محمود البريكان... حادثة مقتله جاءت لتكمل الأسطورة الشعرية الخاصة

مع ذكرى غيابه الـ21 في ظروف غامضة

محمود البريكان
محمود البريكان
TT

محمود البريكان... حادثة مقتله جاءت لتكمل الأسطورة الشعرية الخاصة

محمود البريكان
محمود البريكان

وُلد محمود داود البريكان (1931 - 2002) في مدينة البصرة، وتخرج في كلية الحقوق بجامعة بغداد. عمل مدرساً للغة العربية في ثانويات العراق والكويت، حتى أحيل إلى التقاعد.
وهو يعدّ من الشعراء الرواد في الشعر العربي إلى جانب السياب ونازك الملائكة وبلند الحيدري وعبد الوهاب البياتي. وكان السياب من أصدقاء البريكان المقربين؛ يتردد عليه دوماً ويقرأ كلٌ على الآخر قصائده الجديدة.
في عام 1951 كتب البريكان ملحمته الشعرية الطويلة «أعماق المدينة»... قرأها على السياب فأعجبته كثيراً، وبعد ذلك بثلاث سنين قال له السياب إنه استلهم منها قصيدته الطويلة «حفار القبور»، وقال في وصفها إنها قصيدة «بريكانية».
لكن البريكان عزف عن النشر بعدها، واختار عزلة طويلة انتهت بمقتله الغامض وهو في بيته عام 2002.

محمود البريكان. يلتمعُ الاسم بجلالٍ كلما تردد في أرجاء قاعة ثقافية ما في البصرة، أو حديث جانبي لشعراء بمقهى «الأدباء» في العشار؛ حيث لا يبعد بيته، الذي قضى فيه مقتولاً في حادثة سطو وفق الرواية الرسمية عام 2002، سوى دقائق معدودة بالسيارة. أستعيد الاسم اللامع وأنا أمر يومياً بحي «الجزائر»، وتُذكرني «هبات شباط» الباردة وأنا أقطع الشارع التجاري فيه بشباط باردٍ وحزين، قبل واحدٍ وعشرين عاماً، حيث مرت آخر الهبات الباردة على الجسد الذي انحسرت عنه الحياة في ليلة ليلاء. تتألق الاستعارة بين جسد غائب في حياته واسم متوهج في مماته.
استطاع البريكان أن يكون أسطورة أدبية حية في وسط ثقافي قاسٍ وظروف سياسية واجتماعية شديدة الالتباس، سقط في امتحانها كثيرون. غير أنه؛ ومع كل انعطافة تاريخية تعصف بالعراق، ظل محتفظاً بخصوصية اعتبارية فرضتها موهبته الفذة وطريقته الاستثنائية في إدارة تلك الموهبة. حتى جاءت حادثة مقتله لتكمل الأسطورة الشعرية الخاصة. كأنه يأبى إلا أن يظل مُفارقاً للجميع حتى وهو يغادر الحياة.
لقد بقي البريكان حراً في حياته وفي شعره. والمتأمل لقصيدته «عن الحرية» يلمس فهماً غير شائع وقتها عن مفهوم الحرية. حرية الفرد لا الجموع... المتخففة من مجد مصنوع وتاج مزيف.

«قدمتمو لي منزلاً مزخرفاً مريحاً
لقاء أغنية
تطابق الشروط
أوثر أن أبقى
على جوادي وأهيم من مهب ريح
إلى مهب ريح».

عبر شارع «الاستقلال»، وسط المدينة، وقرب مبنى الإعدادية المركزية (تأسست عام 1925) حيث درس البريكان فيها، جازت بنا؛ الشاعر طالب عبد العزيز وأنا، السيارة خاطفةً تنسحب عن جانبيها أضواء الواجهات التجارية. سألتُه عن أثر البريكان في الأجيال اللاحقة. قال: «إذا كانت فطرة وموهبة السياب الاستثنائية قد أكدته شاعراً كبيراً، فعقلية ووعي محمود البريكان بالشعر هي التي قدمته واحداً من القلائل الذين تتقدمهم وترهقهم أفكارهم في معنى الوجود الإنساني». وأضاف وهو يعدل من الصحيفة المطوية بين يديه: «وإذ تقدمت عذاباته مشروعه الشعري؛ فقد كمنت الخلاصات الكبرى في شعر البريكان لترينا ما لا يمكن العثور عليه». نحن إذن إزاء شاعر لم يفصح إلا عن القليل من وجوده بيننا، فقد ظل ذلك البدوي الذي لم يكشف عن روحه؛ ليقينه بأن الحياة لا تستكنه بالإفصاح عنها؛ إنما بقدرتنا على تأملها الأبدي».

تراث البريكان الشعري

لا يخلو جديد الإصدارات والدوريات الأدبية المختصة كل مدة من اسم البريكان. فقد ظل الرجل مثار اهتمام نقدي متزايد، ضاعفته قلة الأرشيف المتاح عن قصائد الشاعر ومقالاته وحواراته في الصحافة العراقية والعربية، وشح المعلومات عن حياته. صورهُ الفوتوغرافية نادرة. ليس لهُ لقاءٌ مصورٌ على «يوتيوب»، ولا له صوتٌ مسجل في إذاعة. ورغم الحضور الطاغي لاسم البريكان على المشهدين؛ الثقافي عامة، والشعري خاصة، فإنه لا يوجد كتاب واحد دوّن سيرته، ولم يُنتَج فيلم وثائقي واحد عن حياته المليئة بدراما يحلم بها أي مخرج سينمائي. كأن «البدوي الذي لم يرَ وجهه أحد» لم يمر على هذه الأرض ولم يره أحد حقاً. والحق أننا في العراق نفتقد العناية بالأرشيف، ولا نعنى بحفظ تراث كتابنا المؤسسين والرواد. وإلا؛ فما معنى أن يظل البريكان، وبعد مرور أكثر من عقدين على رحيله، من دون ديوان شامل يضم أعماله الشعرية كلها؟ ومن دون مجلد آخر يضم أثره النثري المجهول؟ ما سر عزوف أهل الاختصاص والمسؤولية؟ أين أصدقاؤه الذين كانوا يزورونه في معتزله؟ أين تلاميذه؟ أين المؤسسات الثقافية الرسمية ودور النشر؟ من المؤسف القول إننا جميعاً مقصرون بشكل فادح إزاء قامة مدت الشعر العراقي بنسيج خاص وفرادة لا تتكرر.
قبل شروعي في تحقيق أعمال السياب الشعرية (صدرت 2020)؛ كنت قد خططت عام 2014 لجمع أعمال البريكان؛ عرفاناً بقيمته الرفيعة وتأثيره على أجيال جاءت بعده. كما أن المشروع سيخدم تراثه الإنساني بحفظ نتاجه من الضياع، ويضعه، من ثم، بين يدي كل باحث ومحب لشعره داخل البلاد وخارجها. حلمت بأن يضم الكتاب ما لم يُنشر في حياة الشاعر من شعره. وقد شاع أن منزل الشاعر كان يضم دفاتر شعره غير المنشور. وقد انقسمت الأقاويل بين من أكد وجودها ليلة مقتله ثم اختفاءها لاحقاً، ومن قال إن البريكان ائتمن دفاتره لدى أحد البنوك.
لم أجد تشجيعاً ممن علم بالمشروع من الأدباء. بدا أنهم يدارون أسبابهم الحقيقية بمزاعم أن لا طائل من هذه الجهود، وأنني لن أجد استجابة من عائلة الشاعر. وهو ما حدث بالفعل. ظل سعيي الحثيث يصطدم بخيبات متلاحقة؛ إذ فشلت في الوصول لأحد من ورثته أو عائلته، رغم أن مدينة واحدة تجمعنا. وكنت كلما اقتربت من لقاء أحدهم، ينسحب فجأة، وتتلاشى الفرصة وتتبدد بغرابة غير مفهومة، رغم الاتصالات الودية التي تسبقها.

رسالة استثنائية

حدث بعد فترة أن حصلت على عنوان «فيسبوك» لعبد الله البريكان؛ شقيق الشاعر، والمقيم في السعودية. وبعد مدة من التواصل، بعثتُ برسالة تعريف وطرحت فكرة المشروع. وقد عرضت عليه أن يَصدر الكتاب بتحريره هو، وسأكتفي بتحقيق النصوص وتحريرها وتدقيقها من دون أي إشارة لاسمي. كنت أريد للكتاب أن يظهر بأي طريقة وأن تُفك الأحجية. لكنه للأسف اعتذر من دون أسباب تذكر. ثم جاء رحيله عن عالمنا قبل سنتين ليقضي على فرصة استثنائية في حفظ تراث الشاعر.
إن رسالة بعث بها عبد الله البريكان إلى الشاعر طالب عبد العزيز تكشف عن أي خسارة تكبدها محبو الشاعر برحيل شقيقه الذي يبدو أنه كان يحفظ شعره. وأترك للقراء جزءاً من الرسالة المهمة: «...إن مجموعة البدايات وحدها، وهي محفوظة عندي، ديوان (الرقص في المدافن)، تحتوي على مائة قصيدة، وتمثل تجربة الشاعر للفترة من عام 1945 إلى عام 1952، وكان الراحل يسميها فترة البدايات. أما الديوان الثاني (التشرد العظيم)، وهو أيضاً محفوظ عندي كاملاً، فيحتوي على أكثر من 80 قصيدة تمثل تجربة الشاعر للفترة من 1955 وحتى 1968. أما ديوانه (عوالم متداخلة)؛ فهو الديوان الأضخم والأحدث للشاعر ويمثل الفترة من 1969 إلى 1996. هذا إضافة إلى مجموعة شعرية خاصة بالأطفال، وأخرى خاصة بالشعر المنثور كتبها قبل أن يعرف القراء أدونيس وأنسي الحاج والماغوط... وغيرهم. هذه هي الآثار الشعرية الكاملة لمحمود البريكان! علماً بأن جميع قصائد الشاعر مؤرخة، وهذا ما قد يحتاجه الباحث والدارس والناقد عند دراسة تطور التجربة الشعرية عند هذا الشاعر الاستثنائي. والبريكان أول من كتب المطولات الشعرية في الشعر العربي الحديث؛ (المجاعة الصامتة) 1950، و(أعماق المدينة) 1951، إضافة إلى مطولة (القوة والأغلال) 1958 - دمشق، ومطولة (سقوط بغداد) 1970. هذه هي الآثار الشعرية الكاملة للراحل م.البريكان، وكلها محفوظة عندي...».
ولكن ما الذي منعَ شقيق البريكان من إسداء خدمة لأخيه الراحل بنشر أعماله الكاملة التي يبدو أن لا أحد يملك الآن أصولها كما كان يمتلكها هو؟ في الأقل لإنصافه تاريخياً في ريادة «الشعر المنثور» والمطولات الشعرية كما يقول. وأنا على اطلاع على محاولات أكثر من دار نشر للحصول على حقوق الكاتب منه - شخصياً حاولت مرتين - ولكن من دون جدوى حتى انتهت المحاولات كلها بوفاته للأسف.

دفاتر البريكان

ظل موضوع دفاتر البريكان الشعرية يشغلني؛ إذ إن قصائد البريكان المنشورة في حياته لن تعدّ «أعمالاً كاملة»؛ خصوصاً بعد رسالة شقيق البريكان. غير أن تحقيقي عنها كان يتشعب ويزداد غموضاً كلما توسع البحث. وما أكثر ما سمعت من إشاعات تشبه الحقائق أو حقائق تلبس لبوس الإشاعات. ومن أكثر قصص الدفاتر إثارة أنها أُخذت في أثناء التحقيق من جهات على صلة بالأدب، ويزعم البعض أنه شاهد نسخاً مصورة لتلك الدفاتر المفقودة. غير أن الأمر لا يعدو الأحاديث المتبادلة من دون أن يظهر من يزيل الغموض عن الوقائع.
تظل الجهاتُ الثقافية الحكومية مسؤولة عن إعادة الاعتبار لواحد من رموز الشعر العراقي الحديث والذي يستحق العناية بتراثه المنسي بما يحفظه للأجيال المقبلة ويضعه موضع القراءة والبحث والاهتمام.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«أجمل عملة بريطانية» تُباع بـ110 آلاف جنيه إسترليني

الجمال القديم لا يبهت (روجرز جونز وشركاه)
الجمال القديم لا يبهت (روجرز جونز وشركاه)
TT

«أجمل عملة بريطانية» تُباع بـ110 آلاف جنيه إسترليني

الجمال القديم لا يبهت (روجرز جونز وشركاه)
الجمال القديم لا يبهت (روجرز جونز وشركاه)

في مزاد علني استقطب اهتمام هواة جمع العملات، بيعت قطعة نادرة وُصفت بأنها «أجمل عملة بريطانية» مقابل 110 آلاف جنيه إسترليني، وفق ما أوردته «بي بي سي ويلز».

والعملة، المعروفة باسم «أونا والأسد»، هي قطعة ذهبية من فئة 5 جنيهات، ظهرت ضمن مجموعة خاصة عُثر عليها خلال تقييم تركة في منزل يقع بالقرب من بانغور، في مقاطعة غوينيد البريطانية، لتتحوَّل إلى أحد أبرز المعروضات النادرة التي لفتت أنظار المزايدين.

ولم تدخل هذه العملة التداول العام، إذ لم يُنتج منها سوى أقل من 300 قطعة عام 1839، احتفاءً ببداية عهد الملكة فيكتوريا. وتحمل تصميماً يُجسّد الملكة في هيئة شخصية خيالية من قصيدة تعود إلى القرن الـ16 تقود أسداً، علماً بأنّ الرقم القياسي لبيع عملة من هذا الطراز بلغ 340 ألف جنيه إسترليني.

وقالت دار المزادات «روجرز جونز وشركاه» إنّ هذه العملة «تُعد على نطاق واسع أجمل عملة بريطانية سُكّت على الإطلاق، ومن بين الأكثر قيمة في العالم، نظراً إلى ندرتها الشديدة، وبراعتها الفنّية الاستثنائية، ودلالتها الثقافية العميقة».

ما نَدُر وجوده يزداد حضوراً (روجرز جونز وشركاه)

وصمم العملة كبير المصممين في دار السكّ الملكية خلال معظم القرن الـ19 ويليام وايون، وتُعدّ ذروة إنجازه الفنّي. كما تمثّل هذه القطعة المرة الأولى التي يُصوَّر فيها ملك بريطاني على عملة في هيئة شخصية خيالية.

وقد صوّر وايون الملكة فيكتوريا، التي اعتلت العرش عام 1837 وظلَّت تحكم حتى وفاتها عام 1901. في هيئة «الليدي أونا» من قصيدة «ملكة الجن» التي كتبها إدموند سبنسر عام 1590. بوصفها رمزاً للحقيقة والنقاء.

ويُظهر التصميم الملكة وهي تقود أسداً، في إشارة إلى اتّزانها وقوة الأمة البريطانية تحت قيادتها.

وأشارت دار المزادات إلى أنّ المزج بين الأدب والفنّ والتاريخ الملكي جعل من هذه العملة «الكأس المقدسة» لهواة جمع العملات.

وقال مدير المزاد تشارلز هامبشير، الذي أشرف على عملية البيع في مدينة تشيستر، قُبيل المزاد: «إن الندرة الأصلية لهذه العملات تعني أنها نادراً ما تُعرض في المزادات، لذا نتوقَّع اهتماماً واسعاً من مختلف أنحاء العالم».

كما أعد مستشار مستقلّ وعضو في الجمعية البريطانية لتجارة العملات تقريراً عن حالة القطعة، وصفها فيه بأنها تتمتّع «بمظهر بارز جيد»، مع «آثار خدوش دقيقة وعلامات تداول خفيفة على سطحها».


13 دقيقة تحبس الأنفاس... عودة «أرتميس 2» من أطول رحلة حول القمر

في الطريق إلى الأرض تختبر القلوب صبرها (ناسا)
في الطريق إلى الأرض تختبر القلوب صبرها (ناسا)
TT

13 دقيقة تحبس الأنفاس... عودة «أرتميس 2» من أطول رحلة حول القمر

في الطريق إلى الأرض تختبر القلوب صبرها (ناسا)
في الطريق إلى الأرض تختبر القلوب صبرها (ناسا)

بعد رحلة حول القمر حبست أنفاس ملايين المتابعين حول العالم، تُرتقب عودة رواد بعثة «أرتميس 2» إلى الغلاف الجوّي للأرض، والهبوط مساء الجمعة قبالة سواحل كاليفورنيا.

وقال نائب رئيس وكالة «ناسا»، أميت كشاتريا، في مؤتمر صحافي الخميس: «يمكننا أن نبدأ الاحتفال عندما يكون الطاقم بأمان» بعد هبوطه في مياه المحيط الهادئ.

العودة ليست نهاية... إنها بداية أخرى (ناسا)

وأضاف: «في تلك اللحظة بالذات، يمكننا أن ندع العواطف تسيطر علينا ونبدأ الحديث عن النجاح».

وبعدما قطعت مركبة «أوريون» مسافة تزيد على 406 آلاف كيلومتر بعيداً عن الأرض، مُحطِّمةً الرقم القياسي البالغ 400 ألف و171 كيلومتراً الذي حقّقته «أبولو 13»، من المقرَّر أن تهبط قبالة سان دييغو نحو الساعة 17:07 بالتوقيت المحلي (00:07 بتوقيت غرينتش السبت).

وبهذا الهبوط المتوقَّع في المحيط، تُختتم المَهمّة التي استغرقت 10 أيام، والتي سارت حتى الآن بسلاسة تامّة. وستمنح العودة الآمنة وكالة «ناسا» شعوراً بالارتياح لنجاحها في إرسال روّاد فضاء إلى أعماق الفضاء للمرّة الأولى منذ انتهاء برنامج «أبولو» عام 1972، بعد سنوات من التأخير.

ويتطلَّب هذا النجاح أن تتحمَّل الدرع الحرارية لـ«أوريون» درجة حرارة تصل إلى 2700 درجة مئوية، ناتجة عن الاحتكاك مع الغلاف الجوّي أثناء العودة.

ما بين السماء والماء لحظة لا تُنسى (ناسا)

«كرة نار»

وفي وقت سابق هذا الأسبوع، قال رائد الفضاء المشارك في البعثة فيكتور غلوفر إن «التحليق عبر الغلاف الجوّي مثل كرة نار»، مؤكداً أنه «سيكون تجربة مذهلة»، ومعترفاً بأنه يفكر في هذه اللحظة منذ اختياره ضمن الطاقم عام 2023.

ورغم حساسية هذه المرحلة عموماً بالنسبة إلى روّاد الفضاء العائدين من محطة الفضاء الدولية، فإنّ المخاوف تتزايد بشكل أكبر ارتباطاً بهذه البعثة، لكونها أول رحلة مأهولة لمركبة «أوريون»، في حين اكتُشفت مشكلة فيها خلال اختبار رحلة غير مأهولة عام 2022.

ووفق تقرير تقني، فقد أُتلفت الدرع الحرارية التي تحمي المركبة الفضائية «بطريقة غير متوقَّعة» عند عودتها إلى الأرض.

ورغم ذلك، قرَّرت وكالة «ناسا» الاستمرار في استخدام الدرع الحرارية ذاتها، مع تعديل المسار لاختيار زاوية دخول إلى الغلاف الجوّي أكثر مباشرة، على أن يحد ذلك من الارتداد الذي أسهم في عملية الإتلاف السابقة.

وقوبل هذا القرار بكثير من الانتقادات التي لا تزال تلاحق المسؤولين الكبار في «ناسا». وقال رئيسها جاريد آيساكمان في مقابلة أخيراً: «سأظلّ أفكر في الأمر بلا توقُّف إلى أن يصلوا إلى الماء».

في انتظار العودة التاريخية (ناسا)

من جانبه، قال نائبه: «من المستحيل أن أقول لكم إنه لا توجد مخاوف غير منطقية»، مؤكداً في الوقت عينه أنه لا توجد لديه مخاوف منطقية بشأن هذا الموضوع.

وبالاعتماد على الاختبارات والمحاكاة والنماذج العديدة التي جرى إعدادها وإجراؤها، يؤكد مسؤولو «ناسا» أنّ لديهم ثقة في حسابات مهندسيهم، ولديهم هامش أمان كافياً.

هدف سنة 2028

ومع ذلك، سيحبس الجميع أنفاسهم على مدى 13 دقيقة، بما فيها 6 دقائق من دون إمكانية الاتصال بالطاقم، تفصل بين دخول المركبة الفضائية إلى الغلاف الجوّي، حيث تصل سرعتها إلى 38 ألف كيلومتر في الساعة، وهبوطها في المحيط الهادئ، بعد إبطائها بواسطة سلسلة من المظلّات الصلبة.

ولهذه المناسبة، ستكون عائلات روّاد الفضاء موجودة في مركز الفضاء التابع لـ«ناسا» في هيوستن، الذي يتولّى تنسيق المَهمّة.

الرحلة تنتهي... لكن الأثر تاريخي (ناسا)

وبكونها مَهمّة اختبارية في المقام الأول، تهدف «أرتميس 2» إلى تمكين وكالة «ناسا» من ضمان جاهزية أنظمتها لتمكين عودة الأميركيين إلى سطح القمر، من أجل إنشاء قاعدة قمرية والتحضير لمَهمّات مستقبلية إلى المريخ.

وتطمح «ناسا» إلى تحقيق أول هبوط على سطح القمر عام 2028، أيّ قبل نهاية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب، وقبل الموعد الذي حدّده منافسوها الصينيون للهبوط على سطح القمر عام 2030.

وإنما الخبراء يتوقّعون مزيداً من التأخير، خصوصاً أنّ مركبات الهبوط على سطح القمر لا تزال قيد التطوير من شركات المليارديرين إيلون ماسك وجيف بيزوس.

وفي الوقت عينه، تهدف هذه البعثة المأهولة الأولى لبرنامج كلَّف عشرات المليارات من الدولارات وواجه عدداً من النكسات والتأخيرات، إلى إحياء شغف الأميركيين بالوصول إلى الفضاء.


حديقة حيوان طرابلس تفتح أبوابها بعد إغلاق لـ17 عاماً

ما يعود بعد طول غياب يحمل فرحة مختلفة (أ.ف.ب)
ما يعود بعد طول غياب يحمل فرحة مختلفة (أ.ف.ب)
TT

حديقة حيوان طرابلس تفتح أبوابها بعد إغلاق لـ17 عاماً

ما يعود بعد طول غياب يحمل فرحة مختلفة (أ.ف.ب)
ما يعود بعد طول غياب يحمل فرحة مختلفة (أ.ف.ب)

عادت أصوات الحيوانات لتصدح في حديقة طرابلس التي أعادت فتح أبوابها إثر إغلاق استمرَّ 17 عاماً، بعدما كادت أعمال عنف في العاصمة الليبية تهدّد هذا الموقع الذي فقد كثيراً من حيواناته في هجمات مُسلَّحة.

وأغلقت الحديقة أبوابها في عام 2009 لأعمال تحديث وتطوير كان يُفترض أن تمتدّ مدّة قصيرة، لكنها بقيت مغلقة حتى مارس (آذار) الماضي، بعدما حال النزاع الذي أطاح حكم معمّر القذافي في 2011، والانقسام والفوضى بعده، دون عودتها لتُشكّل متنفساً لسكان العاصمة.

ما كان مؤجلاً يجد لحظته أخيراً (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، تنقل «وكالة الصحافة الفرنسية» عن محمد أربيح (44 عاماً) الذي اصطحب أطفاله الثلاثة لزيارة الحديقة، قوله: «عندما سمعت بافتتاح الحديقة فرحت كثيراً، خصوصاً لأطفالي الذين لم يشاهدوا الحيوانات إلا عبر التلفزيون، وجاءت الفرصة لمشاهدتها بالعين».

ويضيف هذا الموظف الحكومي ضاحكاً: «ابنتي تسألني لماذا الأسد كبير الحجم هنا، وفي التلفزيون صغير؟»، قبل أن يتابع: «هذه الحديقة جاءت في وقتها، أصبح لدينا مكان للترويح عن الأطفال، وتجمّع يجعلنا نقضي وقتاً وفسحة غابت عن أذهاننا منذ نحو 20 عاماً».

أُنشئت حديقة الحيوان عام 1985، وأُغلقت للتحديث في 2009، وإنما الأعمال عُلّقت بسبب الأحداث الأمنية اللاحقة، قبل أن تطلق حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس عملية تطوير شاملة منذ منتصف العام الماضي، انتهت بإعادة افتتاحها في أول أيام عيد الفطر الشهر الماضي.

هنا تبدأ حكايات جديدة (أ.ف.ب)

وتضمَّنت أعمال إعادة تطوير الحديقة، المُقامة داخل غابة بمساحة تصل إلى 45 هكتاراً، تنفيذ أعمال مدنية، وصيانة دورات المياه، وإعادة تأهيل شبكات الكهرباء، وتطوير الأقفاص وبيوت الحيوانات، إضافة إلى توريد أكثر من 9 آلاف شجرة تمثّل 70 نوعاً.

ومن أصل 1100 حيوان كانت في الحديقة قبل إغلاقها، لم يعد الموقع يضمّ حالياً سوى نحو 700، وإنما الإدارة تقول إنها تحاول زيادة الأعداد من خلال عمليات شراء من الخارج.

وتضم الحديقة أنواعاً حيوانية عدّة، من بينها الدببة والأسود ونمور البنغال والمهار الأبيض، إضافة إلى الفنك والغزال نحيل القرون والضأن البربري المعروف بالودّان، على اسم المنطقة الواقعة في جنوب ليبيا.

وتؤكد إدارة الحديقة أنها تعتزم إضافة فيلة وزرافات ووحيد القرن.

بعض الأماكن تنتظر مَن يملأها من جديد (أ.ف.ب)

فيها «كلّ شيء»

وتقول إلين أربيح (12 عاماً): «أعجبتني الحديقة كلّها، فيها حيوانات كثيرة ومقاهٍ وكلّ شيء».

عقب سقوط حكم القذافي، سيطرت على الحديقة مجموعة مسلّحة هي «جهاز دعم الاستقرار» بقيادة عبد الغني الككلي، الذي كان متهماً بانتهاكات، منها الاتجار بالبشر والتهريب ومقتل سجناء تحت التعذيب وإقامة مقابر جماعية قرب الحديقة.

وعقب العملية العسكرية التي شنّتها حكومة الوحدة الوطنية ضد جهاز الككلي منتصف مايو (أيار) 2025، وانتهت بمقتله، جرت السيطرة على الحديقة التي كان يرفض تسليمها، متّخذاً إياها ومحيطها من المواقع مقرات لعناصره المسلّحين.

وطالت آثار المواجهات الحديقة؛ حيث دخل مسلّحون لم تُعرَف تبعيتهم، وقضوا على عشرات الحيوانات وسرقوا غيرها، بينها أصناف نادرة، وفق الإدارة.

وتناقلت حينها وسائل إعلام ومواقع التواصل الاجتماعي صوراً ومقاطع فيديو تُظهر مسلّحين يضعون بعض الغزلان في عربات دفع رباعي، وعدداً من الأسود النافقة وعلى جيفها آثار رصاص.

بين الأمس واليوم... مساحة من الفرح (أ.ف.ب)

نظرة مختلفة إلى الواقع

ووفق إدارة الحديقة، تسبَّبت النزاعات المسلّحة وحالة الانفلات الأمني في الأعوام الماضية في نفوق عدد من الحيوانات وسرقة بعضها. لكنها أكدت أنّ إعادة فتحها ترافقها خطة وانتشار أمني وفرق إسعاف وطوارئ.

ويرى عبد الله عون، وهو طيار ليبي، أنّ إعادة فتح الحديقة تشكّل فرصة للزوار لترك الانقسام وهموم السياسة خلفهم. وقال عون (62 عاماً) الذي جاء رفقة زوجته وأولاده الخمسة إنّ الحديقة «شيء جميل ولافت، ويمكن القول أصبح لدينا متنفَّس مع عائلاتنا لقضاء وقت للترفيه بعيداً عن ضجيج الأزمات والمشكلات الاقتصادية».

ويتابع: «الحديقة تُغيّر نظرتنا إلى واقع بلادنا بعيداً عن النظرة السوداوية، وتمنحنا مساحة تعارف وتقارب وتجاوُز للخلاف».