائياً، بل انتظار لعمل مناسب يُنفذ بإتقان بعيداً عن ضغوط المواسم.

السينما... من التعليم إلى الصناعة

ورغم التحديات التي واجهت هذه الدورة، أكدت الدكتورة أسماء إبراهيم، عميدة كلية العمارة والتصميم والمدير الإداري للمهرجان، أن فرق العمل نجحت في الحفاظ على مستوى الجودة، بما يعكس مرونة تنظيمية تعزز استمرارية هذا الحدث.

ويعكس مهرجان عفت السينمائي مؤشراً على تحول أوسع، حيث تتقاطع المؤسسات التعليمية مع الصناعة، ويتحوّل الطلاب من متلقين إلى صُنَّاع محتوى.


حسين فهمي يُعلن عن شراكة إعلامية بين «القاهرة السينمائي» والصين

حسين فهمي وفان ليو نائب «مجموعة الصين للإعلام» (مهرجان القاهرة السينمائي)
حسين فهمي وفان ليو نائب «مجموعة الصين للإعلام» (مهرجان القاهرة السينمائي)
TT

حسين فهمي يُعلن عن شراكة إعلامية بين «القاهرة السينمائي» والصين

حسين فهمي وفان ليو نائب «مجموعة الصين للإعلام» (مهرجان القاهرة السينمائي)
حسين فهمي وفان ليو نائب «مجموعة الصين للإعلام» (مهرجان القاهرة السينمائي)

أعلن الفنان المصري حسين فهمي، رئيس «مهرجان القاهرة السينمائي»، عن شراكة إعلامية موسعة مع «مجموعة الصين للإعلام» (CMG). وجاء ذلك خلال وجوده حالياً في الصين؛ حيث التقى فان يون، نائب رئيس التحرير في المجموعة، لبحث أطر شراكة إعلامية تضمن تغطية الدورة السابعة والأربعين من المهرجان، المقرَّر إقامتها في الفترة من 11 إلى 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

وأشار فهمي إلى أهمية هذه الخطوة، مؤكداً أن الإعلام يُمثّل الجناح الآخر لنجاح أي حدث ثقافي، وأن مهرجان القاهرة يحرص على تجاوز الحدود الجغرافية.

وقال في بيان، الخميس، إن العمل مع «مجموعة الصين للإعلام» يوفر منصة استثنائية لنقل رسالة المهرجان وأجوائه إلي ملايين المشاهدين بالقارة الآسيوية، فيما قال فان يون إن القاهرة السينمائي يحظى بمكانة تاريخية، متطلعاً لبناء شراكة قوية تتيح للجمهور الصيني التعرف عن قرب على المشهد الفني العربي.

وتجاوز حسين فهمي شائعات انطلقت حول استبعاده من رئاسة «مهرجان القاهرة السينمائي»، وترشيح فنان آخر لرئاسة الدورة المقبلة، وكانت وزارة الثقافة المصرية (الجهة المنظمة للمهرجان) قد أعلنت في تصريحات صحافية للوزيرة الدكتورة جيهان زكي عدم صحة هذه الشائعات، وأكدت تجديد الثقة في الفنان حسين فهمي، رئيس «مهرجان القاهرة السينمائي الدولي»، الذي التقته قبل سفره لتصوير فيلم سينمائي بالصين، وناقشت معه خطط تطوير المهرجان بما يُعزز مكانته بوصفه أحد أبرز المهرجانات السينمائية.

فهمي خلال لقائه وزيرة الثقافة (وزارة الثقافة)

وأثارت هذه الشائعات قدراً من البلبلة في الأوساط الصحافية، لكنها لم تؤثر على المهرجان؛ حيث يجري العمل بشكل طبيعي استعداداً للدورة المقبلة. وأكد الناقد محمد طارق، المدير الفني لـ«مهرجان القاهرة السينمائي الدولي» لـ«الشرق الأوسط» أن العمل يتم وفق الخطط التي جرى وضعها لتنفيذ المهام المختلفة؛ حيث تقوم لجان المشاهدة بعملها منذ بداية العام، كما تعقد اجتماعات فريق البرمجة بشكل دائم، ويتابع الفنان حسين فهمي، رئيس المهرجان خلال سفره كل كبيرة وصغيرة تتعلق بما يتم إنجازه يومياً.

وأضاف طارق أن الخبر الذي نشره أحد المواقع لا أساس له من الصحة، وأرى أن أكبر نفي له صدر من الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة، مبدياً ضيقه ممن يحاولون إثارة البلبلة بنشر شائعات لا أساس لها من الصحة.

حسين فهمي والمخرجة الصينية شيو وي خلال تصوير الفيلم (حسابه على «فيسبوك»)

في السياق؛ يواصل الفنان حسين فهمي تصوير الفيلم الصيني «The Story I Found In China» أو «القصة التي عثرت عليها في الصين»، وهو فيلم يجمع بين الوقائع الحقيقية والأداء التمثيلي، ويجري تصويره بعدة مدن صينية، من بينها، بكين، وهانغتشو، وسوتشو، ويطرح الفيلم نظرة مختلفة عن الثقافة الصينية من خلال تجارب البطل التي يمر بها في رحلته بين المدن، وهو من إخراج شيو وي، وإنتاج شبكة تلفزيون الصين الدولية.

وقال فهمي في تصريحات لشبكة «CGTN» العربية التي تصدر من الصين، إن «هذا الفيلم يُمثل تحدياً جديداً في مسيرته»، وعَدّه فرصة لتعزيز التبادل الثقافي بين مصر والصين، كاشفاً عن أنه يؤدي شخصية رجل من الشرق يروي قصصاً من «ألف ليلة وليلة»، معبراً عن سعادته بهذا العمل.


نقل مجموعة فريدا كاهلو الفنية إلى إسبانيا يثير احتجاجات في المكسيك

لوحة فريدا كاهلو الأخيرة «صورة شخصية نصفية» بعنوان «دييغو وأنا» بـ«دار سوذبيز» للمزادات في 2021 بنيويورك (أ.ف.ب)
لوحة فريدا كاهلو الأخيرة «صورة شخصية نصفية» بعنوان «دييغو وأنا» بـ«دار سوذبيز» للمزادات في 2021 بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

نقل مجموعة فريدا كاهلو الفنية إلى إسبانيا يثير احتجاجات في المكسيك

لوحة فريدا كاهلو الأخيرة «صورة شخصية نصفية» بعنوان «دييغو وأنا» بـ«دار سوذبيز» للمزادات في 2021 بنيويورك (أ.ف.ب)
لوحة فريدا كاهلو الأخيرة «صورة شخصية نصفية» بعنوان «دييغو وأنا» بـ«دار سوذبيز» للمزادات في 2021 بنيويورك (أ.ف.ب)

استقطبت مجموعة فنية مكسيكية عريقة من القرن العشرين، تضمّ كنزاً من لوحات الفنانة فريدا كاهلو، عشرات الآلاف من الزوار إلى متحف الفن الحديث في مكسيكو سيتي خلال الأسابيع الأخيرة. وتوافد حشود قياسية لمشاهدة نحو 70 قطعة من مجموعة جيلمان المرموقة، التي لم تُعرض في المكسيك منذ ما يقارب 20 عاماً. لكن بالنسبة للعديد من عشاق الفن، لا يُمثّل المعرض عزاءً يُذكر؛ ذلك لأنّ الأعمال الفنية مُقررٌ نقلها من المكسيك في يوليو (تموز)، حيث ستُشحن إلى إسبانيا بموجب اتفاقية بين مالكها المكسيكي، عائلة زامبرانو الصناعية البارزة، وبنك سانتاندير الإسباني، الذي سيتولى إدارة المجموعة خلال فترة وجودها في الخارج.

لوحة فريدا كاهلو الأخيرة «صورة شخصية نصفية» بعنوان «دييغو وأنا» بـ«دار سوذبيز» للمزادات في 2021 بنيويورك (أ.ف.ب)

وأثار اتفاق نقل المجموعة الفنية، التي جمعها في الأصل جاك وناتاشا غيلمان، وهما زوجان مهاجران من أوروبا الشرقية يتمتعان بشهرة واسعة، غضب النخبة الثقافية في المكسيك. ويقولون إن هذا الاتفاق يحرم المكسيكيين من كنز فني ثمين، ويخالف قوانين التراث الثقافي التي تمنع خروج الأعمال الفنية المهمة من البلاد على المدى الطويل. ووقّع نحو 380 أكاديمياً وفناناً وشخصية ثقافية أخرى رسالة نُشرت على موقع «دي موسيوس» الفني المكسيكي في مارس (آذار)، مطالبين حكومة الرئيسة كلوديا شينباوم بتوضيح أسباب السماح لهذه الأعمال بمغادرة البلاد. وفي رسالة منفصلة، ​​دعوا المتاحف في النرويج وسويسرا وألمانيا، التي تستضيف معارض قادمة لأعمال فريدا كاهلو، إلى «التضامن» في الدفاع عن حقوق المكسيكيين. وكتبت المجموعة في الرسالة الثانية، المنشورة على منصة «إي-فلوكس» الفنية: «لقد حُرم جيل كامل في المكسيك من الحضور الدائم الذي كان يطمح إليه المالكون الأصليون لهذه المجموعة».

وفي إطار الاتفاقية المبرمة بين بنك سانتاندير وعائلة زامبرانو من شمال المكسيك، ستُعرض الأعمال الفنية في متحف فارو سانتاندير، الواقع في شمال إسبانيا، والمقرر افتتاحه في يونيو (حزيران). وستُعرض إلى جانب أعمال فنية من مجموعة مؤسسة «سانتاندير» التي تضم نحو ألف قطعة. وقال مصدر مُقرّب من عائلة زامبرانو، طلب عدم الكشف عن اسمه لعدم تخويله بالتصريح علناً في هذا الشأن، إن قيمة مجموعة جيلمان تُقدّر بمئات الملايين من الدولارات. وأضاف المصدر أن قيمة التأمين عليها «أقل من مليار دولار». وتتمحور الاعتراضات على اتفاقية «سانتاندير» حول القواعد التي تهدف إلى الحفاظ على أعمال نحو عشرة فنانين مكسيكيين بارزين من القرنين التاسع عشر والعشرين داخل البلاد.

وقد أُعلن فن فريدا كاهلو «معلماً فنياً» عام 1984، ولا يُمكن لأي عمل من أعمالها الموجودة في المكسيك آنذاك أن يُغادر البلاد نهائياً، مع إمكانية إعارته لمؤسسة أجنبية لمدة تصل إلى عامين. ويمكن بيع الأعمال الفنية شريطة بقائها في المكسيك. ولسنوات ظل مصير المجموعة غامضاً إلى أن كشف بنك سانتاندير في يناير (كانون الثاني) أن عائلة زامبرانو قد اشترتها عام 2023.

ومن جانبه، قال جيراردو إسترادا، المدير العام السابق للمعهد الوطني للفنون الجميلة والآداب في المكسيك، إن خطة نقل مجموعة جيلمان إلى إسبانيا «مؤسفة للغاية». وأضاف أن تصريحات مسؤولين إسبان ومكسيكيين حول إمكانية بقاء المجموعة في إسبانيا لخمس أو عشر سنوات قد أثارت «شكوكاً وشائعات»، مفادها أن المجموعة قد لا تعود لسنوات عديدة. وأوضح إسترادا أن المجموعة أصبحت «أسطورة» بالنسبة للمكسيكيين؛ فهي «عزيزة عليهم جداً».

وفي الواقع، استقطب معرض «حكايات حديثة» في متحف الفن الحديث ما يقرب من 120 ألف زائر منذ افتتاحه في منتصف فبراير (شباط)، وفقاً لما ذكرته أليخاندرا دي لا باز، المديرة العامة الحالية للمعهد الوطني للفنون الجميلة والعمارة. وتشمل معالم الجذب لوحة زيتية على خشب مضغوط من عام 1943 للفنانة كاهلو بعنوان «صورة ذاتية (دييغو في ذهني)»، ولوحة «صورة ذاتية (مع قلادة)» من عام 1933، بالإضافة إلى أعمال دييغو ريفيرا، وخوسيه كليمنتي أوروزكو، وديفيد ألفارو سيكيروس، وغونتر جيرزو، وماريا إزكويردو، وجميعهم أعضاء رئيسيون في الحركة الحديثة.

* خدمة «نيويورك تايمز»